بسم الله الرحمن الرحيم
المنظور الشرعي للهندسة الوراثية
رسالة دكتوراة في الفقه المقارن والدراسات الإسلامية
تأليف: د. مفيد خالد عيد
المقدمة:
إن الحمد للّه نحمده، ونستعينه ونستغفره ونسترشده، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد اللّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين،، وبعد
فإن الباحثين والمتخصصين في دراسة صنعة الباري جل وعلا من بيولوجيين وبيوكيميائيين وفيزيائيين وفسيولوجيين وجيولوجيين وفلكيين وغيرِهم; كلَهم يشهد لصنعة الله عز وجل بالإتقان والجودة وحسن التدبير والإبداع، مؤمنَهم وكافرَهم، برَهم وفاجرَهم، قال تعالى: { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } ]النمل : 88 [، وقال جل شأنه: { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ } ]السجدة:7[، وما زال الباحثون يكشفون عن أسرار إبداع الصنعة الإلهية تباعا، إلا أنه كلما ظهرت لهم حقائقُ جديدة في خلق الله تبين أن ما يجهله الإنسان أكثر مما كان يظن.(1/1)
وأعجب من ذلك أن تشهد الصنعة لخالقها أنه الواحد الأحد الفرد الصمد بوحدة تركيبها وأسلوب تصنيعها، فالذرة – وهي من أصغر ما اكتشفه الإنسان- تتكون من بروتون موجب يدور حوله إلكترونات سالبة، ويشبه تركيب الذرة صنعة الكون العظيم، فالذي خلق الذرة وأبدعها هو من أبدع الكون كله الذي له نفس النظام في دوران الكواكب حول الشمس والنجوم، وكذلك تركيب الخلية الحية في جميع الكائنات الحية له نمط واحد في الإبداع والصنع، ففي داخلها نواة تتوسط السيتوبلازم وتصدر تعليماتها لسائر الخلية بالشيفرة الوراثية التي أودعها الله فيها لتحديد نوع تركيبة البروتين المطلوب تصنيعه . فمن خلق أصغر شيء في الوجود هو من خلق الكون كله، ومن خلق الكائناتِ دقيقَها وجليلَها التي تعيش على الأرض أو في باطنها هو من خلق لها الشمس والهواء والماء، فلما كان الله الواحد الأحد المتفرد بالصنعة والإبداع والإتقان على الوجه الذي لا يكاد البشر فهمه أو إدراك منتهى ضبطه كان حريا بالعقلاء والحكماء الحفاظ على هذه الصنعة على الوجه الذي خلقها الله عليه، قال سبحانه وتعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } ]الروم:30 [ وأما ما لحق المخلوقات من الفساد والتلف فإنما ذلك بما كسبت أيدي الناس من المعاصي والذنوب ومخالفة أمر الله ، فينبغي العمل على إعادته إلى أصل خلقته الأولى مع العودة إلى طاعة الله عز وجل وتجنب الذنوب والمعاصي، قال تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ]الروم:41 [.(1/2)
ولما كان الله مالكَ هذا الكون وخالقَه ومدبرَ شؤونه فما ينبغي لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخالف أمر الله عز وجل في صنعته، بل ينفذ شرع الله في مخلوقاته على الوجه الذي يحبه ربنا ويرضاه.
ولقد تقدم العلم التقني المعاصر تقدماً مذهلاً في علم الهندسة الوراثية بعد أن استطاع الإنسان إعادة تركيب المادة الوراثية المخزنة على الشبكة النووية للخلية الحية، حتى أصبح يطلق على القرن الحادي والعشرين عصر تطبيقات الهندسة الوراثية.
فامتلاك تقنية التعديل الوراثي فتح آفاقاً كبيرة للتدخل البشري في الصفات الوراثية للكائنات الحية، وهو أمر محير في مدى مشروعيته سواء في الخلايا البشرية أو الحيوانية أو النباتية لكثرة الاحتمالات الإيجابية والسلبية الناجمة عنه.
الدراسات السابقة:
بالبحث في الدراسات السابقة التي تناولت الهندسة الوراثية من منظور الشريعة تبين أنه يمكن تقسيمها إلى قسمين كما يلي:
أولا: دراسات للمتخصصين في الشريعة: وهي قليلة ونادرة ويصعب الحصول عليها في المكتبات إلا لدى مكتبات مراكز البحوث والمنظمات الإسلامية الطبية ومجامع الفقه والبحوث الإسلامية الرسمية.(1/3)
1-الاستنساخ بين الإسلام والمسيحية : مقالات وأبحاث ومقابلات لكبار رجال الدين والمفكرين والباحثين من مختلف الأديان والمذاهب، إعداد مركز الدراسات والأبحاث الإسلامية والمسيحية. جعل الكتاب في ثلاثة فصول، الفصل الأول : مقالات حول الاستنساخ، ذكر فيه أربعا وعشرين مقالا لباحثين ومفكرين من مختلف الأديان والمذاهب حول الاستنساخ. والفصل الثاني: مقابلات حول الاستنساخ: ذكر فيه سبع مقابلات لباحثين ومفكرين من مختلف الأديان والمذاهب. والفصل الثالث: أبحاث ومواقف حول الاستنساخ. ذكر فيه أربع عشرة مقالا وثلاث عشرة موقفا للباحثين والمفكرين. جمع الكتاب آراء لمفكرين معظمها سلبي تجاه الاستنساخ خلا الشيعة، ويتوهم البعض أن الاستنساخ البشري منحصر في الاستنساخ الكامل للبشر، وهو ما يذهب جمهور المفكرين إلى تجريمه.
2-الاستنساخ جدل العلم والدين والأخلاق: الإشراف العلمي للدكتور هاني رزق، وإعداد وتحرير عبد الواحد علواني، مقالات متعددة، جعلها في ثمانية فصول: الفصل الأول: بيولوجيا الاستنساخ- د/ هاني رزق، والفصل الثاني: الاستنساخ والدين - حسين فضل الله، والفصل الثالث: جوانب الاستنساخ الإنسانية والأخلاقية - فرانسو مخ (معاون أبو ونائب بطريرك دمشق)، والفصل الرابع: الاستنساخ، الجوانب الإنسانية والأخلاقية والدينية – د/وهبة الزحيلي (رئيس قسم الفقه في جامعة دمشق)، والفصل الخامس: الاستنساخ والأخلاق- د/عادل العوا (أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق)، والفصل السادس: الاستنساخ جدل العلم والدين والأخلاق – عبد الواحد علواني (باحث تربوي)، والفصل السابع: الاستنساخ – مناهج ومواقف إنسانية – عدنان سبيعي (مشرف على الدراسات النفسية)، والفصل الثامن: الاستنساخ والإنسان – محمد عدنان سالم (نائب رئيس اتحاد الناشرين العرب). ثم جعل ملحقا ذكر فيه ثلاث مناقشات:(1/4)
المناقشة الأولى: لمجموعة المراجعة العلمية والأخلاقية حول قضية الاستنساخ في جنيف 35نيسان / إبريل 1997م : وهو برنامج مشترك بين منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي وصندوق الأمم المتحدة للسكان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ للبحث والتطوير والتدريب على البحوث في مجال الإنجاب البشري. وجاء في بيانهم :(وأبدى المجتمعون أسفهم للأسلوب الذي انتهجته وسائل الإعلام في التركيز على روايات من قبيل الخيال العلمي حول الاستنساخ البشري، والتأكيد على تداعيات مبدأ "اختيار أسوأ الحالات "، فقد أدى ذلك إلى نشر الخوف والجهل بين عامة الجمهور، وحدا بالمشرعين وراسمي السياسات إلى التصرف انطلاقا من الهلع الأخلاقي دونما ترو ولا تدبر. ومن هنا نشأت الحاجة الماسة إلى عرض القضايا بطريقة واضحة ومفهومة، غير أن هذا الجهد يتطلب انتهاج أسلوب تشارك فيه مختلف التخصصات، بما في ذلك علماء البيولوجيا والاجتماع والمحامون وعلماء الأخلاق والمحللون السياسيون وسواهم من أهل الدراية في الموضوع) (1) .
المناقشة الثانية: للندوة الفقهية الطبية التاسعة (رؤية إسلامية لبعض المشاكل الطبية) المنعقدة في الدار البيضاء في الفترة من 14-17 يونيو1997م وخرجت الندوة بالتوصيات التالية:
أولاً: تجريم كل الحالات التي يقحم فيها طرف ثالث على العلاقة الزوجية سواء أكان رحماً أم بويضة أم حيواناً أم خلية جسدية للاستنساخ.
ثانياً: منع الاستنساخ البشري العادي، فإن ظهرت مستقبلاً حالات استثنائية عرضت لبيان حكمها الشرعي من جهة الجواز أو المنع.
ثالثاً: مناشدة الدول سن التشريعات القانونية اللازمة لغلق الأبواب المباشرة وغير المباشرة أمام الجهات الأجنبية والمؤسسات البحثية والخبراء الأجانب؛ للحيلولة دون اتخاذ البلاد الإسلامية ميداناً لتجارب الاستنساخ البشري والترويج لها.
__________
(1) الاستنساخ – جدل العلم والدين والأخلاق ص 228.(1/5)
رابعاً: متابعة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وغيرها لموضوع الاستنساخ ومستجداته العلمية، وضبط مصطلحاته، وعقد الندوات واللقاءات اللازمة لبيان الأحكام الشرعية المتعلقة به.
خامساً: الدعوة إلى تشكيل لجان متخصصة في مجال الأخلاقيات الحياتية لاعتماد بروتوكولات الأبحاث في الدول الإسلامية، وإعداد وثيقة عن حقوق الجنين. (1)
المناقشة الثالثة: لمجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وأصدر قرارا بتحريم الاستنساخ البشري برقم 100/2/د10 في الدورة العاشرة المنعقدة بجدة في الفترة من 23 ـ 28 صفر 1418هـ ، 28يونيو – 3يوليو 1997م. (2)
قلت: لاشك أن كتاب الاستنساخ جدل العلم والدين والأخلاق قيم ومخدوم علميا إلا أنه محصور في مسألة الاستنساخ البشري، والأبحاث الشرعية فيه قليلة.
__________
(1) المصدر السابق ص 231.
(2) المصدر السابق ص 235.(1/6)
3-البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية: للدكتور سعد الدين مسعد هلالي/ كلية الشريعة/ جامعة الكويت: جعل الباحث كتابه في تمهيد وبابين، تكلم في التمهيد عن فقه البصمة الوراثية ، وفي الباب الأول تكلم عن الأحكام الشرعية للبصمة الوراثية ، وقسمها إلى أحكام تكليفية وتوصيفية ، فقال:(انتهينا في المبحث السابق إلى مشروعية الأخذ بالبصمة الوراثية والعمل بها اعتبارا بالبراءة أو الإباحة الأصلية) (1) ، ويقول:(والمقصود بالأحكام التوصيفية هنا: بيان تكييف البصمة الوراثية أو تصنيفها في محل الحكم الوضعي الشرعي، وكذلك بيان طبيعتها التي تجمع العنصر البشري والعنصر التقني، مع ما يترتب على ذلك من آثار) (2) ، ساق الباحث الأدلة من الكتاب والسنة والمعقول بإسهاب للتدليل على اعتبار علم البصمة الوراثية من العلوم الشرعية، وخرج عن الموضوع في اعتبار ممارسة البصمة الوراثية حرفة، حيث أسهب في الكلام عن الحرفة وتعريفها وأنواعها وتصنيفها في الكتاب والسنة والحكم التكليفي للاحتراف وحكم التحول من حرفة إلى حرفة (3) ، كما أسهب الباحث في سرد خلاف الفقهاء في استحباب التداوي (4) ، ثم في الباب الثاني تكلم عن العلائق الشرعية للبصمة الوراثية، وجعله فصلين، الفصل الأول منهما في المعاملات الشرعية التي مستها البصمة الوراثية والمتعلقة بتحقيق الهوية سواء بصفتها الذاتية أو بصفتها المرجعية، فيقول:(للبصمة الوراثية ثمرتان: أنها تحقق الهوية الشخصية بصفتها الخاصة، التي تميزها عن غيرها بحيث لا يشتبه معها أحد من البشر، ومن هذه الثمرة يمكن معرفة صاحب التلوثات الدموية أو المنوية أو اللعابية، وكذلك يمكن معرفة صاحب الأجزاء البشرية من نحو جلد وعظم وشعر.
__________
(1) البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية ص 112.
(2) المصدر السابق ص 211.
(3) انظر: البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية من ص141-149.
(4) انظر: المصدر السابق ص150-162.(1/7)
والثمرة الثانية للبصمة الوراثية: أنها تحقق الهوية الشخصية بصفاتها المشتركة مع الأصول التي انحدرت منها، والفروع التي انبثقت منها، ومن هذه الثمرة يمكن معرفة الوالدات والوالدين وأولادهم) (1) ، وتكلم عن المفقود ومن في حكمه والآبق وقرائن الاتهام وثبوت النسب وابن الزنا ومجهول الهوية واللقيط وتصحيح النسب، وأسهب الباحث في الكلام عن التبني وتعريفه وتاريخه وحكمه في الإسلام وأدلة تحريمه من الكتاب والسنة والمعقول، ولا علاقة له بالبصمة الوراثية من قريب أو بعيد (2) . قلت: لو سمى الفصل القضايا أو المسائل الشرعية التي مستها البصمة الوراثية لكان أنسب من المعاملات الشرعية التي مستها البصمة الوراثية، وجعل الفصل الثاني في المعاملات الشرعية التي لم تمسها البصمة الوراثية، فتكلم عن إثبات الحدود الشرعية (كحد الزنا والقذف وشرب الخمر) فقال: (فإنها مع ذلك لم ترق لكي تكون دليلا قطعيا في إثبات الحدود الشرعية التي تعتمد في إثباتها على مشاهدة الفعل كالزنا والسرقة، وليس ذلك عيبا أو قصورا في البصمة الوراثية، إنما مرجعه إلى رحمة الله في تجريم الفعل المنهي عنه، حيث تنتفي صفة التجريم إذا تم الفعل تحت تأثير خطأ أو نسيان أو إكراه، أو تم الفعل تحت ظن الفاعل أن له حقا أو بعض حق بتأويل شرعي) (3) ، ويقول:(وعلى ذلك فللجريمة ركنان: مادي ومعنوي، وإذا أمكن للبصمة الوراثية أن تضبط الركن المادي فأنى لها بالركن المعنوي، وإن كانت مع ذلك تعد قرينة قوية ضد المتهم تؤخذ في الاعتبار) (4) ،
__________
(1) المصدر السابق ص 258.
(2) انظر: المصدر السابق ص 336-341.
(3) المصدر السابق ص 404.
(4) المصدر السابق ص 404..(1/8)
قلت: (والبينة الشرعية يعتريها ما يعتري البصمة الوراثية، فالشهود لا يطلعون على سريرة المجرم ولا الركن المعنوي للجريمة)، ثم ختم بمبحث (بعض ضوابط الرضاع المحرم كالنسب في الإسلام وموقف علم الوراثة منها)، فبعد أن فصّل الباحث أحكام الرضاع وخلاف الفقهاء في خمس وعشرين صفحة لم يربط الرضاع بعلم الوراثة إلا بالقول:(فإنني أناشد أهل الاختصاص، والمهتمين بتلك البحوث وفروعها كبحوث علم المناعة، أن يشمروا عن ساعد الجد لدراسة العلاقة بين لبن المرضعة وكميته، وبين الرضيع وسنه من جهة، وبين الرجل صاحب الماء والرضيع من جهة أخرى) (1) ، قلت: (لم أجد في كتب الوراثة رابطا بين لبن المرضع والعوامل الوراثية الجينية للرضيع في الحولين الأولين). البحث من إصدارات جامعة الكويت وغير متوفر إلا في مكتبة جامعة الكويت.
__________
(1) البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية ص 461.(1/9)
4- الجانب الفقهي والتشريعي للاستنساخ: للدكتور سعد الدين مسعد هلالي/ كلية الشريعة/ جامعة الكويت: جعل الباحث كتابه في تمهيد وبابين، فمهد لموقف الإسلام من الاستنساخ وتوصيات المؤتمرات والمجامع الفقهية بشأنه، وفي الباب الأول تكلم عن الجانب الفقهي للاستنساخ، فشرع في بيان ماهية الاستنساخ ثم تكلم عن التأصيل الفقهي للاستنساخ. فرع الباحث وخرج عن الموضوع، حيث جعل التأصيل الفقهي للاستنساخ في ثلاثة مباحث: التكاثر الخلقي وعلاج الطبيعة واكتشاف الطبيعة، وأسهب في خلاف الفقهاء في استحباب التداوي، وحرص على اعتبار العلوم الحياتية والطبيعية من العلوم الشرعية، وأن علومها تندرج تحت قوله تعالى: { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا] } طه:114[ (1) ، ولم أجد في المباحث الثلاثة تأصيلا للاستنساخ إلا في قوله: (مما سبق يتضح أن التكاثر سنة الله في خلقه، وإن اختلفت سبله وتنوعت طرقه في الطبيعة، غير أنه من باب التكريم الإنساني رسم الله عز وجل للإنسان سبيل التكاثر الذي يتفق وآدميته، ويجنبه شرور النزاع والوحشية، وذلك عن طريق التزاوج، وجعله آية من آيات التكريم لبني آدم فقال جل شأنه: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] } الروم:21[، مع قوله سبحانه: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً] } الإسراء:70[، وإذا كان الاستنساخ تكاثرا بطريق أو بأخرى، فإنه يجري على وفق سنة الله تعالى وإرادته في خلقه -من باب حقيقة التكاثر – وإن بقيت صفته محل نظر) (2) .
__________
(1) انظر: البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية ص83-95.
(2) الجانب الفقهي والتشريعي للاستنساخ ص86.(1/10)
ثم جعل الباب الثاني في الجانب التشريعي للاستنساخ، يقول:(بعد أن تكلمت في الباب الأول عن الجانب الفقهي للاستنساخ من حيث بيان ماهيته، والوقوف على تأصيله، كان المناسب هنا أن نتناول الجانب التشريعي له، من حيث بيان حكمه التكليفي، وحقوق المستنسخ من الناحية الشرعية) (1) ، ويقول:) إن الولد المنسوخ ينسب شرعا لصاحب الخلية أبا، ولمن حملته وولدته أما. أما إذا كانت الخلية من الأم : فهي الأب والأم معا-إذا اعتبرنا العلاقة المائية- وأما إذا اعتبرنا العلاقة الزوجية أساسا في التنسيب – كما هو مذهب الجمهور– فالزوج هو الأب، وإن لم تكن له علاقة مائية بالمولود المستنسخ) (2) ، وهذا السياق فيه نظر، لأنه لا يمكن أن يكون مذهب الجمهور تنسيب المولود لأب لا علاقة له به بيولوجية من قريب أو بعيد، وأسهب الباحث في خلاف الفقهاء في تحديد العاقلة والنكاح بغير ولي والمستحقين للنفقة الشرعية والفراش غير الشرعي وحد الزاني المحصن وغير المحصن (3) ، الكتاب من إصدار المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت، وغير متوفر إلا في مكتبتها.
5- الندوات الفقهية الطبية: (4)
__________
(1) المصدر السابق ص97.
(2) المصدر السابق ص207.
(3) انظر: الجانب الفقهي والتشريعي للاستنساخ من ص172-201.
(4) انظر: قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي من الدورة الثانية حتى العاشرة تنسيق وتعليق د/عبد الستار أبوغدة.(1/11)
? ندوة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية التي عقدت في الكويت عام1983 م ، عن: "الإنجاب في ضوء الإسلام "، تعرضت فيها لاحتمالات إنجاز الاستنساخ البشري بعد أن نجح الاستنساخ في النعاج والنبات والضفادع والبحريات الصغيرة، وكانت التوصية التي اتخذت في هذا الصدد تنص على الآتي: "عدم التسرع في إبداء الحكم الشرعي في قضايا الاستنساخ بالنسبة للإنسان ، (على نحو ما أدت إليه التجارب في مجال الحيوان ) مع الدعوة إلى مواصلة دراسة هذه القضايا طبيا وشرعيا، مع جواز تطبيق تكنولوجيا التكاثر على مستوى الكائنات الدقيقة، باستخدام الحامض النووي المعاود للالتحام؛ لإنتاج مواد علاجية وفيرة".(1/12)
? الندوة الثالثة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت في الفترة 25-23 شعبان 1407هـ الموافق 18- 21 /4/ 1987 م "مصير البويضات الملقحة" جاء فيها: إن الوضع الأمثل هو أن لا يكون هناك فائض منها، وذلك بأن يستمر العلماء في أبحاثهم والاحتفاظ بالبويضات غير ملقحة مع إيجاد الأسلوب الذي يحفظ لها القدرة على التلقيح السوي فيما بعد، وتوصي الندوة ألا يعرض العلماء للتلقيح إلا العدد الذي لا يتسبب فائضا، فإذا روعي ذلك لم يحتج إلى البحث في مصير البويضات الزائدة. أما إذا حصل فائض فترى الأكثرية أن البويضات الملقحة ليس لها حرمة شرعية من أي نوع ولا احترام لها قبل أن تنغرس في جدار الرحم، وإنه لذلك لا يمتنع إعدامها بأي وسيلة. ويرى البعض أن هذه البويضة الملقحة هي أول أدوار الإنسان الذي كرمه الله تعالى وفيما بين إعدامها أو استعمالها في البحث العلمي أو تركها لشأنها للموت الطبيعي يبدو أن الاختيار الأخير أخفها حرمة إذ ليس فيه عدوان على الحياة. قلت: البويضة الملقحة التي يجري عليها الباحثون تطبيقات الهندسة الوراثية والتعديل الوراثي قد لا يكون لها حرمة بإتلافها، ولكن لها حرمة الخصوصية الشخصية والوراثية ونشأة النسب ومن الخطورة أن تقع في يد العابثين.(1/13)
? نظر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، لرابطة العالم الإسلامي، في دورته الخامسة عشرة المنعقدة في مكة المكرمة، التي بدأت يوم السبت 11 رجب 1419هـ الموافق 31 أكتوبر 1988م في موضوع استفادة المسلمين من علم الهندسة الوراثية التي تحتل اليوم مكانة مهمة في مجال العلوم، وتثار حول استخدامها أسئلة كثيرة، وقد تبين للمجلس أن محور علم الهندسة الوراثية هو التعرف على الجينات (المورثات) وعلى تركيبها، والتحكم فيها من خلال حذف بعضها ـ لمرض أو غيره ـ أو إضافتها، أو دمج بعضها مع بعض لتغيير الصفات الوراثية الخلقية. وبعد النظر والمدارسة والمناقشة قرر المجلس التأكيد على القرار الصادر عن مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، بشأن تحريم الاستنساخ برقم 100/2/د/10 في الدورة العاشرة المنعقدة بجدة في الفترة من 23 ـ 28 صفر 1418هـ، وجواز الاستفادة من علم الهندسة الوراثية في الوقاية من المرض أو علاجه، أو تخفيف ضرره بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر أكبر. كما يجوز استخدام أدوات علم الهندسة الوراثية ووسائله، في حقل الزراعة وتربية الحيوان، شريطة الأخذ بكل الاحتياطات لمنع حدوث أي ضرر ـ ولو على المدى البعيد ـ بالإنسان أو الحيوان أو البيئة. ويدعو المجلس الشركات والمصانع المنتجة للمواد الغذائية والطبية وغيرهما من المواد المستفادة من علم الهندسة الوراثية إلى البيان عن تركيب هذه المواد، ليتم التعامل والاستعمال عن بينة حذراً مما يضر أو يحرم شرعاً. ويوصي المجلس الأطباء وأصحاب المعامل والمختبرات بتقوى الله تعالى، واستشعار رقابته والبعد عن الإضرار بالفرد والمجتمع والبيئة.
? الندوة الفقهية الطبية التاسعة (رؤية إسلامية لبعض المشاكل الطبية) المنعقدة في الدار البيضاء في الفترة من 8- 11صفر 1418هـ ( 14-17 يونيو1997م) وخرجت الندوة بالتوصيات المتقدمة في الصفحتين 4-5.(1/14)
? مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من 23 إلى 28 صفر 1418هـ (الموافق 28 يونيو 3 يوليو 1997م) أصدر قرارا بتحريم الاستنساخ.
? الندوة الطبية الحادية عشرة في دولة الكويت وذلك بمشاركة مجمع الفقه الإسلامي بجدة والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالإسكندرية والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، وذلك في الفترة من 23 - 25 جمادى الآخرة 1419هـ الذي يوافق 13 - 15 من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1998م، وقد أسهم في أعمال الندوة جمع من كبار الفقهاء والأطباء والصيادلة واختصاصيي العلوم البيولوجية والعلماء من علوم إنسانية أخرى، وناقشت مبادئ عامة في الاستنساخ والجينوم البشري والهندسة الوراثية والبصمة الوراثية والإرشاد الوراثي (الإرشاد الجيني) والأمراض التي يجب أن يكون الاختبار الوراثي فيها إجباريا أو اختياريا. ورأت الندوة أنه ينبغي احترام حق كل شخص في أن يقرر ما إذا كان يريد أو لا يريد أن يحاط علما بنتائج أي فحص وراثي أو بعواقبه، وأن تحاط بالسرية الكاملة كافة التشخيصات الجينية المحفوظة أو المعدّة لأغراض البحث أو لأي غرض آخر، ولا يجوز أن يعرض أي شخص لأي شكل من أشكال التمييز القائم على صفاته الوراثية والذي يكون غرضه أو نتيجته النيل من حقوقه وحرياته الأساسية والمساس بكرامته، ولا يجوز لأي بحوث تتعلق بالمجين (الجينوم) البشري أو لأي من تطبيقات هذه البحوث ولا سيما في مجالات البيولوجيا وعلم الوراثة والطب أن يعلو على الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والكرامة الإنسانية لأي فرد أو مجموعة أفراد.(1/15)
وينبغي أن تدخل الدول الإسلامية مضمار الهندسة الوراثية بإنشاء مراكز للأبحاث في هذا المجال، تتطابق منطلقاتها مع الشريعة الإسلامية، وإدخال الهندسة الوراثية ضمن برامج التعليم في مراحله المختلفة مع زيادة الاهتمام بهذه المواضيع بالدراسات الجامعية والدراسات العليا، والاهتمام بزيادة الوعي بموضوع الهندسة الوراثية عن طريق وسائل الإعلام المحلية مع بيان الحكم الإسلامي في كل موضوع، وتكلف المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بمتابعة التطورات العلمية لهذا الموضوع وعقد ندوات مشابهة لاتخاذ التوصيات اللازمة.
? مجمع الفقهي الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة أصدر قرارا بتحريم الاستنساخ وتجريم فاعله، وذلك في دورته الخامسة عشرة، المنعقدة في شهر رجب 1419هـ الذي يوافق 31 أكتوبر 1998م، تأكيدا للقرار الصادر عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، بشأن الاستنساخ برقم 100/2/د/10 في الدورة العاشرة المنعقدة بجدة في الفترة من 23 ـ 28 صفر 1418هـ.
? رأت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية إبَّان ندوتها الحادية عشرة التي عقدت في دولة الكويت بتاريخ 23 / جمادى الآخرة 1419 هـ الموافق 13 / 10 / 1998 م عن موضوع الوراثة والهندسة الوراثية و الجينوم البشري والعلاج الجيني ـ أثناء تدارسها للبصمة الوراثية ـ أن تعقد حلقة نقاش تستكمل فيها ما بدأته من بحث هذا الموضوع وذلك بشكل موسع، مع تأصيل للجوانب المختلفة للبصمة الوراثية وأثرها في المنازعات المتعلقة بالنسب ومدى حجيتها في إثبات البنوة، وقد عقدت ندوة نقاشية بعنوان "مدى حجية استخدام البصمة الوراثية لإثبات البنوة" على مدار يومي الأربعاء والخميس 28 ، 29 /1/1421 هـ الموافق 3 ، 4 /5/2000 م بفندق الميريديان- قاعة الصالحية - الكويت.(1/16)
? نظر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقدة في مكة المكرمة، في الفترة من 19 ـ 23 شوال 1424هـ الموافق 13 ـ 17 ديسمبر (كانون الأول) 2003م في موضوع «الخلايا الجذعية»، وهي خلايا المنشأ التي يخلق منها الجنين، ولها القدرة في تشكيل مختلف أنواع خلايا جسم الإنسان. وقد تمكن العلماء حديثا من التعرف على هذه الخلايا وعزلها وتنميتها، وذلك بهدف العلاج وإجراء التجارب العلمية المختلفة، ومن ثم يمكن استخدامها في علاج بعض الأمراض. وبعد مناقشات مستفيضة اتخذ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي قراراً بجواز الحصول على الخلايا الجذعية وتنميتها بهدف العلاج أو لإجراء الأبحاث العلمية المباحة، إذا كان مصدرها مباحا، ولا يجوز الحصول على الخلايا الجذعية واستخدامها إذا كان مصدرها محرماً، علما بأن الخلايا الجذعية تستخدم في الاستنساخ.
? أصدر المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث قرارا 1/10 بتحريم الاستنساخ في دورته المنعقدة بدبلن في الفترة من 19- 26 ذي القعدة 1423هـ (الموافق 22- 26 يناير 2003 م) .
? مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21 ـ 26/10/1422هـ الذي يوافقه من 5 ـ 10/1/2002م، عرف البصمة الوراثية بأنها البُنية الجينية (نسبة إلى الجينات، أي المورثات) التي تدل على هوية كل إنسان بعينه، وأفادت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة، لتسهيل مهمة الطب الشرعي، ويمكن أخذها من أي خلية (بشرية) من الدم أو اللعاب أو المني أو البول أو غيره. والخطأ في البصمة الوراثية ليس واردًا ، وإنما الخطأ في الجهد البشري أو عوامل التلوث ونحو ذلك، وبناء على ما سبق تقرر ما يلي:(1/17)
أولاً: لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص، لخبر:(ادرؤوا الحدود بالشبهات) (1) ،
__________
(1) رواه أبوحنيفة في مسنده ( شرح مسند أبي حنيفة – حديث درء الحدود ص186) من طريق مقسم عن ابن عباس-رضي الله عنهما- مرفوعاً بلفظ: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ»، وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في السنن الكبرى (كتاب الحدود – باب ما جاء في درء الحدود 8/238) والدارقطني في سننه (كتاب الحدود والديات وغيره 3/84 ) عَنْ عَلِي-رضي الله عنه- مرفوعا بِلَفْظِ: "ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ"، قال البيهقي: فيه المختار ابن نافع، قال البخاري: وهو منكر الحديث. قال البخاري: وأصح ما فيه حديث سفيان الثوري عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "ادرءوا الحدود بالشبهات ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم"، وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ رضي الله عنهما أيضا موقوفا وروي منقطعا وموقوفا على عمر - رضي الله عنه - . قال ابن حجر: ورواه أبو محمد بن حزم في كتاب الإيصال من حديث عمر - رضي الله عنه - موقوفا عليه بإسناد صحيح . تلخيص الحبير(4/56) . وروى ابن أبي شيبة (كتاب الحدود – في درء الحدود بالشبهات 9/567) من طريق إبراهيم النخعي عن عمر -رضي الله عنه- بلفظ: «لأَنّ أعطل الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَهَا بِالشُّبُهَاتِ»، قال الشوكاني: وما في الباب وإن كان فيه المقال المعروف فقد شدَّ من عضده ما ذكرناه، فيصلح بعد ذلك للاحتجاج به على مشروعية درء الحدود بالشبهات المحتملة. نيل الأوطار (7/272)..وروى الترمذي في سننه (كتاب الحدود – باب ما جاء في درء الحدود 4/33) والحاكم في المستدرك (كتاب الحدود 4/384) والبيهقي في السنن الكبرى (كتاب الحدود – باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات 8/ 238) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- مرفوعا "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: قال النسائي: يزيد بن زياد الشامي متروك، قال ابن حجر: وفي إسناده يزيد بن زياد الدمشقي وهو ضعيف، قال فيه البخاري منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، ورواه وكيع عنه موقوفا، وهو أصح قاله الترمذي، وقد روي عن غير واحد من الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم قالوا ذلك، وقال البيهقي في السنن رواية وكيع أقرب إلى الصواب، قال: ورواه رشدين عن عقيل عن الزهري ورشدين ضعيف أيضا . تلخيص الحبير (4/56). قال المناوي : وبه يرد قول السخاوي طرقه كلها ضعيفة، نعم أطلق الذهبي على الحديث الضعف ولعل مراده المرفوع. (فيض القدير1 /228).(1/18)
وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة.
ثانيًا: إن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لا بد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولذلك لا بد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية.
ثالثًا: لا يجوز شرعًا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان.
رابعًا: لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة، لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم.
خامسًا: يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية:
أ ـ حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء، سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه.
ب ـ حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.
ج ـ حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين.
سادسًا: لا يجوز بيع الجينوم البشري لجنس أو لشعب أو لفرد لأي غرض، كما لا يجوز هبته لأي جهة، لما يترتب على بيعه أو هبته من مفاسد.
قلت: بعض السياق السابق يشعر تعارضا بين نصوص الشريعة وقطعيات البصمة الوراثية في إثبات النسب أو نفيه، وإنما يخشى الفتنة والقطيعة والتعريض بالأنساب في إجراء البصمة الوراثية، لا عدم شرعية إثباتها للنسب أو نفيه حقيقة.(1/19)
? صوَّت المجلس الأوروبي للشؤون الطبية في شهر فبراير من عام 1999م بالإجماع على تحريم ووقف تجارب واختبارات زراعة أعضاء الحيوانات المعدَّلة وراثياً في الإنسان, بعد نشر العديد من التقارير العلمية التي تفيد بأن الأنسجة الحيوانية لبعض الحيوانات (الخنزير بخاصة) تحتوي على فيروسات مندمجة مع المادة الوراثية, مما أثار مخاوف العلماء من انتقال هذه العوامل إلى الإنسان, وحدوث أوبئة عالمية تتعذر السيطرة عليها.
? تناول المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذا الموضوع في دورته السابعة عشرة بمكة المكرمة سنة 2003 م، وبعد استعراض الأبحاث المقدمة في الموضوع، واستعراض التوصيات الصادرة عن المنظمة الطبية قرر جواز الاستفادة من الخلايا الجذعية المأخوذة من الكبار البالغين بإذن خاص منهم، ومن دون البالغين بإذن خاص من أوليائهم، أو المأخوذة من المشيمة أو الحبل السري، أو المأخوذة من الجنين السقط سقطا تلقائيا غير مفتعل، أو كان سقوطه لسبب علاجي يجيزه الشرع، أوبإذن الوالدين أو المأخوذة من اللقائح الفائضة من مشاريع أطفال الأنابيب، بشرط أن يكون المني والبويضة لرجل وامرأة متزوجين. أما تبرع أجنبيين بالمني والبويضة فلا يجوز، حتى لو كان سيتم إهدار البويضة الملقحة بعد أخذ الخلايا الجذعية منها، أو من الاستنساخ العلاجي، بأخذ خلية جسدية من إنسان بالغ، واستخراج نواتها ودمجها في بويضة مفرغة من نواتها، بهدف الوصول إلى مرحلة البلاستولا، ثم الحصول منها على الخلايا الجذعية.
ثانيا: دراسات لغير المتخصصين في الشريعة:(1/20)
1. العصر الجينومي"استراتيجيات المستقبل البشري": د/ موسى الخلف (الأستاذ المشارك في قسم الكيمياء الحيوية – كلية الطب – جامعة الكويت)، جعله الباحث في مقدمة واثني عشر فصلا، قدم الباحث لبحثه بالتعريف بالعصر الجينومي، وفي الفصل الأول تكلم عن علم الوراثة الحديث وبداية العصر الجينومي، وفي الفصل الثاني تكلم عن الملامح العامة لأبجدية اللغة الجينومية، وتساءل الباحث: هل من جينوم جيد وآخر سيئ؟ (1) وهل من الممكن أن يختار الإنسان مورثاته؟ (2) يقول الباحث:(هناك دراسات كثيرة توضح أن للمورثات (الجينات) دورا أساسيا في جوانب أخرى تتعلق بحياة الفرد، كالنشاط والكسل والإدمان على الخمر والجريمة وحب السيطرة والذكاء والحياة الجنسية، وفي جميع الأحوال فإن الاعتقاد السائد حاليا بين العلماء هو أن المورثات لها الدور القيادي في تكوين الفرد، لكن البيئة المحيطة تلعب دورا إضافيا يتجلى بمساعدة المورثات على القيام بعملها، ولكنه لا يستطيع أن يتجاوزها في أي حال من الأحوال) (3) . وتساءل الباحث في الفصل الثالث، هل حل الشيفرة الوراثية ثورة في تقدم الطب؟ أم بداية في التعقيد؟ وتكلم في الفصل الرابع عن العصر الجينومي ومستقبل البشرية: وجهة نظر اختصاصية، يقول:(من النتائج التي حصلنا عليها من مشروع الجينوم البشري يبدو واضحا أن البشر يتطابقون وراثيا فيما يعادل 99.9%، أي أن نقاط التشابه بين أي فردين تكون 99.9% ونقاط الاختلاف هي 0.1% فقط) (4) ،
__________
(1) العصر الجينومي"استراتيجيات المستقبل البشري" ص60.
(2) المصدر السابق ص61.
(3) المصدر السابق ص62.
(4) المصدر السابق ص77..(1/21)
ويقول الباحث:(وينشب الخلاف في الرأي حين يكون المقصود هو التغيير الوراثي، وذلك بهدف تحسين أداء الجنس البشري الذي يتجلى بتغيير أدائه الجسماني أو العقلي، ويعتقد بعضهم أن هذه التحولات ستؤدي في حالة حدوثها إلى تحول الجنس البشري إلى جنس يكون أقل إنسانية من الإنسان الحالي، حيث يرى أن الحياة غير الإنسانية التي ستحل محل الحياة الإنسانية الحالية ستكون أكثر قوة واستعلاء. ويرى بول رامسي أن استخدام التقنيات الحيوية المتوافرة حاليا، بهدف تطوير أو تحسين الجنس البشري سيؤدي إلى خاتمة محزنة للجنس البشري، قد تنتهي بانتحاره الإرادي، ويعتقد أن التغيير سيؤدي إلى التأثير في التوازن بين الروح والعقل، ويذهب إلى أن هذا النوع من التوازن يوجد في طبيعة الإنسان الحالي، ويرى أن أي محاولة لتغيير ذلك التوازن الحساس الذي خلقنا عليه يمثل اعتداء سافرا على حرية الإنسان وكرامته، ويرى أيضا أن الإنسان لن يكون حكيما بما يكفي لاستثمار جل معارفه في الطريق الصحيحة، خاصة حين يتعلق هذا الأمر بتغيير صفاته الجسدية، فلا توجد حدود لأطماع الإنسان، وخاصة إذا توافرت لديه كل الإمكانيات لتحقيق أطماعه) (1) ،
__________
(1) المصدر السابق ص81-82..(1/22)
وفي الفصل الخامس تكلم عن التشخيص الجيني وتأثيره في الفرد والمجتمع، يقول:(والسؤال المحوري الذي يطرح نفسه: من صاحب الحق في حيازة هذه المعلومات التي تعد من الأسرار الشخصية؟ وما عقوبة من سينشرها أو يذيعها بدون إذن صاحبها؟ وهل يحق لرب العمل الاطلاع عليها مسبقا؟ وهل يحق للزوج أن يطلق زوجته أو تطلب الزوجة الطلاق من الزوج أو التطليق من القاضي إذا ثبت أن أحدهما مصاب بالمرض وأن القرين الآخر قد أخفى ذلك؟ ولذلك يعود السؤال فيما إذا كان يحق للطبيب بالتشخيص، فهل يستحسن إعطاء المريض نتيجة التحليل أم لا؟ وما المواصفات التي يجب توافرها في المركز الطبي الذي يخول بالقيام بهذه النوعية من التحاليل؟ والسؤال الأخير هو ما إذا كنا نمتلك مورثاتنا حقا أم أن المجتمع هو صاحب الحق في امتلاكها؟) (1) ، وتعرض الباحث لتوصيات ندوة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية -أكتوبر 1998م- للوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني – رؤية إسلامية (2) ، يقول الباحث: (ويضاف إلى ذلك نوع خاص من الأمراض الذي سيظهر على صاحبه في فترة متأخرة من الحياة نسبيا ( في سن الأربعين) ويموت بعد عشر سنوات من ظهور المرض، ومثال على ذلك مرض (هونتينغتن)، ولعله من المفيد بل من الضروري معرفة رأي الفقه الإسلامي في تحليل أو تحريم التشخيص الجيني لمثل هذه الأمراض) (3) ، وفي الفصل السادس تكلم الباحث عن الجينات والبيئة وأحجية "أسبقية الدجاجة أوالبيضة"، فيقول:(يؤكد البروفسور روبرت سابولسكي من جامعة ستانفورد أن البيئة التي يعيش فيها الإنسان لها أهمية الجينات نفسها في تحديد وبناء الشخصية بما في ذلك طريقة إصابته بمختلف الأمراض) (4) .
__________
(1) المصدر السابق ص88.
(2) المصدر السابق ص102-103.
(3) المصدر السابق ص104.
(4) المصدر السابق ص108.(1/23)
في الفصل السابع تكلم الباحث عن طب المورثات بين الحلم والحقيقة، يقول الباحث: (كل المحاولات التي تم ذكرها تعتمد على تطبيب المريض نفسه، ولا تتدخل في إزالة المرض من نسله اللاحق، وهذا ما يسمى معالجة المورثات الجسمية أو الجسدية، وتشمل الخلايا الجسمانية جميع الخلايا التي تكون الجسم باستثناء نوعين من الخلايا، وهما النطاف والبيوض. أما المعالجة التي تمتد إلى معالجة المريض نفسه بالإضافة إلى نسله فإنها تسمى معالجة المورثات الجنسية، وهي التي ترتكز على معالجة الخلايا الجنسية (النطاف والبيوض)، والتي لم يسمح حتى الآن بممارستها في أي بقعة من العالم، وذلك لخطورة هذا النوع من التجارب التي لا يعرف مدى خطورتها على أجيال المستقبل) (1) . وفي الفصل الثامن تكلم الباحث عن خلايا المنشأ وطب المستقبل، يقول:(خلايا المنشأ أو الخلايا الجذعية وهي خلايا من نوع خاص، حيث تمتاز بقدرتها على القيام وفي الوقت نفسه بوظيفتين أساسيتين؛ فهي قادرة على تجديد نفسها باستمرار وعلى التمايز لإنتاج خلايا متخصصة الوظائف، وهذه القدرة على التكاثر الدائم والقدرة على التحول إلى خلايا محددة الوظيفة تجعلان منها –إن جازت التسمية- قطعا نادرا، أو عنصرا فريدا من جسم الكائن الحي. خلايا المنشأ -خلافا لجميع خلايا الجسم الأخرى- تستطيع أن تتوقف عن تكاثرها لتتحول إلى خلايا محددة الوظيفة، ويكون ذلك بناء على إشارة خارجية معينة.
__________
(1) المصدر السابق ص125.(1/24)
والسؤال الذي يطرح نفسه ومازال يحير العلماء الذين يعملون في هذا المجال هو: كيف يمكن لخلية واحدة وهي البيضة الملقحة –الزيجوت- أن تتحول لتعطي مليارات الخلايا التي يختلف بعضها عن بعض؟ وما الأسباب التي تسمح لتلك الخلية الوحيدة بالقيام بهذا العمل المعجز، وتمنحها القدرة على إنجاز هذا العمل الفني الرائع؟ وفي واقع الأمر فإنه ولغاية اليوم لا توجد إجابة شافية وافية عن هذه الأسئلة) (1) . ثم يقول:(وفي جميع الأحوال فإن السؤال المحير سيبقى مفتوحا، وهو: ما الذي يجب فعله بجميع الأجنة المنتجة بواسطة الاستنساخ الخلوي أو التلقيح الاصطناعي التي لم يتجاوز عمرها خمسة أيام؟) (2) . وتساءل في الفصل التاسع عن الجينوم والشيخوخة : هل هناك أمل في تأخير الهرم؟ يقول الباحث: (والاعتقاد السائد في الوقت الراهن أن الخلايا مع تقدم العمر ونتيجة لعملية التقصير في أل DNA فإنها تشيخ وتهرم وتموت، وهذا ما يسميه العلماء الموت المبرمج للخلية) (3) . ويقول: (هناك إجماع تام بين العلماء على أن المورثات هي المحرك الرئيس الذي يقود إلى الشيخوخة، ويعتقد هؤلاء أن الشيخوخة شيء مبرمج، وأن البرمجة تكون على مستوى عمل الجينوم، أي أن البرمجة تكون موجودة في بنية الجينوم نفسها. وهكذا فإن التوجه العلمي السائد يقول: حتى نستطيع أن نبطئ الهرم والشيخوخة فإنه يتعين علينا أن نغير في برمجة الجينوم بشكل يسمح للخلية بأن تعيش لفترة أطول. ويعترف العلماء أن عملية إعادة برمجة الجينوم بطريقة لا تضر بملايين البرامج الأخرى التي تعمل بالمستوى نفسه وضمن النطاق نفسه عملية صعبة ومعقدة، وخصوصا أنها يجب ألا تغير من الوظائف الفسيولوجية الطبيعية للخلية). (4)
__________
(1) المصدر السابق ص141-142.
(2) المصدر السابق ص150.
(3) المصدر السابق ص159.
(4) المصدر السابق ص160..(1/25)
وفي الفصل العاشر تساءل الباحث: ماذا ستربح البشرية بالاستنساخ؟ و ماذا لو كان المجتمع برمته من الأقوياء؟ يقول الباحث: (وفي الواقع فقد يتساءل البعض عن نوع القرابة التي توجد بين الشاب المتوفى والشخص المستنسخ –لو تمت العملية- فهل سيكون بمثابة أخيه أو أبيه؟ فهو لن يكون هو نفسه. ومن هنا فإني أفضل تسمية يمكن أن تمثله بواقعية وموضوعية وهي "توأمه الوراثي" كما أشرت آنفا. ولعله من الصواب التساؤل عن الرأي الإسلامي وتعليلاته في هذا النوع من الاستنساخ) (1) . وتكلم الباحث عن الأسباب التي تدعو إلى عملية الاستنساخ والشروط التي اقترحها الكيميائيون للتدخل في الاستنساخ الوراثي، كما تكلم عن مستقبل الاستنساخ وآثاره (2) . وتكلم الباحث في الفصل الحادي عشر عن تحسين النسل الوراثي ومستقبل الإنسان، والبحث عن النسب النبيل بين العلم والدين، يقول الباحث:(لابد من القول إن التجارب الحقيقية في مجال التحسين الوراثي للإنسان لما تبدأ بعد، لأن ذلك غير ممكن حاليا، وذلك لعدم توافر التقنيات الملائمة للتجريب على الإنسان. ولا تزال التكهنات التي تتحدث عن التحسين الوراثي للإنسان تراوح مكانها ولا تخرج عن نطاق الآمال، إن لم نقل إنها لا تزال مجرد أفكار خيالية، حيث إن التقنيات العلمية المتوافرة حاليا لتجارب التحسين الوراثي على الحيوان والنبات لا تفي بالشروط المطلوبة، ومن أهمها احترام إنسانية الإنسان، بالإضافة إلى عدم وضوح النتائج التي ستترتب على مستقبل المجتمع الإنساني في حال نجاحها) (3) .
__________
(1) المصدر السابق ص171.
(2) انظر: المصدر السابق ص171-178.
(3) العصر الجينومي"استراتيجيات المستقبل البشري" ص186.(1/26)
وفي الفصل الثاني عشر تكلم الباحث عن التطور التقني وآثاره المتوقعة على المستقبل البشري، يقول الباحث:(إن معظم الاكتشافات العلمية تنطوي على جوانب سلبية (ضارة) بالإضافة إلى الجوانب الإيجابية (نافعة)، وإن أهمية الاكتشاف تنبع من قدرة الإنسان على استثمار الجوانب الإيجابية، وعلى تلافي الجوانب السلبية، ولعل ذلك يكون بفرض القوانين الصارمة التي تعاقب من يسيء استخدام الاكتشاف العلمي على نحو يضر بالفرد أو المجتمع، ولكن يبقى مساحة كبيرة لضبابية بعض القوانين) (1) . ثم أنهى الباحث بحثه بالحديث عن النتائج السلبية والإيجابية لحل الشيفرة الوراثية، وحروب الجينات وأحقية امتلاك الجينوم البشري، والحكم الشرعي بتحريم الاستنساخ البشري وفق توصيات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت. البحث علمي وموثق، وطرح تساؤلات شرعية كثيرة ستكون -إن شاء الله- من ضمن مواضيع هذا البحث. الكتاب من إصدار عالم المعرفة التابع للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت، وغير متوفر إلا في مكتبة المجلس الوطني للثقافة.
__________
(1) المصدر السابق ص196.(1/27)
2. الاستنساخ بين الدين والعلم: د/ عبد اللطيف ياسين (اختصاصي بالجراحة النسائية والتوليد والعقم)، عرّف الباحث الاستنساخ وتكلم عن تاريخه الطبي والعلمي، ثم تكلم عن التطورات المستقبلية في الاستنساخ والهندسة النسيجية والخلايا الجذعية البشرية، ثم تحدث عن التكاثر الجنسي واللاجنسي، ثم تعرض إلى الفجوات العلمية في قضية الاستنساخ حيث يقول: (نجح الاستنساخ بعد عشر سنين من العمل في سبع وسبعين ومائتي محاولة للدمج ومن أصل أربع وثلاثين وثمانمائة خلية التي تم دمجها) (1) ، ثم تعرض لآراء المعارضين والموافقين للاستنساخ من المتخصصين في البيولوجيا، ثم تحدث عن محاسن الاستنساخ، ثم ذكر أراء الكاثوليك والبروتستانت واليهود ثم آراء علماء الشريعة الذين اتفقوا على تحريم الاستنساخ إلا السيد محمد حسين فضل الله الذي يقول: (لا أجد ما يمنع من شرعية هذه التجربة من حيث طبيعتها العلمية، ولا أجد تحديا لإرادة الله، بل هي تحرك داخل إرادته) (2) . قلت: وثق الباحث المعلومات البيولوجية والوراثية، ونقل أراء جمهور علماء المسلمين المعاصرين بتحريم الاستنساخ البشري الكامل.
__________
(1) الاستنساخ بين الدين والعلم ص14.
(2) المصدر السابق ص186.(1/28)
3. "الاستنساخ بين العلم والدين: للدكتور عبد الهادي مصباح طبيب حاصل على الدكتوراه في الميكروبيولوجي، جعل الباحث كتابه في مقدمة وبابين، تكلم في الباب الأول عن الاستنساخ والنعجة (دوللي) أول دابة مستنسخة، ثم تكلم عن رأي العلماء في الاستنساخ فقال: (أما فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي – شيخ الأزهر – فقد قال: (إن الإسلام ليس ضد العلم، ولكن خروج إنسان من غير امتزاج ماء الرجل بماء الأنثى حرام)، ثم قال – شيخ الأزهر-: (المبدأ أن كل ما يؤدي إلى إعمار الكون وإلى سعادة الإنسان؛ وإلى المزيد من الذكاء الإنساني بطريقة يقرها الأطباء؛ ولا تتعارض مع الشريعة فهو حلال، والأصل أن اختلاط الأنساب حرام، فإذا توصل العلم إلى أي وسيلة جديدة ليس فيها شبهة اختلاط للأنساب فهي حلال، أما المسائل الفنية الخاصة بالهندسة الوراثية؛ فلا أستطيع أن أتحدث فيها، وقد علّمَنا الإسلام أن نرجع إلى أهل كل علم فهم أدرى به) (1) ، ثم قال: (أما فضيلة المفتي الدكتور نصر فريد واصل فقد سارع بإصدار فتوى بتحريم الاستنساخ، وطالب بإصدار تشريعات وقوانين تمنع المراكز البحثية العلمية التي يمكنها أن تعمل في هذا المجال من إجراء مثل هذه التجارب التي تؤدي إلى اختلاط الأنساب)، وقال – فضيلة المفتي- : (إننا لسنا ضد العلم والعلماء، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار أن قضية البشر الآن على مستوى العالم هي تزايد عدد البشر عن موارد الطعام المتاحة، لذلك فليس هناك هدف منطقي من السير وراء تجارب الاستنساخ البشري، أما إذا كانت التجارب العلمية تسعى وراء مصلحة الإنسان سواء في العلاج أو الغذاء أو الدواء فأهلا بها ولا يمكن أن نرفضها، مثل نسخ أو استزراع الأعضاء البشرية ونقلها لمن يحتاجها من المرضى) (2) . قلت: الخشية من كثرة الذرية لا يمكن أن يكون سببا في تحريم الاستنساخ، لأنه مطلب شرعي لا يتعارض مع مقاصد الشريعة.
__________
(1) المصدر السابق ص49.
(2) المصدر السابق ص53.(1/29)
وفي الباب الثاني تكلم الباحث عن الهندسة الوراثية ومستقبل الطب في القرن الحادي والعشرين في العلاج الجيني، وآلية تصنيع الأعضاء البشرية خارج جسم الإنسان، ومحاولات علماء الهندسة الوراثية في علاج السرطان وتأخير الشيخوخة. قلت: وثق الباحث المعلومات البيولوجية والوراثية، ونقل أراء جمهور علماء المسلمين المعاصرين بتحريم الاستنساخ البشري الكامل.(1/30)
4. الهندسة الوراثية وخروج دابة الأرض لهشام كمال عبد الحميد، تقديم أ.د. يحي أحمد السباعي الأستاذ بكلية الطب، جامعة عين شمس، جعل الباحث كتابه في مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، تكلم في الفصل الأول عن دابة الأرض في القرآن والأحاديث النبوية الشريفة، وفي الفصل الثاني تكلم عن علم الوراثة وتغيير صفات المخلوقات، وفي الفصل الثالث تكلم عن نجاح علماء الوراثة في إنتاج مخلوقات جديدة حيوانية ونباتية، وفي الفصل الرابع تكلم عن مسخ آخر الزمان وأنه سينتج عن الهندسة الوراثية، فقال: (أما ما كنا نعتقده جميعا في الماضي من أن كلام السباع سيتم بآية من الخالق حيث سينطقها في نهاية الزمان، فقد أصبح أمرا مستبعدا الآن بعد ظهور الهندسة الوراثية، لأن اتخاذ السباع لإحدى صفات الإنسان وهي الكلام سيعتبر مسخا لإحدى صفات هذا الحيوان، لأن الله خلقها غير متكلمة، وأي تغيير سيكون بيد الإنسان غالبا والله أعلم)، ثم يقول:(لكن من المسلم به أن الهندسة الوراثية سيكون لها دور فعال في جميع هذه التغيرات، والله أعلم) (1) . قلت: هذا السياق فيه نظر إذ لا دليل عليه، ولو قال ربما لكان أنسب من الجزم، فقد مُسخ البشر وتكلمت السباع في الزمن الماضي. ثم تابع الكلام على يأجوج ومأجوج وظهورهم آخر الزمان فقال: (والروس والصينيون واليابانيون – أحفاد يأجوج ومأجوج – يفكرون في تزويد جيوشهم بجنود ذي مواصفات خاصة وقدرات خارقة من خلال الهندسة الوراثية) (2) ،
__________
(1) الهندسة الوراثية وخروج دابة الأرض ص 107.
(2) المصدر السابق ص111 ..(1/31)
ثم تكلم في الفصل الخامس عن مكان وزمان خروج دابة الأرض، وفي الفصل السادس تكلم عن أبحاث الهندسة الوراثية أنها قد تؤدي إلى إنتاج كائن مدمر (دابة الأرض) فقال: (والكل يتوقع خروج كائنات (دواب) مسخ مشوهة، وكائنات غريبة قد تكون مدمرة للبشرية من وراء هذه الأبحاث والتجارب الخاصة بالاستنساخ والتهجين بين الكائنات المختلفة، وستكون دابة الأرض في الغالب إحدى هذه الكائنات (الدواب) المنتجة بالهندسة الوراثية) (1) ، قلت: الاحتمال وارد، أما كونه الغالب ففيه نظر، لأنه لا دليل على ذلك، وفي الفصل السابع حذر الباحث من المتطرفين من علماء الوراثة الذين ينفذون خططا شيطانية لتغيير خلق الله وغالبيتهم من اليهود والصهاينة، وفي الفصل الثامن أنكر الباحث أن يكون التعديل الوراثي خلقا جديدا بل هو تغيير في طبيعة المخلوقات. قلت: وثق الباحث المعلومات البيولوجية والوراثية، وليته استخدم صيغ الاحتمال فيما ذهب إليه من المسائل المغيبة في دابة الأرض وظهور يأجوج ومأجوج بدل صيغ التغليب والتسليم.
__________
(1) المصدر السابق ص 131.(1/32)
5. الخنازير قادمون:الهندسة الوراثية ونقل الأعضاء الحيوانية إلى الإنسان بين العلم والقرآن، للدكتور كريم حسنين، أستاذ أمراض النساء والتوليد بطب عين شمس : جعل الباحث كتابه من مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة، سمى الباب الأول: تَثوير القرآن، وقال:(هو قراءة القرآن ومفاتشة العلماء به في تفسيره ومعانيه) ثم قال :(إن تثوير القرآن في هذا الزمان – عصر علم الأحياء الجزيئي – يملي على الباحثين مدخلا جديدا يتواءم مع روح العصر، وهو إمعان النظر وإعادة التدبر في الآيات الكريمة ليس فقط على مستوى النص، ولكن بدءا من مستوى اللفظ والحرف ويعقب ذلك الانطلاق لمحاولة فهم النص والنظر في أية مدلولات جديدة) (1) ، قلت: لابد من مراعاة الضوابط الشرعية التي وضعها العلماء في فهم وتفسير القرآن الكريم. وفي الباب الثاني تعرض الباحث لتفسير قوله –تعالى-: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا - إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا - لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا - وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ لأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا - يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا } ]النساء:116-120 [.
__________
(1) الخنازير قادمون: الهندسة الوراثية ونقل الأعضاء الحيوانية إلى الإنسان بين العلم والقرآن ص14.(1/33)
قلت: هذه الآيات الأصل الشرعي في حرمة تغيير خلق الله، وفي الباب الثالث شرح الباحث معنى مصطلح الهندسة الوراثية وتقنياته المعاصرة وتطبيقاته، ثم تكلم عن الاستنساخ وتعارضه مع الأخلاقيات العامة، ثم تكلم عن زراعة الأنسجة والأعضاء البشرية من الخنازير المعدلة وراثيا بجينات بشرية، وفي الباب الرابع: نقل الأعضاء الحيوانية للبشر يصر الباحث أن الخنزير من بهيمة الأنعام، وأن هناك فروق دقيقة بين { النعم } و { الأنعام } و { بهيمة الأنعام } فيقول: (يذهب الكاتب- والله تعالى أعلم- إلى أن لفظ { النعم } يراد بها الإبل خاصة وإن كانت تشمل البقر والغنم –أي الضأن والمعز- وأن لفظ { الأنعام } يدل على جميع الحيوانات الإنسي منها والوحشي، وأن التعبير القرآني { بهيمة الأنعام } يشير إلى الحيوانات التي يرعاها الإنسان، وهي النعم والخنزير ) (1) ، ثم يحاول الباحث تفسير (بحر) و(بتك) فيقول: (وعليه يذهب الكاتب –والله تعالى أعلم- إلى أن معاجم اللغة قد تأثرت بما قاله المفسرون في شرح الآية الكريمة، وأن المعنى الأصلي الدقيق للفعل (بحر) شق و(بتك) هو قطع الشيء من أصله، وهو المعنى الواجب مراعاته بدقة عند شرح الآية الكريمة) (2) ، ويقول الباحث في الخنازير المعدلة وراثيا بجينات بشرية: (ومما يعضد مذهب الكاتب أن أحد الخنازير الناتجة كان لديه صغر في حجم صوان الأذنين، رغم أنه كان الوحيد ذو الوزن الطبيعي مقارنة بالثلاثة الخنازير الأخرى التي أنتجها فريق من الباحثين في ميسوري في الولايات المتحدة, وبناء على ذلك فإن الكاتب يرى – والله تعالى أعلم – أن الخنزير المزمع إنتاجه؛ وبه إخماد لكلتا المورثتين ليصبح المصدر الرئيسي لنقل الأعضاء الحيوانية للبشر، سوف يكون من سلالة هذا الخنزير، حيث يبدو أن الغياب المتوقع لأي دور تنشيطي على وظيفة المورثات سيؤدي إلى غياب صوان الأذن بصورة كلية.
__________
(1) المصدر السابق ص175.
(2) المصدر السابق ص204.(1/34)
إن ذلك يتفق بصورة جلية مع النص القرآني، حيث إن صوان الأذن يتم قطعه من أصله الأساسي، ألا وهو الشفرة الوراثية، خلال تقنية إخماد المورثات) (1) . قلت : لقد أبعد الكاتب، وهذا لي لأعناق النصوص، وإن كان المعنى العام بتغيير خلق الله بإخماد المورثات مندرج في معنى الآيات، ولكن التفصيل الذي ذهب إليه الكاتب ليس مقبولا. ثم يقول الباحث في الخاتمة:(إن هذا الكتاب ما هو إلا محاولة في هذا الاتجاه، وهو تدبر الآيات الكريمة – العلم المطلق- بمنهج موضوعي في محاولة للوصول إلى حقائق كونية لم يهتد الإنسان إليها بعد، ولكن هل نطيق السمع والفهم؟ إن هذا الأمر حيوي للغاية، حيث إن أكثر الممارين يدفعون بأن علماء المسلمين لم يقولوا بما في الآيات من معطيات كونية إلا بعد حدوثها، فهل لنا مرة أن تتفتح عقولنا وأن نعمل على أن نجعل للقرآن الكريم السبق والعلو كما أمرنا الله؟!! هذا والله تعالى أعلم، والله من وراء القصد.) (2) . قلت: وثق الباحث المعلومات البيولوجية والوراثية، وليته ترك تفسير كتاب الله عز وجل لأهل الاختصاص.
__________
(1) المصدر السابق ص214.
(2) المصدر السابق ص224.(1/35)
6. الجينوم والخريطة الجينية ودلائل جديدة في الإعجاز البيولوجي في القرآن والسنة: للدكتور عبد الباسط الجمل، الباحث في الجينات الصناعية، جامعة القاهرة، جعل الباحث بحثه في مقدمة وأحد عشر فصلا وخاتمة، في الفصل الأول: الجينات والجينوم ونظرة جديدة لحقائق المادة الحية، تكلم الباحث عن مفهوم الجينوم البشري والمراحل التاريخية للأطلس الجيني والجوانب التطبيقية للخريطة الجينية والعلاج الجيني للأمراض، وختم الفصل بأخلاقيات الجينوم البشري ومجالات استثماره، وفي الفصل الثاني: الإعجاز العلمي في تحليل القرآن للجينوم البشري بعد أن تكلم عن المخزون الوراثي البشري ذكر إشارات قرآنية عن حقائق الجينوم، حيث قال : (لأن الإنسان كجينوم هو مزيج معقد ممتد حتى آدم عليه السلام، ومن ثم فنشأتنا من الناحية الجينية ممتدة حتى آدم وحواء فيما يعرف بالتوزيع المتنقل عبر الأجيال، وهذا ما عبر عنه القرآن في قوله تعالى: { كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } ]الأنعام:133 [ ) (1) ، ويقول:(لوحظ حدوث انخفاض في درجة التعبير الجيني في المجرمين للجينات السوية المتحكمة في السلوك، وعند توفير بيئة غير سليمة لأشخاص أسوياء وجد انحراف سلبي في سلوكهم، له انعكاس واضح على انحراف شديد ومختلف من فرد لآخر في درجة التعبير الجيني، وهذا ما عبر عنه القرآن في قوله تعالى: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا - فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } ]الشمس:7-8 [) (2) ، قلت: قد تكلف الباحث في جعل ما ذكره إشارات قرآنية عن حقائق الجينوم.
__________
(1) الجينوم والخريطة الجينية ودلائل جديدة في الإعجاز البيولوجي في القرآن والسنة ص82.
(2) المصدر السابق ص83.(1/36)
وفي الفصل الثالث: الإعجاز العلمي في وصف القرآن لتوارث الصفات تحدث عن لغز توارث الصفات وأنواع التوارث، ثم ختم الفصل بحديث القرآن عن توارث الصفات بنفس التكلف السابق، وفي الفصل الرابع: الإعجاز العلمي في تنبؤ القرآن باللعب في الجينات تكلم عن هندسة الجينوم واللعب في الأطقم الوراثية ثم استدل على نبوءة القرآن باللعب في الجينات من قوله تعالى: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا - لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا - وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ لأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا - يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا } ]النساء:117-120 [ وفي الفصل الخامس: الإعجاز العلمي في تحريم القرآن لزواج المحارم، تكلم عن تحليل علمي لتحريم زواج المحارم من خلال التحليلات الجينية وتوارث الأمراض وظهورها من خلال الزواج بين الأقارب، وتكلم عن إعجاز القرآن في تحريم الزواج من المحارم وفي ترتيبهن في سورة النساء كما في قوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ(1/37)
سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا } ]النساء:23 [ حيث يقول: )وقمة الإعجاز أن يأتي العلم بوسائله المعملية الحديثة، ومن خلال التحليلات الجينية يثبت أن احتمالية توارث جينات متنحية تمثل ترتيبا تنازليا من الأمهات، وحتى أمهات الزوجات) (1) ، (قلت: الأمهات والأخوات من الرضاعة وأمهات الزوجات قد يكنّ من الأباعد نَسَباً فلا يسببن تجمع الجينات المتنحية)، وفي الفصل السادس: الإعجاز العلمي في حديث القرآن عن الخلق والاستنساخ تكلم الباحث عن الاستنساخ والفرق بينه وبين الخلق، والفرق بين إحياء الموتى واستنساخ الحيوانات المنقرضة، والفرق بين خلق عيسى عليه السلام والاستنساخ، وفي الفصل السابع: الإعجاز العلمي في وصف القرآن لخلق الإنسان تكلم الباحث عن مراحل الخلق وتتابعها من خلال التحكم الجيني، وفي الفصل الثامن: الإعجاز العلمي في حديث القرآن عن زوجية المادة الحية، تحدث عن دلائل الإعجاز في زوجية دقائق المادة الحية ممثلة في جيناتها، وفي الفصل التاسع: الإعجاز العلمي في وصف القرآن لاختلاف الألوان تكلم عن رؤية علمية لاختلاف الألوان على أساس جيني، وفي الفصل العاشر: الإعجاز العلمي في وصف حديث القرآن عن النفس البشرية، تكلم عن تحليل علمي للنفس البشرية من خلال الجينوم البشري، وفي الفصل الحادي عشر: الإعجاز العلمي في تحليل القرآن لموت المادة الحية في عصر الجينات والجينوم تكلم الباحث عن إشارة القرآن لماهية الموت والحياة ومدى ارتباطهما، في قوله تعالى: { إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } ]يونس:49 [ يقول: (أجلهم لفظ معجز، أجل من؟ هل هو أجل كل الخلايا، كل على حدة، أم أجل الأنسجة؟ أم أجل الكائنات الحية؟ إنه أجل كل النظام البيولوجي بدء بالخلية وانتهاء بالكائن الحي.) (2)
__________
(1) المصدر السابق 146.
(2) المصدر السابق ص330..(1/38)
قلت: ما قاله ليس مقصودا، فعندما يأتي الأجل تخرج الروح من الجسد والخلايا مازالت حية في الجسم ثم تتحلل بعد حين. وثق الباحث المعلومات البيولوجية والوراثية، إلا أنه تكلف باعتبار ما ورد في الكتاب والسنة من نشأة الخلق وتوارث الذريات واختلاف الألوان إشارات إعجاز إلى الجينوم والمخزون الجيني.
? قمت بمسح للمواقع الإلكترونية التي تناولت الموضوع على شبكة الإنترنت وأقراص الليزر المتوفرة فتنوعت بين مقالات فردية ودراسات وبحوث فقهية وبيولوجية ودوريات ومجلات علمية متخصصة وغير متخصصة وندوات نقاشية ومؤتمرات فقهية وآراء للعامة والخاصة كل منها يتناول جانبا من الموضوع.
أهمية البحث وأسباب اختياره:
إن تطبيق مبادئ الهندسة الوراثية على توليد الخلايا الحية البشرية والحيوانية والنباتية له بعد أخلاقي وديني، فهل من حق العاملين في مضمار هذا العلم التدخل في صنعة الله بعزل جينات من كائن حي ونقلها إلى كائن حي آخر، بهدف تحسين الإنتاج أو التخلص من جينات وراثية تحمل صفات وراثية غير مرغوب فيها سواء في الإنسان أو الحيوان أو النبات؟ مع العلم أن غالبية التدخلات البشرية العلمية السابقة في هذا الكون المتزن والمتناسق كان عاقبتها الندم لما أحدثته من خلل بيئي، والعلم الحديث يقر بأن أصل الفطرة التي خلق الله عليها المخلوقات هو أفضل ما يكون للبشر، ولكن إذا نشأ المرض أو الآفة في جسم الإنسان أو الحيوان أو النبات، فهل توليد الخلايا البشرية والحيوانية والنباتية المهجنة جينياً والتي تمتلك الصفات الوراثية المرغوبة يكون علاجا جينيا مشروعا؟ وهل يشرع حذف أو إضافة أو استبدال بعض الجينات المسؤولة عن الصفات الوراثية في أصل خلقة البشر كجينات لون العيون والبشرة والطول بحسب الرغبة ؟ أم هو تغيير في الخلقة الذي نهى الشارع عنه؟(1/39)
فالهندسة الوراثية علم حديث كثر فيه اللغط والوهم بسبب الغموض الذي يعتري كثير من تطبيقاته وأبحاثه، وخلط الناس بين ما تم إنجازه فعلا وبين ما هو نظري قيد البحث والتجربة وبين ما هو خيال ووهم، ولاسيما بعد استنساخ النعجة دوللي، وادعاء البعض أنه بصدد استنساخ الحيوانات المنقرضة كالديناصورات، فأبعد بعض الكتاب واعتبر أن معرفة الجينات الوراثية كشف لأسرار الروح، يقول هشام كمال عبد الحميد: (وقد كشف الخالق لنا من خلال علم البيولوجيا والهندسة الوراثية -التي تعد أحد فروعه- الكثير من أسرار الروح في الجسد) (1) ثم يعود فيقول :(ولو راجعنا صفات وأعمال الكروموسومات أو الجينات الخاصة بها داخل الجسد فسنجد أنها متفقة في كثير منها مع صفات الروح أو بمعنى أدق آثار الروح في الجسد) ثم يقول :(والنقطة الأخيرة التي أحب أن أنوه عليها، هي أنني لم أقصد من كلامي السابق الجزم بأن الجينات هي الروح، لكن ما قصدت قوله : هو أن الجينات تحمل الأوامر الإلاهية، أو تحمل أهم أثر من آثار الروح في الكائن الحي) (2) ، فتكلف الباحث بإقحام الروح في الهندسة الوراثية مما جعلني أنحي كتابه عن الدراسات السابقة.
تحديد مشكلة البحث وحدود الدراسة:
يمكن أن تضح مشكلة البحث بطرح الأسئلة التالية:
__________
(1) الهندسة الوراثية في القرآن وأسرار الخلق والروح والبعث ص 57.
(2) المصدر السابق ص 97.(1/40)
ما الهندسة الوراثية ؟ وما آثار تطبيقها على الإنسان والحيوان والنبات؟ وما حكم الاستنساخ البشري والحيواني والنباتي؟ وما التعديل الوراثي الجيني؟ وما أخلاقياته؟ وهل يجوز شرعاً العلاج باستخدام الهندسة الوراثية ؟ وما الخريطة الجينية (الجينوم البشري) ؟ وهل يثبت النسب شرعا أو ينفى بالبصمة الوراثية؟ وما علاقة اللعان بالبصمة الوراثية؟ وهل تقدم عليه؟ وهل تثبت الحدود بالبصمة الوراثية؟ وما الضوابط الشرعية في التعامل مع الهندسة الوراثية في الإنسان والحيوان والنبات؟ وهل يجوز معاملة الشخص بناء على الخريطة الجينية؟ ومن الذي له حق تداول معلومات الجينوم البشري؟ وما أهمية الإرشاد الجيني؟ وما تطلعات الباحثين وآمالهم في هذا العلم؟ وما القلق الشرعي تجاه الهندسة الوراثية وتطبيقاتها؟
أما حدود الدراسة فالبحث متخصص في المنظور الشرعي للهندسة الوراثية وتطبيقاتها، وليس لمناقشة التفاصيل البيولوجية إلا بالقدر الذي يفيد الدراسة، حيث إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
منهج البحث:
يعتمد البحث نظرا لطبيعته أكثر من منهج:
? المنهج العلمي الوصفي التحليلي للهندسة الوراثية وتطبيقاتها.
? المنهج الفقهي المقارن لمذاهب وآراء الفقهاء ومناقشة أدلتهم.
وسينهج الباحث - إن شاء الله تعالى -:
1- اعتماد الكتاب والسنة وما بني عليهما كأساس للدراسة .
2- التزام توثيق المادة العلمية البيولوجية الخاصة بالهندسة الوراثية.
3- التزام التحقيق والموضوعية والدقة في نقل ومعالجة كلام الفقهاء والأصوليين.
4- الرجوع إلى أكبر عدد ممكن من الدراسات السابقة في موضوع البحث.
5- عزو الآيات إلى موضعها في كتاب الله تعالى .
6- تخريج الأحاديث الواردة في البحث من المصادر المعتبرة عند المحدثين وعلى طريقتهم، وبيان درجتها .
7- عزو كلام الفقهاء والأصوليين والمفسرين والمحدثين إلى أهله في كتبهم وعلى طريقتهم.(1/41)
8- اعتماد الخطوات العلمية التي يقتضيها البحث العلمي في مثل هذه الدراسة.
8- الاستفادة من برامج الحاسب الآلي ومواقع الإنترنت في جمع المعلومات وتصنيفها وتخريج الآيات والأحاديث مع الرجوع إلى المصادر الأصلية المطبوعة .
هيكل البحث
المقدمة:
ـ الدراسات السابقة.
ـ أهمية البحث وأسباب اختياره.
ـ تحديد مشكلة البحث.
ـ منهج البحث.
ـ هيكل البحث.
التمهيد: الهندسة الوراثية أو البيولوجيا الجزيئية
المبحث الأول: التعريف بالهندسة الوراثية.
المبحث الثاني: التوازن البيئي والفطري للمخلوقات.
المبحث الثالث: موقف الإسلام من العلوم التقنية الحديثة.
المبحث الرابع: موقف الإسلام من المحافظة على الوجود الفطري.
الفصل الأول: الضوابط الشرعية في التعامل مع التقنيات الوراثية
المبحث الأول: تصحيح النية والهدف وعدم العبث.
المبحث الثاني: لاضرر ولا ضرار.
المبحث الثالث: الموازنات الشرعية في التعديل الوراثي.
المبحث الرابع: أخلاقيات عامة لتكنولوجيا التعديل الوراثي .
الفصل الثاني: ضوابط الهندسة الوراثية للإنسان
المبحث الأول: تكريم الشريعة للجنس البشري.
المبحث الثاني: ضوابط معالجة الأمراض بالتعديل الجيني.
المبحث الثالث: مشروع الجينوم البشري.
المبحث الرابع: الضرر الأخلاقي والديني لاستنساخ الجنس البشري.
الفصل الثالث: ضوابط الهندسة الوراثية للإنتاج الحيواني والنباتي
المبحث الأول: حرمة مخلوقات الله.
المبحث الثاني: ضوابط التعديل الجيني للإنتاج الحيواني والنباتي.
المبحث الثالث: التلوث الجيني للغذاء والبيئة.
المبحث الرابع: تجارب استنساخ الحيوانات والنباتات.
الفصل الرابع: البيولوجيا الجزيئية بين الآمال والمخاوف
المبحث الأول: تطلع الباحثين وآمالهم في هذا العلم.
المبحث الثاني: القلق الشرعي من مستقبل التعديل الوراثي.
المبحث الثالث: حجج المؤيدين والمعارضين لتكنولوجيا التعديل الوراثي.(1/42)
المبحث الرابع: خطط وقوانين لضبط الممارسات السلبية لتكنولوجيا التعديل الوراثي.
الخاتمة: نبذة مختصرة عن عملي في بحث المنظور الشرعي للهندسة الوراثية ونتائج البحث وتوصياته.
فهارس البحث :
ـ أولا : فهرس الآيات.
ـ ثانيا : فهرس الأحاديث والآثار.
ـ ثالثا : فهرس القواعد الفقهية.
ـ رابعا : فهرس الأعلام.
ـ خامسا : ثبت المصادر والمراجع.
المراجع العربية
المراجع الأجنبية
مواقع الإنترنت
ـ سادسا : فهرس الموضوعات.(1/43)
التمهيد:
المبحث الأول: التعريف بالوراثة والهندسة الوراثية.
المبحث الثاني: التوازن البيئي والفطري للمخلوقات.
المبحث الثالث:. موقف الإسلام من المحافظة على الوجود الفطري.
المبحث الرابع: موقف الإسلام من العلوم التقنية الحديثة.
.(2/1)
المبحث الأول: التعريف بالوراثة والهندسة الوراثية
الهندسة لغة:
المُهَنْدِسُ مُقَدِّرُ مَجَارِي الماءِ والقُنِيِّ واحْتِفارِهَا حَيْثُ تُحْفَر، والاسْمُ الهَنْدَسَةُ، وهو مُشْتَقٌّ من الهِنْدَازِ، فارسِيّ مُعَرّب آب أَنْدازْ، فأُبْدِلَت الزايُ سِيناً؛ لأَنّهُ ليسَ في شيء من كلام العرب دالٌ بَعْدَه زَايٌ وهو حَاصِلُ كلامِ الجَوْهَرِيّ (1) ، وأَنْداز: التَّقْدِير وآب: هُو الماء. ويُقَال: فلان هُنْدُوس هذا الأَمر بالضّمِّ، وهُمْ هَنَادِسَةُ هذا الأَمْرِ، أَي العُلَمَاءُ بهِ. ورجل هُنْدُوس إِذا كان جيّد النظر مُجرَّباً. والهُِنْدِسُ ، بالكسر: الجَرِيءُ من الأُسُودِ، قالَه ابنُ الأَعرابي (2) ،
__________
(1) إسماعيل بن حماد الجوهري الفرابي أبو نصر، أصله من بلاد الترك من فاراب ورحل إلى العراق، وقرأ العربية على أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي، وسافر إلى الحجاز وطوف بلاد ربيعة ومضر، وأجهد نفسه في الطلب، ولما قضى وطره من الطواف عاد راجعا إلى خراسان، ثم انتقل إلى نيسابور وتوفي بها سنة 393هـ، ألف صحاح العربية وتاج اللغة. انظر: سير أعلام النبلاء(11/18)، معجم الأدباء(6/151-165)، النجوم الزاهرة(4/207-208)، بغية الوعاة(1/446-448)، شذرات الذهب(3/143)، بغية الوعاة (1/446-448) ، كشف الظنون ص1071، معجم المؤلفين(6/167).
(2) محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي الكوفي، أبو عبد الله اللغوي النحوي راوية أشعار القبائل النسابة، ولد بالكوفة، وسمع من المفضل الضبي الدواوين وصححها، وأخذ عن الكسائي وابن السكيت وأبي العباس أحمد بن يحي ثعلب، وأخذ عنه الأصمعي، توفي بسرمن رأى سنة 231هـ ، ألف من الكتب النوادر وتاريخ القبائل ومعاني الشعر وتفسير الأمثال..انظر: سير أعلام النبلاء(7/290)، تاريخ الأمم والملوك(11/21)، الفهرست لابن النديم(1/69)، وفيات الأعيان(1/623-624)، تاريخ بغداد(5/282-285)، معجم الأدباء(18/189-196)، الوافي بالوفيات(3/79/80)، بغية الوعاة(1/105-106)، شذرات الذهب(2/70-71)، معجم المؤلفين(10/11).(2/2)
والهُِنْدِسُ من الرِّجَالِ: المُجَرَّبُ الجَيِّدُ النَّظَرِ. وقال الصّاغَانِيّ (1) هو الهِنْدَوْسُ، كفِرْدَوْس. وأَبو الهُنْدس: قَبِيلَة باليَمَنِ فيهم عُلَمَاءُ. (2)
الوراثة لغة:
__________
(1) الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر بن علي القرشي العدوي العمري الصاغاني، رضي الدين أبو الفضائل الهندي اللهوري المولد البغدادي الوفاة المكي المدفن، الفقيه الحنفي العلامة المحدث إمام اللغة، سمع بمكة من أبي الفتوح نصر بن الحصري، وباليمن من القاضي خلف بن محمد الحسناباذي والنظام محمد بن الحسن المرغيناني، وكان إليه المنتهى في معرفة اللسان العربي، له كتاب مجمع البحرين في اللغة في اثني عشر مجلدا والعباب الزاخر في اللغة في عشرين مجلد، توفي سنة 650هـ. انظر: سير أعلام النبلاء(23/282)، معجم الأدباء(9/189)، العبر (5/205-206)، العقد الثمين(4/176-179)،النجوم الزاهرة(7/26)، بغية الوعاة(1/519-521)، شذرات الذهب(5/250).
(2) انظر: لسان العرب(3/838)، القاموس المحيط(2/260)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية(3/992)، تاج العروس(4/275).(2/3)
الإِرْث : الأَصلُ. قال ابن الأَعرابي: الإِرْثُ في الحَسَب، والوِرثُ في المال. ورث المِيراث أصله مِوْرَاثٌ، انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها؛ والتُرَاث أصل التاء فيه واو. قال الجوهري: الإِرْث المِيراثُ، وأَصل الهمزة فيه واو. يقال: هو في إِرْث صِدْقٍ أَي في أَصلِ صِدْقٍ، وهو على إِرث من كذا أَي على أَمر قديم تَوَارَثه الآخِرُ عن الأَوَّل. ووَرِثَ الشّيْءَ منه، بكسرِ الرّاءِ، يَرِثُه كيَعِدُه،ُ قال الجوهريّ: وإِنّمَا سَقطت الواوُ من المُسْتَقْبل؛ لوقوعها بين ياءٍ وكسرة، وهُمَا مُتجانِسَانِ، والواوُ مُضّادَّتُهمَا فحُذفَت؛ لاكْتنافهِما إِيّاها، ثم جُعِل حُكمُها مع الأَلفِ والتّاءِ والنّونِ كذلك؛ لأَنّهن مُبدلاتٌ منها. وورث وِرْثاً، ووِرَاثَةً، وإِرْثاً الأَلف منقلبة من الواو. ويُقَال: وَرِثْتُ فُلاناً مالاً، أَرِثُه وِرْثاً ووَرْثاً، إِذا ماتَ مُوَرِّثُكَهُ فصار مِيراثُه لك. ووَرِثَهُ مالَه ومَجْدَه، ووَرِثَه عنه وِرْثاً ورِثَةً ووِرَاثَةً وإِرَاثَةً. وفي التنزيل العزيز { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ } ]سورة مريم: 6[ أَي يَبْقَى بعدِي، فيصيرُ له مِيراثي، وقُرِىءَ «أُوَيْرِثٌ» بالتّصْغِير.(2/4)
وفي الدعاءِ النبويّ: "اللّهُمّ أَمْتِعْنِي - وفي رواية: مَتِّعْنِي- بسَمْعِي وبَصَرِي، واجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنّي" (1) ،
__________
(1) رواه الترمذي في سننه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - (كتاب الدعوات - 10/71 حديث 3681 تحفة الأحوذي) قال أبو عيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، والبخاري في الأدب المفرد (باب دعاء الرجل على من ظلمه حديث 650 ص 221-222)، والحاكم في مستدركه على الصحيحين(كتاب الدعاء 1/523) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبزاركما في كشف الأستار(كتاب الأدعية - باب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - 4/60)، قال الهيثمي: روى البزار بعض آخره من قوله: أمتعني بسمعي بنحوه بإسناد جيد. مجمع الزوائد(10/178). ورواه البزار كما في كشف الأستار(كتاب الأدعية - باب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - 4/59) عن عبد الله بن الشِّخِّير - رضي الله عنه - مرفوعا، قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله بن الشخير إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي: وفيه: الحسن بن الحكم بن طهمان، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. مجمع الزوائد(10/178). ورواه الحاكم في مستدركه عن علي - رضي الله عنه - (كتاب الدعاء 1/527)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص، والطبراني في الأوسط(8/70) والصغير (2/108). ورواه البزار عن جابر - رضي الله عنه - كما في كشف الأستار(كتاب الأدعية - باب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - 4/59)، قال الهيثمي: وفيه: ليث بن أبي سُليم، وهو مدلس، وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد(10/178)..ورواه الحاكم في مستدركه عن أنس - رضي الله عنه - (كتاب الرقى والتمائم 4/413-414) قال في التلخيص فيه ضعيفان، ورواه أبو نعيم في الحلية عن عائشة -رضي الله عنها- (2/182) وابن السني كما في الأذكار ص 88، والبيهقي في شعب الإيمان (باب في تعديد نعم الله - جل جلاله - 4/170 حديث 4701)، ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن جرير - رضي الله عنه - (باب في تعديد نعم الله - جل جلاله - 4/170 حديث 4700) وقال: هذا إسناد ضعيف وروى من وجه آخر. قلت: وقد ورد باللفظين "أمتعني"و"متعني".(2/5)
أَي أَبْقِهِ مَعي حَتّى أَمُوتَ، فيكونُ السمعُ والبصرُ وارِثَيْ سائرِ القُوَى، والباقِيَيْن بعدَهَا، قاله ابنُ شُمَيْل (1) . وأَوْرَثَه أَبُوهُ إيراثاً حَسَناً. وأَوْرَثَهُ الشيءَ أَبُوهُ، وهم وَرَثَةُ فلانٍ. ووَرَّثَه تَورِيثاً، أَي أَدخَلَه في مالِه على وَرَثَتِه، أَو جَعَلَه من وَرَثَتِه. ويقال: وَرَّثَ في مالِه: أَدخَلَ فيه مَنْ ليس مِنْ أَهلِ الوِرَاثَة. ووَرَّثَ بني فلانٍ مالَه تَوْرِيثاً، وذلك إِذا أَدخلَ على ولدِه ووَرَثَتهِ في مالِه من ليس منهم، فجعل له نَصِيباً. ويقال: وَرَّثْتُ فلاناً من فُلانٍ، أَي جَعلتُ مِيرَاثَه له. وأَوْرَثَ المَيِّتُ وَارِثَه مالَه: تَرَكَهُ له. وإِذا قِيلَ: وَرِثَ زيدٌ أَباهُ مالاً، فالمالُ مفعولٌ ثانٍ إِن عُدِّيَ إِلى مفعولينِ، أَو بَدَلُ اشتِمَالٍ، كسَلَبتُ زَيداً ثَوْبَه. والوارِثُ صِفةٌ من صِفات الله تعالَى، وهو البَاقِي الدَّائِمُ بعدَ فَنَاءِ الخَلْق، وهو يَرِثُ الأَرْضَ ومَنْ عَلَيْهَا وهُوَ خَيْرُ الوَارِثِينَ، أَي يَبقَى بعد فناءِ الكُل، ويَفنَى مَن سِوَاه فيَرجعُ ما كان مِلْكَ العِبَادِ إِليه وَحدَه لا شريكَ له.
__________
(1) النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عبدة بن زهير بن عروة التميمي المازني التميمي البصري، أبو الحسن، أحد أصحاب الخليل بن أحمد الفراهيدي، إمام في اللغة والأنساب، صاحب غريب ونحو وفقه وعروض وشعر وأدب، ولد بمرو، ونشأ بالبصرة، وأقام في البادية زمنا طويلا فأخذ عن فصحاء العرب، صدوق ثقة، ومن مصنفاته كتاب الصفات في اللغة في خمسة أجزاء وغريب الحديث والمدخل إلى كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، توفي بمرو سنة 204هـ. انظر: البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة ص232، إنباه الرواة (3/348)، وفيات الأعيان(2/161)، معجم الأدباء(19/238)، بغية الوعاة (2/316)، الأعلام (3/357)، معجم المؤلفين (13/101).(2/6)
ويقال: أَوْرَثَ المَطَرُ النَّبَاتَ نَعْمَةً. وبَنُو الوِرْثَةِ، بالكسر: بَطْنٌ من العرب نُسِبُوا إِلى أُمِّهِمْ، نقله ابنُ دُريد (1) . قال أَبو زيد (2) : وَرِثَ فلانٌ أَباه يَرِثُه وِرَاثَةً ومِيرَاثاً. والتُّرَاثُ: أَصلُ التّاءِ فيه واوٌ. والوِرْثُ والإِرْثُ والتّرَاثُ والمِيرَاثُ: ما وُرِثَ.
__________
(1) محمد بن الحسن بن دريد بن العتاهية بن حنتم بن حمامي بن واسع بن وهب بن سلمة بن حنتم بن حاضر، الإمام أبو بكر الأزدي البصري اللغوي الشافعي، ولد بالبصرة سنة 223هـ وقرأ على علمائها ثم صار إلى عمان ثم رحل إلى فارس ثم قدم بغداد ومات بها سنة 321هـ ، شرب الخمر ثم تاب، من تصانيفه أدب الكاتب والمقصور والممدود . انظر: سير أعلام النبلاء (1/22-23)، معجم الأدباء (18/127-143)، معجم المؤلفين(9/189-190)، طبقات الشافعية (2/145-147)، ميزان الاعتدال (3/45)، بغية الوعاة(1/76-81) .
(2) سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن قيس بن زيد بن النعمان، أبو زيد الأنصاري البصري، الإمام المشهور، كان إماما نحويا، صاحب تصانيف أدبية ولغوية، وغلبت عليه اللغة والنوادر والغريب، قال أبو زيد: كلما قال سيبويه: (أخبرني الثقة)، فأنا أخبرته. قال السيوطي: وقيل: كان الأصمعي يحفظ ثلث اللغة وأبو زيد ثلثي اللغة والخليل بن أحمد نصف اللغة وعمرو بن كركرة الأعرابي يحفظ اللغة كلها. وقال المازني: رأيت الأصمعي وقد جاء إلى حلقة أبي زيد، فقبل رأسه، وجلس بين يديه، وقال: أنت سيدنا ورئيسنا منذ خمسين سنة. تصانيفه كثيرة، ومنها: لغات القرآن وخلق الإنسان وإيمان عثمان واللامات والجمع والتثنية والقوس والترس، توفي سنة 225هـ بالبصرة. انظر: بغية الوعاة (2/582)، الوافي بالوفيات (13/64)، وفيات الأعيان (2/261)، معجم الأدباء (11/212-217)، معجم المؤلفين (4/220)، تهذيب الأسماء واللغات (2/235-236)، شذرات الذهب (2/34-35)، الأعلام للزركلي (3/144).(2/7)
وقيل: الوِرْثُ والمِيرَاثُ في المالِ، والإِرْثُ في الحَسَبِ. وفي الحديث: «اثْبُتُوا على مَشَاعِرِكُمْ هذهِ؛ فإِنَّكُم على إِرْثٍ من إِرْثِ إِبْرَاهِيم» (1) . قال أَبو عُبَيْد (2) :
__________
(1) رواه الترمذي في سننه عن ابن مربع الأنصاري - رضي الله عنه - (كتاب الحج - باب ما جاء في الوقوف بعرفات والدعاء بها 3/221) وقال: حسن صحيح، وأبوداود في سننه (كتاب المناسك - باب موضع الوقوف بعرفة 2/469-470)، والنسائي في سننه(كتاب المناسك- باب رفع اليدين في الدعاء بعرفة 5/255)، وابن ماجة في سننه(كتاب المناسك - باب الموقف بعرفات 2/1001-1002)، وأحمد في مسنده(4/137)، والحاكم في مستدركه(1/462) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص، وابن خزيمة في صحيحه(كتاب المناسك - باب ذكر البيان أن الوقوف بعرفة من سنة إبراهيم خليل الرحمن وأنه إرث عنه ورثها أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - 4/255)، والبيهقي في السنن الكبرى(كتاب الحج - باب حيث ما وقف من عرفة أجزأه 5/115)، والحميدي في مسنده(1/262)،والشافعي في مسنده(كتاب الرسالة إلا ما كان معادا ص241)، هكذا ورد الحديث في كتب اللغة بلفظ: "اثبتوا على مشاعركم"، ولم أجده في كتب الحديث الشريف إلا بلفظ: "كونوا على مشاعركم" و"قفوا على مشاعركم" و" أن تقفوا على مشاعرِكم"، حتى وقفت على رواية الحميدي وفيها:( قال أبو بكر وكان سفيان ربما قال: اثبتوا وربما قال: أبيكم إبراهيم).
(2) القاسم بن سلاّم، أبو عبيد المحدث الحافظ الفقيه المقرئ، العالم بعلوم القرآن، أخذ عن أبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة معمر بن المثنى والأصمعي وغيرهم من البصريين، وابن الأعرابي ويحي بن سعيد الأموي والفراء والكسائي من الكوفيين، توفي بمكة سنة222هـ..انظر: بغية الوعاة(2/253)، تاريخ بغداد(12/403-416)، معجم الأدباء(16/254-261)، معجم المؤلفين(8/102)، شذرات الذهب(2/54)، طبقات الفقهاء ص 102، طبقات القراء(2/17-18)، تهذيب الأسماء واللغات(2/257-258)، تذكرة الحفاظ(2/5-6).(2/8)
إِرثٌ أَصلُه من المِيرَاثِ، إِنما هو وِرْثٌ، قلبت الواو أَلفاً مكسروةً؛ لكسرةِ الواو، كما قالوا للوِسادَةِ: إِسَادَة، فكأَنَّ معنَى الحديثِ: إِنَّكُم عَلَى بَقِيَّةٍ من وِرْثِ إِبْرَاهِيمَ الذي تَرَكَ الناسَ عليه بعد مَوْته، وهو الإِرثُ. ومن المجاز: تَوَارَثُوه كابِراً عن كابِرٍ. والمَجْدُ مُتَوارَثٌ بينَهُم. وأَوْرَثَه الشيْءَ: أَعْقَبَه إِيّاه، وأَورَثَه المرضُ ضَعْفاً، وأَوْرَثَهُ كَثْرَةُ الأَكْلِ التُّخَمَ، وأَوْرَثَه الحُزْنُ هَمًّا، كلُّ ذلك على الاستعارة والتّشبيه بوِراثَةِ المالِ والمَجْدِ (1) .
ولما كانت الهندسة الوراثية فرعا عن علم الوراثة؛ فجدير بنا تناول علم الوراثة بالبحث والتفصيل بما يتناسب مع طبيعة هذه الرسالة؛ قبل الشروع في معنى الهندسة الوراثية في الاصطلاح العلمي الحديث.
علم الوراثة:
كل كائن حي عديد الخلايا يبدأ حياته بخلية واحدة، ثم سرعان ما تنقسم إلى خليتين، ثم
__________
(1) انظر: لسان العرب(3/907)، تهذيب اللغة (15/117)، الصحاح(1/295)، تاج العروس(1/651-652)، القاموس المحيط(1/176).(2/9)
إلى أربع، وهكذا حتى يتكون الكائن الحي الكامل. وخلال عملية الانقسام تتحول بعض الخلايا إلى عضلية ، وأخرى إلى عصبية أو دموية، لكل منها وظيفة مختلفة، علاوة على أن الشكل العام للكائن الحي يتميز بصفات خاصة للنوع الواحد مع تباين في الشكل والطول والقصر، والبياض والسمرة . ومن الكائنات ما له أجنحة أو زعانف أو أربعة أطراف. و يتساءل الإنسان منذ القدم عن سر التشابه والتباين بين الكائنات الحية، فكيف ينتج هذا التباين والاختلاف؟ وما الذي يحدده؟ ولماذا تلد الخيول خيولا وليس خرافا أو نمورا ؟ وكذلك بذور الفول، لماذا تتباين في أحجامها وأشكالها ؟ ولماذا يشبه الطفل أحد والديه أو أقاربه في لون عينيه أو شعره؟ يتناول علم الوراثة دراسة تباين الصفات بين الكائنات الحية، ويؤسس القوانين التي تؤدي إلى الاختلاف والتشابه بين الأفراد. (1)
نشأة علم الوراثة
__________
(1) انظر: العصر الجينومي(علم الوراثة الحديث ص17-36)، أساسيات علم الوراثة الطبية(الأساس الكيميائي للوراثة ص23-40)، حول هندسة الوراثة(مواد علم الوراثة ص23- 40)، البيولوجيا الجزيئية(التركيب العام للأحماض النووية ص16-50)،الحياة وعلم الوراثة(أساسيات علم الوراثة ص17-30).(2/10)
علم الوراثة علم حديث لم تظهر أسسه وقوانينه إلا في مطلع القرن العشرين، ويهتم بدراسة كيفية انتقال الصفات الوراثية من جيل إلى آخر، ويعنى بتفسير التشابه والتباين بين أفراد النوع الواحد في الكائنات الحية. لقد أصبح لعلم الوراثة أهمية خاصة منذ نشأته ، ثم أخذت هذه الأهمية تتزايد بسرعة يوما بعد يوم ، إلى أن أصبح حديث الساعة في القرن الحادي والعشرين، فهو حاليا يتطرق إلى العديد من مجالات الحياة، ويتعامل مباشرة مع العديد من مشكلات العصر والمستقبل، مثل مشكلة نقص الغذاء في العالم وولادة المعوقين والانحراف السلوكي للأفراد. كما نشأ عنه علم الهندسة الوراثية في محاولة لتغيير وتعديل بعض الصفات البيولوجية في الكائنات الحية، فغدا علم الوراثة اليوم ركيزة من ركائز الحضارة العلمية الحديثة. (1)
الوراثة المندلية الحديثة : (2)
مؤسس علم الوراثة الحديثة جريجور مندل Gregor Mendel 1822م- 1884م من النمسا. أصبح راهبا في عام 1843م، ودرس الرياضيات والعلوم في جامعة فيينا وعاد بعدها ليعمل في الدير مدرسا للعلوم الطبيعية حتى عام 1868م . بدأ مندل تجاربه على نباتات البازلاء في حديقة الدير عام 1856م، وكان اختياره لنبات البازلاء موفقا للأسباب التالية :
1) ... وجود أصناف عدة من البازلاء تحمل صفات متقابلة يسهل تمييزها.
__________
(1) انظر: الشفرة الوراثية للإنسان (تاريخ للأسس العلمية والتكنولوجية لخرطنة الجينات - ص 52).
(2) انظر: -Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, McGraw-Hill companies ©2001,USA. Pages 174-186.
وانظر: الهندسة الوراثية والأخلاق ص76، والشيفرة الوراثية للإنسان، القضايا العلمية والاجتماعية لمشروع الجينوم البشري: (فصل: السياسة التاريخية للطاقم الوراثي البشري ص13-20) ، و(فصل: تاريخ للأسس العلمية والتكنولوجية لخرطنة الجينات وسلسلتها ص 55-62)، والحياة وعلم الوراثة ص 13-14.(2/11)
2) ... سهولة زراعة النبات وسرعة نموه .
3) ... قصر دورة حياته . ...
أعلن مندل نتائج تجاربه عام 1865م، إلا أن الناس لم يهتموا يومها بها لانشغالهم في ذلك الوقت بما أثاره داروين من أفكار حول نظرية التطور والنشوء، وفي عام 1884م توفي مندل وظلت تجاربه مجهولة حتى عام 1900م عندما كشف النقاب عنها عدد من الباحثين في علم النبات، وقد توصل كل واحد على حدة إلى نفس النتائج التي سبقهم إليها مندل. (1)
في سنة 1953م اكتشف الباحثان (جيمس واطسن، وفرانسيس كريك) مكونات الجين، ونشرا بحوثهما، وحصلا بذلك على جائزة نوبل، حيث أثبتا أن الجين يتكون من الحمض النووي DNA الديوكسي ريبوزي منقوص الأكسجين، ويتركب من لولب مزدوج ثلاثي الأبعاد من القواعد النيتروجينية. (2)
تجارب وقوانين مندل (3) :
الصفة الوراثية ... الصفة السائدة ... الصفة المتنحية
1. ... شكل البذرة ... أملس ... مجعد
2. ... لون البذرة ... أصفر ... أخضر
3. ... طول الساق ... طويل ... قصير
4. ... وضع الزهرة ... إبطي ... طرفي
5. ... شكل الثمرة ... أملس ... مجعد
6. ... لون الثمرة ... أخضر ... أصفر
7. ... شكل الثمرة ... أملس ... مجعد
اشتملت تجارب مندل على دراسة السلوك الوراثي لسبعة أزواج من الصفات الوراثية المتقابلة في نبات البازلاء كما يلي:
بدأ مندل تجاربه بدراسة السلوك الوراثي لكل زوج من الصفات الوراثية المتقابلة، حيث اتبع الطريقة العلمية التالية في البحث والتجريب في توارث لون الأزهار:
__________
(1) انظر: الشيفرة الوراثية للإنسان، القضايا العلمية والاجتماعية لمشروع الجينوم البشري ص57.
(2) انظر: الشيفرة الوراثية للإنسان، تاريخ للأسس العلمية والتكنولوجية لخرطنة الجينات - ص 70-72.
(3) انظر: - C.O. Carter, Human Heredity, Penguin Books Ltd, Great Britain, © C.O. Carter pages 27-32.
- Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, © McGraw-Hill companies
2001,USA, pages 175- 176.(2/12)
1) ... قام مندل بزراعة عدد كبير من بذور البازلاء ذات الأزهار الحمراء ، ومثلها من بذور النباتات ذات الأزهار البيضاء لمدة سنتين متتاليتين .
2) ... ترك الأزهار خلال الفترة السابقة تتلقح ذاتيا ليضمن نقاء الصفة التي سيدرسها.
3) ... بعد أن تأكد مندل من نقاء صفتي الأزهار الحمراء والأزهار البيضاء؛ قام بإجراء تلقيح خلطي بين الأزهار الحمراء والبيضاء. ولكي يحول مندل دون حدوث التلقيح الذاتي في الزهرة نفسها كان يقطع أسدية الأزهار التي يقوم بتلقيحها.
4) ... زرع البذور الناتجة من التلقيح السابق، فوجد أن النباتات جميعها تحمل أزهارا حمراء، وزرع بذور هذه النباتات وقام بإجراء تلقيح خلطي بينهما فوجد أن النباتات الناتجة تحمل أزهار حمراء وأخرى بيضاء بنسبة 1:3 ( أحمر : أبيض ).
5) ... كرر مندل تجاربه على الصفات السبع ولمرات عدة؛ وكان يحصل على النتائج نفسها, والتي تتلخص فيما يلي :
أ. ... تختفي إحدى الصفتين في نباتات الجيل الأول .
ب. ... تظهر الصفة المختفية في الجيل الثاني وبنسبة 3 : 1. فخلص مندل إلى القوانين التالية: (1)
1- قانون مندل للسيادة Law of Dominance
كان أول استنتاج لمندل من التجربة السابقة أن صفة اللون الأحمر تطغى على صفة اللون الأبيض بالنسبة للأزهار، فسماها الصفة السائدة، وسمي الصفة المقابلة لها التي تختفي ولا تظهر في الجيل الأول الصفة المتنحية، ومن هذه الحقائق صاغ قانون السيادة التامة على النحو التالي : إذا حدث تزاوج بين فردين يحمل كل منهما صفة وراثية نقية مخالفة للصفة التي يحملها الفرد الآخر، وظهرت إحدى الصفتين في أفراد الجيل الأول فإن هذه الصفة تكون سائدة .
__________
(1) انظر: - C.D.Darlington, Genetics and Man, Penguin Books Ltd, Great Britain, © Allen & Unwin, pages111-113.
- Grove And Newell, ANIMAL BIOLOGY, ninth edition, © University Tutorial Ltd, London,
pages784-785.(2/13)
2- قانون انعزال الصفات Law of Segregation
بعد أن وضع مندل قانون السيادة التامة لتفسير اختفاء إحدى الصفتين المتضادتين؛ تساءل عن مصير الصفة المتنحية، وكيف ظهرت مرة ثانية في أفراد الجيل الثاني؟ وفسر مندل ذلك بوضع الفرضيات التالية:
1) ... الصفات الوراثية تنتقل من الآباء إلى الأبناء عن طريق ما أسماه بالعوامل الوراثية (والتي تسمى حاليا بالجينات ) .
2) ... نظرا لأن هناك صفات تختفي ثم تظهر على الأفراد في جيل آخر، استنتج مندل أن العوامل الوراثية توجد في حالة مزدوجة، أي أن كل صفة وراثية في الكائن الحي يحكمها عاملان وراثيان (أحدهما من الأب والآخر من الأم ) .
3) ... ينفصل العاملان الوراثيان عند تكوين الأمشاج بحيث لا يحتوي المشيج الواحد إلا على عامل وراثي واحد لكل صفة وراثية.
وقد جمع مندل ذلك في قانون انعزال الصفات الذي ينص على ما يلي :
(يحكم الصفة الوراثية في الكائن الحي عاملان وراثيان ينعزل أحدهما عن الآخر عند تكوين الأمشاج) .
تطبيقات قانوني السيادة وانعزال الصفات (1)
رموز المسائل الوراثية :
أ. ... اصطلح على الرمز لعامل الصفة السائدة بالحرف كبير بالإنجليزية ولعامل الصفة المتنحية بالحرف الصغير، فرمز للون الأحمر في أزهار البازلاء بالحرف (R) وللون الأبيض بالحرف (r).
ب. ... الناتج من تزاوج الجيل الأول (F1) ، والناتج من تزاوج الجيل الثاني (F2) .
ج. ... اللون الأحمر واللون الأبيض في حالة أزهار البازلاء يشار لهما بالشكل الظاهري phenotype للصفة الوراثية .
د. ... إذا كانت العوامل الوراثية متشابهة RR أو rr فتوصف هذه الأفراد بأنها نقية (تركيب جيني نقي)، أما إذا كانت مختلفة Rr فتوصف الأفراد بأنها هجينه (تركيب جيني هجين).
هـ ... يرمز للذكر بالرمزينXY وللأنثى بالرمزين XX .
__________
(1) انظر: - Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, © McGraw-Hill companies 2001,USA, Pages 174-180(2/14)
و. ... العوامل الوراثية الخاصة بالصفة الواحدة (R،r) تعرف بالأليلات Alleles ومفردها أليل .
وبهذا يمكن تفسير نتائج تجارب مندل للسيادة التامة وانعزال الصفات .
زهرة حمراء نقية زهرة بيضاء نقية
الآباء (RR) × (rr)
الأمشاج (R) (R) (r) (r)
الجيل الأولF1 (Rr) (Rr) (Rr) (Rr)
أزهار حمراء هجينة
الآباء (Rr) × (Rr)
الأمشاج (r) (R) (r) (R)
Rr ... RR
زهرة حمراء هجينة ... زهرة حمراء نقية
rr ... Rr
زهرة بيضاء نقية ... زهرة حمراء هجينة
الجيل الثاني F2
قانون التوزيع الحر للعوامل الوراثية : (1)
درس مندل السلوك الوراثي لزوجين من الصفات الوراثية المتخالفة في البازلاء، فاختار نباتا يحمل صفتين نقيتين سائدتين ( بذور ملساء الشكل ، صفراء اللون ) وهجنه مع نبات يحمل الصفتين المتنحيتين ( بذور مجعدة الشكل، خضراء اللون ) . أعاد مندل التجربة عدة مرات، وكان في كل مرة يحصل على نباتات ذات بذور ملساء الشكل صفراء اللون في الجيل الأول. وعندما لقحت أزهار الجيل الأول بعضها ببعض، جاءت النتائج في الجيل الثاني مشابهة للنتائج التي حصل عليها مندل في تجاربه السابقة ، أي أن النسب كانت على النحو التالي :
3 بذور ملساء : 1 بذور مجعدة
3 بذور صفراء : 1 بذور خضراء ...
النتائج أوضحت لمندل أن توارث لون البذور لا يرتبط بشكلها، أي أن كل صفتين متقابلتين (أصفر،أخضر) يتم توارثهما بشكل مستقل عن الصفتين المتقابلتين الأخريين (أملس، مجعد). وبذلك استنبط مندل قانون التوزيع الحر للعوامل الوراثية الذي ينص على أن: (مكونات الأزواج المختلفة من العوامل الوراثية تتوزع توزيعا مستقلا عن تكوين الأمشاج).
التلقيح الاختباري Test Cross (2)
__________
(1) انظر: -McElroy & Swanson, Foundations Of Biology, © Prentice- Hall, Inc.pages330- 333.
(2) انظر: - Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, © McGraw-Hill companies 2001,USA, Pages 188-190.(2/15)
لكل صفة وراثية نمطان : الأول الشكل المادي للصفة الوراثية ويعرف باسم النمط الظاهري Phenotype، أما الثاني فالعوامل الوراثية (الجينات) التي تحدد الصفة الوراثية، ويعرف باسم الشكل الجيني Genotype للصفة.
إن النمط الجيني للصفة المتنحية يكون دائما نقيا، أما النمط الجيني للصفة السائدة قد يكون نقيا أو هجينا، ويعتبر التلقيح الاختباري من أفضل الوسائل للدلالة على النمط الجيني للفرد ذي الصفة السائدة، فيتم في التلقيح الاختباري تلقيح أزهار النبات ذي الصفة المشكوك في نمطها الجيني ( الأزهار الحمراء R ؟) مع أزهار نبات يحمل الصفة المتنحية (الأزهار البيضاء rr) ومن نتائج الجيل الأول نستطيع أن نحكم على حالة النمط الجيني، فإذا جاء أفراد الجيل الأول يحملون جميعا أزهارا حمراء عرفنا أن النمط الجيني موضع التساؤل يكون RR ، أما إذا جاء نصف أفراد الجيل الأول يحملون أزهارا حمراء والنصف الآخر يحمل أزهارا بيضاء عرفنا أن النمط الجيني موضع التساؤل يكون Rr، ويمكن التمثيل لذلك على النحو التالي :
زهرة بيضاء × زهرة حمراء
Rr
Rr ... Rr
rr R ؟
النتائج
الاحتمال الأول RR
جميع الأزهار حمراء اللون، إذن النمط الجيني للزهرة الحمراء (RR).
rr ... rr
Rr ... Rr
الاحتمال الثاني Rr
نصف الأزهار حمراء اللون، والنصف الآخر أبيض اللون
إذن النمط الجيني للزهرة الحمراء (Rr).
الكروموسومات الوراثية : ) (1) (
__________
(1) انظر: الشيفرة الوراثية للإنسان، القضايا العلمية والاجتماعية لمشروع الجينوم البشري ص 58.(2/16)
... الكروموسومات في جميع الخلايا الجسمية زوجية، وكل زوج منها عبارة عن كروموسومين متماثلين، وعدد هذه الكروموسومات ثابت في النوع الواحد, ويرمز لهذا العدد بالرمز(n2(، وتكون الكروموسومات فردية (n) في الخلايا التناسلية، فعلى سبيل المثال: عدد الكروموسومات في الخلايا الجسمية للإنسان (23) زوجا، بينما في الأرنب (22) زوجا، وفي ذبابة الفاكهة (4) أزواج ، وفي نبات البازلاء (14) زوجا، وفي البطاطس (24) زوجا، وكان الباحثون يعتقدون في بداية اكتشاف الكروموسومات أنها العوامل الوراثية نفسها التي تكلم عنها مندل، ولكن عدد الصفات الوراثية في الكائن الحي يفوق بكثير الكروسومات، وكان من أوائل الذين لاحظوا هذا التشابه في سلوك كل من الكروموسومات والعوامل الوراثية (الجينات) الباحث الأمريكي ساتون Sutton والباحث الألماني بوفري Bovariكل على حدة، حيث لاحظ هذان الباحثان أن الكروموسومات مثل العوامل الوراثية التي تحدث عنها مندل توجد في حالة مزدوجة، وأن كل زوج ينفصل عند تكوين الأمشاج، ثم يعود إلى حالته المزدوجة بعد إتمام عملية الإخصاب، وبناء على هذه الملاحظات وضع ساتون وبوفري في عام 1902م النظرية الكروموسومية للوراثة التي تنص على أن: (العوامل الوراثية التي تحدث عنها مندل هي الكروموسومات أو على الأقل محمولة عليها). ثم جاء بعد ذلك مورجان Morgan وأكد من خلال تجاربه على ذبابة الفاكهة في عام 1910م أن الصفات الوراثية تنتقل من جيل لآخر عن طريق الجينات، وهذه الجينات موجودة على الكروموسومات الموجودة في نواة الخلية، والمعروف حاليا أن أجزاء من حمض DNA عبارة عن جين لصفة وراثية تركيبية أو فسيولوجية أو سلوكية في الكائنات الحية، كما تأكد أن حمض DNA يقوم بذلك كله من خلال سيطرته وتحكمه في بناء الإنزيمات التي هي عبارة عن بروتينات نشطة.(2/17)
تجارب مورجان Thomas Hunt Morganوالنظرية الكروموسومية : (1)
قد حالف مورجان التوفيق في اختيار ذبابة الفاكهة لإجراء تجاربه الوراثية عليها، وذلك لأسباب عدة منها : MORGAN
1) ... صغر حجمها، وإمكانية تربية أعداد كبيرة منها في المختبر، حيث إنها تجذب بسهولة إلى زجاجات تحتوي على سائل غذائي (مزيج من الموز والخميرة).
2) ... سرعة تكاثرها وقصر دورة حياتها (حيث يمكن لزوج واحد منها إنتاج أكثر من (200) ذبابة خلال 8 - 14 يوما).
3) ... ضخامة الكروموسومات الموجودة في خلايا غددها اللعابية.
4) ... قلة عدد الكروموسومات فيها (4 أزواج).
5) ... تعدد العوامل الوراثية فيها (درس منها حتى الآن نحو 500 عامل ).
... وقد توصل إلى :
1ـ ... أن كل كروموسوم يحمل المئات وربما الآلاف من العوامل الوراثية (الجينات) المصطفة طوليا عليه.
2ـ ... تحديد موضع عوامل وراثية معينة على الكروموسومات.
3 - رسم خريطة كروموسومية موضحا فيها العوامل الوراثية (الجينات) للصفة الوراثية.
تحديد الجنس والصفات المرتبطة به :
يعتبر تحديد الجنس في الكائنات الحية من التطبيقات المباشرة للقوانين الوراثية، وغالبا ما يتحكم الجهاز الكروموسومي بتحديد الجنس، حيث ترجع الفروق بين الذكر والأنثى إلى فروق نوعية أو عددية في الكروموسومات، وفي بعض الحالات ترجع الفروق بين الذكر والأنثى إلى عوامل بيئية لا دخل للكروموسومات فيها.
1 - تحديد الجنس بعوامل بيئية :
__________
(1) انظر: أساسيات علم الوراثة الطبية (فصل: الأساس الكيميائي للوراثة ص13-22)، الشيفرة الوراثية للإنسان، القضايا العلمية والاجتماعية لمشروع الجينوم البشري ص59.
- McElroy & Swanson, Foundations Of Biology, © Prentice-Hall, Inc.pages 325-361.(2/18)
بعض الديدان البحرية يتحدد فيها الجنس بعوامل بيئية لا دخل للكروموسومات فيها، وعلى سبيل المثال فإن دودة البونيليا Bonellia viridis التي تعيش في البحار يتحدد فيها الجنس بعوامل البيئة، يعيش ذكر دودة البونيليا متطفلا على الجهاز التناسلي للأنثى، ولا يوجد في الذكر جهاز هضمي، ويفقس البيض المخصب للدودة عن يرقات، فإذا نمت اليرقة متطفلة على الجهاز التناسلي للأنثى تصبح ذكرا، أما إذا نمت اليرقة حرة في الماء فإنها تصبح أنثى، أي أن البيئة هي التي حددت نوع الجنس، فلو أننا أخرجنا الذكر المتطفل من داخل جسم الأنثى وتركناه يعيش حرا لأصبح أنثى، وهذا يدل على أن الأنثى تقوم بإفراز بعض المواد التي تؤثر في تحديد الجنس في اليرقة.
2-تحديد الجنس بكروموسومات الجنس : (1)
يتحدد الجنس في العديد من الكائنات الحية بواسطة زوج من الكروموسومات يعرف باسم كروموسومات الجنس، كما هو الحال في الإنسان وذبابة الفاكهة، وقد لاحظ مورجان أن ثلاثة أزواج من كروموسومات ذبابة الفاكهة متشابهة تماماً في الذكر والأنثى، بينما الزوج الأخير تتشابه الكروموسومات في الأنثى وتختلف في الذكر، فأطلق على الأزواج الثلاثة الأولى اسم الكروموسومات الجسمية (الذاتية)، أما الزوج الرابع فأطلق عليه اسم كروموسومات الجنس، ورمز للكروموسومين الجنسيين المتشابهين في الأنثى بالحرفين (xx)، أما كروموسوما الذكر المختلفان فأحدهما يشبه كروموسوم الجنس في الأنثى ويرمز له بالحرف (x)، والثاني مختلف ويرمز له بالحرف(Y)، ووجد أن مثل هذا الترتيب ينطبق على تحديد الجنس في الإنسان.
الصفات المرتبطة بالجنس :
__________
(1) انظر: - C.O. Carter, Human Heredity, Penguin Books Ltd, Great Britain, © C.O. Carter pages 46-52.(2/19)
قام مورجان في إحدى تجاربه على ذبابة الفاكهة بإجراء تزاوج بين ذكر أبيض العينين وأنثى حمراء العينين، فجاءت أفراد الجيل الأول حمراء اللون جميعها، مما يشير إلى سيادة جين اللون الأحمر على جين اللون الأبيض، وعندما تزاوج أفراد الجيل الأول كان 75% من أفراد الجيل الثاني حمراء العيون، و25% كانت بيضاء العيون، وبدا للوهلة الأولى أن توارث لون العيون في ذبابة الفاكهة كان وفقا لقوانين مندل في الوراثة، لكن تبين أن الأمر ليس كذلك بالضبط، حيث إن الإناث جميعها كانت حمراء العيون بينما نصف الذكور حمراء العيون والنصف الآخر بيضاء العيون، وفسر ذلك على أن الجينات المسؤولة عن صفة لون العيون محمولة على كروموسوم (X) في كل من الذكر والأنثى، أما كروموسوم (Y) فيعتبر خاملا في هذه الحالة فلا يحمل أي جين خاص بهذه الصفة، وتعرف مثل هذه الصفات التي توجد جيناتها على كروموسوم (X) بالصفات المرتبطة بالجنس (1) ، ويمكن توضيح كيفية توارث لون العيون في ذبابة الفاكهة على النحو التالي: إذا كان جين اللون الأحمر السائد هو (R) وجين اللون الأبيض هو (r)، فإن (XR) تدل على الكروموسوم الجنسي الحامل للون الأحمر، (Xr) تدل على الكروموسوم الجنسي الحامل لجين اللون الأبيض، وبذلك يكون التوارث على النحو التالي:
أنثى حمراء العيون ... ذكر أبيض العيون
الآباء (XRXR) (Xry)
الأمشاج (XR) (XR) (y) (xr)
الجيل الأول:
XR
XRXr
XRy ... XRy
الذكور والإناث حمر العيون
آباء الجيل الثاني أنثى حمراء العيون ذكر أحمر العيون
(XRXr) (XRy)
(Xr) (XR) (y) (XR) الأمشاج
Xr
XRXr
Xry
الجيل الثاني
__________
(1) انظر: - C.D.Darlington, Genetics and Man, Penguin Books Ltd, Great Britain, © Allen & Unwin, pages111-125, 294-299.(2/20)
وبذلك تكون النتائج : إناث عيونها حمراء: ذكورعيونها حمراء : ذكورعيونها بيضاء (1)
2 : 1 : 1
البيولوجيا الجزيئية وعلم الوراثة
البيولوجيا الجزيئية علم منفصل عن بقية علوم البيولوجيا، وقد اشتركت مجموعة من العلوم في تأسيسه، منها الكيمياء الحيويةBiochemistry والكيمياء العضوية Organic Chemistry و علم الوراثة Genetics والفسيولوجيا Physiology، والبيولوجيا الجزيئية علم يحاول فهم آليات الحياة على مستوى الجزيئيات والتفاعل بينها داخل الخلية، سواء من الجانب الكيميائي أوالميكانيكي، ورغم أن البيولوجيا الجزيئية لم تلق رواجا في الأوساط العلمية والثقافية في البداية إلا أنها فرضت نفسها في تحديد مصير الإنسان وإيجاد الحلول لمشاكله الصحية، إذ أن الفكرة الأساسية التي يقوم عليها (أن طبيعة الكائن الحي يمكن أن تحدد بدقة كاملة على خيط صغير من الرمز الجزيئي، والذي طوله ربع بوصة فقط). (2)
الخلية الحية:
__________
(1) انظر: - Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, © McGraw-Hill companies 2001,USA pages 192-193.
(2) انظر: : الهندسة الوراثية والأخلاق ص90.(2/21)
تحتوي الخلية الحية على سيتوبلازم يتوسطه نواة، تغلفها شبكة من الخيوط هي الشبكة النووية، والتي تتكون من مجموعة من الكروموسات، تتركب من حمض DNA (DeoxyriboNucleic Acid ) منقوص الأكسجين وبروتين، وكل خلية تحتوي على نفس العدد من الكروموسومات الموجود في سائر الخلايا، بمعنى آخر فإن كل خلية تحتوي على نفس الصفات الوراثية التي تصنع البروتينات، فكل خلية حية لديها القدرة على إنتاج جميع البروتينات من غير استثناء، إلا أن الخلية لا تنتج إلا ما تحتاجه من البروتين بحسب تخصصها ووظيفتها ومكانها في جسم الكائن الحي، ولحمض DNA تركيب خاص يمَكنه من مضاعفة نفسه خلال عمليات الانقسام الخلوي، وله ولغيره من الأحماض النووية دور رئيس في السيطرة والتحكم بالوظائف الحيوية للخلية الحية، التي تتم وفقاً للشيفرة الوراثية لتلك الأحماض النووية. (1)
وظائف الخلية وحمض DNA (2) :
تقوم الخلايا الحية بوظائف عديدة ، منها إنتاج البروتينات اللازمة لبناء مكوناتها المختلفة، كما تقوم الخلية بأكسدة المواد الغذائية للحصول على الطاقة، وهذه الوظائف الخلوية تتضمن حدوث تفاعلات كيميائية تتحكم بها إنزيمات محددة، وغياب أحد الإنزيمات الذي يتحكم في تفاعل كيميائي ما داخل الخلية لا يمكن الخلية من القيام بوظيفتها والمعروف حالياً بأن حمض DNA هو الذي يعطي التعليمات المحددة لبناء الإنزيمات، أي أن حمض DNA هو المسيطر والمتحكم في الوظائف الخلوية الحيوية.
...
__________
(1) انظر: الشيفرة الوراثية للإنسان ص 101-409.
(2) انظر: علم الوراثة Genetics د/ باميلا ديكينسون ص26-28.(2/22)
والإنزيمات عبارة عن بروتينات نشطة، تستخدم كعوامل مساعدة لزيادة سرعة التفاعلات الكيميائية في الخلايا الحية، وحمض DNA هو المسئول عن بناء الإنزيمات وبناء البروتينات في الخلية الحية، والبروتينات عبارة عن مركبات عضوية (أو كربونية)، جزيئاتها ضخمة نسبياً،تتكون من وحدات أساسية تسمى الأحماض الأمينية Amino Acids، وتتكون بعض أنواع البروتينات من سلسلة من الأحماض الأمينية يصل عددها إلى بضع عشرات، بينما بعض البروتينات تحتوي على الآلاف من الأحماض الأمينية، وتختلف البروتينات بعضها عن بعض في عدد وتتابع الأحماض الأمينية، والمعروف من الأحماض الأمينية حتى الآن عشرون حمضاً، وتباين تتابع الأحماض الأمينية يمكن أن يكون أعدادا كثيرة من البروتينات . (1)
تركيب حمض (DNA)
إن تتابع القواعد النيتروجينية في شريط الحمض النووي الديوكسي ريبوزي منقوص الأكسجين (DNA) يحدد التعليمات الوراثية في الكائن الحي وصفاته الوراثية، ويرتبط شريطا الحمض النووي الديوكسي ريبوزي بواسطة روابط هيدروجينية ضعيفة بين كل قاعدتين، مكونة زوجًا من القواعد (Base Pairs)، ويحدد حجم مجموعة العوامل الوراثية (Genone) بعدد أزواج القواعد، وتحتوي خلايا الإنسان على حوالي 3 بلايين زوج من القواعد النيتروجينية.
__________
(1) انظر: علم الوراثة Genetics د/ باميلا ديكينسون ص34.(2/23)
إن حمض DNA هو المسئول عن تحديد تتابع الأحماض الأمينية في بروتين معين في الخلية بحسب تتابع القواعد النيتروجينية في شريط الحمض (1) ، وانشغل الباحثون لسنوات عدة في تحديد الكيفية التي يمكن لحمض DNA أن يحدد بها تتابع الأحماض الأمينية في بروتين ما، وبعد معرفة التركيب الكيميائي لحمض DNA تمكن الباحثون من تحديد دور حمض DNA في بناء البروتين في الخلية، وتحقق الباحثون من أن القواعد النيتروجينية الموجودة في سلسلة حمض DNA هي المسئولة عن تنظيم الأحماض الأمينية في البروتينات وفق شيفرة خاصة تعرف باسم الشيفرة الجينية الثلاثية (Triplet Genetic Code)، والشيفرة الثلاثية عبارة عن التتابع المحدد لثلاث قواعد نيتروجينية في حمض DNA، وبناءً على ذلك فإن البروتين المتكون من عشرة أحماض أمينية يحتاج إلى شيفرة مكونة من 30 قاعدة نيتروجينية في حمض DNA، خلاف الشيفرات الثلاثية لبدء وإنهاء عملية بناء البروتين.
تركيب حمضي DNA و RNA
__________
(1) انظر: - Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, McGraw-Hill companies©2001,USA.Pages 242-246.(2/24)
يتكون حمض DND من سلسلة متراصة من النيوكليوتيدات (Nucleotides)، وكل نيوكليوتيد يتركب من ثلاث قطع (1) : فوسفات(Phosphate) وسكر(Sugar) وقاعدة نيتروجينية (Nitrogenous base)، تصطف النيوكليدات جنبا إلى جنب لتكون سلسلة طويلة متراصة برابط فوسفاتي يربط السكر الذي قبله بالذي بعده، (وبالتحديد تربط الكربون رقم 5 في السكر الأول بالكربون رقم 3 في السكر الذي يليه)، فحمضDNA عبارة عن خيطين من تلك النيوكليوتيدات، متلاصقين ومجدولين كما تجدل ضفيرة الشعر، وبشكل محكم ودقيق للمحافظة على نظام الروابط بين مركبات الحمض خاصة الروابط الفسفورية والروابط الهيدروجينية التي بين القواعد النيتروجينية، لذلك يطلق عليه سلسلة DNA(DNA CHAIN ) كما هو شائع بين المختصين، وهناك نوعان أساسيان من السكر الذي تتركب منه الأحماض النووية: النوع الاول: سكر الديوكسي ريبوز(DeoxyRibose) وهو الذي يدخل في تركيب حمض DNA، والنوع الثاني: سكر الريبوز(Ribose) ويدخل في تركيب حمض RNA، وتنقسم القواعد النيتروجينية إلى خمسة أنواع: ثلاثة منها تدخل في تكوين حمضي DNA وRNA، بينما القاعدتان الرابعة و الخامسة تدخلان في تكوين حمضي DNA أو RNA كل على حدة، ويرمز لكل قاعدة نيتروجينية بالحرف الأول من اسمها الإنجليزي كما هو مبين في الجدول التالي:
DNA ... RNA
Adenine ... Adenine
Cytosine ... Cytosine
Guanine ... Guanine
Thymine ... Uracil
الملاحظ أن الثيامين يوجد في حمض DNA فقط، بينما يوجد اليوراسيل في حمض RNA فقط، لذلك عند تكوين حمضRNA من حمض DNA فإن الخلية تستبدل كل قاعدة نيتروجينية من نوع الثيامين بقاعدة نيتروجينية من نوع اليوراسيل. (2)
__________
(1) انظر: حول هندسة الوراثة وعلم الاستنساخ ص 24- 32.
(2) انظر: البيولوجيا الجزيئية ص15-60.
- Kumar & Clark, Clinical medicine, fifth international edition. British Medical Association. © Saunders, Elsevier limited 2004,pages163-171.(2/25)
...
وتقسم القواعد النيتروجينية أيضا إلى نوعين أساسيين: (1)
النوع الأول: يسمى بالبيورينات (Purines)، وهي أكبر حجما من النوع الثاني، ويدخل تحت هذا النوع الجوانين و السايتوسين، والنوع الثاني: يسمى بالبيريميدينات (pyrimidines) و هي أصغر حجما من النوع الأول، ويدخل تحتها السيتوسين والثيامين واليوراسيل، وبما أن حمض DNA عبارة عن خيطين متقابلين فإنه لا يتقابل نوع واحد من القواعد النيتروجينية على طول تلك السلسلة، فلا تتماثل القواعد النيتروجينة المتقابلة على الخيطين، ولكنها تكون مختلفة بشكل منتظم و محدد، وكل قاعدة نيتروجينية يقابلها نوع معين من القواعد النيتروجينية بصورة ثابتة لا تتبدل إطلاقاً وفقا للجدول التالي:
القاعدة الأولى ... ترتبط بهذه القاعدة دائماً
A
A
C
ونظرًا لأن القواعد النيتروجينية الموجودة في حمض DNA أربعة (أدنين A ، جوانين G ، ثايمين T ، سايتوسين C)، يمكن أن نحصل على (64) شيفرة ثلاثية مختلفة، ومن خلال التجارب المتعددة تم تحديد الشيفرة الثلاثية لكل حمض أميني معروف، علما بأن هناك أكثر من شيفرة ثلاثية لغالبية الأحماض الأمينية، فمثلاً للحمض الأميني أرجنين Arginine هناك ست شيفرات ثلاثية، كما أن بعض الشيفرات الثلاثية مكتوب أمامها قف Stop، وهذه الشيفرة الثلاثية تحدد انتهاء الترميز الخاص ببروتين ما . (2)
UGU } ... } ... UCU } ... }
UGC } cys ... UAC } tyr ... UCC } ser ... UUC } phe*
UGA } stop ... UAA } stop ... UCA } ... UUA }
UGG } trp ... UAG } ... UCG } ... UUG } leu
__________
(1) انظر: أساسيات علم الوراثة الطبية: د/مايكل كونرو ود/مالكولم فيرجسون - سميث ص 18- 20.
- Kumar & Clark, Clinical medicine, fifth international edition. British Medical Association. © Saunders, Elsevier limited 2004,page164.
(2) انظر: - Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, McGraw-Hill companies©2001,USA . Pages 223-225.(2/26)
CGU } ... } ... CCU } ... }
CGC } ... CAC } his ... CCC } pro ... CUC } leu
CGA } arg ... CAA } ... CCA } ... CUA }
CGG } ... CAG } gin ... CCG } ... CUG }
AGU } ... AAU } ... ACU } ... AUU }
AGC } ser ... AAC } asn ... ACC } thr ... AUC } iso
AGA } arg ... AAA } ... ACA } ... AUA }
AGG } ... AAG } lys ... ACG } ... AUG } met (start)
GGU } ... } ... GCU } ... }
GGC } ... GAC } asp ... GCC } ala ... GUC }
GGA } gly ... GAA } ... GCA } ... GUA } val
GGG } ... GAG } glu ... GCG } ... GUG }
1ـ الرموز المكتوبة باللون الأزرق تمثل الأحماض الأمينية.
2ـ الرمز Stop يشير إلى الشيفرة الوراثية التي تنهي بناء البروتين.
جدول احتمالات الشيفرة الثلاثية والأحماض الأمينية المرتبطة بها في RNA (1)
Alanine ... Glutamine ... Leucine ... Serine
Ala ـ ألانين ... Gin ـ جلوتامين ... Leu ـ ليوسين ... Ser ـ سيرين
Arginine ... Glutamic Acid ... Lesine ... Theronine
Arg ـ أرجينين ... Giu ـ حمض الجلوتاميك ... Lys ـ لايسين ... Thr ـ ثيرونين
Asparagine ... Glycine ... Methionine ... Tryptophone
Asn ـ أسباراجين ... Gly ـ جلايسين ... Met ـ ميثونين ... Trp ـ تربتوفان
Aspartic Acid ... Histdine ... Phenylalanine ... Tyrosine
Asp ـ حمض الأسبارتيك ... His ـ هيستدين ... Phe ـ فينايل ألانين ... Tyr ـ تيروسين
Cysteine ... Isoleucine ... Proline ... Valine
Cys ـ سيستين ... Iso ـ إيسولوسين ... Pro ـ برولين ... Val ـ فالين
بناء البروتين في الخلية: (2)
__________
(1) انظر: - Steven Rose, The Chemistry of Life, Penguin Books Ltd, Great Britain, © Steven Rose 1975,page170.
وانظر: حول هندسة الوراثة وعلم الاستنساخ ص 77- 78.
(2) انظر: - Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, McGraw- Hill companies©2001,USA.Pages(65-66)-(242-246).
- Steven Rose, The Chemistry of Life, Penguin Books Ltd, Great Britain, © Steven Rose
1975,page159.
- Kumar & Clark, Clinical medicine, fifth international edition. British Medical Association. © Saunders, Elsevier limited 2004,page164.
وانظر: حول هندسة الوراثة وعلم الاستنساخ ص 73- 80.(2/27)
حمض DNA الذي يحمل الشيفرة الثلاثية للأحماض الأمينية حبيس داخل نواة الخلية، وعملية بناء البروتين تتم على الرايبوسوم (مكون من وحدتان إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة من البروتينات وrRNA، والرايبوسوم محل بناء البروتين في الخلية) خارج النواة، فكيف تتحرك المعلومات التي يحملها حمض DNA من النواة إلي الرايبوسومات؟ وكيف تستخدم الخلية هذه المعلومات في بناء البروتينات؟ كل هذه الخطوات تتطلب وجود حمض نووي آخر هو حمض RNA، وهناك ثلاثة أنواع من حمض RNA هي (1) : mRNA (الحمض الرسول) وrRNA (الحمض الرايبوسومي) وtRNA (الحمض الناقل) .
1- ... بناء حمض mRNA الرسول Messenger RNA: (2)
حمض mRNA يحمل المعلومات طبقا للشيفرة الثلاثية الموجودة في حمض DNA الذي يعتبر قالبا لبنائه، ولا تمر ساعة على الخلية إلا وتقوم ببناء مئات أو آلاف الجزيئات من حمض mRNA من أجزاء مختلفة من حمض DNA:
أ - يبدأ بناء حمض mRNA عندما تتفكك سلسلتا حمض DNA عن بعضهما البعض في موقع محدد، وتكون نيوكليوتيدات حمض RNA الموجودة في النواة روابط هيدروجينية مع نيوكليوتيدات إحدى سلسلتي حمض DNA، وذلك وفق الترتيب التالي :
القاعدة النيتروجينية في حمض DNA ... القاعدة المكافئة لها من حمض RNA
أدنين A ... يوراسيل U
ثايمين T ... أدنين A
جوانين G ... سايتوسين C
سايتوسين C ... جوانين G
ب - ... ترتبط نيوكليوتيدات RNA التي اصطفت على طول قطعة DNA مع بعضها البعض مكونة سلسلة من حمض mRNA .
__________
(1) انظر: أساسيات علم الوراثة الطبية: د/مايكل كونرو ود/مالكولم فيرجسون - سميث، ص24، عصر الجينات ص22.
(2) انظر: -Steven Rose, The Chemistry of Life, Penguin Books Ltd, Great Britain, © Steven Rose 1975,pages 165-174.(2/28)
ج - ... تتفكك الروابط الهيدروجينية الموجودة بين نيوكليوتيدات mRNA ونيوكليوتيدات DNA ، وتبتعد سلسلة mRNA عن DNA الذي يعود بعد ذلك إلى الربط بين سلسلتيه مرة ثانية، ويسمى بناءmRNA بهذا الأسلوب نسخا Transcription، وتتابع القواعد النيتروجينية على mRNA الجديد هو التتابع المكمل تماما لما هو موجود على حمض DNA، أي أن الشيفرة التي كانت موجودة على DNA محمولة الآن على mRNA مع ملاحظة تبديل اليوراسيل بالأدنين، وكما هو الحال في حمض DNA فإن كل شيفرة ثلاثية ترمز لحمض أميني معين، مع مراعاة مبدأ التكافؤ بينهما والذي يمكن توضيحه في الجدول التالي:
الحمض الأميني ... الشيفرة على DNA ... الشيفرة المكافئة على RNA
تيروسين ... ATA ... UAU
ATG ... UAC
هيستدين ... GTA ... CAC
GTG
2 - حمض الرسول وبناء البروتين: (1)
يوجد في السيتوبلازم نوع آخر من أحماض RNA يعرف باسم حمض RNA الناقل Transfer ويرمز له بالرمز tRNA، وهو يختلف تماما عن تركيبmRNA ، فأحد طرفي tRNA يرتبط مع حمض أميني من السيتوبلازم، والطرف المقابل للجزيء يحمل شيفرة ثلاثية حرة تعرف باسم الشيفرة المكملة، ونوع الشيفرة المكملة علىtRNA يحدد نوع الحمض الأميني الذي يمكن أن يحمل على الطرف الآخر، وبعد خروج mRNA من النواة إلى السيتوبلازم فإنه يرتبط مع الرايبوسومات، ومع توفر tRNA فان خطوات البناء البروتيني تتم وفق الخطوات التالية:
1) ... يترك جزيء mRNA نواة الخلية من خلال ثقوب موجودة في الغشاء النووي إلى السيتوبلازم ويتجه إلى الرايبوسومات ويشتبك مع أحداها.
2) ... يحمل tRNA الأحماض الأمينية إلى الرايبوسومات.
__________
(1) انظر: علم الوراثة Genetics ، ماهي هندسة الوراثة، الاستنساخ، والتعديلات الجينية؟ ص 90- 94.(2/29)
3) ... تتقابل الشيفرة المكملة على tRNA مع مكملتها على mRNA بصورة منتظمة ومتتابعة، وتتكون بينهما روابط هيدروجينية، ونظرا لأن الأحماض الأمينية تكون محمولة على tRNA فإنها تصطف متتابعة وفق الشيفرة الموجودة على mRNA، التي أخذت أصلا من حمض DNA داخل النواة.
4) ... ترتبط الأحماض الأمينية المتتابعة بروابط ببتيدية مكونة بذلك البروتين.
5) ... تتفكك روابط tRNA من الأحماض الأمينية وmRNA، ومع تفكك كل tRNA عن الرايبوسومات تنتقل إلى الشيفرة الثلاثية التالية، حتى تصل إلى الشيفرة التي تعني انتهاء العمل ببناء البروتين المطلوب، وعملية بناء البروتينات تسمى الترجمة Translation، وعليه فحمض DNA يتحكم في صفات ووظائف الخلية عن طريق التحكم في تصنيع البروتينات. (1)
انتقال الصفات الوراثية من الخلية الأم إلى الخلايا الجديدة
عند انقسام الخلية الحية تتضاعف مجموعة العوامل الوراثية داخل النواة، خلالها يفقد الحمض النووي الديوكسي ريبوزيDNA حلزونيته، وينفصل الشريطان عن طريق كسر الروابط الضعيفة بين زوجي القواعد، ويشرع كل شريط في تكوين شريط جديد مكمل له، وذلك عن طريق ارتباط الوحدات المفردة (free nucleotides) بالقواعد الموجودة على الشريط القديم، ويتم ارتباط القواعد كما يلي: الأدنين مع الثيمين والسيتوزين مع الجوانين، وعندما يتم النسخ تتلقى كل خلية جديدة نسخة من حمض DNA مطابقة تمامًا لما في الخلية الأم وبنفس ترتيب القواعد النيتروجينية، إلا أن هذه النسخة الجديدة تحتوي على شريط قديم من الخلية الأم،
وشريط مماثل له تم نسخه أثناء عملية الانقسام، والملاحظ أن الالتزام بتتابع القواعد النيتروجينية يقلل جدًّا من فرص حدوث الطفرات التي قد تحدث تغيرات خطيرة في الخلايا الجديدة.
__________
(1) انظر: حول هندسة الوراثة وعلم الاستنساخ ص 72- 73.(2/30)
الكروموسومات أو الصبغات أو الأجسام الملونة (1)
الكروموسومات وحدات ميكروسكوبية في نواة الخلية، وهي عبارة عن قطع مستطيلة الشكل تشبه العصي الصغيرة، تتكون من حمض DNA المجدول والبروتينات، تتراص على طولها جينات وراثية، والخلية البشرية تحتوي على 46 كروموسوم، تتشكل على شكل أزواج، كل زوج عبارة عن كروموسومين متشابهين ومتقابلين، أحد هذين الزوجين من الأب و الآخر من الأم، وكل 23 زوج من الكروموسومات عبارة عن 22 زوجا من الكروموسومات الجسمية (غير الجنسية) وزوجا من الكروموسومات الجنسية، فكروموسوما الأنثى (xx)، وكروموسوما الذكر (xy)، وكل زوج من هذه الأزواج المتطابقة يعطيه الباحثون رقما يميزه عن غيره، ابتداء برقم واحد للزوج الأول من الكروموسومات إلى الزوج الأخير رقم 23، ونظراً لتشابه هذه الكروموسومات يقوم أخصائي المختبر بصبغها بمادة كيمائية، فتقوم الصبغة بتلوين الكروموسومات وتجعلها مخططة أفقيا، وكل خط أفقي يسمى مقطعا أو شريحة (BAND)، ويلاحظ أن الكروموسوم مكون من شرائط فاتحة وغامقة (bands Light& Dark)، ويمكن التعرف على الكروموسومات المختلفة باختلاف أحجامها ونموذج شرائطها banding pattern، وتحدث معظم الأمراض الوراثية لتغيير طفيف في الجينات (الطفرة Mutation)، وقليل منها لتغيرات شديدة في الكروموسومات يمكن اكتشافها بالميكروسكوب (كفقد أو اكتساب كروموسوم أو كسر جزء منه أو انتقال جزء من كروموسوم إلى آخر).
__________
(1) انظر: - C.O. Carter, Human Heredity, Penguin Books Ltd, Great Britain, © C.O. Carter pages 31-35.(2/31)
كل كروموسوم له علامات تميزه عن الكروموسومات الأخرى، وذلك عن طريق الاختلاف في الشكل وعدد الخطوط، وجميع الكروموسومات مقسمة إلى ثلاثة أجزاء، يسمى الجزء العلوي منها الذراع القصيرة ويرمز له بالحرف (p)، والجزء السفلي يسمى بالذراع الطويلة ويرمز له بالحرف (q)، والجزء الأوسط ويسمى المركز أوالسنترومير(Centromer). وفي بعض الكروموسومات تكون الذراع القصيرة صغيرة جدا مثل كروموسوم رقم 14و15 و21 و22 وY ، ولذلك يبدو المركز (Centromer) في أعلى الكروموسوم، فتسمى بالكروموسومات طرفية مركز (Acrocentericchromosome).
الجين (المورثة أو حاملة الصفات الوراثية) (Genes)
ظهرت كلمة الجين لأول مرة نحو عام 1909م، وهي كلمة لاتينية معناها (المولّد) أوالأصل، وفي عام 1910م نشر أول برهان على وجود موقع محدد لجين معين على كروموسوم معين، ثم في عام 1913م ظهرت أول خريطة وراثية تبين المواقع النسبية لستة جينات على كروموسوم واحد، ومع زيادة النظم التجريبية والتقنيات تغير خلال ثلاثة أرباع القرن مفهوم الجين، وعزم الباحثون على وضع خريطة في غاية التعقيد لجينات الإنسان التي تتراوح في كل خلية ما بين الخمسين إلى المائة ألف في مشروع الجينوم البشري (1) .
يحتوي كل جزيء من الحمض النووي الديوكسي ريبوزي منقوص الأوكسجين DNA على العديد من حاملات الصفات الوراثية التي تعرف بالجينات، والجين عبارة عن تتابع معين للقواعد النيتروجينية، والذي يحمل تعليمات محددة لتصنيع البروتينات المختلفة التي تكون أنسجة الكائن الحي والإنزيمات المطلوبة لوظائف الخلايا الحيوية والتفاعلات البيوكيمائية. (2)
__________
(1) انظر: الشفرة الوراثية للإنسان، تاريخ للأسس العلمية والتكنولوجية لخرطنة الجينات - ص 52.
(2) انظر: علم الوراثة Genetics ، ماهي هندسة الوراثة، الاستنساخ، والتعديلات الجينية؟ ص 39.(2/32)
كان يعتقد أن مجموعة العوامل الوراثية في الإنسان تتراوح بين 50 ألفًا إلى 100 ألف مورث، ولكن تبين للمختصين بعلم الوراثة أن مجموع المورثات في الخلية أقرب إلى 50 ألف بل ربما أقل من ذلك العدد، ويعتقد البعض أنها حوالي 30 ألف إلى 40 ألف مورث، والجدير بالذكر أن 10% فقط من (human genomes) يحتوي على تتابعات ترمز لبروتينات معينة أو ما يعرف بـ (exons) ويفصلها عن بعضها البعض تتابعات أخرى لا ترمز لبروتينات معينة وتسمى (introns) ويرجح أن وظيفتها تنظيم ومتابعة عمل (exons). (1)
مجموعة العوامل الوراثية ( الجينوم Genome) (2)
الجينوم التركيبة الكاملة للتعليمات الوراثية الخاصة بتكوين الكائن الحي، وتحتوي على البصمة التي تحدد جميع مكونات وأنشطة الخلية طوال حياة الكائن الحي، وهذه العوامل الوراثية موجودة على أشرطة حلزونية محكمة (tightly coiled threads) من الحمض الديوكسي ريبوزي (DNA) بالإضافة إلى جزيئيات من البروتين، وهما معا يكونان وحدات تسمى الكروموسومات، وعليها المورثات أو الجينات (Genes) التي تحدد صفات الكائن الحي.
التغيرات في المسلك الوراثي المندلي :
... كانت المشكلة الأساسية التي وقع فيها مندل بعد الانتهاء من تجاربه واستنتاجاته أنه افترض ثباتا في انتقال الصفات الوراثية من جيل إلى آخر، أي أن الصفات الوراثية جميعها تتبع قانون سيادة وانعزال العوامل الوراثية والتوزيع الحر لها، ولكن الواقع غير ذلك ، حيث أثبتت تجارب مورجان اختلافا في سلوك الصفات المتوارثة، وسبب ذلك:
1-الطفرات Mutations :
__________
(1) انظر: - Kumar & Clark, Clinical medicine, fifth international edition. British Medical Association. © Saunders,Elsevier limited 2004,page164.
(2) انظر: العصر الجينومي "استراتيجيات المستقبل البشري" ص 39-41.(2/33)
... إن صفات الفرد تحددها الجينات التي يرثها من والديه، ولكن يطرأ أحيانا تغيير على جين أو أكثر من جينات الفرد فتظهر لديه صفات جديدة لم يسبق لها الظهور في أسلافه، فذبابة الفاكهة لها زوجان من الأجنحة، بينما الذبابة العادية لها زوج واحد من الأجنحة، ومثل هذا التغيير الفجائي في الصفات الوراثية يسمى الطفرة، والطفرة بشكل عام تعني ظهور اختلافات أو صفات جديدة في النسل لم تكن موجودة في الآباء نتيجة لتغير في عدد الكروموسومات أو بنيتها أو تغير في بناء الجين الكيميائي أو موضعه بالنسبة لغيره من الجينات، وبناء على ذلك يمكن اعتبار الطفرة مصدرا أساسيا في التباين ونشأة الفروق الوراثية، والطفرة إذا حدثت في النسيج التناسلي فإنها تورث، أما إذا حدثت في النسيج الجسمي فإنها لا تورث، وقد تكون الطفرات تلقائية أومستحدثة.
تحدث الطفرات التلقائية في الطبيعة بشكل تلقائي بفعل المؤثرات البيئية المختلفة، كالأشعة فوق البنفسجية، أما الطفرات المستحدثة أوالاصطناعية فيحدثها الإنسان أو الباحثون باستخدام الأشعة المختلفة ( كالسينية وفوق البنفسجية والذرية وغيرها)، أو التفاعلات الكيميائية المختلفة أو درجات الحرارة المختلفة بغرض الدراسة وإجراء البحوث، ويمكن تقسيم الطفرات تبعا لمصدرها إلى طفرات كروموسومية ، وطفرات جينية:
أ - طفرات الكروموسومات :
وتنتج عند حدوث تغير في عدد الكروموسومات أو تركيبها وفقا لما يلي:
1) ... التغيرات العددية في الكروموسومات : (1)
__________
(1) انظر:
- Grove And Newell, Animal Biology, ninth edition, © University Tutorial Ltd, London
page 793.(2/34)
كل نوع من الكائنات يتميز أفراده بعدد معين وثابت من الكروموسومات، ومعظم الكائنات الحية تحمل في خلاياها مجموعتين متشابهتين من الكروموسومات (العدد الضعفي 2n) مجموعة من الأم وأخرى من الأب، ولكن أحيانا يزداد هذا العدد أو ينقص نتيجة لخلل، أو فشل في انفصال الكروموسومات كلها أو بعضها في المرحلة الانفصالية من الانقسام الاختزالي، بحيث يصبح 3n أو 4n، ويشيع هذا التغيير العددي في كروموسومات النبات أكثر منه في الحيوان، ويؤدي تضاعف المجموعات الكروموسومية في النبات إلى كبر حجم الخلايا ومن ثم إلى كبر حجم الثمار والأوراق وحجم النبات عموما، واستغل الإنسان هذه الخاصية لزيادة حجم محاصيله الزراعية، فعمد إلى استحداث طفرات اصطناعية لزيادة عدد الكروموسومات عن طريق استخدام مادة (اللحلاحين) colchicines المستخلصة من نبات اللحلاح، حيث تعمل هذه المادة على وقف تكوين خيوط المغزل في أثناء انقسام الخلية، وينتج عن ذلك عدم توزيع الكروموسومات نحو الأقطاب فتبقى في مكانها بعد أن تتضاعف، بحيث تنتهي هذه العملية بخلية واحدة بدلا من خليتين تحتوي على ضعف عدد الكروموسومات، ولوحظ أن معظم النباتات الاقتصادية مثل: القمح والشعير وقصب السكر والموز تمتاز بتعدد المجموعات الكروموسومية.
2) ... التغيرات التركيبية في الكروموسومات (1) : إن الصفات الوراثية قد تتغير أيضا تبعا لتغيرات تطرأ على قطع من الكروموسومات تحتوي على جينات عدة، ففي بعض الحالات تتكسر قطع من الكروموسومات بحيث ينتج عن تكسرها واحد من التغيرات الكروموسومية التركيبية الأربعة التالية :
ـ ... النقص Deletion: عندما تتحلل القطعة الناتجة عن الكسر وتفقد.
ـ ... الانقلاب Inversion: عندما تتحد قطعة منفصلة مع الكروموسوم نفسه بشكل مقلوب.
__________
(1) انظر: companies ©2001,USA. - Sylvia S. Mader, Biology, seventh
international edition, McGraw-Hill pages 196-197.(2/35)
ـ ... الزيادة Duplication: عندما تتحد القطعة المنفصلة مع الكروموسوم النظير.
ـ ... الانتقال Translocation: عندما تتحد القطعة المنفصلة مع كروموسوم مغاير.
ومن الأمثلة على التغيرات التركيبية في الكروموسومات وجود قطعة كروموسومية زائدة متصلة بالكروموسوم (Y) في ذبابة الفاكهة، مما نتج عنه تغير في :
1 - شكل العيون 2 - ظهور بقع سوداء على الناحية الظهرية للصدر 3 - عدم انتظام في تعرق الأجنحة 4 - أجنحة عريضة 5 - التواء الأرجل الخلفية.
ب - الطفرات الجينية (1)
وتنتج عند حدوث تغير في التركيب الكيميائي للجين، فكل جين يتركب من عدد من النيوكليوتيدات مرتبة وفق نظام معين، فإذا حدث تغيير في تركيب القواعد النيتروجينية فإن هذا يؤدي إلى تغيير في ترتيب الأحماض الأمينية المكونة للبروتين الذي يكون ذلك الجين مسؤولا عن بنائه، فهيموجلوبين الخلايا المنجلية يختلف عن هيموجلوبين الخلايا الطبيعية في إحلال حمض أميني( فالينValine) محل حمض أميني آخر(جلوتاميك Glutamic)، كما تحدث الطفرة الجينية إذا تغير موضع الجين على الكروموسوم.
2-انعدام السيادة:
__________
(1) انظر: علم الوراثة Genetics ، ما هي هندسة الوراثة، الاستنساخ، والتعديلات الجينية؟ ص41.
وانظر: - Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, McGraw-Hill companies©2001,USA. pages 258-261.
- Grove And Newell, ANIMAL BIOLOGY, ninth edition, © University Tutorial Ltd, London
page 794.(2/36)
من تجارب مندل في الوراثة تبين أن أفراد الجيل الأول ذو التركيب الجيني الهجين يكون مظهرهم الخارجي مطابقا تماما للمظهر الخارجي لأحد الأبوين، لأن الجين السائد في هؤلاء الأفراد يعبر عن نفسه في المظهر الخارجي، بعكس الجين المتنحي الذي لا أثر له في المظهر الخارجي، لكن لوحظ خروجا عن القاعدة المندلية (الصفة السائدة والصفة المتنحية)، حيث ظهرت حالات انعدام السيادة، حيث يحمل أفراد الجيل الأول صفة وسطية خليط بين صفتي الأبوين كما في المثال التالي:
عند تلقيح الأزهار البيضاء والحمراء في نبات شب الليل (البتونيا)، لوحظ أن جميع أفراد الجيل الأول وردية اللون، وتركيبها الجيني الهجين Rr، فوجود الجين R مع الجين r لا سيادة لأحدهما على الآخر، بل ظهرت صفة وسطية هي اللون الوردي للأزهار، أما عند تلقيح نباتات الجيل الأول (Rr، وردي) مع بعضها البعض فإن ناتج الجيل الثاني على النحو التالي: أحمر : وردي : أبيض
1 : 2 : 1
وفسر ذلك على أساس انعدام السيادة، فاللون الوردي نتج في هذه الحالة من اللونين الأحمر والأبيض معا، وهذا يعني أن كل جين يحتفظ بتأثيره المظهري في الفرد، لكنه لا يسود جين على آخر.
3-السيادة غير التامة : (1)
__________
(1) انظر: - Grove And Newell, ANIMAL BIOLOGY, ninth edition, © University Tutorial Ltd, London, pages787-790.(2/37)
... السيادة بالنسبة للصفات الوراثية والجينات التي تحملها مسألة نسبية، فقد وجد بين السيادة التامة في الصفات التي درسها مندل؛ وانعدام السيادة في المثال السابق؛ حالات من السيادة تتفاوت في قوتها وضعفها، وتسمى بالسيادة غير التامة، فأنيميا الخلية المنجلية Sickle cell anemia مرض وراثي، يؤدي إلى موت المريض إذا كانت الجينات متجانسة (SS)، حيثُ تكون كرات الدم الحمراء كلها منجلية، أما إذا كانت الجينات غير متجانسة (Ss) فإن كرات الدم الحمراء تكون من النوعين (المنجلي و العادي)، ويظهر الفرد سليماً معافى، ولكنه يعاني من الأنيميا بدرجات متفاوتة، تبعاً لمدى تعرض دمه إلى هواء قليل الأكسجين، فتتحول كرات الدم الحمراء الطبيعية إلى النوع المنجلي الشكل، فالجين المسؤول عن حمل المرض ونقله (s) يظهر تأثيره السائد في بعض الحالات، ففي هذه الحالة السيادة غير تامة أو ناقصة، وتظهر صفتا الأبوين بنسب متفاوتة، بينما في حالة انعدام السيادة تظهر صفة جديدة لم تكن معروفة في الأبوين.
4 - الجينات المميتة Lethal genes : (1)
عندما يتزاوج فأر ذكر أصفر اللون مع أنثى صفراء اللون تنتج عنهما دائماً أفراد صفراء وأفراد سوداء بنسبة 2 : 1، ويدل وجود الأفراد السوداء في النسل الناتج على وجود جينات اللون الأسود في الأبوين الأصفرين، ويدل أيضا على أن جين اللون الأسود متنح ، وأن كلا من الأبوين هجين لصفة اللون، فإذا كان جين اللون الأصفر هو (Y) وجين اللون الأسود هو (y) فإن التركيب الجيني لكل من الأبوين يكون (Yy)، والمتوقع عند تزاوج هذين الأبوين إنتاج أفراد صفراء وأفراد سوداء بنسبة 3 أصفر : 1 أصفر كما يلي :
الآباء : ... Yy × Yy
الأمشاج : ... Y y Y y
y
Yy
yy
الأبناء :
... 1- ( YY ) نقي لجينات اللون الأصفر (يموت وهو جنين) .
__________
(1) انظر: - McElroy & Swanson, Foundations Of Biology, © Prentice-Hall, Inc. page 334.(2/38)
... 2- ( Yy ) هجين لجينات اللون الأصفر (مظهرياً أصفر) .
... 3- ( yy ) نقي لجينات اللون الأسود (مظهرياً أسود) .
لكن النسبة الفعلية دائماً 2 أصفر : 1 أسود أي أنها تنقص عن النسبة المتوقعة بمقدار 3/1 نسبة الأفراد الصفر، وهذا النقص يساوي نسبة الأفراد النقية لجينات اللون الأصفر (YY)، إلا أن هذه الأفراد النقية تموت في أثناء تشكلها الجنيني فلا تولد، فلا تدخل في حساب نسبة الأبناء، وهذه الجينات التي يؤدي وجودها في حالة زوجية نقية إلى موت الفرد تعرف بالجينات المميتة، ومنها ما هو سائد كجين اللون الأصفر في الفئران ، ومنها ما هو متنح كجين عدم تكون الكلوروفيل في النبات .
5 - الارتباط والعبور Gene Linkage and Crossing over : ) (1) (
أ. الارتباط : وفقاً للنظرية الكروموسية للوراثة فإن الكروموسومات تحمل الجينات، وكل كروموسوم يحمل عددًا كبيرًا من الجينات، لأن عدد الجينات أكثر بكثير من عدد الكروموسومات، وبما أن الكروموسومات تنتقل من جيل إلى آخر عن طريق الأمشاج، فإن مجموعة الجينات التي يحملها الكروموسوم تورث معاً، فتعرف بأنها مرتبطة، فالارتباط يعني أن الجينات المحمولة على كروموسوم ما تكون مرتبطة معاً وليست مستقلة، بل تورث كمجموعة واحدة، فعدد المجموعات الوراثية يساوي العدد الزوجي (الضعفي) للكروموسومات، وفي الإنسان 23 زوجاً من الكروموسومات، أي 23 مجموعة وراثية، نصفها من الأب، ونصفها الآخر من الأم .
__________
(1) انظر: - C.D.Darlington, Genetics and Man, Penguin Books Ltd, Great Britain, © Allen & Unwin,pages111-115 .(2/39)
وفقاً لقانون التوزيع الحر لمندل يورث كل زوج من الجينات المتقابلة مستقلاً عن غيره من الأزواج الأخرى التي على نفس الكروموسوم، وهذا يعني أن الارتباط لا يتبع قانون التوزيع المستقل. إن الجينات المرتبطة معاً على كروموسوم واحد؛ لا يمكنها أن تنعزل عن بعضها، بل تنتقل معاً في الانقسام الاختزالي عند تكوين الأمشاج، أما الجينات المحمولة على كروموسومات مختلفة تنعزل مستقلة عن بعضها البعض عند تكوين الأمشاج، والصفات الوراثية السبع التي درسها مندل في نبات البازلاء كان جين كل منها على كروموسوم مختلف، فانعزلت الصفات الوراثية مستقلة عن بعضها البعض أثناء الانقسام الاختزالي، وعليه فقانون التوزيع الحر لمندل صحيح للجينات المحمولة على كروموسومات مختلفة، لا المحمولة على كروموسوم واحد، وهذا شرط أساسي في دراسة الصفات الوراثية التي تتبع قوانين مندل، فجهود الباحثين تتضافر جيلاً بعد جيل للكشف عن الحقائق العلمية تباعا، وفهم القوانين العلمية يتغير ويتطور كلما حصلنا على مزيد من الحقائق والبيانات.(2/40)
ب. العبور : قد يعني الارتباط ثباتاً في توارث الجينات والصفات الوراثية، إلا أن الدراسات أثبتت أن الارتباط غير مطلق، حيثُ إن الجينات المرتبطة معاً على كروموسوم واحد يمكنها أحياناً أن تنفصل عن بعضها، وتنتقل من كروموسوم إلى آخر نظير، وهو ما يسمى "العبور". يحدث العبور أثناء الانقسام الاختزالي، حيثُ تكون الكروماتيدات المتقابلة في الكروموسومات المتشابهة متصلة مع بعضها في نقطة واحدة أو أكثر، وتسمى نقاط الاتصال كيازمات ومفردها كيازما (Chiasme)، وأثناء انفصال الكروموسومات في المرحلة الانفصالية يحدث قطع أحيانا للكروماتيدات عند الكيازما، ينتج منه تبادل في قطع الكروماتيدات المتقابلة، فالعبور يحدث بين الكروماتيدات وليس بين الكروموسومات، فتتغير مجموعة الصفات المتلازمة، وينتج عن العبور ارتباطات جديدة تستقر في الأمشاج، فالعبور وسيلة من وسائل التنوع والتغير في المسلك الوراثي المندلي. (1)
الوراثة البشرية والهندسة الوراثية :
الوراثة البشرية Genetics علم يبحث في انتقال الصفات الوراثية في الإنسان، وقد اكتسب أهمية خاصة بعد الإنجازات الضخمة في مجال الهندسة الوراثية، ولاسيما أن الإنسان لا يعتبر كائناً نموذجياً للأبحاث الوراثية، فمن الصعوبات التي تعيق دراسة الوراثة في الإنسان: ـ
1) ... لا يمكن التحكم في التزاوج في الجنس البشري لأسباب دينية وأخلاقية واجتماعية.
2) ... طول عمر الإنسان لا يتيح الفرصة لباحث واحد أن يتتبع أكثر من بضعة أجيال.
3) ... طول الفترة الزمنية للوصول إلى سن البلوغ، فلا يمكن إجراء تزاوج بين أفراد الجنس البشري قبل البلوغ وإنتاج الخلايا التناسلية.
4) ... كثرة عدد الكروموسومات في الإنسان، حيثُ تحتوي الخلايا الجسمية على 46 كروموسوماً، وتحتوي الخلايا التناسلية على23 كروموسوماً، فيصعب على الباحث تتبع سلوك هذا العدد من الكروموسومات.
__________
(1) انظر: حول هندسة الوراثة وعلم الاستنساخ ص 41- 51.(2/41)
5) ... بعض الصفات الوراثية في الإنسان يتحكم فيها أكثر من زوج واحد من الجينات كالطول ولون الجلد .
6) ... طول مدة الحمل التي تبلغ تسعة أشهر، فهي طويلة لدراسة أو متابعة الأبحاث الوراثية .
7) ... من الصعب وضع الإنسان تحت اختبارات تجريبية، كدراسة تأثير صفة معينة إذا ما قورن بالكائنات أخرى، فتعتمد الوراثة في الإنسان على ملاحظة ظهور صفات في الأفراد ثم دراستها في الأقارب والأبناء.
8) ... يميل أغلب الناس إلى إخفاء الصفات الوراثية غير المرغوب فيها، فتكمن الصعوبة في الحصول على المعلومات الوراثية في الإنسان، لذا يعتمد الباحثون أساليب أخرى للحصول على المعلومات الوراثية عن الصفات الوراثية البشرية.
سجلات النسب: (1)
يمكن توضيح انتقال صفة وراثية بين أفراد العائلة الواحدة باستخدام رسم معين أو خريطة تعرف باسم سجل النسب (Family Pedigree)، وتفيد هذه الخرائط في تتبع الصفات الوراثية المختلفة ولاسيما التي ترتبط بالتشوهات أوالأمراض الوراثية، كما أنها تساعد على التنبؤ باحتمال ظهور صفات وراثية محددة في الأجيال المقبلة، ومعرفة الصفات السائدة والمتنحية، وتساعد الأطباء في مجال الاستشارة الوراثية (Genetic counseling) ومن الرموز المستخدمة حاليا في سجلات النسب:
... ( ... للفرد الذكر .
... O ... للفرد الأنثى .
... ( ... للفرد غير معروف الجنس للشخص الذي قام بتسجيل بيانات السجل. ...
... ويمكن توضيح توارث صفة وراثية باستخدام سجل النسب بالمثال التالي :
ـ نقص الصبغ الجلدي (البهاق) Albinism (2) :
__________
(1) انظر: - C.O. Carter, Human Heredity, Penguin Books Ltd, Great Britain, © C.O.Carter pages49,52,138,167-179.
(2) انظر: المصدر السابق 90-91.(2/42)
البهاق ناجم عن نقص أو انعدام صبغة الميلانين في الجلد والشعر والعين والرموش، والعامل الوراثي المتنحي لهذه الحالة يرمز له بالرمز a، ويرمز إلى أليله الخاص باللون العادي بالرمز A ويكون الفرد الحامل للعاملين المتنحيين aa أبهقا، بينما يكون الأفراد الحاملين للعاملين AA أو Aa عاديين من حيثُ لون الجلد.
فإذا ظهر في عائلة لها ستة أبناء اثنان يحملان صفة البهاق، فأغلب الظن أن التركيب الجيني لكل من الأبوين هو Aa، مما أتاح الفرصة لتواجد عاملي هذه الصفة aa معاً في اثنين من الأبناء، وعندما تزوج أحد هذين الابنين بامرأة عادية أنجبا ولدا عادي اللون وابنتين عديمتي الصبغة.
عمل مخطط للكروموسومات Karyotype : (1)
... لقد تمكن علماء الوراثة من تطوير التقنيات لدراسة الكروموسومات في الإنسان، ففي أحد هذه التقنيات تُسحب عينة من دم الإنسان أو من نخاع عظامه أو من جلده، ثم تنمى الخلايا في المختبر باستخدام محاليل خاصة، وبعد يومين أو ثلاثة تضاف مواد كيميائية توقف الانقسام في الخلايا بحيث يمكن رؤية الكروموسومات بالمجهر وتصويرها وتكبيرها إلى الحجم المناسب، وقد استفاد علماء الاستشارة الوراثية من هذه المخططات في معرفة اضطرابات الكروموسومات، لما لها من دور في ظهور بعض الأمراض الوراثية، ومن الحالات المعروفة في هذا المجال : (2)
1) متزامنة تيرنر Turner`s syndrome (2n -1 = 45 كروموسوماً ) :
__________
(1) انظر: - Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, © McGraw-Hill companies 2001,USA pages202-211.
(2) انظر: أساسيات علم الوراثة الطبية: د/مايكل كونرو ود/مالكولم فيرجسون - سميث ص 272- 301.(2/43)
تعرف متزامنة تيرنر بحالة المرأة ذات أل 45 كروموسوماً، وتنتج عن فقدان أحد كروموسومات الجنس (X) بحيثُ يكون التركيب الكروموسومي مكون من 44 كروموسوماً جسميا وكروموسوم جنس واحد فقط، وتكون الأنثى في هذه الحالة عقيمة، تتميز بقامة ورقبة قصيرتين، وتبدو عادية المظهر، ويمكن أن تتزوج ولكنها لا تنجب أطفالاً، وفقدان أحد كروموسومي الجنس في هذه الأنثى يؤدي إلى عدم وجود مبيض أو إلى ضموره، بحيث إن وجد لا يستطيع تكوين بويضات، والدورة الشهرية لهذه الأنثى تكون غائبة تماماً منذُ البلوغ .
2) متزامنة الكلاينفلتر syndrome Klinefelter`s :
تعرف متزامنة الكلاينفلتر بحالة الرجل ذي 47 كروموسوماً، وتنتج عن وجود كروموسوم (X) زائد، بحيثُ يكون التركيب الكروموسومي: 2 + 1 = 44 كروموسوماً جسميا + XXY = 47 كروموسوماً، ويكون المولود ذكراً عقيماً، طويل الجسم، لا تظهر عليه الصفات الجنسية الثانوية للذكور، بل تظهر عليه بعض الصفات الجنسية الثانوية للإناث، مثل عدم نمو شعر الذقن، ونعومة الصوت، وبروز الصدر، واتساع الحوض .
3) متزامنة داون أو المنغولية syndrome (Mongolian) Down`s :
عند تكوين الأمشاج في الإنسان لا ينفصل أحيانا الزوج الكروموسومي رقم (21)، فينتج عن(2/44)
ذلك زيادة في عدد الكروموسومات الجسمية، بحيث يصبح العدد الكلي للكروموسومات 47 كروموسوماً، ويكون رأس الطفل - ذكراً أو أنثى- كبيراً، وعيونه منغولية، وقواه العقلية متخلفة إلى حد كبير، فدرجة ذكاء البالغ 16 سنة من عمره مساوية لدرجة ذكاء طفل عمره 4 سنوات، ومن الصعب أن يعتمد المنغولي على نفسه، بل لابد من تربيته تربية خاصة في مدارس أو معاهد خاصة، ويعتبر مرض داون من الأمراض الوراثية المنتشرة في العالم، وتزيد نسبة حدوثه إذا كانت الأم كبيرة في السن، أو إذا كانت تتعاطى المخدرات والمسكرات وحبوب الهلوسة، وثبت أن هناك علاقة بين المخدرات والشذوذ الكروموسومي الذي يحدث أثناء الانقسام الاختزالي في مراحل تكوين الخلايا التناسلية .
التوائم Twins :
استفاد علماء الوراثة من ظاهرة التوائم في محاولة تفسير انتقال الصفات الوراثية في الإنسان، والتوائم نوعان :
1) التوائم المتشابهة Identical twins (momnozygotic) : (1)
وهو نوع ينتج عن بويضة واحدة، تخصب بحيوان منوي واحد، إلا أنها في بدء انقسامها تنفصل إلى قسمين، فينمو كل قسم مكوناً جنيناً مستقلاً، وتتصل هذه الأجنة بالأم بمشيمة واحدة، وتتشابه هذه التوائم في جميع الصفات الوراثية، لأنها نتجت عن بويضة مخصبة واحدة، كما تكون من جنس واحد، إما ذكوراً أو إناثاً .
2) التوائم غير المتشابهة Fraternal twins (dizygotic) : (2)
__________
(1) انظر:
- C.O. Carter, Human Heredity, Penguin Books Ltd, Great Britain, © C.O. Carter.pages 13-15.
- McElroy & Swanson, Foundations Of Biology, © Prentice-Hall, Inc. pages368-370.
(2) انظر:
- T.W.Sadler,Ph.D, Medical Embryology, Langman's ,eighth edition. © Lippincott Williams & Wilkins 2000,pages150-152.(2/45)
ينتج هذا النوع عن بويضتين أخصب كلاً منهما حيوان منوي مستقل، فينتج عنهما بويضتان مخصبتان تتصل كل منهما بجدار الرحم بمشيمة خاصة، والصفات الوراثية لهذا النوع من التوائم تختلف كما في الأشقاء، وقد تكون من جنس واحد أو جنسين مختلفين. وهناك نوع نادر من التوائم المتشابهة يكون الفردان فيه ملتصقين من الناحية البطنية أو الظهرية، ويسمى بالتوائم المتصلة أو السيامية، نسبة إلى أول حادثة من هذا القبيل، هي حالة توأمين ذكرين سياميين ولدا عام 1811 ، وقد نجحت محاولات عديدة حديثة في القرن الحالي لفصل التوأمين والإبقاء عليهما أحياء. والتوأمان المتشابهان يعتبر الواحد منهما مرآة للآخر، فإذا كان أحدهما أعسر فإن الآخر يكون أيمن، وإذا كان اتجاه نمو شعر أحدهما باتجاه عقارب الساعة فإن الآخر يكون بعكس عقارب الساعة، وجيناتهما متشابهة تماماً، وكل الصفات الوراثية مثل الجنس ولون العيون ومجموعة الدم وغيرها تكون متشابهة تماماً، أما الصفات الأخرى التي تتأثر بالوراثة والبيئة معاً كالوزن مثلاً فقد يحدث الاختلاف فيها بين التوائم المتشابهة.
الصفات المندلية في الإنسان :
1) ... وراثة قصر النظر Myopia
... تعزى وراثة قصر النظر (عدم الرؤية الواضحة على مسافات بعيدة) إلى جين سائد يرمز له بالرمز M، بينما الأليل المقابل الخاص بالنظر العادي بالرمز m، فإذا تزوج رجل قصير النظر هجين Mm بامرأة عادية النظر mm يعاني نصف الأبناء من قصر النظر، أما النصف الآخر فيكون نظرهم عاديا، أما إذا كان الوالدان كلاهما قصير النظر بصورة هجين يأتي الأبناء على النحو التالي: 25 % مصابون بقصر نظر نقي، و50 % مصابون بقصر نظر هجين، و25 % نظرهم عادي:
MM %25 ... %50 ... mm %25
2) ... وراثة ثني اللسان Tongue rolling
إن صفة ثني اللسان سائدة على صفة عدم المقدرة على ذلك. ومن الصفات المندلية الأخرى في الإنسان :
ـ ... انحناء إصبع الإبهام ( صفة متنحية ) .(2/46)
ـ ... التحام شحمة الأذن ( صفة متنحية ) .
الصفات غير المندلية عند الإنسان :
1) تعدد البدائل: (1)
ينص قانون السيادة لمندل على أن كل صفة وراثية يحكمها عاملان (أو جينان) يوجدان في خلايا الكائن الحي، والملاحظ أن أليلات الصفة الواحدة تشغل الموقع نفسه على الكروموسومين النظيرين، وهناك حالات يكون للصفة الوراثية الواحدة عدة أليلات (أكثر من زوج)، ومهما كان عدد البدائل الخاصة بأي صفة، فإنه لا توجد في خلايا الفرد إلا بديلين اثنين فقط، كما أنه لا يوجد في المشيج المذكر أو المؤنث سوى بديل واحد فقط، ومن أمثلة تعدد البدائل في الإنسان حالة توارث فصائل الدم، فهناك أربع فصائل من الدم : A ، B ، AB ، O ويسيطر على توارث هذه الفصائل ثلاث أليلات هي B ، O ، A ، والتركيب الجيني لكل من هذه الفصائل كما يلي :
الفصيلة ... التركيب الجيني
A ... , AA
B ... , BB
AB
O
والملاحظ أن كلاً من: 1)A ، B يسود سيادة تامة على O .
2) A ، B إذا اجتمعا فإن أحدهما لا يسود على الآخر (حالة
انعدام سيادة) .
إن توارث الفصائل الدموية في الإنسان يعتبر من تعدد البدائل، وتظهر فيه حالة انعدام السيادة في AB، كما تظهر فيه السيادة التامة في AO و BO، ولمعرفة فصائل الدم أهمية كبيرة في عمليات نقل الدم والطب الشرعي .
مثال : ادعت امرأة أبوة رجل لطفلها، وعندما فحصت دماؤهم وجد أن فصيلة دمها من نوع A وفصيلة دم الرجل من نوع AB وفصيلة دم الابن من نوع O.
حكم الطب الشرعي:
... فصيلة دم الأم A وبذلك فإن تركيبها الجيني AA أو AO .
... فصيلة دم الرجل AB وبذلك فإن تركيبة الجيني AB .
... فصيلة دم الابن O وبذلك فإن تركيبها الجيني OO.
... واحتمال فصائل دم الأبناء عند التزاوج كما يلي:
الاحتمال الأول ... الاحتمال الثاني
الآباء ... AA ... AB ... AO ... AB
الأمشاج ... A A ... A B ... A O ... A B
الأبناء ... AA ... AB ... AO AA ... AB
__________
(1) انظر: - McElroy & Swanson, Foundations Of Biology, © Prentice-Hall, Inc- page 210.(2/47)
فصائل الدم A أو AB ... فصائل الدم A , B , AB
فلا يوجد أبناء من فصيلة دم (O)، فلا يمكن أن يكون هذا الرجل أباً للطفل، والطب الشرعي يستطيع نفي الأبوة ولكنه لا يستطيع إثباتها بفصائل الدم.
2) تراكم الجينات: (1)
بعض الصفات الوراثية في الإنسان تبدي تنوعاً متدرجاً كما هو الحال في توارث صفة طول القامة أو لون الجلد أو لون العينين، وتفسر هذه الحالات بأن الصفة الوراثية يحكمها أكثر من زوج واحد من الجينات، وتسمى هذه الحالة من التوارث بالوراثة الكمية أو تراكم الجينات، فلون البشرة في الإنسان يتحكم في توارثه زوجان من الجينات، تعمل جميعاً على تحديد مقدار صبغة الميلانين في الجلد .
( 1 ) : ففي حالة التزاوج التالي :
أبيض ... أسود
الآباء ... aabb ... × ... AABB
الأمشاج ... ab ab ... AB AB
جميع الأبناء ... AaBb أسمر ضارب للصفرة
... (2 ) وفي حالة التزاوج التالي :
... ... Aa Bb أسمر ضارب للصفرة ... × ... Aa Bb أسمر ضارب للصفرة
... احتمالات الأبناء موضحة بالجدول التالي :
المظهر الخارجي ... التركيب الجيني
أسود ... AABB
أسمر ... AABb , AaBB
أسمر ضارب للصفرة ... AAbb , AaBb , aaBB
حنطي ... aaBb , Aabb
أبيض ... aabb
تحديد الجنس في الإنسان : (2)
__________
(1) انظر: - Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, © McGraw-Hill companies 2001,USA,page210.
(2) انظر: الحياة وعلم الوراثة ص 28، علم الوراثة Genetics ص103.(2/48)
... عدد الكروموسومات في كل خلية من خلايا جسم الإنسان 46 كروموسوماً (2n = 23 زوجاً)، ويوجد في خلية الذكر 22 زوجاً من الكروموسومات الجسمية، والزوج الثالث والعشرون غير متماثلين ويسميان بالكروموسومين الجنسيين ويرمز لهما (XY)، أما خلية الأنثى فيوجد فيها 22 زوجاً من الكروموسومات الجسمية، إضافة إلى زوج متماثل من الكروموسومات الجنسية (XX)، وعند انقسام الخلايا التناسلية اختزالياً تنتج الأنثى أمشاجاً تحتوي على 22 كروموسوماً جسميا وكروموسوم جنسي (X)، بينما ينتج الذكر نوعين من الأمشاج في أحدهما 22 كروموسوماً جسميا وكروموسوم جنسي (Y)، وفي الآخر 22 كروموسوماً جسميا وكروموسوم جنسي (X)، فإذا أخصب حيوان منوي يحمل الكروموسوم الجنسي (X) بويضة جاء المولود أنثى (XX)، أما إذا أخصب حيوان منوي يحمل الكروموسوم الجنسي (Y) بويضة جاء المولود ذكراً (XY)، ويوضح الجدول التالي ذلك :
الأب ... × ... الأم
XY ... XX
الأمشاج ... X Y ... X X
الأبناء : XY ذكر XX أنثى
y ... X
XY
XY
فنسبة الذكور (XY) إلى الإناث (XX) هي 1 : 1 ، فالأب هو المسؤول عن تحديد جنس المولود، لأنه ينتج نوعين مختلفين من الحيوانات المنوية، بينما تنتج الأم نوعاً واحداً من البويضات.
الصفات المرتبطة بالجنس : (1)
إن بعض الصفات الوراثية توجد جيناتها على الكروموسوم (X)، ولذلك فإنها تعرف بالصفات المرتبطة بالجنس، مثل مرض نزف الدم ومرض عمى الألوان، وفيما يلي السلوك الوراثي لمرض عمى الألوان كمثال على كيفية توارث مثل هذه الأمراض بصفة عامة.
السلوك الوراثي لمرض عمى الألوان كصفة مرتبطة بالجنس:
__________
(1) انظر: الحياة وعلم الوراثة ص 45-47، أساسيات علم الوراثة الطبية: د/مايكل كونرو ود/مالكولم فيرجسون
ص155-169.(2/49)
الشخص المصاب بمرض عمى الألوان لا يستطيع التمييز بين اللون الأحمر واللون الأخضر واللون الرمادي، وهناك تفاوت بين المصابين من حيثُ القدرة على التمييز بين هذه الألوان، فمنهم من يستطيع التمييز بين اللون الأحمر واللون الأخضر في الضوء القوي فقط، ومنهم من لا يستطيع التمييز بين هذه الألوان مطلقاً، وتقوم الجهات المعنية عادة بكشف طبي عن مرض عمى الألوان للراغبين في الحصول على إجازة لقيادة السيارة، والأشخاص المصابون بهذا المرض لا يمنحون مثل هذه الإجازة. إن مرض عمى الألوان صفة متنحية مرتبطة بالجنس، ويرمز لجين المرض بالحرف n صغيراً كصفة متنحية، وللجين المضاد بالحرف N كبيراً فتكون المرأة:
أ. ... مصابة بالمرض XnXn
ب. ... حاملة للمرض XNXn ... ... (سليمة ظاهرياً لكنها تحمل جين المرض)
ج. ... سليمة XNXN
أما الرجل فيكون:
أ. ... مصاباً بالمرض XnY
ب. ... سليماً XNY
... وعندما يتزوج رجل مصاب بمرض عمى الألوان من امرأة سليمة فإن أولادهما جميعهم من الذكور يكونون سليمين، أما البنات فيكنَّ حاملات للمرض كما يلي :
أب مصاب بعمى الألوان ... × ... أم سليمة
الآباء ... XnY ... XNXN
الأمشاج ... Xn Y ... XN XN
الأبناء ... XNY ... XNXn
ذكر سليم ... أنثى حاملة المرض
أما إذا تزوج رجل سليم من امرأة مصابة بمرض عمى الألوان فإن أولادهم جميعهم من الذكور يكونون مصابين بالمرض، أما البنات فيكن حاملات للمرض، فالأب ليس له أي تأثير في أولاده الذكور بالنسبة للمرض لأنه يعطيهم الكروموسوم (Y) الخالي من جين المرض، ولكن تأثيره يظهر على بناته لأنه يعطيهن الكروموسوم (X) الحامل لجين المرض أو للجين الخالي من المرض. (1)
الصفات المتأثرة بالجنس : (2)
1) الصلع Boldness :
__________
(1) انظر: حول هندسة الوراثة وعلم الاستنساخ ص 17-22.
(2) انظر:
-C.O. Carter, Human Heredity, Penguin Books Ltd, Great Britain, © C.O. Carter.page52.(2/50)
يظهر الصلع في الذكور ولكنه نادر الحدوث في الإناث، ويتراوح الصلع ما بين الضعيف إلى الصلع الشامل للرأس كله، ويتحكم في هذه الصفة زوج من الجينات محمولة على الكروموسومات الجسمية، وبالرغم من أن الصلع وراثي إلا أن التأثير المباشر يرجع إلى هرمون التستوستيرون Testosterone الذي تفرزه الخصية .
ويرمز للجين الحامل لصفة الصلع B والجين المقابل له الخاص بالشعر العادي b، ويكون النمط الجيني والمظهري كما يلي :
النمط المظهري للرجل ... النمط المظهري للمرأة ... التركيب الجيني
عادي ... عادي ... bb
أصلع ... عادي ... Bb
أصلع ... صلعاء ... BB
وسبب اختلاف النمط المظهري للرجل عن المرأة مع تشابه التركيب الجيني لكل منها في Bb يرجع إلى الهرمونات الذكرية التي تظهر صفة الصلع عند الرجل ولا تظهرها عند المرأة .
2) النقرس Gout :
يظهر النقرس في الذكور أكثر منه في الإناث، ويرجع ذلك إلى هرمون الذكورة، فالنقرس يندر حدوثه في الإناث قبل سن اليأس ويزيد بعد ذلك، ويتبع في توارثه أسلوب الصلع.
الجينات المميتة :
الجينات المميتة من التغيرات في المسلك الوراثي المندلي، وفي الإنسان وجدت حالات عدة منها:
1) البله المميت :
وسبب البله المميت جين وراثي متنح، فإذا وجد الجين المسبب لهذا المرض في الأبوين فإن المواليد يبدون عاديين عند ولادتهم، ثم يخبو بصرهم تدريجياً عند عمر 4 إلى 7 سنوات، وفي النهاية يصابون بالعمى مع تدهور في القوى العقلية والجسمية ثم الموت .
2) قصر السلاميات:
قصر سلاميات أو عُقل الإصبع الثاني لليد والقدم، بسبب جين وراثي متنحٍ له تأثير مميت، فإذا كان الأبوان يحملان هذه الصفة كان مؤشرا قويا على احتمال ظهور المرض بنمط نقي للعوامل الوراثية في الأبناء، مما يسبب موتهم خلال العام الأول بعد الولادة .
3) القزمية:
حالة مرضية وراثية يكون فيها الصدر صغيراً جداً بالنسبة للبطن، بسبب عامل وراثي متنحٍ مميت إذا تواجد بنمط نقي مزدوج، ويموت المريض في عمر مبكر .(2/51)
4) الجلد الجاف الوراثي:
مرض وراثي يكون فيه الجلد شديد الجفاف، بسبب عامل متنح مميت، فإذا اجتمع عاملا المرض معاً فإن المولود لا يعيش أكثر من أسبوع واحد بعد الولادة.
الاستشارة الوراثية : (1)
أحرزت العلوم الطبية الوراثية والجراحية تقدما كبيرا في التغلب على الآثار الخطيرة لبعض الجينات الموروثة، فقد أمكن أن يعيش الطفل الذي يعاني من أنيميا الخلايا المنجلية حياة عادية باستبدال الدم، والطفل الذي يولد بقلب مشوه وراثيا يخلط بين الدم المؤكسد وغير المؤكسد والذي كان يسبب الموت عادة، أمكن معالجة التشوه الخلقي في قلب الطفل بالجراحة بحيثُ يكمل حياته بصورة طبيعية .
إن معظم الأمراض الوراثية يصعب علاجها إن لم يكن مستحيلا، ولكن يمكن تحاشيها، ولهذا تبرز أهمية الاستشارات الوراثية، وخاصة بالنسبة للراغبين في الزواج والإنجاب، والمعروف أن زواج الأقارب عادة ما يؤدي إلى إنتاج سلالات ضعيفة فيها الكثير من أوجه النقص بسبب تجمع الكثير من الجينات الضارة المتنحية جيلا بعد جيل، ولاسيما الزواج بين الأقارب وثيقي القربى يتيح فرصة أكبر للآثار السلبية للجينات المتنحية، وتنتشر في كثير من بلدان العالم عيادات للاستشارات الوراثية، يعمل فيها اختصاصيون على إرشاد الذين يحتمل حملهم لبعض جينات التشوه والأمراض الوراثية، أو يعلمون بوجودها في بعض أفراد عائلاتهم، ويخشون ظهورها في نسلهم.
الهندسة الوراثية في الاصطلاح العلمي الحديث Genetic Engineering: (2)
__________
(1) انظر: أساسيات علم الوراثة الطبية: د/مايكل كونرو ود/مالكولم فيرجسون - سميث ص 247- 265.
(2) انظر: مدخل إلى علم الوراثة (مبادئ الهندسة الوراثية 267- 284).(2/52)
شهد النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين مولد الوراثة الجزيئية Molecular Genetics مع اكتشاف الحلزون المزدوج للحمض النووي DNA، الذي أعلنه واتسون وكريك عام 1953م، لتوضيح تركيب جزيء DNA باعتباره مادة الوراثة، حيثُ تكمن العوامل الوراثية المسئولة عن الصفات المختلفة للكائن الحي في تتابع القواعد النيتروجينية الموجودة على شريط DNA في النواة، وأعقب ذلك تطورات متلاحقة في الستينيات لمعرفة الأساس الجزيئي لتضاعف جزيء DNA والتركيب الدقيق للجين والنظم الوراثية والبيوكيميائية المسيطرة على معدل التعبير الجيني، ثم توالت الاكتشافات حتى جاء ميلاد الهندسة الوراثية أو تقنية الجين Technology Gene في منتصف السبعينيات، وتشكل الهندسة الوراثية Genetic Engineering جزءًا من الثورة البيولوجية الحديثة المرتبطة بمجموعة من التجارب العلمية التي ظهرت حديثاً في مجال البيولوجيا والتي تشمل التحكم بالجينات والاستنساخ الحيوي وإعادة تركيب حمض DNA ( Recombinant DNA ) .(2/53)
تعرف الهندسة الوراثية بمجموعة من الوسائل والتقنيات، تهدف إلى تبديل أو إضافة انتقائية للمادة الوراثية في الخلايا الحية، بهدف إنتاج أو تعويض لبروتين مفقود من الخلايا بسبب عيب وراثي، وذلك باستخدام حمض DNA معاد صياغته، كما تعنى الهندسة الوراثية بدراسة الجينات على الخريطة الجينية، وإضافة جين أو مجموعة جينات أو تعطيلها في المادة الوراثية للكائن الحي، وذلك لإنتاج صفات مرغوب فيها أو استبعاد صفات غير مرغوب فيها، كما تعنى الهندسة الوراثية بتوجيه إنتاج الخلايا، وذلك بالسيطرة على الجينات الحاملة للصفات الوراثية داخل خلايا معينة لتؤدي مهمة لم تكن تؤديها أصلاً، وقد تمت معظم الدراسات الخاصة بمركبات DNA و RNA لكشف غموض الشفرات الوراثية على البكتيريا والفيروسات، وبعد أن تم التعرف على التركيب الكيميائي للجينات، وما لكل منها من خصائص بدأ العمل على توليد الجينات معملياً، وساعد إجراء الالتحام بين أجزاء من حمض DNA على تقدم تقنية الجينات، وأثبتت الدراسات على الكائنات الدقيقة وخاصة بكتيريا القولون Escherichia coli -وهي بكتيريا تعيش في أمعاء الإنسان دون ضرر إلا نادراً- أنه بجوار الكروموسوم الخاص بهذه البكتيريا يوجد جزيء حلقي من DNA يسمى البلازميد Plasmid له القدرة على التكاثر والاحتفاظ بوجود مستقل داخل سيتوبلازم الخلية البكتيرية، وعند نزع البلازميد من الخلايا البكتيرية وزرعها في خلايا بكتيرية أخرى تتكاثر مع تكاثر الخلايا المضيفة لها، وبذلك يمكن الحصول على نسخ عديدة منها، ويتطلب ذلك وجود العديد من الإنزيمات، منها ما يعرف بإنزيمات القطع الداخلي Restriction Endonucleases، وهي مجموعة من الإنزيمات تقوم بقطع حمض DNA عند تتابعات محددة من أزواج القواعد النيتروجينية داخل الجزيء، وتعتبر هذه الإنزيمات التقنية الرئيسة في أبحاث DNA المعاد صياغتهRecombinant DNA، ويبلغ عدد إنزيمات القطع الداخلي حوالي 200 إنزيم،(2/54)
وإلى جانب هذه الإنزيمات في الخلية البكتيرية يوجد مجموعة مصاحبة من إنزيمات الميثلة DNA Methylases التي تقوم بإضافة مجموعة ميثيل إلى جزيء DNA البكتيري كي تحميه من أن يستخدم كمادة تفاعل فيتم تكسيره وهضمه ذاتياً . (1)
وقد ساعد اكتشاف إنزيمات القطع وإنزيمات الميثلة وإنزيمات الربط وغيرها على فتح آفاق واسعة أمام الباحثين في مجال الهندسة الوراثية، علاوة على معرفة تركيب وصفات وسلوك البلازميدات حيثُ أصبح من الممكن (ولو نظرياً) :
1- زراعة جينات معينة ضمن المادة الوراثية لخلايا لم تكن تحويها .
2- نزع واحد أو أكثر من الجينات الموجودة في خلية ما .
3- استبدال الجينات غير المرغوبة بأخرى مرغوبة .
4- إنتاج سلالات جديدة من الكائنات الحية خاصة الأولية .
5- إنتاج مواد علاجية معينة عن طريق استزراع جيناتها .
6- إمكانية البحث في علاج بعض الأمراض الوراثية .
7- استنساخ الكائنات الحية من الخلايا الجسدية .
إلى غير ذلك من مجالات البحث العلمي التي تتسع وتتطور يوماً بعد يوم، والتي تعتمد بشكل أساسي على إمكانية إعادة صياغة الحمض النووي منقوص الأكسجين DNA، وأهم الخطوات المتبعة في إعادة صياغة الحمض النووي DNA: (2)
أولاً : لصق الجين بالبلازميد:
1) بعد معرفة ترتيب القواعد النيتروجينية للحمض النووي DNA وتحديد موقع الجين المطلوب يتم استخدام إنزيمات القطع الداخلي المناسبة للحصول عليه .
2) استخدام إنزيمات القطع الداخلي لإحداث قطع مناسب في البلازميد .
3) خلط الجين والبلازميد، حيثُ تتزاوج النهايات اللزجة المفردة للبلازميد مع النهايات اللزجة المفردة للجين بروابط هيدروجينية .
__________
(1) انظر: - Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, © McGraw-Hill companies 2001,USA,pages266-267.
(2) انظر: - Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, © McGraw-Hill companies
2001, USA, pages266-270.(2/55)
4) يتم ربط الجين بالبلازميد باستخدام إنزيمات الربط مثل إنزيم الليجيز Ligase وإنزيم بوليميريز Polymerase.
ثانياً : زراعة البلازميد: ...
يضاف البلازميد إلى مزرعة بكتيريا أو خميرة، فتدخل بعض البلازميدات إلى داخل الخلايا، وتنقسم وتتضاعف مع تكاثر الخلايا، ثم يمكن تحرير البلازميدات المحتوية على النسخ الجديدة من الجين المطلوب، كما يمكن استخدام الفاجات (الفيروسية) في حقن الجين المعاد صياغته في الخلية البكتيرية، وقد قدمت الهندسة الوراثية العديد من الحلول والإنجازات أهمها: إنتاج عقار الإنسولين البشري وهرمون النمو البشري والعامل المضاد للسرطان
المعروف باسم الإنترفيرون (Interferon).(2/56)
المبحث الثاني: التوازن البيئي والفطري للمخلوقات (1)
لما كانت الهندسة الوراثية تدخلا بشريا في الجينات الوراثية للكائن الحي بما يؤثر على الوظائف الحيوية والفسيولوجية لأنسجته وأعضائه؛ سيكون من القصور بما كان استنباط الأحكام الشرعية لهذا التدخل بالنظر إلى الآثار السلبية والإيجابية على الكائن الحي فحسب، دون النظر إلى أثر ذلك التعديل الوراثي على بيئته التي يعيش فيها ويتفاعل معها، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبدأت بالحديث عن البيئة قبل غيرها لعموم أثرها وجسامة خطرها، والشريعة الإسلامية تقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وتقدم درء المفاسد على تحقيق المصالح (2) . فالدراسة في هذا المبحث حول المنظومة البيئية التي يتفاعل معها الكائن الحي بصورة متزنة ومتناغمة، ولطالما ندم الإنسان على ما اقترفت يداه تجاه بيئته بدافع التقدم والصناعة والتقنية والمدنية والحضارة. ولعل التوازن البيئي على سطح الكرة الأرضية جزء لا يتجزأ من التوازن الدقيق في نظام الكون، فعناصر ومعطيات البيئة تحافظ على وجودها ونسبها المحددة كما أوجدها الله بصورة تلقائية. ولكن الإنسان بالغ في تأثيره على بيئته بمراحل تنذر بالخطر، إذ تجاوز في بعض الأحوال قدرة النظم البيئية الطبيعية على احتمال هذه التغيرات، وأحدث اختلالا بيئيا يكاد يهدد حياته وبقاءه على سطح الأرض. وقبل الخوض في توازن واختلال البيئة لا بد من التحدث عن مكونات النظام البيئي ومفهومه.
البيئة لغة واصطلاحا:
أ- البيئة لغة: (3)
__________
(1) بيان منظمة الأغذية والزراعة عن التكنولوجيا الحيوية على موقع الإنترنت:
http://www.fao.org/biotech/act.asp?lang=ar
(2) انظر: الموافقات (2/158)، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ، حاشية البناني ص298.
(3) انظر: القاموس المحيط(1/8-9)، لسان العرب (1/283)، الصحاح للجوهري(1/37-38)،تاج العروس(1/46-47).(3/1)
البيئة والباءَة والمباءَة: المنزل، وقيل مَنْزِل القوم حيث يَتَبَوَّؤون من قِبَلِ وادٍ، أَو سَنَدِ جَبَلٍ. وفي الصحاح: المَبَاءَة : مَنْزِلُ القوم في كل موضع، واستباءه: أي اتَّخذه مَباءة، ويقال: كلُّ مَنْزِل يَنْزِله القومُ. وتَبوَّأ فلان مَنْزِلاً، أَي اتخذه، وبَوَّأْتُه مَنْزِلاً وأَبَأْت القَومَ منزلاً. وتَبَوَّأ المكانَ: حَلَّه. وإِنه لحَسَنُ البِيئة أَي هيئة التَّبَوُّء، وهو بِبِيْئَة سَوءٍ، مثل: بِيْعَةٍ، أي بحالة سوء. وقال أَبو زيد: بوَّأَه فِيه وبوَّأَه له بمعنى هَيَّأَه له وأَنْزَلَه ومكَّن له فيه، كَأَباءَهُ إِيَّاه. والباءَة مثل الباعَةِ: لغة في المباءة، والبيئة والبَاءَة والمَبَاءَة مَعْطِنُ القَوْمِ للإِبِل، حيثُ تُناخُ في المَوارِد. وبَوَّأهُ مَنْزِلاً، إذا أنْزَلَهُ فيه، وبَوَّأْتُك بَيتاً: اتَّخَذْتُ لك بيتاً. وقوله عز وجل: { أَن تَبَوَّآ لقَوْمِكُما بِمِصْر بُيوتاً } ]سورة الأعراف، الآية: [، أَي اتَّخِذا. قال أَبو زيد: أَبَأْت القومَ مَنْزلاً وبَوَّأْتُهم مَنْزِلاً تَبْوِيئا. وذلك إِذا نزلْتَ بهم إِلى سَند جبل، أَو قِبَل نَهرٍ. والتبوُّء : أَن يُعْلِمَ الرَجُلُ الرَجُلَ على المَكان إِذا أَعجبه لينزله. وقيل: تَبَوَّأَه : أَصْلَحه وهَيَّأَه. وقيل: تَبوَّأ فلان مَنْزِلاً: إِذا نظَرَ إِلى أَسْهَلِ ما يُرى وأَشَدِّه اسْتِواءً وأَمْكَنِهِ لِمَبيتِهِ، فاتَّخَذَه؛ وتَبوَّأ: نزل وأَقام. وأَباءَه مَنْزِلاً وبَوَّأَه إِيَّاهُ وبَوَّأَه فيه، بمعنى هَيَّأَه له وأَنْزَلَه ومَكَّنَ له فيه. والاسمُ البيئة، بالكسر. واسْتَباءَه أَي اتَّخَذَهُ مَباءَة. وَأَبَأْت الإبل: رددتها إلى المباءة، وَأَبَأْت على فلان ماله، إذا أَرَحْتَ عليه إبله أو غنمه.(3/2)
واستخدمت كلمة البيئة من قبل علماء المسلمين منذ القرن الثالث الهجري للإشارة إلى الوسط الطبيعي الجغرافي والمكاني والأحيائي الذي يعيش فيه الأحياء وللإشارة إلى المناخ الاجتماعي والسياسي والأخلاقي والفكري للمحيط الإنساني. (1)
ب- البيئة في الاصطلاح العلمي: (2)
البيئة بمفهومها العام الوسط أو المجال المكاني الذي يعيش فيه الكائن الحي فيتأثر ويؤثر فيه، بما يشمل كل العناصر الطبيعية والحياتية التي تتواجد على سطح الأرض وداخلها، فالغلاف الغازي ومكوناته والمصادر الطبيعية والطاقة ومصادرها والغلاف المائي وما يحويه وسطح الأرض وما يعيش عليها من نباتات وحيوانات وإنسان كل ذلك من مكونات البيئة، وشاع ارتباط مدلول لفظ البيئة بنمط العلاقة بينها وبين مستخدمها، فتقول:- البيئة الزراعية، والبيئة الصناعية، والبيئة الصحية، والبيئة الاجتماعية والبيئة الثقافية، والبيئة السياسية، وذلك بحسب النشاطات البشرية المتعلقة بهذه المجالات.
ت- أقسام البيئة: (3)
يمكن تقسيم البيئة إلى قسمين رئيسين هما:-
1- البيئة الطبيعية:- Natural Environment
وهي المظاهر التي لا دخل للإنسان في وجودها، كالصحراء والبحار والمناخ والتضاريس والماء السطحي والجوفي والحياة النباتية والحيوانية، والبيئة الطبيعية ذات تأثير مباشر وغير مباشر على حياة التجمعات الحية من إنسان وحيوان ونبات.
2- البيئة المشيدة:- Environment Constructed
__________
(1) انظر:البيئة ومفهومها العلمي المعاصر ص25.
(2) انظر: الموسوعة البيئية (النظام البيئي ومكوناته) ص 13، البيئة والتنمية المستديمة ص47، قضايا البيئة .
(3) انظر: قضايا بيئية معاصرة ص 15-20.(3/3)
وهي البنية التي شيدها وأقامها الإنسان، ونظمت المجتمعات الإنسانية بها حياتها، حيث غير الإنسان البيئة الطبيعية للحاجات البشرية، كالأراضي الزراعية والمناطق السكنية والصناعية وأماكن التنقيب عن الثروات الطبيعية والمراكز التجارية والمدارس والمعاهد والطرق والجسور...الخ. والبيئة بشقيها الطبيعي والمشيد ليست جامدة بل دائمة التفاعل والتأثير والتأثر، والإنسان أحد عناصر البيئة، ويتفاعل مع مكوناتها، فيتطلب منه - وهو العاقل الوحيد في الكائنات الحية - أن يتعامل مع البيئة برفق وحنان، ويستثمرها دون تدمير أو إسراف، وفهم الإنسان لطبيعة البيئة ومكوناتها والعلاقات المتبادلة فيما بينها يمكنه من تطوير حياته دون المساس بناموس الطبيعة المتوازن ليحقق حياة أفضل.
ويمكن تقسيم البيئة، وفق توصيات مؤتمر ستوكهولم 1972م (1) ، إلى ثلاثة عناصر:-
1- البيئة الطبيعية: وتتكون من أربعة أنظمة مترابطة وهي: الغلاف الجوي والغلاف المائي واليابسة والمحيط الجوي، وما تحويه هذه الأنظمة من ماء وهواء وتربة ومعادن، ومصادر للطاقة بالإضافة إلى النباتات والحيوانات، وتمثل جميعها الموارد التي منحها الله تعالى للإنسان لمقومات حياته من غذاء وكساء ودواء ومأوى.
2- البيئة البيولوجية: وتشمل الإنسان وأسرته ومجتمعه، والكائنات الحية في المحيط الحيوي وتعد البيئة البيولوجية جزءاً من البيئة الطبيعية.
3- البيئة الاجتماعية: إطار العلاقات في حياة البشر، وهو الأساس في تنظيم الجماعات في
__________
(1) انظر: المشكلات البيئية الرئيسة في المجتمع المعاصر، اليونسكو، وثيقة رقم(8) من وثائق المؤتمر الدولي الحكومي
للتربية البيئية، الذي عقد في مدينة تبليسي في الاتحاد السوفيتي (سابقا) تشرين الأول/أكتوبر 1977 ص4.(3/4)
بيئة ما، أو بين جماعات متباينة أو متشابهة في بيئات متباعدة، وتؤلف أنماط تلك العلاقات ما يعرف بالنظم الاجتماعية، واستحدث الإنسان خلال رحلة حياته الطويلة بيئة حضارية عمّر بها الأرض، وعناصر البيئة الحضارية للإنسان لها جانبان رئيسان:
أولاً: الجانب المادي: كل ما استطاع الإنسان أن يصنعه من مسكن وملبس ووسائل نقل وأدوات وأجهزة يستخدمها في حياته اليومية.
ثانياً: الجانب المعنوي: ويشمل عقائد الإنسان وعاداته وتقاليده وأفكاره وثقافته وكل ما تنطوي عليه نفس الإنسان من قيم وآداب وعلوم ومبادئ.
فإذا كانت البيئة هي الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويحصل منه على مقومات حياته من غذاء وكساء ويمارس فيه علاقاته مع أقرانه من بني البشر؛ فإن أول ما يجب على الإنسان تحقيقه حفاظاً على هذه الحياة أن يفهم البيئة فهماً صحيحاً بكل عناصرها ومقوماتها وتفاعلاتها المتبادلة، كي يقوم بعمل جماعي جاد لحمايتها والحفاظ عليها ويسعى للحصول على رزقه وحاجياته دون إتلاف أو إفساد. (1)
ث- علم البيئة Ecology: (2)
__________
(1) انظر: البيئة والتنمية المستديمة ص47.
(2) انظر:البيئة ومفهومها العلمي المعاصرص25.(3/5)
هو العلم الذي يبحث في كيفية عمل الطبيعة، وتعامل الكائنات الحية مع بعضها البعض ومع الوسط الطبيعي المحيط بها، وEcology تعني "علم البيئة"، واختار هذا المصطلح الباحث الألماني أرنست هيغل Ernest Haeckel عام 1866م بعد أن دمج الكلمتين اليونانيتين Oikes ومعناها البيت أو المسكن أو المكان الذي يصلح للسكنى، وLogos ومعناها علم، فعلم البيئة في أبسط معانيه كما عرفه أرنست سنة 1870م بقوله: (كلمة Ecology تعني الإطار المعرفي الذي يهتم باقتصاد الطبيعة، والبحث في مجموعة العلاقات الصادرة من جانب الحيوانات تجاه عناصر البيئة الحية وغير الحية)، فالبيئة ليست مفهوما ساكنا أو نمطيا، بل هناك -بحكم تعدد السياق المكاني ومحيطه- أنظمة بيئية مختلفة ومتعددة ومتجددة، وعلم البيئة يدرس علاقة الكائنات الحية فيما بينها وبالوسط الذي تعيش فيه، ويهتم بدراسة الكائنات الحية وتغذيتها وطرق معيشتها وتواجدها في تجمعاتها السكنية، كما يتضمن أيضاَ دراسة العوامل غير الحية في الوسط البيئي كخصائص المناخ (مثل الحرارة والرطوبة والإشعاعات والغازات والمياه والهواء) والخصائص الفيزيائية والكيميائية للأرض والماء والهواء.
مراحل تطور علم البيئة: (1)
مر تطور علم البيئة بعدة مراحل أهمها:
1- مرحلة البيئة الذاتية:
وهي المرحلة التي كان فيها الاهتمام منصبا بالدرجة الأولى على دراسة عنصر واحد من العناصر البيئية، أو نوع واحد من الكائنات بمعزل عن عناصر البيئة الأخرى.
2- مرحلة البيئة التكاملية:
انصب الاهتمام في هذه المرحلة على دراسة العلاقة التكاملية لمجموعات الأحياء المختلفة سواء كانت نباتية أو حيوانية، وامتازت هذه المرحلة بدراسة الروابط التي تربط بين العناصر البيئية وتأثيراتها المختلفة على بعض، وظهرت مفاهيم جديدة للعلاقة بين الكائنات الحية مثل السلسلة الغذائية.
3- مرحلة النظام البيئي Ecosystem:
__________
(1) البيئة والتنمية المستديمة ص37.(3/6)
ظهر في أوائل الخمسينات اتجاه جديد لدراسة البيئة، فبعد أن كانت الدراسات على المستوى العام والشامل macro أصبحت على مستوى صغير ومجهري micro، فأخذت الدراسات البيئة بالتركيز على دراسة عناصر بيئية صغيرة في مناطق محددة.
(1 النظام البيئي Ecosystem :
النظام البيئي في علم البيئة الوحدة الطبيعية والوظيفية الأساسية في علم البيئة، وهو تركيب معقد يتألف من أجزاء حية وأخرى غير حية يتفاعل بعضها مع بعض بحيث تنتج نظاما ثابتا ومتوازنا خلال مرور الزمن، يتم فيه تبادل المواد بين مكوناته الحية وغير الحية في مسار دائري، كما يعرف النظام البيئي بتجمع حيوي من النباتات والحيوانات في إطار بيئة طبيعية أو مكان للحياة والعيش يمثل جزءاً من الطبيعة، في حين أن كلا من عناصر التربة والمناخ تمثل المكونات الخلفية الطبيعية لهذه البيئة، وأول من استخدم مصطلح النظام البيئي باحث البيئة تنسلي سنة 1930م.
ويمكن تمثيل هذا النظام الذي تؤثر مكوناته بعضها في بعض كما يلي:
المجموعة الأساس
عناصر غير حية
حيوانات نباتات منتجة
مستهلكة
المحللات البكتيرية والفطريات
وقد يكون النظام البيئي صغيرا أو كبيرا، فجذع الشجرة المتعفن على أرض الغابة نظام بيئي، والغابة بأكملها نظام بيئي، ويمكن تمييز نظام بيئي معين وتحديده للدراسة، فالبحيرة مثلا نظام بيئي منفصل عن الأرض المحيطة بها، وقد يتدرج النظام البيئي ليتداخل في نظام بيئي آخر. فالنظام البيئي تفاعل فيزيائي وبيولوجي وكيميائي منظم ومستمر بين عناصر البيئة الحية وغير الحية، وما يولده هذا التفاعل من توازن بين عناصر البيئة، وما يتخلله من انتقال المادة والطاقة من وإلى الوسط. وهناك الكثير من الأنظمة البيئية التي تم اكتشافها حديثا, وكان يعتقد أن الحياة فيها مستحيلة مثل البراكين والينابيع الحارة.
__________
(1) الموسوعة البيئية (النظام البيئي ومكوناته) ص 13، البيئة ومفهومها العلمي المعاصرص49. : انظر( )(3/7)
مكونات النظام البيئي: (1)
يتكون النظام البيئي من العناصر التالية:
1. مكونات غير حية (العوامل الطبيعية Physical Factors):
وتشمل العوامل المناخية: كالطاقة الشمسية والضوئية والحرارة والرطوبة والماء والهواء والرياح والأكسجين والهيدروجين والضغط الجوي، والعوامل غير المناخية كالجاذبية والوسط، وعوامل التربة من حيث التركيب العضوي وغير العضوي والتضاريس والمواد الغذائية.
2. مكونات حية (العوامل الحيوية Biotic Factors ):
وتشمل جميع الكائنات الحية في النظام البيئي:
أ- كائنات حية ذاتية التغذية: وهي نباتات خضراء منتجة، تصنع غذاءها بنفسها من عناصر غير حية وبسيطة بواسطة عملية البناء الضوئي، وتعتبر المصدر الأساس والرئيس لجميع الكائنات الحية الأخرى بمختلف أنواعها، حيث تقوم هذه النباتات باستهلاك كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون خلال عملية البناء الضوئي وإخراج كميات كبيرة من الأكسجين في الهواء.
ب- كائنات حية غير ذاتية التغذية: وهي كائنات حية لا تستطيع تكوين غذائها بنفسها، وتضم الكائنات المستهلكة والكائنات المحللة، فآكلات الحشائش مثل الحشرات كائنات مستهلكة، تعتمد على ما صنعه النبات فتحوله في أجسامها إلى مواد مختلفة تبني بها أنسجتها وأجسامها، وتسمى "المستهلك الأول" لأنها تعتمد مباشرة على النبات، والحيوانات التي تتغذى على هذه الحشرات كائنات مستهلكة ولكنها تسمى "المستهلك الثاني"، أما الكائنات المحللة كالبكتيريا والفطريات تعتمد في تغذيتها غير الذاتية على تفكك بقايا الكائنات النباتية والحيوانية وتحولها إلى مركبات بسيطة تستفيد منها النباتات.
وقسم البعض مكونات النظام البيئي باعتبار الغلاف الحيوي إلى قسمين: (2)
__________
(1) قضايا بيئية معاصرة ص 43، الموسوعة البيئية (النظام البيئي ومكوناته) ص 16. : انظر( )
(2) انظر: البيئة ومفهومها العلمي المعاصرص49-78، من الإعجاز العلمي في القرآن (2/178).(3/8)
1- المكونات غير الحية للغلاف الحيوي للبيئة: وهي مكونة من ثلاثة أغلفة:
أ ) الغلاف المائي: تشكل المياه النسبة العظمى من الغلاف الأرضي، والتي تمثلها المحيطات والبحار والبحيرات والأنهار والجليد، وتقدر بحوالي 1.37 بليون كم3، يشكل الماء المالح 97% منها، في حين أن الماء العذب يشكل 3% فقط، ومع أن المياه العذبة محدودة إلا أن هناك تزايد مستمر على استهلاكها بزيادة عدد السكان والاستهلاك الزراعي والصناعي.
ب) الغلاف الجوي: ويشمل الغازات والأبخرة، وأهمها الأكسجين والنيتروجين وثاني أكسيد الكربون.
ج) اليابسة: الصخور والمعادن والتربة وما تحويه من مركبات وعناصر عضوية وغير عضوية.
2 - المكونات الحية للغلاف الحيوي للبيئة:
وتشمل جميع الكائنات الحية التي تشترك في بعض الجوانب كالإحساس والحركة والنمو والتنفس، ومن هذه المكونات الإنسان والنباتات والحيوانات بأنواعها المختلفة والكائنات الحية الأولية كالطحالب والبكتيريا والفطريات.
الأنظمة البيئية: (1)
تتكون البيئة من أنظمة بيئية متعددة ومتفاعلة فيما بينها يشد بعضها بعضا، ولكل نظام بيئي خصائصه الخاصة به، ومن الأنظمة البيئية:
1- النظام البيئي الغابي: ويتمثل في الغابات وما تشتمله على أنواع كثيرة من الكائنات الحية الحيوانية والنباتية التي تتفاعل مع بعضها البعض، وتتميز الغابات بارتفاع نسبة الرطوبة، واعتدال درجة الحرارة.
2- النظام البيئي الصحراوي: ويتمثل في الصحاري ذات الحرارة العالية، والمياه النادرة، والكائنات الحية الحيوانية والنباتية القليلة والمتفاعلة مع بعضها البعض.
__________
(1) الموسوعة البيئية (النظام البيئي ومكوناته) ص 182-231. البيئة ومفهومها العلمي المعاصرص113-117. : انظر( )(3/9)
3- النظام البيئي المائي: ويتمثل في الأوساط المائية وما فيها من كائنات حية حيوانية كالأسماك والصدفيات ونباتية كالطحالب والأعشاب المائية،، وينتشر هذا النظام على نطاق واسع على سطح الكرة الأرضية, سواء في المياه العذبة كالأنهار والبحيرات أو المالحة كالبحار والمحيطات.
4- النظام البيئي الجبلي: ويتمثل في المناطق الجبلية وما تحويه من كائنات حية حيوانية ونباتية تختلف بحسب موقعها من سطح الأرض، وتختلف كثافة الغطاء النباتي من مكان إلى آخر على امتداد الجبال وتتنوع الحيوانات، مثل الطيور والمفصليات والثدييات التي تعيش في الجبال.
5- النظام البيئي في المناطق الجليدية: تعتبر امتدادا للنظام البيئي البحري, يغطيها الجليد، وتحوي كائنات حية نباتية وحيوانية بحرية وجليدية كالدب القطبي، وتعتمد في غذائها على البحر.
التوازن البيئي: (1)
__________
(1) الإنسان والبيئة والتلوث البيئي ص45-84. : انظر( )(3/10)
خلق الله سبحانه وتعالى الكون في أحسن حال صالح لحياة الكائنات الحية وسخره لنفع الإنسان، لا يطغى فيه عنصر على آخر، ولا يزيد عن مقداره، والكل يعمل بنسق فريد ومتوازن، والعمليات الأساسية في البيئة تدور بشكل طبيعي ومستقر وبكفاءة عالية لولا التدخل العشوائي من البشر، فالمحيط الحيوي يتجه إلى حالة من الثبات النسبي محتفظا بخصائصه الأساسية، ما لم تكن هناك تغيرات بيئية جارفة كالكوارث الطبيعة التي قدرها الله عز وجل، ومع ذلك فهذه الكوارث الطبيعية من نمط إعادة التوازن في الطبيعة، وقد ظهرت الحياة على سطح الأرض مرتبطة بالظروف الطبيعية على أديمها، والظواهر الكونية من حولها، ولم يستطع الإنسان وضع ضابط لازدهار الحياة والحفاظ عليها من الخطر الذي يهددها، فهل سيكون بالإمكان تدخله لإنقاذها؟ علما بأن الطبيعة لا تزال حُبلى بالأسرار والغموض، ولا شك أن التقديرات البشرية لأي خلل يصيب البيئة يظل غير دقيق وقابل للتعديل. (1)
مفهوم التوازن البيئي: (2)
__________
(1) الموسوعة البيئية (النظام البيئي ومكوناته) ص 156-169. : انظر( )
(2) البيئة من منظور إسلامي ص 14-15، البيئة والإنسان ص14-15. : انظر( )(3/11)
إن التوازن البيئي بقاء عناصر البيئة على حالتها من الاستقرار بحيث يكون كل عنصر في مكانه ووظيفته المحددة في منظومة متجانسة، وتقوم الطبيعة -بمشيئة الله- تلقائيا بتدوير كل ما تستعمله الكائنات الحية لتعيده نافعا إلى البيئة، وسلسلة الطعام في الطبيعة عبارة عن تدفق للطاقة الغذائية في البيئة, فالإنسان والحيوانات اللاحمة والعشبية كائنات حية مستهلكة، لا يمكنهم تكوين الغذاء، فيحصلون عليه من النبات، وبعد موت الحيوان والنبات وتحللهما بالبكتريا والفطريات يعودا إلى الأرض ليمتصهما النبات لصنع الغذاء من جديد، وهذا ما يسمى بسلسلة الغذاء. إن الطبيعة تخضع لقوانين وعلاقات معقدة تؤدي في نهايتها إلى وجود اتزان بين جميع العناصر البيئية، حيث تترابط هذه العناصر بعضها ببعض في تناسق دقيق يتيح لها أداء دورها بصورة متكاملة، بما يمكن البيئة من إعالة الحياة على سطح الأرض دون مشكلات أو مخاطر تمس حياة الكائنات الحية، فتعيش الكائنات الحية مع بعضها في بيئة واحدة، وتتغذى وتتكاثر دون أن يتعرض أي نوع منها للزيادة المفرطة في عدد أفرادها أو للانقراض. إن أعداد الكائنات الحية في موطن بيئي معين لا يبقى ثابتا، ولكنه يتقلب حول معدل متوسط يمثل الكثافة المثلى للنوع، وقد لا يظهر هذا التقلب في الأعداد بوضوح إلا في بعض الفصول أو السنين عندما تكون التقلبات كبيرة، ويكون هذا التقلب ناتج عن تنظيم التوازن في البيئة، واختلفت عبارات باحثي البيئة في تعريف التوازن البيئي، فأورد منها ما يلي:
1- يقول د/ زين الدين عبد المقصود: (التوازن الإيكولوجي بقاء واستمرار عناصر مصفوفة البيئة الطبيعية كما خلقت دون أي تغيير جوهري يؤثر تأثيرا سلبيا في خصائصها الكمية أو النوعية). (1)
__________
(1) قضايا بيئية معاصرة ص 45 .( )(3/12)
2- ويقول الدكتور عبد الله رمضان عبد الله الكندري:(الاتزان في النظام البيئي مرن، حيث إن العناصر والمكونات الأساسية للبيئة قد يحدث فيها تغيير طبيعي وضمن حدود معقولة ومقبولة بحيث تستطيع البيئة إعادة الاتزان إلى نفسها مرة أخرى بواسطة القوة الذاتية للبيئة). (1)
3- ويقول رفاه أحمد رضا مفتي: (إن العلاقة بين عناصر الطبيعة وثيقة، وكل اضطراب يحل بأحد هذه العناصر قد يسبب كارثة للعناصر الأخرى خلال آلاف السنين، فتستقيم أسباب الحياة على كوكب الأرض بالتوازن بين هذه العناصر). (2)
4- ويقول د.صالح محمود وهبي: (ويمكن تعريف التوازن البيئي بأنه المحافظة على مكونات النظام البيئي بأعداد وكميات مناسبة، مع نقصانها وتجددها المستمرين، ويمكن تعريفه بمعنى آخر أنه قدرة البيئة الطبيعية على إعالة الحياة على سطح الأرض دون مشكلات أو مخاطر تمس الحياة، وسر التوازن الدقيق في النظام البيئي في أن المواد التي تتكون منها الأجسام في تحول مستمر بين العالم البيولوجي والعالم الفيزيائي الطبيعي). (3)
من مظاهر التوازن البيئي والفطري للمخلوقات: (4)
1- هناك حيوانات مفترسة غير متخصصة جدا في فرائسها، حيث تميل إلى التغذي بشراهة على الأكثر وفرة من فرائسها، فالصقور مثلا يمكنها أن تتغذى على الجرذان Cohon Rats أو طيور السمان Quails ، ولكن الصقور تتغذى عادة على الجرذان في وفرتها، فإذا انخفض عدد الجرذان تبدأ الصقور في افتراس طيور السمان، فيخف الضغط على الجرذان فتزداد عددا ويقل عدد طيور السمان، فتعود الصقور إلى افتراس الجرذان فيخف الضغط على طيور السمان، فكل من الجرذان وطيور السمان يعملان كمنظم
__________
(1) البيئة والتنمية المستديمة ص47.( )
(2) الموسوعة البيئية (النظام البيئي ومكوناته) ص 157. ( )
(3) 24. التربية البيئية وآفاقها المستقبلية ص : انظر( )
(4) الموسوعة البيئية (النظام البيئي ومكوناته) ص 157-162. : انظر( )(3/13)
لوجود الآخر في البيئة سنة بعد سنة.
2- إن أعداد الحيوانات آكلات النباتات تتأثر بمدى وفرة الأعشاب، وأعداد الحيوانات آكلات اللحوم تتأثر بمدى وفرة فرائسها، فإذا أدخل إلى البيئة نبات لا يتغذى عليه آكلات النباتات فيها؛ فإنه سينتشر بسرعة ويتحول إلى آفة عشبية ضارة، كما حصل في شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا عندما أدخل نبات الورث ونبات الكلامات، فتحولا بسرعة إلى تجمع خطير من النباتات الضارة، ولم يمكن السيطرة عليهما إلا بإدخال أنواع من الحشرات تتغذى عليها، كما أن الحشرات يتحكم في أعدادها الحيوانات المفترسة لها، وآكلة النباتات والحيوانات يتحكم في أعدادها التنوع الواسع من الأمراض.
3- غالبية الحيوانات البرية تأقلمت وتكيفت للعيش في نطاق واسع في بيئتها المليئة بالأمراض والطفيليات، أما الحيوانات التي يؤتى بها إلى بيئات جديدة لا يكون لها القدرة على مقاومة الأمراض والطفيليات في غير بيئتها، وكذلك الأمراض إذا دخلت بيئة جديدة كان لها آثار تدميرية على الأنواع المحلية، فلما أدخل طاعون الماشية إلى شرق وجنوب إفريقيا في القرن التاسع عشر باستيراد الماشية تفشى بين الوعول البرية، فتسبب في هلاك عدد كبير منها حتى كادت أن تنقرض.
4- إن الأمراض والطفيليات لا تقضي على جميع الأنواع، لأنها متباينة وراثيا فيكون بعضها أكثر مناعة في مقاومة الأمراض من بعض، بما يمكنها من الاستمرار في البقاء، فتنتقل المناعة وراثيا إلى مجموعات جديدة تشكل مستوطنات مقاومة لأمراض وطفيليات البيئة، وهذه القاعدة العامة تنطبق على النباتات أيضا، فالأنواع الطبيعية من النباتات والحيوانات البرية ذات التنوع الوراثي أكثر قدرة على مقاومة الأمراض والطفيليات والحشرات.(3/14)
5- الكائنات الدخيلة (1) : هي كائنات حية تجبر على ترك موطنها الأصلي، لتبدأ العيش في بيئة جديدة خلافا لفطرتها، وتشكل الكائنات الدخيلة تهديدا حقيقيا للكائنات والنباتات المحلية، حيث تشير الدراسات إلا أن هناك أصنافا كثيرة من الحيوانات والنباتات تم نقلها من بيئتها الأصلية وإجبارها على العيش في بيئة مختلفة ووسط كائنات حية مختلفة، فاختل التوازن البيئي للموطن الجديد وللموطن الذي انتقلت منه، وقد يكون أيضا خطرا على الكائنات الدخيلة والمحلية، ومثال ذلك بحيرة فكتوريا التي أدخل فيها أسماك الفرخ النيلي، فتكاثرت بكثرة ولم يكن لها أعداء، ونافست الأسماك المحلية على غذائها فأصبحت مئات الأنواع من الأسماك المستوطنة مهددة بالانقراض. كما قام أحد المزارعين بإحضار أربع وعشرين أرنبا أوربيا بريا إلى جنوب أستراليا للصيد واللهو، ولعدم وجود أعداء طبيعيين لها في بيئتها الجديدة، فإن أعدادها تضاعفت بسرعة، فخلال ست سنوات أصبح عدد الأرانب أربع وعشرين مليون أرنب، وفي سنة 1930م بلغ عدد الأرانب في القارة 750 مليون أرنب، وكانت النتيجة إتلاف وتدمير مساحات واسعة من المحاصيل والأراضي الزراعية، ونافست الأغنام والكنغر على الأعشاب، وفي بعض المناطق هبط عدد الأغنام إلى النصف، وفي بداية الخمسينات من القرن العشرين هبط عدد الأرانب 90% وذلك بإدخال فيروس للقضاء على الأرانب.
__________
(1) البيئة من منظور إسلامي ص43، التربية البيئية وآفاقها المستقبلية ص 19. : انظر( )(3/15)
وكذلك ما حدث في المتنزه الوطنيYellowstone في أستراليا حين قررت إدارة المتنزه القضاء على جميع الذئاب، حرصا على حياة المتنزهين في عملية استغرقت عدة سنوات وكلفت مبالغ طائلة، فأدت هذه العملية إلى الإخلال بالتوازن البيئي في المتنزه، فبعد سنوات من اختفاء الذئاب لاحظ المراقبون أن أعداد الظباء التي كانت تشكل مصدرا غذائيا للذئاب ازدادت بشكل كبير، وخشي عليها من المجاعة بسبب اختفاء أنواع عديدة من نباتات المنطقة نتيجة الرعي الجائر لها من قبل الظباء، وانخفض أيضا أعداد بعض الحيوانات والطيور الجارحة التي كانت تعتمد بشكل أساس في حياتها على ما تقتاته من بقايا فرائس الذئاب. ولإعادة التوازن البيئي للمتنزه، تم إحضار ذئاب من كندا ومناطق أخرى في عملية كلفت مبالغ طائلة. كما استوردت الولايات المتحدة الأمريكية نباتا (كرمة كودزو) إلى جنوب شرقها من إفريقيا لتساعد على منع انجراف التربة هناك، فاستطاعت منع انجراف التربة، ولكنها نمت وامتدت بسرعة لمسافات واسعة، إذ لم يكن لها أعداء طبيعيين أومن يتغذى عليها في الطبيعة، فغطت التلال والمساكن والأشجار والطرق والجداول وكامل البقع الغابية، وحلت محل بعض الأنواع النباتية الطبيعية، وحاولوا التخلص منها بشتى الوسائل والسبل ولكن دون جدوى. (1)
__________
(1) الإنسان والبيئة ص79-88، البيئة من منظور إسلامي ص44. : انظر( )(3/16)
6- إن قطع أشجار الغابات المطرية الاستوائية المعقدة للزراعة أدى إلى تدمير مواطن لأنواع حشرية شديدة التباين والاختلاف، والتي نشأت في الغابات الأصلية، فلما استبدلت الزراعة البسيطة بالغابات أدى ذلك إلى تكوين موطن لحشرات غير متنوعة وراثيا تتغذى على هذه الزراعة، فواجهت هذه الحشرات الآفات والطفيليات التي تهاجم الزراعة، إلا أنه عقب التكاثر الأولي للطفيليات والأوبئة تمكنت من مواجهة هذه الحشرات، وأدت إلى تناقصها خلال الصراع. فالتباين والتنوع في الوسط البيئي الذي يحيط بنمو النبات يمكن أن يوفر أماكن توطين لأنواع واسعة معادية للطفيليات وآفات النباتات، كما يتيح التباين البيئي المعقد إلى نشوء حشرات بديلة تفترس الطفيليات والآفات إذا ما تناقصت أعدادها، فتنشأ حالة من التوازن بين الطفيليات والآفات من جهة والأنواع المفترسة لها من جهة أخرى، على أن يكون ذلك بمعدل لا يلحق الضرر بالنباتات.(3/17)
7- فأر اللمنغ حيوان قارض صغير الحجم والذيل والأرجل، يقطن النرويج ويحفر الأخاديد والشقوق في الأرض للسكنى، وإذا خرج منها أكل الأخضر واليابس، وتحت ظروف ملائمة غير معروفة يتكاثر بشكل هائل، حيث تحمل الأنثى أربع مرات في العام وتضع تسعة أو عشرة من الصغار، وقد تمتد فترة التزاوج إلى ثلاثة أعوام، تصل أعدادها خلالها إلى الملايين، فتغطي الأرض وتتغذى على كل شيء، وتتعرض إلى حملات شرسة من الثعالب القطبية والعقبان والصقور وغيرها من جوارح الطيور، ومع ذلك لا يؤثر الأعداء الطبيعيون على أعداد اللمنغ كما تؤثر عليه المجاعة بعد أن أتى على الأخضر واليابس، فيقرر فأر اللمنغ الرحيل والموت، فيبدأ بالهجرة لا يلوي على شيء، فتفتك بقطعانه الأوبئة والكوارث الطبيعية، وقد يعترض سيرها نهر فيغرق الكثير منها وينجو الكثير ليكمل مسيرته، وهي في طريقها تأكل وتتزاوج وتبني العشش وتحفر الأخاديد، وتترك صغارها بعد أن تطمئن عليها، وتتابع المسير حتى تصل إلى شاطئ البحر، فتلقي هذه الجموع الزاحفة بنفسها في البحر منهية حياتها بتلك المأساة الغريبة في صورة انتحار جماعي. (1)
أنماط سلوك الكائنات الحية في البيئة:
يعلل علماء البيئة كثير من أنماط سلوك الكائنات الحية على أنها ضمن الترابط والتوازن الحيوي الاستراتيجي للمصفوفة البيئية للمحافظة على خصائص البيئة الكمية والنوعية والوظيفية، وأمكن فهم بعض السلوكيات وتحليلها وظل كثير من سلوك الكائنات الحية غير معلل ولا مفهوم.
1- الاشتراك الغذائي :
__________
(1) الموسوعة البيئية (النظام البيئي ومكوناته) ص 157-162. : انظر( )(3/18)
هناك أنواع عديدة تشترك في سلسلة غذاء أو أكثر، فالأعشاب غذاء أنواع مختلفة من العواشب الراعية، وكل نوع من هذه العواشب فريسة لنوع واحد أو أكثر من اللواحم، ثم جميع الحيوانات تموت وتتحلل في التربة بالمفككات الفطرية والبكتيرية، فتعود غذاء للنبات يمتصها من التربة بجذوره، وهذه الصلات المعقدة من سلاسل الغذاء تسمى الاشتراك الغذائي. (1)
2- الطفيليات والمشاركة : (2)
تعيش الحيوانات عادة معا على شكل عائلات منفصلة أو مجموعات مثل قطعان الغزلان أو أسراب الطيور أو أفواج السمك، وأحيانا يكون هناك شراكة بين حيوانين مختلفين، فشقار البحر يلتصق بالسلطعون، فيكون في حمايته ويقتات شقار البحر على فضلات طعام السلطعون (سرطان البحر). وفي المناطق الاستوائية تجثم أنواع عديدة من الطيور على ظهر الحيوانات الضخمة مثل الجواميس والزرافات والغزلان، فتأكل الطيور وتساعد على تنظيف الحيوان. وطيور أخرى تجد طعامها داخل فم التمساح المفتوح، فتقتات ما بين أسنانها من ديدان وبقايا طعام، مقابل ذلك تتولى هذه الطيور إنذار التمساح عند اقتراب خطر ما.
3- الشراكة الكافلية :
في بعض الأحيان تكون الشراكة وثيقة جدا بحيث لا يمكن لأحد الشريكين البقاء دون الآخر، وهو ما يسمى الكافل، فالأشنة مكونة من نبتتين متلاحمتين، طحلب وطفيلي، فالطحلب الأخضر يصنع الغذاء، والطفيلي يتوالد، وكثيرا ما تعيش الأشنة على الصخور الجرداء وحجارة المدافن. والحيوانات المجترة مثل البقرة تعيش في معدتها كائنات دقيقة تقوم بتحليل السليلوز، ثم تعود البقرة فتخرج هذا الطعام وتجتره ثم تبتلعه. وهناك نوع آخر من الشراكة بين الهيدرا ذي الشعاب الكثيرة والطحالب الدقيقة التي تعيش داخل أنسجته، فيؤمن لها المسكن، وتؤمن الطحالب الأكسجين للهيدرا.
4- الطفيليات :
__________
(1) انظر:البيئة من منظور إسلامي ص21-24.
(2) التربية البيئية وآفاقها المستقبلية ص16-17.: انظر( )(3/19)
هناك أنواع أخرى من الشراكة تنحصر الفائدة لأحد الشريكين دون الآخر، فيعيش الطفيلي على حساب شريكه الآخر، فكثير من الديدان تعيش داخل أجسام الحيوانات وتتغذى من طعامها، والبراغيث تعيش على امتصاص دم الحيوانات، ويظل الوضع مقبولا ما لم يزد عدد الطفيليات عن معدل معين، فإذا ازداد عددها أو تطفلت على الجسم الغلط فقد يمرض المضيف أو يموت.
5- الهجرات Migration: (1)
تهاجر أعداد من الحيوانات هجرات موسمية منتظمة عجز علماء البيئة عن فهم وتفسير أسباب ودوافع كثير منها، وهل دوافع الهجرة فسيولوجية أم نفسية؟ وكيف تستدل الحيوانات على طريقها؟ ولماذا تختار مناطق دون مناطق؟
1- هجرة سمك السلمون Salmon : يتكاثر سمك السلمون في الأنهار الأوربية، وتهاجر الصغار بعد أن تمكث من سنة إلى سنتين في الأنهار الأوربية إلى البحار والمحيطات، حيث تعيش وتنمو حتى إذا نضجت عادت إلى نفس الأنهار التي فقست فيها للتكاثر هناك، وتسير في عودتها ضد التيار وتقفز عكس اتجاه الشلالات من أسفل إلى أعلى، وتتغلب على صعاب كثيرة للوصول إلى أماكن تكاثرها.
2- هجرة ثعبان السمك: يعيش ثعبان السمك في نهر النيل وأنهار أوربا الغربية وأمريكا الشمالية، ويهاجر عند نضج أعضائه التناسلية عبر البحار؛ إلى بحر سارجو قرب جزر البهاما (جنوب جزر برمودا) في المحيط الأطلسي، وتبلغ هذه الرحلة مسافة 6000 كيلو متر تقطعها خلال 6 إلى 12 شهرا، وهناك يحدث التلقيح والإخصاب، وتموت ثعابين السمك بعد وضع البيض وإخصابه، ويفقس البيض وتعود اليرقات في نفس الطريق الذي سلكه الآباء إلى أماكن عيشها، وتستغرق رحلة العودة حوالي 3 سنوات للنوع النيلي.
3- هجرة طائر اللقلق Stork: يطير شتاء من ألمانيا وهولندا والنمسا مسافة 5000 ميل حتى أواسط أفريقيا حيث يبحث عن الجراد طعامه المفضل.
__________
(1) الموسوعة البيئية (النظام البيئي ومكوناته) ص 157-162. : انظر( )(3/20)
4- هجرة الكروان الذهبي Golden plover: يعشش في الصيف في المنطقة المتجمدة الشمالية، ويقضي الشتاء في جنوب أمريكا، ولوحظ أنه في هجرته إلى مشتاه يقطع مسافة 2400 ميل دون توقف للتغذي.
5- هجرة خطاف البحر القطبي (الرحالة الأكبر): يقوم هذا الطائر بأطول رحلات الهجرة، إذ يقطع 35000 كيلو متر في السنة، فيقضي الصيف في المناطق الشمالية، أما الشتاء فيقضيه في المنطقة القطبية الجنوبية.
6- هجرة طائر سكوا Skua: ويلقب بصقر البحر، طائر سكوا لا يحب البرد، فيهاجر في كل عام من شمال آسيا وأمريكا إلى المناطق الدافئة جنوب الكرة الأرضية، فيتمتع الطائر بالجو المعتدل الذي يلائم طبيعته في طرفي العالم عندما يهاجر من الشمال إلى الجنوب ثم إلى الشمال، إن طائر سكوا في رحلته الشاقة التي لا تقل عن 12000 ميل ذهابا وإيابا يأكل من الأسماك، وما يكاد ينكره العقل قدرة هذا الطائر الصغير على اجتياز هذه المسافات الشاسعة، ومن عجائبه أنه يتبع الطيور الجارحة الأخرى إذا اصطادت سمكا لصغارها، فيهاجمها في الهواء بعنف شديد فتلقي صيدها وتفر، فيبادر سكوا إلى التقاط الصيد قبل أن يسقط في الماء.
7- هجرة الزقزاق الذهبي: وهو طائر رشيق طويل الجناحين صغير الحجم، يعيش في أمريكا ويتناسل في المنطقة القطبية الشمالية، تهاجر الطيور كبارا وصغارا فوق المحيط الأطلسي في أواخر الصيف وأوائل الخريف، وتستمر في رحلتها إلى أن تصل الساحل الشمالي لأمريكا الشمالية في طريقها إلى مشتاها في الأرجنتين والبرازيل.
6- التطفل الاجتماعي Social Parasitism: (1)
__________
(1) المرجع السابق ص 125 : انظر( )(3/21)
أنثى الوقواق الأوربي فقدت غريزة بناء العش واحتضان البيض ورعاية الصغار، فتتصرف بطريقة طفيلية، حيث تضع بيضها في عش طير آخر عند غياب أصحابه، فتدحرج بيض الطير الآخر خارج العش، حتى صغاره إذا فقست، ومع الوقت يصبح العش كله من بيض الوقواق. ومع أن فرخ الوقواق أكبر حجما من والديه الجدد، إلا أنهما يقومان على إطعامه وتغذيته كأنه فرخهما الأصلي، وتختار أنثى الوقواق النوع ذاته من الأعشاش لبيضها، والأدهش من ذلك أن بيضة الوقواق مشابهة في اللون والعلامات للبيوض الأخرى في العش. وكذلك أنثى طيور البقر تقوم بإزالة بيضة من عش العائل الضحية - عادة قبل وضع بيضها بيوم - ثم تضع مكانها بيضة في اليوم التالي، ولا تطرد أفراخ العش كما تفعل أنثى الوقواق الأوربي.
أسباب اختلال التوازن البيئي: (1)
__________
(1) البيئة من منظور إسلامي ص 15-19، البيئة والتلوث ص28-29، التربية البيئية وآفاقها المستقبلية ص18. : انظر( )(3/22)
إن التفاعل بين مكونات البيئة عملية مستمرة تؤدي في نهاية الأمر إلى احتفاظ البيئة بتوازنها ما لم ينشأ اختلال نتيجة لتغير بعض الظروف الطبيعية، مما يؤدي إلى اختفاء بعض الكائنات الحية وظهور كائنات أخرى، وهذا الاختلال يأخذ فترة زمنية تطول أو تقصر حتى تعيد البيئة توازنها من جديد, كاختفاء الزواحف الضخمة نتيجة لاختلاف الظروف الطبيعية للبيئة في العصور القديمة مما أدى إلى انقراضها، فاختلت البيئة ثم عادت إلى حالة التوازن في إطار الظروف الجديدة بعد ذلك، كذلك محاولات نقل الكائنات الحية من مكان إلى آخر والقضاء على بعض الأحياء يؤدي إلى اختلال في التوازن البيئي، ويعتبر تدخل الإنسان المباشر في البيئة السبب الرئيس في اختلال التوازن البيئي، فتجفيف البحيرات وبناء السدود واقتلاع الغابات واستخراج المعادن ومصادر الطاقة واستخدام المبيدات والأسمدة الكيميائية أدى إلى اختلال التوازن البيئي، فأصبحت الأوساط البيئية مهددة بالأخطار الجسيمة وتنذر بتدمير الحياة بأشكالها المختلفة على سطح الأرض، فالغلاف الغازي ولاسيما في المدن الصناعية يتعرض للتلوث الشديد، حيث تتكون السحب السوداء والصفراء السامة التي تؤدي إلى موت العديد من الكائنات الحية، بالإضافة إلى تلوث الغلاف المائي باستنزاف ثرواته الغذائية وإلقاء الفضلات الصناعية ومياه الصرف والنفايات الخطرة فيه، وتلوث اليابسة بدفن النفايات الصناعية والسامة والخطرة وتدمير الجبال والتوسع في البناء العمراني كل ذلك أدى إلى تدهور في خصوبة التربة وانتشار الأمراض والأوبئة. وبالرغم من تقدم الإنسان العلمي والتكنولوجي والذي كان من المفروض أن يستفيد منه لتحسين نوعية حياته والمحافظة على بيئته الطبيعية، إلا أنه أصبح ضحية هذا التقدم التكنولوجي الذي أضر بالبيئة، وجعلها في كثير من الأحيان غير ملائمة لحياته بسبب تجاهله قوانين الطبيعية المنظمة للحياة.(3/23)
فالمحافظة على البيئة وسلامة النظم البيئية وتوازنها أصبح اليوم يشكل الشغل الشاغل للإنسان المعاصر من أجل المحافظة على الجنس البشري من الفناء.
الدفيئة (ظاهرة الاحتباس الحراري) وظهور الأمراض المعدية: (1)
جعلت ظاهرة الدفيئة العالمية البكتريا والفيروسات والطفيليات التي تسبب الأمراض تزحف إلى مناطق لم تصلها من قبل، وتهدد الأنواع الحية في مواطنها لأول مرة، فالأمراض التي كانت محدودة نتيجة الحرارة الموسمية يمكنها أن تنتشر إلى مناطق جديدة بسبب الدفيئة العالمية، فالبعوض بدأ يغزو الجبال بالملاريا لأول مرة، وأكدت الدراسات الوبائية التي أجرتها منظمة الصحة العالمية أن التغير في حرارة الجو العالمي جعل البيئات تصلح لانتشار الأمراض المعدية بما يهدد الإنسان والحيوان على حد سواء، والباحثون مقتنعون أن زيادة درجة أو درجتين في متوسط درجة حرارة المناخ العالمي معناه ظهور الأوبئة، وظاهرة الدفيئة العالمية ازدادت عن معدل متوسط درجة الحرارة، ويعتقد الباحثون أن سببها التلوث بالغازات والأبخرة المنبعثة من الدول الصناعية في أوربا وآسيا وأمريكا، ولاسيما غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يمتص الأشعة دون الحمراء المنبعثة من الأرض ثم يعيد بثها إلى الأرض، فيعمل غاز ثاني أكسيد الكربون كمرآة حرارية عاكسة، ومن المتوقع زيادة درجة حرارة الجو درجتان مئويتان بحلول عام 2100م، وعندها سيرتفع مستوى مياه المحيطات 50 سنتيمتر (2) ، فقد انحسر 82% من جليد قمم جبال كامينجارو التي تقع في المناطق الاستوائية في تانزانيا بأفريقيا، وكذلك القمم الجليدية لجبال أمريكا الجنوبية، ويتوقع الخبراء أن الجليد سيختفي من قمم هذه الجبال خلال 15 سنة بسبب الدفيئة العالمية.
__________
(1) انظر: البيئة ومفهومها العلمي المعاصرص209-212.
(2) ، التربية البيئية وآفاقها المستقبلية ص226-231. الإنسان والبيئة والتلوث البيئي ص68،127-135 : انظر( )(3/24)
إن تراجع الجليد فوق قمم الجبال الاستوائية سيقلل من المياه التي تتدفق سنويا في موسم الذوبان، والتي تولد الكهرباء من المساقط وتروي البشر والمحاصيل الزراعية، وترى لجنة من خبراء الأمم المتحدة أن الاحتباس الحراري في الكرة الأرضية أكثر خطورة مما قدره الباحثون، وستبقى آثاره لقرون قادمة، والإنسان بأنشطته التي تبعث الغازات في الجو المحيط قد أصبح متهما في ظهور ظاهرة الاحتباس الحراري فوق كوكب الأرض بما لا يدع مجالا للشك، كما ظهرت الأمراض في الأحياء المائية بسبب التدهور البيئي وتغير المناخ العالمي الذي يؤثر في نظام البيئة البحرية، وتشير الدلائل أن كثيرا من الأمراض سوف تندلع بازدياد درجة حرارة الجو العالمي عن معدلاته الطبيعية، وقلة من الباحثين مازالوا في شك من ظاهرة الاحتباس الحراري وتسخين الجو المحيط بالأرض، لكن معظمهم يتوقعون زيادة دفء المحيطات وارتفاع مستوى مياهها نتيجة لذوبان الجليد فوق الجبال وانحساره عن القلنسوتين الجليدتين في القطبين، وهذه الزيادة المرتقبة في مياه المحيطات سوف تغمر الأراضي الساحلية، ويصاحبها الفيضانات والمستنقعات والبرك التي تنمو عليها يرقات البعوض، فينتشر طفيل الملاريا مع انتشار البعوض وتكاثره في المناطق الموبوءة، والملاريا مرض قاتل للكبار والأطفال ويسبب الرعشة والحمى والآلام والأنيميا، ولا يوجد مصل واق منه حتى الآن، إذ أن الطفيل له القدرة على مقاومة الأدوية، وكانت الملاريا تظهر في المناطق الاستوائية والمعتدلة، وخلال العقد الماضي ظهرت الملاريا في أمريكا وجنوب أوربا وشبه الجزيرة الكورية وسواحل جنوب أفريقيا وطول ساحل المحيط الهندي والاتحاد السوفيتي بسبب الدفيئة العالمية، وتتنبأ الكومبيوترات الخاصة بالدفيئة العالمية والتغيرات المناخية بظهور أمراض ومشاكل صحية من جراء موجات الحر التي لا يعقبها انخفاضا للحرارة ليلا، كما يتوقع خبراء الصحة العالمية تضاعف معدلات الوفيات(3/25)
بحلول عام 2020م بارتفاع درجة الحرارة لمدد طويلة، حيث تزيد نسبة الرطوبة وتنتشر المواد المسببة للحساسية، ولاسيما أمراض الجهاز التنفسي، والدفيئة العالمية يمكن أن تهدد حياة ورفاهية الإنسان، لأنها تؤثر في الطقس وتسبب الفيضانات والأمراض المعدية والمجاعات التي تسبب الموت وسوء التغذية، وفي تقرير نشرته وكالة حماية البيئة يفيد أن الأنشطة البشرية كتكرير النفط ومحطات الطاقة وعادم السيارات أسباب مهمة لارتفاع درجة حرارة الكون، وقالت الإدارة في تقريرها: (إن الغازات المسببة للاحتباس الحراري تتراكم في غلاف الأرض نتيجة الأنشطة البشرية مما يتسبب في ارتفاع المتوسط العالمي لحرارة الهواء على سطح الأرض وحرارة المحيطات)، فالأرض سيكتسحها الفيضانات والكوارث البيئية والأوبئة والأمراض المعدية، فقد ظهر مرض SARS) Severe Acute Respiratory Syndrome) سارس القاتل في الصين بسبب الدفيئة العالمية وأخذ ينتشر في بلدان العالم ولاسيما في دول جنوب شرق آسيا ليصيب ضحاياه بصعوبة التنفس والالتهاب الرئوي القاتل، وقد اتخذت السلطات الصحية العالمية إجراءات عاجلة لمواجهة انتشار المرض الذي انتقل من جنوب شرق آسيا إلى أميركا الشمالية، وأصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرا عالميا منذ ظهوره، ولم تعرف أسبابه بعد ولم يتوصل -حتى الآن- إلى مصل واق من هذا المرض الغامض، فأصبح يمثل هلعا وتهديدا عالميا (1) ،
__________
(1) انظر: النسخة الإلكترونية لكتاب المفسدون في الأرض، د/أحمد محمد عوف ص52، كما في موسوسوعة ويكيبيديا، موقعها على شبكة الإنترنت: http://ar.wikipedia..org/wiki(3/26)
ويتوقع معهد بكين للدراسات الجينية Beijing Genomics Institute أن يتحور الفيروس بشكل سريع وسهل، فالفيروس يحتوي على كمية كبيرة من المعلومات الجينية، وفي كل مرة يستنسخ نفسه يصبح أكبر قدرة على إصابة البشر، وتتولد منه سلالات جديدة أكبر قدرة على البقاء والانتقال بسهولة من إنسان إلى آخر، ولا يبدو أن انتشاره سينتهي قريبا مما يزيد من المخاوف بشأنه، كما أن هناك مخاوف من تفشي فيروس "الإيبولا " القاتل في الكونجو بالقرب من الحدود مع الجابون, إذ ينتقل فيروس "الإيبولا" بسهولة كانتقال فيروس الإنفلونزا لكن تأثيره قاتل، إذ يموت المصاب بالنزيف الداخلي، وعادة ما يموت نحو 95 % من المصابين، ولا يزال الأطباء يجهلون الكثير عن فيروس "الإيبولا "، وفي إحصائية لمنظمة الصحة العالمية ظهر ثلاثون مرضا معديا خلال عشرين سنة لم تكن معروفة من قبل، ويعزى ظهور هذه الأمراض إلى التغير البيئي والدفيئة العالمية، ووجد الباحثون أن ثمة علاقة بين الاحتباس الحراري وظهور أمراض الضفادع، فوجدوا أن أجنتها تصاب بالأمراض وتموت في المياه الضحلة لتعرضها الزائد للأشعة فوق البنفسجية، وتعتبر البرمائيات مؤشرا عالميا على صحة كوكب الأرض وصحة التنوع الحيوي، وهلاكها مؤشر على أن الأرض تواجه مخاطر بيئية. إن 200 نوع من البرمائيات بدأت أعدادها بالتناقص و20 نوعا انقرضت لحساسيتها لتأرجح المناخ.(3/27)
وعلي صعيد آخر ابيضت الشعاب المرجانية التي تشكل أكبر نظام تنوع حيوي بيئي في مياه العالم والمحيطات للحرارة المجهدة، مما أفقدها ألوانها الزاهية التي تشكلها الطحالب والكائنات الدقيقة التي تنمو عليها، وتفشت ظاهرة ابيضاض الشعاب المرجانية في مياه العالم بشكل وبائي بما يهددها بالانقراض والاختفاء، ففي فلوريدا بأمريكا قضى هذا المرض على 50-70% من كسوة هياكل الشعاب، وكلما اشتدت حدة المرض تجردت أسطح الشعاب المرجانية من كسوتها الحية وتوقف نموها وابيضت من أسفلها إلى أعلاها، لأن أنسجتها تتحلل وتتساقط من فوق هياكل الشعاب الجيرية لتصبح بيضاء، مما يجعلها عرضة للانقراض والتجرد من الأحياء المائية التي تلوذ بها وتعيش فيها.
استنزاف الموارد الطبيعية يهدد بانتشار الفقر في العالم: (1)
__________
(1) W.W.F. (World Wildlife Fund)موقع الصندوق العالمي للحياة البرية على شبكة الإنترنت : انظر( )
http://www.wwf.org/(3/28)
حذر تقرير أصدره الصندوق العالمي للحياة البرية من أن البشر يتجهون إلى انخفاض حاد في مستويات المعيشة بحلول منتصف القرن الجاري؛ ما لم يتوقفوا عن الاستنزاف الشامل للموارد الطبيعية، وذكر التقرير أن المتهمين الأساسيين باستنزاف الموارد الطبيعية هم الدول الغنية مثل الولايات المتحدة وكندا والدول التسع عشرة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ورابطة التجارة الحرة الأوروبية واليابان، وذكر التقرير أن ضغوطا كثيرة على مصادر المياه والغابات والأراضي المستخدمة ومصادر الطاقة ستؤدي إلى نفادها خلال 150عاما، فالاستهلاك والنمو السكاني الحاليان يرتفعان بمعدلات تزيد عن قدرة الموارد الطبيعية على التجدد بنسبة 20% كل عام، مما يعنى أن عام 2050م سيشهد الحاجة إلى مثلي الأرض للوفاء بمتطلبات البشر، يقول الأمين العام للصندوق العالمي للحياة البرية كلود مارتين في معرض تقديمه للتقرير:(بالرغم من بعض التقدم في استخدام الموارد، إلا أننا نواصل انتزاع ثمن غير مقبول من الأنظمة البيئية للأرض).
مصادر الاختلال في النظم البيئة: (1)
1- إضافة عنصر أو أكثر إلى النظام البيئي: وهذا ما يعبر عنه بمفهوم التلوث البيئي، فالتلوث إدخال عناصر جديدة غير موجودة في النظام البيئي مما يؤدي إلى اختلال التوازن، كإلقاء النفايات الصلبة والسائلة في المحيطات أو على اليابسة مما يؤدي إلى تلوث البيئة واختلال توازنها نظرا لدخول عنصر غريب على النظام البيئي وبشكل يفوق قدرة النظام على احتوائه.
2- زيادة عنصر أو أكثر من عناصر النظام البيئي: يؤدي ذلك إلى إخلال التوازن البيئي، ويتبع ذلك في كثير من الأحيان تأثيرات بيئية واقتصادية خطيرة، كزيادة نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي تؤدي إلى اختلال التوازن بين عناصر النظام البيئي
فتتدهور القدرة البيولوجية لعناصر النظام البيئي.
__________
(1) البيئة والتنمية المستديمة ص48-49. ( )(3/29)
3- نقصان عنصر أو أكثر من عناصر النظام البيئي: يؤثر ذلك على الحركة التوافقية التي تتم بين عناصر النظام البيئي، والمثال الجلي على ذلك نقص كمية الأوزون في طبقات الجو العليا، بما يعرف بثقب الأوزون، ونتائجه البيئية والاقتصادية والاجتماعية خطيرة ووخيمة للغاية، إذ تعمل طبقة الأوزون كحارس للغلاف الجوي يمنع وصول الأشعة فوق البنفسجية إلى سطح الأرض التي تهدد الحياة.
4- سوء استخدام التكنولوجيا: إن حسن استخدام التكنولوجيا الحديثة لا يضر كفاءة العناصر البيئية، ولكن الإنسان لما أساء استخدام التكنولوجيا الحديثة ولم يراع مصلحة النظم البيئة على المدى البعيد كان لها مردود بيئي سلبي، كسوء استخدام الأسمدة الكيمائية للأراضي الزراعية بزيادة كمياتها بما يؤدي إلى تلوث التربة وتلفها، فتفقد خصوبتها وقدراتها البيولوجية، فالتكنولوجيا الحديثة سلاح ذو حدين يمكن أن يرفع كفاءة العناصر البيئية ويعيد الاتزان البيئي إذا أُحسن استخدامه، ويمكن أن يعمل على تدهور واستنزاف العناصر البيئية وإحداث خلل في الاتزان البيئي إذا ساء استخدامه.
الدورات الطبيعية التي تحقق التوازن البيئي: (1)
إن العلاقة المتكاملة والروابط الديناميكية المتداخلة بين الكائنات الحية وبيئتها؛ ينتج عنها دورات طبيعية تحافظ على التوازن البيئي، وبعض الدورات الطبيعية للعناصر البيئية تدخل وتسري في المكونات الحيوية للطبيعة ثم ما تلبث أن تعود إلى شكلها الأصلي، فالكربون والنيتروجين والفسفور والكبريت والحديد وغيرها من المواد والمعادن تسير في دورات مغلقة، وتتحول من شكل إلى آخر في سلسلة طويلة تغذي بها الحياة على سطح الأرض، ومن الأمثلة على ذلك دورات الماء والكربون والنيتروجين والفسفور:
1- دورة الكربون: (2)
__________
(1) انظر:البيئة ومفهومها العلمي المعاصر 107- 113.
(2) . الإنسان والبيئة والتلوث البيئي ص69-74 : انظر( )(3/30)
يشكل غاز ثاني أكسيد الكربون حوالي 0.03% من الغلاف الجوي، وبزيادة كميته عن هذه النسبة تحدث المشاكل البيئية والصحية، ويسير هذا الغاز في دورة مغلقة، يُستهلك خلالها في الكائنات الحية وفي التفاعلات الطبيعية، ثم ما يلبث أن يعود إلى الغلاف الجوي، فاحتراق الوقود والغابات، وعملية التنفس عند الإنسان، وتحلل المواد العضوية كلها تطلق غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي ما يلبث أن يعود من خلال الأمطار الحمضية وامتصاص المسطحات المائية. إن النباتات المائية والأرضية العنصر الأساس والرئيس في دورة الكربون، حيث تقوم النباتات بامتصاص ثاني أكسيد الكربون خلال عملية التمثيل الضوئي لبناء الكربوهيدرات، ثم يتغذى عليها الحيوانات العشبية والإنسان، ثم يعود الكربون إلى الجو والتربة بالتنفس عند الإنسان والحيوان وتحلل الكائنات الحية عند الموت وتحلل فضلاتها، فتعمل المحللات الفطرية والبكتيرية على إعادتها إلى عناصرها الأولية، ونسبة كبيرة من الكربون تتحول إلى مواد مختزنة في الأرض كالفحم والبترول حتى يستخرجها الإنسان.(3/31)
إن زيادة ثاني أكسيد الكربون في المحيطات تضر الحياة المائية، فقد ذكرت دراستان نشرتا أن المحيطات امتصت نحو نصف ثاني أكسيد الكربون الذي انبعث من أنشطة الإنسان في المائتي عام الماضية، مما يشكل خطرا على المدى البعيد على الشعاب المرجانية والطحالب، وظاهرة الاحتباس الحراري التي تفشت فوق كوكب الأرض أصبحت خطرا يهدد سلامة البيئة وتوازنها بشكل مخيف بسبب زيادة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يمتص الطاقة الشمسية ثم يعيد بثها إلى الأرض، واكتشف باحثون أستراليون نقص الأكسجين في مياه القطب الجنوبي بشكل ملحوظ بما ينبئ بكارثة بيئية للأحياء المائية، ويرجع سبب نقص الأكسجين إلى زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري فوق الأرض مما أضعف من قدرة النباتات المائية الخضراء على إفراز الأكسجين وإذابته في الماء، ويؤكد صندوق الحياة البرية أن استهلاك الوقود الأحفوري الملوث من النفط والغاز والفحم ارتفع بنسبة 700 % بين سنة 1961م وسنة 2000م، وفي تقرير للصندوق حول قياس التوازن البيئي حتى 1999م أكد التقرير أن ثروات العالم الحيوانية والسمكية والنباتية تواصل تراجعها خلال القرن الحادي العشرين.
2- دورة الماء: (1)
__________
(1) ، الإنسان والبيئة والتلوث البيئي ص67-69. التربية البيئية وآفاقها المستقبلية ص31 : انظر( )(3/32)
يعتبر الماء مادة الحياة على سطح الأرض، فالنبات والحيوان والإنسان يعتمدون عليه للاستمرار في الحياة، والماء له صور متعددة في الطبيعة كالبخار في الهواء والماء السائل في الأنهار والبحيرات والبحار والمحيطات والمتجمد في القطبين، وتقدر كمية الماء في المحيطات بحوالي 97% من كمية الماء على سطح الأرض، ويتبخر منها حوالي 875 كم3 يوميا، ويعود 775 كم3 على هيئة أمطار، أما الباقي فيبقى على صورة بخار متطاير في الهواء، بالإضافة إلى تبخر 160 كم3 من الماء يوميا من اليابسة نفسها، وتتوزع هذه الكمية على اليابسة والأنهار والبحار والمحيطات وتكون المياه الجوفية، حيث يتسرب جزء من الماء الهاطل فوق اليابسة ليغذي التربة بالمياه ويشكل الماء الجوفي، إلا أن جزءا من الماء المتسرب إلى باطن الأرض يخرج من جديد على شكل ينابيع، ويتبخر قسم من الماء من التربة والنباتات، ويستهلك الإنسان والحيوان والنبات الماء، ثم ما يلبث أن يعود على هيئة بخار ماء بالنتح والعرق والزفير وأبخرة المصانع، أو سائل كما في مياه الصرف المنزلية والصناعية، وتعتمد كل هذه العمليات اعتمادا مباشرا على عناصر الطقس المختلفة من حرارة وضغط جوي ورياح وجريان الماء أو تسربه إلى التربة أو وصوله إلى الأنهار والبحار. إن المياه العذبة لا تزيد نسبتها على سطح الأرض عن 3% فقط من مجمل كمية الماء على سطح الأرض و98% من المياه العذبة موجودة على هيئة جليد في القطبين والأماكن الباردة.
3- دورة النيتروجين: (1)
__________
(1) ، الإنسان والبيئة والتلوث البيئي ص37-39. البيئية ومفهومها العلمي المعاصر ص110-111 : انظر( )(3/33)
يشكل النيتروجين 78% من حجم الغلاف الغازي، ويدخل في تركيب كثير من العناصر البيئية، ويعتبر أساس في تكوين الحياة على سطح الأرض، ولا يستخدم النيتروجين بصورة مباشرة من الغلاف الجوي بل يتم تحويله إلى مركبات يمكن للإنسان والحيوان والنبات الانتفاع بها، من خلال البرق أو النشاط البركاني، حيث يثبت النيتروجين في التربة فتصبح خصبة، أو تحوله بكتيريا التربة إلى نيترات ومن ثم يتحول إلى أحماض أمينية وبروتينات، وتعتبر فضلات الكائنات الحية المتحللة مصدرا هاما للنيتروجين، حيث تقوم البكتيريا بتحويلها إلى نيتريتNO2 ثم إلى نيتراتNO3 ، فيمكن امتصاصها عن طريق الجذور أو تتحول إلى غاز النيتروجين N2 الذي يعود إلى الجو.
4- دورة الفسفور:
يعتبر الفسفور عنصرا مهما في العمليات الحيوية للكائنات الحية، ويدخل في تركيب وحدات الطاقةATP و ADP، وفي تركيب العظام والأسنان، ويوجد في الطبيعة على شكل فوسفات، وتلعب العوامل الجوية كالأمطار والرياح دورا هاما في إيصاله إلى الأنهار والبحار، حيث تمتصه النباتات البحرية فيصل إلى الطيور التي تقتات على النباتات البحرية، ويتواجد الفسفور بكميات كبيرة في فضلات الإنسان والحيوان فتستخدم كسماد للمزروعات، وأدخلت التكنولوجيا الحديثة الفسفور في تركيب مساحيق الغسيل فارتفعت نسبته في مياه الصرف، فأحدث تلوثا للأنهار والبحار والمياه الجوفية، مما دفع الباحثين لإيجاد طرق لإزالة مركبات الفسفور من المياه العادمة، وما يصل إلى البحار والمحيطات من الفسفور يترسب في القاع البحر ليشكل مصدرا مختزنا من مصادر الفسفور، وبتحلل النباتات والحيوانات الميتة، يصل الفسفور إلى التربة ومن ثم تمتصه النباتات.
5- دورة الكبريت:(3/34)
99% من ثاني أكسيد الكبريت الذي يصل إلى الغلاف الجوي يصدر عن أنشطة بشرية ولاسيما الناجم عن حرق الوقود الأحفوري، وهو غاز حمضي كريه الرائحة، ومن المصادر الطبيعية للكبريت خامات الكبريت والصخور الحاوية للكبريت والمواد العضوية بعد تحللها والبراكين وما تنفثه من غازات الكبريت، أما المركبات الأساسية التي تحتاجها الكائنات الحية من الكبريت فتأخذها من التربة، وتستعملها في بناء البروتينات الخلوية.
(1المنظور الحيوي Bio-prospecting:
__________
(1) انظر: المنظور الحيوي Bio-prospecting، الموسوعة العلمية ويكيبيديا، انظر موقعها على شبكة الإنترنت:
http://ar.wikipedia.org/wiki/(3/35)
سيفقد كوكب الأرض ربع ميراثه من الأنواع الحية خلال ثلاثين عاما، ومن بينها أنواع من الكائنات الحية لم تكتشف بعد ولم يتعرف عليها علماء الأحياء بعد، ومن بينها نباتات قد يكون لها مردود بيئي أو اقتصادي أو غذائي أو علاجي، ولا يعرف حتى الآن عدد الميكروبات في الطبيعة التي تسبب الأمراض للإنسان والحيوان والنبات، والحقيقة أننا لانعرف99.(3/36)
8% منها حتى الآن، والباحثون يجدون أحياء دقيقة حول الينابيع وفي قاع المحيطات والصحاري القطبية الجنوبية الجافة وأغوار الكهوف وأجواف الغابات الكثيفة والمطيرة وفي الصخور في أعماق مئات الأمتار تحت سطح الأرض، وهذه الكائنات لها طريقة تمثيل غذائي مختلف، إذ لا تتنفس الأكسجين ولكنها تتنفس الهيدروجين والميثان ومركبات الكبريت، كما تقاوم الإشعاعات والملوحة والتسمم والحرارة، ويحاول العلماء الوصول إلى الأحياء المجهولة للتعرف من خلالها على كيفية بدء الحياة، وكلما امتدت يد الإنسان لبيئاتها العذراء تختفي المئات من هذه الأنواع المجهولة بصمت، وكل عام يكتشف علماء الأحياء 200 نبات على الأقل لم يسبق التعرف عليها؛ من خلال البحث والتفتيش المضنيين في الأماكن الجغرافية المعزولة؛ لقلة الإمكانيات البشرية والمالية المتاحة، وفي الصين وحدها يوجد 120 ألف نبات لم يكتشف بعد، وظهر مؤخرا علم المنظور الحيوي (Bio-prospecting) الذي يعتبر علما عمليا تطبيقيا، حيث يجوب الباحثون الصحاري الحارة والغابات المطيرة والكثيفة ويتسلقون الجبال ويغوصون في أعماق المحيطات لاكتشاف أنواع جديدة من الكائنات الحية المجهولة الهوية والاسم، وعلى صعيد آخر نجد شركات الأدوية العملاقة تبحث عن نباتات جديدة للتوصل لعلاج الإيدز والسرطان وبقية أمراض العصر، ويبحث آخرون عن نباتات لمقاومة الآفات والحشرات والفطريات، وهناك نباتات لولاها لما نشأت الحياة على سطح الأرض، و 3%من النباتات المعروفة قد تم دراستها للحصول على أدوية لعلاج الأمراض، حتى أصبح ربع الأدوية العالمية من أصل نباتي، وفي القرن الماضي تم دراسة 40 ألف نبات في كبريات المعامل الدوائية للتعرف على فوائدها الشفائية، فالغابات صيدلية متكاملة والحفاظ عليها أكبر تحد علمي لعلماء البيئة والتنوع الحيوي .(3/37)
ليس صحيحا أن العلم والتكنولوجيا قادران على حل المشاكل البيئية المتفاقمة والمتردية حاليا فوق كوكب الأرض الموبوء بالملوثات والنفايات التي تقضي على الأحياء والأخضر واليابس، بل يتطلب هذا ضمائر يقظة وواعية وقدرات بشرية ومالية هائلة تتصدى لمنابع التلوث البيئي العالمي بلا هوادة للحفاظ على سلامة الأحياء والجو المحيط بالأرض، وأن تبذل الدول الغنية الكثير من أموالها لتفادي الخطر البيئي الكاسح، وأن تضع تشريعات صارمة تنفذها جميع الدول بلا استثناء، فقد يلجأ الإنسان -أحيانا-بسبب جهله إلى قتل كائنات حية يعدها مزعجة أو مضايقة له، كالعناكب مثلا وهي تلتهم مليارات الحشرات يوميا في العالم، وطائر السنون يأكل أربعة آلاف حشرة يوميا، يقول أحد علماء الطيور: (إذا انعدمت الطيور من البيئة تصبح حياة الإنسان متعذرة، وقد لا تتجاوز عشر سنوات من اختفاء الطيور، لأنها تتغذى على أعداد هائلة من الحشرات الضارة التي تضر بالنباتات) (1) ، وضرورة المحافظة على التنوع الحيوي عبارة سهلة التداول في الندوات والمؤتمرات المحلية والدولية, وتنشر في وسائل الإعلام العالمية والمحلية, إلا أن ما ينفق على البرامج البيئية لا يقارن بضخامة الأموال التي تنفق على تدمير وإتلاف البيئة، والمحميات الطبيعية لا تكفي للحفاظ على التراث العالمي من التنوع النباتي والحيواني، ولن تحد التشريعات من تلوث التنوع الجيني لهذه الأحياء في خضم العشوائية البيئية السائدة فوق الأرض؛ مع تجاهلنا حق الأحياء في العيش كشركاء منتجين فوق كوكب الأرض بلا كلل أو ملل، فمنهم من انقرض أو على وشك بسبب العبثية البيئية.
__________
(1) 19. التربية البيئية وآفاقها المستقبلية ص : انظر( )(3/38)
إن التنوع الحيوي بشتى أنواعه يشكل منظومة بيئية متزنة، وما جار على البيئة أحد كالإنسان بأنانيته وطمعه وجشعه وإفراطه في استغلال مواردها بنهم لم يسبق له مثيل قبل القرن العشرين، والمحافظة على التنوع الحيوي وكافة أنواع الحياة وجيناتها وبيئاتها يتأتى بالحفاظ على ميراث الأرض الذي أودعه الله سبحانه وتعالى فيها وخصها به بين سائر الأجرام السماوية، فصانته ملايين السنين، وذلك ما سيبقينا أحياء على سطح الأرض، فالتحدي الذي يواجه البشر هو اقتناعهم بالحفاظ علي الموروث التاريخي الحيوي في بيئاتهم لنظل جميعا أحياء فوق كوكب الأرض، وهذا يتطلب التوعية البيئية (1) بأبعاد هذه التحديات من خلال بث المعلومات عن كيفية الحفاظ على البيئة وأبعاد المشكلات البيئية الملحة وكيفية توقيها. إنه لا يوجد فوق الأرض من يعيش لنفسه فحسب، إن الأخطار البيئية تحدق بالأحياء بما فيهم البشر, إلا أن الإنسان لا يعيرها الاهتمام المطلوب معرضا صحته وحياته وحياة شركائه في الحياة من حيوانات ونباتات للهلاك، وأورث نسله المرض والجينات المعيبة.
(2التنوع الحيوي Biodiversity :
__________
(1) 52-64. المرجع السابق ص : انظر( )
(2) انظر: منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة: الاتفاقية الدولية للتنوع الحيوي، الموقع على شبكة الإنترنت
http://www.fao.org/arabic/newsroom/action/ag_treaty.htm(3/39)
هو التباين في الكائنات الحية من المصادر المائية والأرضية، ويشمل التباين في النوع الواحد (التنوع الوراثي والجيني) وبين الأنواع (التنوع النوعي) وعلى مستوى المنظومة البيئية (التنوع البيئي). إن الفوارق القائمة بين مختلف الكائنات الحية المختلفة -البرية والبحرية- والأنظمة الإيكولوجية التي تنتمي لها هذه الكائنات؛ وتنوع الصفات الوراثية بين مختلف أنواع الأنظمة الإيكولوجية وضمن النوع الواحد؛ كل ذلك يسمى التنوع البيولوجي الحيوي، وما درسه الباحثون حتى الآن جزء صغير جدا من هذا التنوع الحيوي الواسع، ولعل ظهور مصطلح التنوع الحيوي Bio Diversity والمحميات الطبيعية من الدلائل على الاهتمام الدولي والإقليمي بالبيئة كقضية مصيرية، فالمشكلة البيئية تخطت الاهتمام على المستوى العلمي الأكاديمي وتجاوزته إلى سلوكيات الناس والشرائح الاجتماعية باختلاف مستويات وعيها وثقافتها تجاه البيئة، ورغم أن بداية علم الإيكولوجي كانت بيولوجية إلا أن مجال هذا العلم أخذ يتسع ليشمل إسهامات الاختصاصات العلمية المختلفة سواءً في العلوم التطبيقية أو البحتة أو حتى الدراسات الإنسانية. إن موضوع التنوع الحيوي يعتبر حديثا نسبيا, وقد صيغ المصطلح لأول مرة خلال الاجتماع الوطني للتنوع الحيوي والذي عقد عام 1968م برعاية الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم، وبالرغم من الاختلاف في تعريف التنوع البيولوجي إلا أنه تم الاتفاق على ضرورة فهم هذا التنوع الحيوي والبيئي الهام، والمحافظة عليه والاستعمال الرشيد لمكوناته وموارده الطبيعية التي تدعم بقاءه.(3/40)
عرف البعض التنوع الحيوي بأنه تنوع كافة أشكال الحياة على وجه الأرض سواء كانت على اليابسة أو في باطن الأرض أو في المياه، ومن أجل توحيد تقييم التنوع الحيوي على المستوى العالمي فقد تم تعريفه بأنه (كامل الاختلاف والتباين بين الكائنات الحية وبين النظم البيئية)، فيضم التنوع الحيوي جميع أنواع الكائنات الحية الحيوانية والنباتية إلي جانب الكائنات الدقيقة، وتمثل هذه الكائنات الحية جزءا من الثروات والموارد الطبيعية، ويوفر التنوع الحيوي ضمان إمكانية الحصول على إمدادات متواصلة من الأغذية وما لا حصر له من مواد الخام التي يستخدمها الإنسان في حياته اليومية وبناء حاضره ومستقبله، إلا أن أغلب استغلال الإنسان لهذه الموارد يتم بطرق عشوائية وخاطئة، مما أدى إلي الإضرار بالتنوع البيئي الحيوي. إن الأرض كوكب حي متناغم في تنوعه الحيوي، ويعتقد الباحثون أن البلانكتونات قامت بتأهيل الأرض للحياة (1) ،
__________
(1) الإنسان البيئة والتلوث البيئي ص 73. :.انظر( )(3/41)
فامتصت هذه النباتات نسبة كبيرة من ثاني أكسيد الكربون الذي كان يعبق به الجو المحيط بالأرض، وساعدتها الأصداف في امتصاصه لتكوين هياكلها الجيرية، وعندما تموت هذه الأحياء تحبس ثاني أكسيد الكربون وتحوله إلى أحجار جيرية، كما لعب عنصر الكبريت دورا رئيسا في استمرار الحياة، لأن تدويره يتم عبر المحيطات بواسطة الكائنات الحية ولاسيما البلانكتونات التي تضخه في الجو بكمية تفوق ما تضخه البراكين، فالكائنات الحية لم تُخلق وظائفها الحيوية عبثا أو صدفة بل تدخل ضمن منظومة حيوية معقدة، وتولد بداخلها نظام الاختيار الطبيعي ليبقى الأصلح، لمواكبة كل مرحلة حيوية للأرض، ففي كل مرحلة من مراحل تطور منظومة الأرض الحيوية يُستبعد العاطلون وينقرضون، فالأرض كوكب ينظم ذاته ويسخر إمكاناته المتاحة لضبط منظومة الحياة، حتى أنانية الكائنات الحية يستغلها لصالح النظام التدويري في التربة والجو والمحيطات والكتلة الحيوية فوقه. إن التنوع الحيوي فوق كوكب الأرض يجعلنا أحياء، فنباتات (البلانكتونات) المائية في محيطات العالم تقوم بضبط الدفيئة العالمية، وتقوم الغابات بغطائها الأخضر بضبط عملية تدوير الأكسجين في الجو، والحيوانات فوق اليابسة وفي البحر والجو تجعل الأرض صالحة للسكنى، والجو المحيط بالأرض يتكون من خليط من الغازات غير المستقرة يتم تدويرها وتفاعلها بدقة وضبط متناهيين.(3/42)
فالبلانكتونات المائية تنتج غاز ثاني ميثيل الكبريتيد الذي يتسرب جزء منه إلى الغلاف الجوي ليتفاعل مع الأكسجين مكونا جزيئات حمضية ضعيفة تساهم في تكوين قطيرات السحب، والتي عندما تصبح كثيفة تكوّن السحب البيضاء, وكلما قل إنتاج غاز ثاني ميثيل الكبريتيد تقل كثافة السحب البيضاء، مما يجعل الجو أكثر حرارة، وتعمل السحب البيضاء كالمرآة تعكس أشعة الشمس لتبريد الأرض أكثر من 10 درجات مئوية، فالنباتات المائية جزء أساس في تبريد كوكب الأرض، كما أن انبعاث غاز ثاني ميثيل الكبريتيد من المحيطات يحمل معه جينات البلانكتونات لأماكن بعيدة تنتشر في مياه جديدة بعدما تسوقها السحب، لتنتج بلانكتونات جديدة تضخ غاز ثاني ميثل الكبريتيد. فيرى عالم البحار الأمريكي جون مارتين أن تخفيض غاز ثني أكسيد الكربون CO2يمكن عن طريق تحفيز زيادة كثافة البلانكتونات في البحار والمحيطات، وذلك بإضافة مخصبات تحتوي على الحديد اللازم لنمو البلانكتونات التي تسحب غاز ثاني أكسيد الكربون .CO2 (1)
إن النهوض بالبيئة من جديد لا يكون بالقضاء على مصادر التلوث فحسب بل بالعمل على تنمية الموارد الطبيعية وحسن استغلالها، وأغلبية سطح الأرض يقع تحت سيطرة وإدارة الإنسان, وهو بحاجة إلى المسكن والمأكل والمشرب والملبس والعلاج، وهي أمور ضرورية لا بد من تحقيقها وتلبيتها, ولكن ليس على حساب البيئة والتنوع الحيوي، فمبدأ حماية التنوع الحيوي يجب أن يقوم على أساس التوازن بين احتياجات ومتطلبات المجتمعات والأفراد وبين التوازن البيئي والتنوع الحيوي، وللحد من الاستنزاف الحاد لمصادر الطبيعة لابد من العمل على إيجاد مصادر جديدة للطاقة، والتخفيف من استهلاك المصادر غير المتجددة المتاحة حاليا، وتطوير التكنولوجيا بحيث تكون قادرة على استخدام المصادر المتاحة بكفاءة عالية دون أن تسبب تلوثا بيئيا.
__________
(1) 35. التربية البيئية وآفاقها المستقبلية ص : انظر( )(3/43)
تعتبر الأنظمة الإيكولوجية للغابات الاستوائية من أكثر البيئات ثراءً بالأنواع، فبالرغم من أنها تغطي مساحة تقل عن 10% من سطح الكرة الأرضية إلا أنها تضم 90% من الأنواع في العالم، وتساهم الكائنات الحية بطيف واسع من الخدمات البيئية مثل تنظيم تركيبة غازات الغلاف الجوي وتنظيم الدورة المائية والمناخ والمحافظة على خصوبة التربة وتجديدها وتحليل النفايات وتخصيب العديد من المحاصيل وامتصاص الملوثات، ويعتمد حوالي 75% من سكان العالم في مجال الرعاية الصحية على الأدوية التقليدية التي يتم استخلاصها مباشرة من المصادر الطبيعية، كما يوفر التنوع البيولوجي أيضاً موارد جينية زراعية وغذائية، فيشكل بذلك القاعدة البيولوجية للأمن الغذائي العالمي ودعم المعيشة البشرية.
قضايا التنوع الحيوي: (1)
يعد فقدان التنوع الحيوي من أكثر الأزمات العالمية الملحة، فمع أن الانقراض عملية
__________
(1) انظر: اللائحة الحمراء للاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة : انظر الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.iucnredlist.org(3/44)
طبيعية إلا أن معدلاته تبدو في ازدياد يفوق المعدلات الطبيعية كثيرا، إن 11 % من مجموع الطيور و25 % من مجموع الثدييات و20 ـ 30 % من مجموع النباتات مهددة بالانقراض، وقد فقدت المحاصيل الزراعية أكثر من نصف أنواعها، وإذا ما طبقت هذه الإحصائيات على التنوع الحيوي بكامله فستجعل المستقبل يبدو كئيبا، فعدد الأصناف الموجودة على الأرض تقدر بحدود 30 مليونا، وتشير الدراسات إلى أن ربع التنوع الحيوي في الأرض معرض لخطر الانقراض خلال العقدين القادمين، وخطورة استنزاف التنوع الحيوي يتمثل في أن النوع وحدة أساسية في المجموعة البيئية له صفاته الوراثية، ويقع ضمن السلسلة الغذائية، ويقوم بعمل محدد في النظام البيئي بنقل الطاقة من مستوى غذائي إلى مستوى آخر، فعند انقراض هذا النوع تحدث ثغرة في السلسلة الغذائية وتضعف قدرتها على القيام بوظائفها في تحويل الطاقة والمواد الغذائية، فالانقراض وفقدان التنوع الحيوي لهما تأثير كبير على قدرة الأنظمة البيئية في تقديم الخدمات الفاعلة للجنس البشري، وبالرغم من أن اهتمام العالم ـ في العقد الماضي ـ كان منصبا على الغابات الاستوائية، وبخاصة مناطق حوض نهر الأمازون وأندونيسيا فإن نسبة المفقود من الغابات يقدر بحوالي 15 مليون هكتار سنويا على الأقل، فالتحدي الحقيقي سيكون في الخمس وعشرين سنة المقبلة حول كيفية وضع حلول إدارية إبداعية لأزمة غطاء الغابات، وضبط حسن استغلالها ومنتجاتها. لقد تعرضت الأنواع العديدة من الأحياء للانقراض والاختفاء وذلك لأسباب عديدة منها: (1)
__________
(1) انظر: البيئة ومفهومها العلمي المعاصر (المشكلات البيئية المعاصرة) ص149-194.(3/45)
1- النظم الزراعية غير المتوازنة: قام الإنسان بتحويل الغابات الطبيعية إلى أراض زراعية, فاستعاض عن النظم البيئية الطبيعية بأنظمة اصطناعية، واستعاض عن السلاسل الغذائية والعلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية والعناصر غير الحية المميزة للنظم البيئية بنمط آخر من العلاقات بين المحصول المزروع والبيئة المحيطة به، واستخدم الأسمدة والمبيدات الحشرية للوصول إلى هدفه، فأخطأ في اعتقاده أنه يستطيع استبدال العلاقات الطبيعية المعقدة الموجودة بين العوامل البيئية والنباتات بعوامل اصطناعية مبسطة، فعارض بذلك القوانين المنظمة للطبيعة، وهذا ما جعل النظم الزراعية مرهقة وسريعة العطب، علما بأن توازن واستقرار النظام البيئي يتوقف على مدى تعقده، فكلما ازداد تعقد النظام البيئي كلما ازداد ثباتا واستقرارا، ومن المؤكد علميا أنه كلما كثرت الأنواع النباتية والحيوانية في المجتمع البيئي كلما كان أكبر قدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة سواء كانت قصيرة أو طويلة، وبالتالي يكون أكثر ثباتا، لأن ازدياد الأنواع يعقد العلاقات المتبادلة بينها وبين الكائنات الحية من ناحية وغير الحية من ناحية أخرى، وبتعبير آخر كلما كانت الذخيرة الوراثية Genofond أكبر كانت إمكانية التكيف والاستقرار كبيرة، فتعقد النظام البيئي أحد العوامل الأساسية في سلامة واستقرار النظام البيئي، وكل ما يقوم به الإنسان من خفض أعداد الحيوانات والنباتات البرية يؤدي إلى تبسيط النظام البيئي ويجعله أكثر عرضة للهدم
والتخريب.) (1) (
__________
(1) انظر: التلوث وحماية البيئة ص8 - 9.(3/46)
2- تدمير الموطن الطبيعي للكائنات الحية: وذلك بإزالة الغابات التي تأوي إليها الطيور والحيوانات، تغطي ما يقرب 28% من القارات، والغابات نظام بيئي شديد الصلة بالإنسان، وتدهورها وإزالتها أحدث انعكاسات خطيرة على النظام البيئي، ولاسيما التوازن بين الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في الهواء، وكذلك تجفيف بعض مواطن الأسماك وتحويلها إلي أراض زراعية. (1)
2- النشاطات العمرانية والحضارية: إن ازدياد عدد السكان والنمو الاقتصادي الذي شهده العالم خلال العقود الأخيرة أدى إلى اتساع نطاق المد العمراني والطرق وخطوط أبراج الكهرباء والأنشطة الصناعية والنفطية، مما أثر على التنوع الحيوي بشقيه النباتي والحيواني والنظم البيئية التي تعيش فيها الكائنات الحية وتدعم حياة الإنسان.
تزايد أعداد السكان عبر التاريخ (2)
السنة ... عدد السكان (مليون نسمة) ... فترة التضاعف بالسنوات
8000 ق م ... ملايين ... كل 1500 سنة
1650 م ... مليون ... كل 200 سنة
1850م ... مليون ... كل 80 سنة
1930م ... مليون ... كل 45 سنة
1975م ... مليون ... كل 35 سنة
2000م ... نحو 6050 مليون ... ــ
3- الصيد الجائر: إن الصيد العشوائي الجائر للحيوانات البرية أدى إلى انقراض كثير منها، وكذلك الصيد زمن نمو صغار السمك، واستخدام الصيد الجارف للبحار دون تمييز.
4- المبيدات الحشرية: إن استخدام المبيدات الحشرية لا يقضي على الآفات فحسب بل يمتد أثره إلى الإنسان والحيوان والنبات.
5- الرعي الجائر: إن الرعي بطرق عشوائية غير مدروسة يؤدي إلي تدهور المراعي الطبيعية، ويرافقه تدهور في التربة والمناخ، فتتعرى التربة وتصبح عرضة للانجراف.
6- البحث عن البترول باستخدام المتفجرات، وتنظيف خزانات السفن البترولية وتفريغ المياه الملوثة بشوائب بترولية في مياه البحر.
أصناف الكائنات الحية وأعدادها:
__________
(1) البيئة من منظور إسلامي ص 42. : انظر( )
(2) الإنسان والبيئة والتلوث البيئي ص35. : انظر( )(3/47)
يتشكل التنوع الحيوي من أصناف متعددة على سطح الأرض، واختلفت عبارات المتخصصين في تعريف الصنف، فعرفه بعضهم بأنه (الوحدة الأساسية التي يتكون منها التنوع الحيوي)، وعرفه آخرون بأنه (مجموعة من الكائنات الحية التي تستطيع التهجين والتكاثر فيما بينها)، ومن أجل توحيد تقييم التنوع الحيوي على المستوى العالمي فقد تم تعريف الصنف على أنه (مجموعة من الأفراد المتشابهة وراثيا والتي يمكن أن يقع بينها التزاوج)، مع أن هناك كائنات دقيقة أحادية الجنس تتبادل الجينات فيما بينها بحُرية، والسؤال المحير ما المزايا التي تتوفر في الصنف الواحد حتى تميزه عن صنف آخر؟
إن الحفاظ على كافة أصناف الحياة وأشكالها على الكرة الأرضية له بُعد ديني وأخلاقي(3/48)
وعلمي وجمالي، ولا يستطيع أحد أن يجزم كم عدد أصناف الكائنات الحية التي تعيش على كوكب الأرض؟ ولماذا تختلف الكائنات الحية من بيئة لأخرى؟ ولماذا يعيش في بعض المناطق كائنات حية أكثر من غيرها؟ إنها أسئلة لا جواب لها واضح وصريح حتى الآن، ولا يعرف الباحثون السبب الحقيقي من وراء استيطان معظم الكائنات الحية في المناطق الاستوائية، ولكن يُعتقد أن استقرار البيئة الطبيعية في المناطق الاستوائية منحت معظم هذه الكائنات نوعا من الخصوصية في حياتها، وقد تم تحديد ما يقارب 1.75 مليون نوع مختلف من الكائنات الحية (1) , لكن هذا الرقم غير مؤكد، فمعظم هذه الأصناف قد سجلت وفهرست في المتاحف ومراكز الأبحاث المنتشرة حول العالم، إلا أنه ربما حصل بعض التكرار في تسجيل هذه الأصناف، وقد خصصت عدد من المجلات العلمية صفحات كثيرة لتقدير عدد الأصناف الموجودة على الأرض، وتمكن الباحثون من معرفة الكثير عن أصناف الكائنات الحية التي عاشت على سطح الأرض وانقرضت, وتم تقدير أعدادها من خلال الأحافير، لكن لا يوجد إجماع على هذه التقديرات إذ أن النتائج متباينة، ومعظم التقديرات تعتمد على الحجم النسبي للأصناف، والأصناف الأصغر حجما في العادة عديدة ووافرة، والأصناف الحيوانية تشكل ما يزيد على 70 % من مجموع الأصناف المسجلة، إلا أنها تمثل جزءا ضئيلا من التنوع الحيوي، فبعض الكائنات الحية المعروفة من الثدييات والطيور تمت دراستها بشكل موسع وشامل, إلا أنها لا تشكل إلا جزءا ضئيلا من التنوع الحيوي الهائل على سطح الأرض. إن دور الأحياء الدقيقة التي تعيش في التربة والغطاء النباتي والغابات في إنتاج وتدوير الغذاء فيما بينها معروف وواضح، وكذلك فائدة التنوع الجيني في بذور النباتات وأهميته في تحسين الإنتاج من حيث الكم والنوع، لكن التخوف من فقدان الكائنات الحية التي لا نعرفها ولا نعرف وظيفتها البيئية.
__________
(1) المرجع السابق ص50. : انظر( )(3/49)
أهم مناطق التنوع البيولوجي (1) :
1- غابات المناطق المدارية: وهي من أكثر المناطق غنى بالأنواع الحيوية، وتحتوي على
70 - 90% من الأنواع في العالم رغم أنها لا تغطي سوى 7% من مساحة اليابسة على سطح الكرة الأرضية، وتحتوي على 30% من الفقاريات البرية، وثلثي الأنواع العالمية من النباتات و96% من المفصليات.
2- الغابات المطرية المعتدلة: وتحتوي على تنوع حيوي واسع، وكانت تحتل في وقت من
الأوقات ما يقرب من30 مليون هكتار، وهذه المناطق شديدة التنوع وتقوم بدور أساسي في المحافظة على مخزون المياه العالمي ومجمعات المياه العالمية الجوفية.
3- الشعب المرجانية: وتعتبر النظير المائي للغابات المدارية، حيث تحتوي على أنواع حيوية هائلة تتوزع على المحيطين الهندي -وفيه أكبر الشعب وأكثرها عددا من حيث الأنواع- والمحيط الهادي ولاسيما الجزء المداري الغربي منه.
4- البحيرات العذبة: تحتوي على رصيد هائل من أنواع الأسماك والضفادع والثعابين المائية والنباتات، ففي بحيرات وادي الصدع الكبير في أفريقيا توجد كميات ونوعيات هائلة من الأحياء أكثر مما تحتويه أية بحيرة أخرى في العالم.
5- مناطق زراعة المحاصيل الحقلية: وتعتبر من المناطق الغنية في العالم بالأنواع الحيوية، ولاسيما النباتات الزراعية التي استخدمها الإنسان منذ 12 ألف سنة عندما عرف الزراعة.
أقسام التنوع الحيوي:
يمكن تقسيم التنوع الحيوي إلى ثلاث فئات موزعة حسب التسلسل الهرمي:
__________
(1) البيئة ومفهومها العلمي المعاصر ص162. : انظر( )(3/50)
1- التنوع الوراثي: ويقصد به تنوع المورثات داخل الصنف أو النوع الواحد بما يميز مجموعات من نفس النوع، ففي النوع الواحد يكون عدة أجناس أو أنواع فرعية، ويعتبر التنوع الوراثي من أهم منتجات البيئة بكل المقاييس الحيوية والاقتصادية والصحية والاجتماعية، فمجتمع الطيور البرية والدجاج البري مقاوم لمعظم الأمراض وظروف انخفاض وارتفاع درجات الحرارة ونقص الغذاء، بينما لا يحتمل ذلك الكثير مما يربى في المداجن أو مزارع الطيور.
2- تنوع الأصناف: ويقصد به اختلاف الأنواع داخل وسط بيئي معين، ويختلف توزيع هذه
الأنواع من مكان إلى آخر في نفس الوسط، ويعتبر عدد الأنواع في الوسط البيئي دلالة على غناه بالأنواع الحيوية.
3- تنوع الأنظمة البيئية: يقصد به النظم البيئية في وسط ما, ويتضمن تنوع الأنظمة البيئية: عدد الأنواع في نطاق محدد، والأدوار البيئية التي تلعبها هذه الأنواع، والنظم البيئية التي تتواجد فيها هذه الأنواع، بما في ذلك العمليات البيئية المتبادلة ضمن هذه الأنظمة. (1)
التعديل الجيني والتنوع الحيوي:
هناك قلق من أن الاستخدام الواسع لتقنية التعديل الجيني سيقلل من تنوع المحاصيل المزروعة، كما سيحد من تنوع النباتات والحشرات التي تتغذى عليها، وذلك سيحد من مجموع الجينات الذي انخفض بفعل تقنيات الزراعة الحديثة، وهناك مخاوف من أن تتفاقم المشكلة بسبب توفر المحاصيل المعدلة جينياً، لذا تم الاحتفاظ ببعض العينات من أنواع النباتات في "بنوك الجينات" حتى لا تخسرها الأجيال المقبلة.
التوازن البيئي والتنوع الحيوي:
__________
(1) البيئة من منظور إسلامي ص 37. : انظر( )(3/51)
إن العلاقة بين التنوع الحيوي والتوازن البيئي موضع اهتمام الباحثين البيئيين، وقد توصل الباحثون في بداية عهد الأبحاث البيئية إلى أن أي نظام غير متناسق وغير مستقر سوف يصل في نهاية المطاف إلى حالة من التوازن والثبات، ومع ذلك نفى بعض علماء البيئة منذ سنين طويلة أن يكون هناك توازن بيئي في الطبيعة، ففي عام 1942م قام الباحث الإنجليزي تشارلز آيتون بدراسة التقلب الكبير في أعداد الحيوانات، وتوصل إلى أن الطبيعة لا تصنع التوازن، ولكن تبين الآن أن النظم البيئية التي تتعرض لاضطرابات طبيعية مثل الحرائق والزلازل والفيضانات والممارسات البشرية تعمل على الوصول إلى حالة من التوازن والاستقرار النسبي القابل للتغير باستمرار تجاوبا مع تأثير العوامل المختلفة، ويمكن القول إنه لا تزال هناك شكوك حول العلاقة التي تربط بين التنوع الحيوي والتوازن البيئي, ومعظم الأبحاث العلمية خرجت بنتائج متضاربة.
الأصناف المهددة بالانقراض:(3/52)
الكوكب الحي) هذا عنوان التقرير السنوي الذي أعلنه الاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة والموارد الطبيعية (IUCN) (1) حيث غطت فيه الأنشطة البيئية في 101 دولة، وجاء فيه أن ثمة انخفاضا ملحوظا في أعداد الأحياء على سطح الأرض، فمع أن انقراض الكائنات الحية يعتبر جزءا طبيعيا من منظومة الحياة فوق كوكب الأرض، فإن 99%من الأنواع التي ظهرت على الأرض قد انقرضت، والكائنات الحية الحالية تمثل 1% من الأحياء التي عاشت متعاقبة فوق الأرض، مما قلل من تنوعها الحيوي، وأل 99% التي انقرضت طوال العصور الزمنية الجيولوجية السابقة كان اختفاؤها بسبب الكوارث البيئية التي اجتاحت الأرض والأنشطة التي كان يمارسها الإنسان، إلا أنه قد تضاعف معدل انقراض الأحياء من40 إلى 400 ضعف عما كان عليه قبل ظهور الإنسان، وقد أمكن التعرف على 1.75مليون نوع من الأحياء ومعظمها كائنات دقيقة، ويقدر الخبراء وجود 13مليون نوع على الأرض، وهذه الأنواع تختفي بمعدل 50 -100 ضعف عن المعدل الطبيعي، فربع الثدييات و15 % من الطيور انقرضت أوفي طريقها إلى الانقراض نتيجة التدهور البيئي والإفراط في الصيد، و20% من أنواع الطيور قد انقرضت خلال الألف سنة الماضية، ومعظمها تم بعد وصول الإنسان إلى الجزر، وبين عامي 1940م- 1984م انخفضت معدلات هجرة الطيور المغردة إلى النصف في شرق أمريكا، وانقرض20% من أسماك المياه العذبة في العالم، وخلال العقد الأخير من القرن الماضي انقرض من 4-5 %من النباتات في أمريكا وحدها، وفي ألمانيا اختفى 34% من اللافقاريات، واندثر خلال ستين سنة ماضية من أوربا أكثر من 50% من الفطريات (2) .
__________
(1) الاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة : انظر الموقع على الإنترنت http://www.iucn.org/ .
(2) انظر: اللائحة الحمراء للاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة : انظر موقعه على شبكة الإنترنت:
http://www.iucnredlist.org/(3/53)
إن هذا الانقراض الجماعي الحديث سببه تدمير الإنسان للبيئة, وكلما أخمد الإنسان تلوثا في مكان أشعله بطريقة أخرى في مكان آخر, مما جعل الأحياء تحت خطر الانقراض فوق الأرض المنكوبة بدرجة لم تشهد لها مثيلا، والإنسان بحضارته الحديثة أصبح نهما لا يشبع استعبدته المدنية الحديثة، فجعل حياته وحياة شركائه على كوكب الأرض في خطر، وكلما أطفأت الطبيعة ملوثات الإنسان أوقد ملوثا آخر، ليكون الكائن الوحيد على سطح الأرض الذي يلهو بمصيرها ومصير أحيائها، فقد أصيبت الضفادع وغيرها من البرمائيات بأضرار بالغة نتيجة تغير المناخ ولاسيما في كوستاريكا, ولوحظ في المحميات الطبيعية في الحدائق العامة في بنما وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية اختفاء عشرين نوعا من الضفادع بسبب تعرضها لطفيليات مجهولة، كما أصيبت أجنتها بتشوهات خلقية نتيجة تعرضها للملوثات ولاسيما المبيدات الحشرية والحشائشية. وجاء في دراسة كندية أن النوع كان ينقرض خلال 3 ملايين سنة في الأزمنة القديمة، بينما نجد أن النوع ينقرض حاليا خلال 2600 سنة، وهذا أعلى ألف مرة من معدل الانقراض في الأزمنة القديمة.
وحسب توقعات علماء البيئة في الكتاب الأحمر (1)
__________
(1) يعد الكتاب الأحمر (Red Data Book) للاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة والموارد الطبيعية (IUCN) الكتاب
الوحيد المعتمد لبيان المعلومات المتعلقة بحيوانات العالم التي تتعرض للتهديد. انظر: البيئة ومفهومها العلمي المعاصر
ص174-176.(3/54)
سيكون اختفاء الأحياء خلال هذا القرن على النحو التالي: 49% من 262 نوع من بلح البحر(محار) و33% من 336 نوع من جراد البحر (الإستاكوزا) و26%من 243 نوع من البرمائيات و26% من 1021 نوع من الأسماك، وبالرغم من أن أسماك العالم يتناقص أعدادها بشكل خطير إلا أن بعض الباحثين يعتقدون أن الأسماك في البحار والأنهار قادرة على تعويض أعدادها لسرعة إخصابها وتكاثرها، مما يحمي أنواعها من الإبادة، لكن هذا المفهوم يتنافي مع الواقع، فالثروة السمكية آخذة في التدهور بشكل ملحوظ في المياه العالمية بسبب الإفراط في الصيد بواسطة الأساطيل والسفن العملاقة المجهزة بأحدث مكائن الصيد المجهزة بالرادار والسونار لمعرفة حجم وأماكن أسراب السمك في الأعماق، كما أصبحت الأقمار الصناعية تمد بالمعلومات عن أحوال الطقس ودرجات الحرارة والعواصف وتحدد التيارات المائية ومواقع أسراب السمك ومساراتها، فتوغلت سفن الصيد العملاقة في عرض المحيطات ووصلت أدوات الصيد إلى الأعماق، وبلغ طول حبال الصيد 80 كيلومتر، تحوي آلاف الخطاطيف، وبها طعوم لصيد الأسماك الكبيرة من الأعماق وبكميات هائلة، كما تستخدم شباك صيد ضخمة تغطي مساحة تصل40 كيلومتر مربع، فهذه الإمكانات الجبارة استطاعت خلال عقدين من اصطياد 40 -80% من مختلف أنواع الأسماك في محيطات وبحار العالم، فانخفضت كمية الأسماك في مناطق الصيد 50% عما كانت عليه، وهذه الندرة في أنواع الأسماك قد أضرت بالبيئة البحرية، لأن استنزاف الثروة السمكية عرض الثدييات العملاقة كالحيتان للمجاعة، كما حرم الطيور البحرية من الأسماك التي تتغذى عليها، فبعد عقد من تقنية الصيد المطورة اكتشف أن أعدادا هائلة من الأسماك قد اختفت، لأن معدل توالدها وتكاثرها أقل بكثير من الكميات الهائلة التي تصطاد بها التقنية الحديثة، ولما قلَّت الأسماك التي تتغذى على النباتات المائية صارت تنمو وتتوغل وتعوق الملاحة، فلجأ الإنسان إلى تعويض(3/55)
النقص في الأسماك بإنشاء المزارع السمكية التي توفر حاليا 20% من احتياجات الاستهلاك العالمي، مما جعل الصيادين يصيدون الأسماك الصغيرة التي تتغذى عليها أسماك المزارع، واستخدموا في الصيد شباكا فتحاتها صغيرة لاحتجاز الأسماك الصغيرة، مع أن هذه الشباك ممنوعة عالميا. إن الولايات المتحدة الأمريكية تحظر صيد الأصداف البحرية والأسماك الحمراء كما تحظر التجارة بها، إلا أن الصيادين يصطادونها بشباك ضيقة، مما خفض أعدادها 40%، ومع تناقص الثروة السمكية وتزايد معدل السكان في العالم 1.3% سنويا يزداد الإنسان فقرا فوق كوكب الأرض (1) ، فخلال نصف القرن الماضي قضى الصيادون على حوالي مليون حوت باتباعهم الأساليب الحديثة في الصيد، لدرجة أن الحيتان الكبيرة اختفت تماما من محيطات نصف الكرة الشمالي، ولم يبق منها سوى 200 ألف حوت في محيطات نصف الكرة الجنوبي، مما جعل الحوت الأزرق أكبر الأحياء جسما فوق كوكب الأرض من الندرة لدرجة أنه لا يجد له أنثى، وقد كانت أعداده حوالي 200 ألف حوت في الثلاثينات، لم يبق منها سوى 60 حوتا فقط حسب الإحصائيات، وكان وقتها عدد حيتان العالم بشتى أنواعه حوالي مليونين ونصف، فانخفضت أعدادها حاليا إلى النصف رغم الإعلان العالمي بمنع صيد الحيتان والدولفينات لإعطائها فرصة للتكاثر ومنع انقراضها، وتعاني الحيتان الزرقاء من المجاعة لقلة توالد القشريات الصغيرة (الكريل Krill) التي تعيش عليها، ويرجع قلتها للاحتباس الحراري، لأن هذه القشريات تعيش على الطحالب البحرية في مياه الجليد المنصهر جنوب المحيط الأطلسي، وبسبب ارتفاع الحرارة خلت مساحات شاسعة من الجليد والطحالب التي كانت تنمو عليها، ونقص الكريل (2)
__________
(1) البيئة ومفهومها العلمي المعاصر ص 166-172، 177. : انظر( )
(2) الكريل كائنات حيوانية تشبه الجمبري (الروبيان) تحتشد بكميات هائلة في المياه الباردة، ويقدر ما يصاد منها سنويا ( )
بحوالي 60 طنا. البيئة ومفهومها العلمي المعاصر ص 171.(3/56)
يهدد بانقراض الحوت الأزرق من مياه القطب الجنوبي، وظاهرة الاحتباس الحراري في مناخ الأرض جعل الكثير من الحيوانات تختفي وتنقرض، وتعتبر مياه القطب الجنوبي محمية طبيعية لهذه الحيتان تراقبها الأقمار الصناعية، وتعتبر البرمائيات مؤشرا بيئيا وأحيائيا لصحة كوكبنا, لأنها استطاعت تخطي عصر الانقراض الكبير الذي أودى بحياة الديناصورات العملاقة منذ 65مليون سنة، وظلت على قيد الحياة حتى الآن، وهذا يرجع إلي فسيولوجية أجسامها ودمها البارد، الذي مكن البرمائيات من مقاومة أعنف إبادات الانقراض، ومع ذلك فالبرمائيات تتعرض حاليا للانقراض بشكل ملحوظ نتيجة الأنشطة البشرية والملوثات البيئية، كما أن ثقب الأوزون فوق القطب الجنوبي المسئول عن تدفق الأشعة فوق البنفسجية يؤثر على جزيئات حمض DNA في خلايا البرمائيات، ومع أن معظم الأحياء لها القدرة على إصلاح هذا الخلل تلقائيا بإفراز إنزيم (فوتولياز)، إلا أن البرمائيات المعرضة للانقراض تفرز كميات متدنية جدا من هذا الإنزيم.(3/57)
منذ عام 1900م انقرض حوالي 123 نوع من الأحياء المائية في الشمال الأمريكي نتيجة ارتفاع الحرارة، من بينها القواقع والأسماك التي تعيش في المياه العذبة، وتتعرض الأحياء المائية للانقراض بمعدل أعلى بـ 5 مرات من معدل انقراض الأنواع البرية، وأكثر بـ 3 مرات من معدل انقراض الثدييات التي تعيش على سواحلها، وفي كل عقد من الزمان سينقرض 4%من الأنواع التي تعيش في المياه العذبة، ويعتبر الشرق الأمريكي صورة حية للمناحة البيئية الأمريكية، حيث تطارد الحيوانات والطيور والأسماك للحصول على الأموال رغم التحذيرات الأمريكية والدولية بعدم المساس بهذه الحيوانات في محمياتها الطبيعية للحفاظ على التنوع الحيوي، فيصطادون الدببة والأسود الجبلية والفهود الأمريكية لبيعها كتذكار أو لبيع أعضائها للعلاج في أوربا والصين (1) .
إن التنوع البيولوجي العالمي يتدهور بمعدلات غير مسبوقة، بسبب التغيير في الأراضي
__________
(1) تصل قيمة جلد قط الوشق الأمريكي Bob cats)) إلى 400 دولار للقطعة الواحدة، مما أدى إلى تدهور أعدادها بشكل ملحوظ، كما أن المستوطنين البيض في أمريكا الشمالية خفضوا عدد حيوان البيزون Bison)) من 60 مليونا إلى أقل من 600 رأس فقط، وكان الهنود الحمر يقتلونه من أجل لسانه فقط. انظر: البيئة ومفهومها العلمي المعاصرص174-176.(3/58)
والمناخ والاستغلال العشوائي للموارد الطبيعية والنمو السكاني وتصاعد إنتاج النفايات والملوثات والتنمية الحضارية والنزاعات الدولية وإدخال الأنواع الدخيلة، وتختلف الأضرار باختلاف الأنظمة الإيكولوجية، وتشير إحصائيات الاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة إلى أن حوالي 24% من (1130 نوع) من الثدييات و12% من (183 نوع) من الطيور تعتبر حالياً مهددة عالمياً بالانقراض، ويصعب تقييم آثار تناقص وفقدان الأنواع على النظم البيئية، وذلك بسبب عدم وضوح الرؤية حول العلاقة بين تنوع الحيوي ووظائف النظام الإيكولوجي حتى الآن، وقد أُبرمت عدد من المعاهدات الدولية المتعلقة بالمحافظة على الأنواع المهددة بالانقراض، من أهمها معاهدة 1973م حول التجارة الدولية في الأنواع النباتية والحيوانية، وتم تخصيص مناطق محمية كحدائق وطنية تستخدم كمدخل فيما بعد على نطاق واسع للمحافظة على البيئة.
إن توزيع الكائنات الحية على الأرض ليس متساويا, فقد أظهرت إحدى الدراسات أن ما يقارب 70 % من مجموع الأصناف الحية على الأرض يتواجد في 12 دولة فقط وهي أستراليا والبرازيل والصين وكولومبيا والإكوادور والهند وإندونيسيا ومدغشقر وماليزيا والمكسيك والبيرو وزائير، ومعظم هذه الدول تعاني من نمو سكاني سريع، مما يضطرها إلى استغلال مساحات واسعة من الأراضي لتغطية احتياجات السكان، ويتسبب الزحف العمراني والصناعي في تدمير مساحات واسعة من البيئة الطبيعية لكثير من الكائنات الحية.
أنواع الفقاريات المهددة عالمياً بالانقراض حسب الأقاليم
الثدييات ... الطيور ... الزواحف ... البرمائيات ... الأسماك ... المجموع
أفريقيا ... 294
أسيا والمحيط الهادي ... 526
أوروبا ... 82 ... 54
أمريكا اللاتينية والكاريبي ... 275
أمريكا الشمالية ... 51
غرب آسيا ... 0 ... 8
القطبين ... 6 ... 7
تضم الأنواع المصنفة من قبل الاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة في عام 2000م أنواعا مهددة بشدة وحساسية عالية.(3/59)
إن التهديد الذي تواجهه الكثير من أصناف الكائنات الحية من جراء الممارسات البشرية بحقها وحق بيئتها الطبيعية دفع عدد من الباحثين إلى القيام بتحديد أولويات حماية التنوع الحيوي، فتم تصنيف المناطق على أساس درجة حساسيتها بيئيا من حيث مصادرها الطبيعية وتنوعها الحيوي، فقام الباحث نورمان مايرز بتسمية المناطق الحساسة بيئيا ذات الأولية بالبقع الساخنة للدلالة على المناطق التي يستوطن فيها عدد كبير من أصناف الكائنات الحية المهددة بالانقراض.
حماية التنوع الحيوي (1) :
إن المصالح التي نجنيها من المصادر الحيوية في النظام البيئي تؤكد مدى الحاجة إلى المحافظة على البيئة وتنوعها الحيوي، فالنظام البيئي يعمل على السيطرة على عوامل التعرية وانجراف التربة وتنظيم المناخ والمحافظة على استمرار الدورة الغذائية، والمزايا والخدمات التي تقدمها البيئة للإنسان قد أثارت اهتمام الناس بالنظام البيئي ومصادره الحيوية، وشجعت البلدان على المحافظة عليها، و بدؤوا يتطلعون إليها من الناحية التجارية والاقتصادية.
إن البشر يستهلكون من الثروات أكثر من قدرة الأرض على التجديد، وذلك ما يجعلنا غارقين في ديون بيئية، مما يتطلب تدخلا عاجلا لإعادة التوازن بين الاستهلاك البشري وقدرة الطبيعة على التجديد، يقول مدير عام صندوق الحياة البرية ((Wild World Fund كلود مارتن: (إننا نستهلك الطبيعة بأسرع من قدرتها على التجديد)، ويضيف: (إننا نُرَاكِمُ ديونا بيئية لن نتمكن من تسديدها إلا إذا أعدنا التوازن بين استهلاك الثروات الطبيعية وقدرة الأرض على تجديدها). (2)
__________
(1) http://www.biodiv.org البيئة من منظور إسلامي ص35-40، وموقع التنوع الحيوي على شبكة الإنترنت:: انظر( )
(2) W.W.F. (World Wildlife Fund)موقع الصندوق العالمي للحياة البرية على شبكة الإنترنت : انظر( )
http://www.wwf.org/(3/60)
والآثار الخطيرة الناتجة عن النشاطات البشرية واضحة في معظم مكونات البيئة كالماء والتراب والهواء والوسط الحيوي، وأصبح التناقض بين المجتمع المدني والطبيعة حاداً، وقد يصل إلى درجة خطرة إذا استمر الإنسان في إحداث تغيرات في طبيعة الأرض وصنع أنظمة تتعارض مع التوازن الإيكولوجي لا يمكن إلغاؤها على المستوى المحلي أو العالمي.
عدد و مساحة المواقع المحمية في العالم حسب السنوات
إن موضوع حماية التنوع الحيوي والاهتمام به ليس حديثا، ففي نهاية القرن التاسع عشر بدأت فكرة إنشاء المحميات الطبيعية والمتنزهات الوطنية في أمريكا، وتبعها عدد من دول العالم في محاولة منها للمحافظة على البيئة الطبيعية والتنوع الحيوي، وظل الخلاف قائما حول الهدف الرئيس منها وجدواها، فهل المحميات الطبيعية لإدارة واستغلال المصادر الطبيعية بطريقة علمية سليمة بدلا من الاستغلال العشوائي؟ أم لحماية التنوع الحيوي والحياة البرية من مختلف النشاطات البشرية؟ إن هذين الهدفين وإن تعارضا أحيانا فإنهما نقطة انطلاق نحو حماية البيئة والتنوع الحيوي، ومعظم الجهود التي بذلتها الدول النامية - موطن أغلبية التنوع الحيوي في العالم- للحفاظ على البيئة الطبيعية والتنوع الحيوي أثبتت عدم فعاليتها، علاوة على كونها مكلفة اقتصاديا، والعقبة الكؤود أمام تحقيقها شغف أغلبية السكان باستنفاد مصادر الثروات الطبيعية لتأمين حاجياتهم.
الإنسان في مواجهة التحديات البيئية: (1)
__________
(1) البيئة ومفهومها العلمي المعاصر(ماذا نعمل لحماية البيئة) ص303-315.: انظر( )(3/61)
الإنسان أحد الكائنات الحية التي تعيش على الأرض، وهو يحتاج إلى الأكسجين ليتنفسه لعملياته الحيوية، كما يحتاج إلى مورد مستمر من الطاقة التي يستخلصها من غذائه العضوي الذي لا يستطيع الحصول عليه إلا من كائنات حية أخرى نباتية وحيوانية، ويحتاج أيضاً إلى الماء الصالح للشرب للاستمرار في الحياة، وتعتمد استمرارية حياته بصورة واضحة على إيجاد حلول عاجلة للعديد من المشكلات البيئية الرئيسة ومن أبرزها:
أ . كيفية الوصول إلى مصادر كافية للغذاء لتوفير الطاقة للأعداد المتزايدة من البشر دون الإضرار بالبيئة.
ب . كيفية التخلص من النفايات المتزايدة، وتحسين الوسائل التي يجب التوصل إليها للتخلص من نفاياته المتعددة، وخاصة النفايات غير القابلة للتحلل.
ت . كيفية التوصل إلى معدل مناسب للنمو السكاني، حتى يكون هناك توازن بين السكان والوسط البيئي.
إن مصير الإنسان مرتبط بالتوازنات البيولوجية والسلاسل الغذائية التي تحتويها النظم البيئية، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على حياة الإنسان، فنفع الإنسان يكمن في المحافظة على سلامة النظم البيئية التي تؤمن له حياة أفضل، ومن وسائل تحقيق ذلك:-
1- الإدارة الجيدة للغابات: كي تبقى الغابات على إنتاجها ومميزاتها.
2- الإدارة الجيدة للمراعي: المحافظة على المراعي الطبيعية ومنع تدهورها.
3- الإدارة الجيدة للأراضي الزراعية: الإدارة الحكيمة للأراضي الزراعية للحصول على أفضل عائد كما ونوعاً، مع المحافظة على خصوبة التربة وعلى التوازنات البيولوجية الضرورية لسلامة النظم الزراعية، ويمكن تحقيق ذلك من خلال: تعدد المحاصيل في دورة زراعية متوازنة، وتخصيب الأراضي الزراعية، وتحسين التربة بإضافة المادة العضوية، ومكافحة انجراف التربة.
4- التوسع العمراني والسكاني في الصحراء، وبناء المصانع بعيدا السكان.
5- مكافحة تلوث البيئة بشتى أشكاله وتشجيع البحوث العلمية البيئية.(3/62)
6- التعاون البناء بين أصحاب المشروعات وعلماء البيئة: فيجب أن يدرس كل مشروع يستهدف استثمار البيئة بواسطة الباحثين والمختصين في الفروع الأساسية التي تهتم بدراسة البيئة الطبيعية، ليعملوا معاً على تخفيف الآثار السلبية المحتملة على البيئة.
7- تنمية الوعي البيئي: تحتاج البشرية إلى أخلاق اجتماعية عصرية مرتبطة باحترام البيئة، وتوعية حيوية بيئية توضح للإنسان مدى ارتباطه بالبيئة، وتعلمه أن حقوقه باستغلال المصادر البيئية يقابلها واجبات نحو البيئة.
الجينات والبيئة: (1)
إن مصدر القلق الأساس هو احتمال انتقال الجينات من النباتات المعدلة وراثيا إلى كائنات حية أخرى مما يؤدي إلى عواقب غير مرغوبة، وهناك قلق من جانب المستهلكين والمزارعين بأن المحاصيل المقاومة لمبيدات الأعشاب من شأنها أن تزيد من استهلاك مبيدات الأعشاب، حيث ستقاوم الأعشاب مستقبلا كميات أكبر من المبيدات بانتقال الجينات إلى الأعشاب، ويجادل مؤيدو التقنية الحيوية بأن هناك قواعد صارمة لمنع انتقال الجينات المقاومة لمبيدات الأعشاب إلى الأعشاب، وأن النباتات المعدلة بالجينات المقاومة لمبيدات الأعشاب تقلل من استعمال المبيدات المضرة بالبيئة، وبالرغم من أن الجدل العالمي حول الكائنات المحورة وراثيا بسبب سلامة الغذاء والبيئة؛ فإن مخاطر البيئة تختلف عن سلامة الغذاء من نواح عديدة، لأن أثر التعديل الجيني على البيئة، ودخول أي عنصر بيولوجي جديد على النظم الإيكولوجية قد يستغرق فهمه عدة سنوات أو عقود، ويمكن أن تشمل الآثار البيئية للكائنات المحورة وراثيا- والتي قد تكون إيكولوجية أو وراثية- ما يلي:
1- تأثير غير مقصود على نشاط الكائنات في البيئة المتلقية؛ بالتأثير على الأنواع غير المستهدفة، عن طريق افتراسها أو منافستها على الغذاء.
__________
(1) الكائنات المحورة وراثيا (المستهلكون وسلامة الأغذية والبيئة) ص20، إصدار منظمة الأغذية والزراعة (FAO).(3/63)
2- تأثير غير مقصود على الأنواع الميكروبية في التربة بتسميمها، والتي تدفق النيتروجين والفسفور وغيرهما من العناصر الأساسية.
3- انتقال المادة الوراثية الدخيلة إلى الأنواع المحلية الأخرى، وهو ما يعرف بالتدفق الجيني عن طريق التلقيح والتزاوج أو الانتشار بالرياح أو النقل الميكروبي.
4- احتمال بقاء المحاصيل المعدلة وراثيا مدة أطول من المعتاد في البيئة ، أو اقتحامها لبيئات جديدة .
فالأسماك المحورة وراثيا إذا تسربت من مزارعها إلى البحار قد تغير تركيب الأسماك المحلية الطليقة، علما بأن الأسماك المحورة وراثيا تأكل كثيرا لتنمو سريعا، فتنافس السمك المحلي وتحل محله، وقد تنطلق إلى مناطق جديدة وتحل محل أسراب
السمك المحلية.
إن الآثار السلبية المحتملة ميدانيا على الأنواع غير المعدلة جينيا قد وثقت، ونتائج هذه الآثار قد تكون خطيرة، لذا يجب تنظيم ومراقبة جميع عمليات إدخال الكائنات المحورة وراثيا، مع ملاحظة أن التجارب الميدانية في ميدان الإيكولوجيا تستغرق شهورا وربما سنوات حتى تصبح محققة، كما ينبغي اعتبار بيانات الكائنات الحية المحورة وراثيا خاصة بموقعها المحدد دون تعميم، مع توخي الحذر من التقدير الاستقرائي لنتائج المختبر والحاسب الآلي بعيدا عن الحقل. (1)
قضايا البيئة والمحاصيل المحورة وراثيا:
__________
(1) انظر: وثيقة التكنولوجيا الحيوية والأمن الغذائي ص2 على موقع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة على شبكة
الإنترنت: http://www.fao.org .(3/64)
إن المحاصيل المعدلة جينيا متوفرة تجاريا وزرعت في أكثر من 40 مليون هكتار في القارات الست، وتعتبر هذه الزراعة أكبر تجربة لإدخال كائنات محورة جينيا في النظم الإيكولوجية، وأصبحت هذه التجربة بؤرة الاهتمام البيئي، وقد أتلف المعنيون بمراقبة الكائنات المحورة جينيا وأثرها على البيئة أراضي الاختبار في أربع قارات، لما يثير قلقهم ما تطلقه الكائنات المعدلة جينيا إلى المحيط الحيوي. إن معظم الأراضي التي عرفت فيها المحاصيل المحورة وراثيا زرعت بأنواع تقاوم مبيدات الحشائش، ومنذ وقت مبكر اهتم علماء الحشائش بالآثار البيئية المترتبة على إدخال المحاصيل المحورة جينيا، وخاصة المقاومة لمبيدات الحشائش. وقد خلص اجتماع تقني دولي عقدته منظمة الأغذية والزراعة - الفاو - عام 1998م بشأن منافع ومخاطر المحاصيل المهجنة المقاومة لمبيدات الحشائش إلى ما يلي:
1- إن الاستخدام المتكرر لأحد مبيدات الحشائش يؤدي إلى تحور في الحشائش يمكنها من مقاومة المبيدات وتحملها.
2- تتدفق الجينات الوراثية خلال التلقيح والتهجين بين المحاصيل المقاومة لمبيد الحشائش وأنواع الحشائش المرتبطة بها.
3- إن مخاطر انتقال الجينات المقاومة لمبيد الحشائش أكبر في مناطق المنشأ ومناطق التنوع الحيوي، فينبغي ضمان عدم تأثر الحشائش المرتبطة بها والنباتات البرية وبلازما الجراثيم المحلية.(3/65)
إن المساحات المزروعة بمحاصيل تحتوي على جينات بكتريا BT المقاومة للحشرات أقل من ربع نطاق المساحات المزروعة بمحاصيل تحتوي على جينات مقاومة لمبيدات الحشرات، وتعترف البحوث المكثفة بمشكلات حقيقية لهذه المحاصيل، وتركز الأبحاث على الجوانب التطبيقية للنظم الإيكولوجية، وخاصة أثر الكائنات المحورة جينيا على الأنواع غير المستهدفة، فعلى سبيل المثال المحاصيل التي تحتوي على جينات بكتريا BT المقاومة للحشرات تفرز سموم البكتريا في التربة المحيطة بالجذور، مما يزيد من تركيز السموم أكثر من المعتاد، فيؤثر ذلك على حشرات التربة، وقد أثبتت دراسة نشرت على نطاق واسع للكائنات المحورة وراثيا أن حبوب لقاح الذرة المعالجة ببكتريا BT سامة ليرقات الفراشة الملكية، أشهر الفراشات شمال أمريكا، كما اهتمت دراسة لاحقة بجمع نباتات - مغطاة بحبوب لقاح الذرة المحورة وراثيا - نمت بشكل طبيعي إلى جانب حقول الذرة المحورة وراثيا، فماتت نسبة من يرقات الفراشة الملكية التي تغذت على هذه النباتات المغطاة بحبوب اللقاح أكبر بكثير من تلك التي تغذت على نباتات خالية من حبوب اللقاح. (1)
__________
(1) الكائنات المحورة وراثيا (المستهلكون وسلامة الأغذية والبيئة ص20-22) إصدار منظمة الأغذية والزراعة (FAO).(3/66)
اختارت الإدارة المتكاملة للإنتاج والآفات بدائل عن المحاصيل التي تحتوي على جينات بكتيريا BT المقاومة للحشرات والتي تقتل الفراشة الملكية في أمريكا الشمالية: 1- إطلاق كائنات تفترس الآفات المستهدفة. 2- توقيت الزراعة لتجنب أوقات الآفات وخاصة الذرة الاستوائية. 3- إقامة زراعة خادعة لتركيز الآفات بعيدا عن المحاصيل التجارية. 4- الحد من نجاح تكاثر وتزاوج الآفات. 5- استخدام المركبات الكيميائية المعقدة التي تفرزها الكائنات الحية أثناء الصراع الدائم بينها من أجل البقاء لقتل أو تخدير عدوها أو فريستها، وقد أظهرت الأبحاث أن الكثير من هذه المركبات الكيميائية لا تضر بالبيئة، فيمكن الاستفادة منها في صناعة المبيدات الزراعية والعقاقير الطبية وغيرها من الاستخدامات الصناعية.
بيان منظمة الأغذية والزراعة عن التكنولوجيا الحيوية: (1)
__________
(1) تمّ نشر البيان في شهر آذار 2000 بمناسبة اجتماع فريق المهمات الحكومي الدولي المعني بالأغذية المستمدة من التكنولوجيا الحيوية الذي عقد في اليابان.(3/67)
توفر التكنولوجيا الحيوية أدوات فاعلة لتحقيق التنمية المستدامة لقطاعات الزراعة ومصايد الأسماك والغابات، إضافة إلى صناعة الأغذية والأدوية، ومن شأن التكنولوجيا الحيوية عند دمجها على نحو ملائم بالتكنولوجيا الأخرى لإنتاج الأغذية أن تساهم بصورة كبيرة في تلبية احتياجات الأعداد المتنامية من السكان. وهناك طائفة واسعة من "التكنولوجيا الحيوية" ذات تقنيات وتطبيقات مختلفة تُعرف بأنها: (التطبيقات التكنولوجية التي تستخدم النظم البيولوجية والكائنات الحية أو مشتقاتها، لصنع أو تحوير المنتجات أو العمليات الحيوية من أجل استخدامات معينة). فيغطى تعريف التكنولوجيا الحيوية بمعناه الواسع الكثير من الأدوات والتقنيات التي أصبحت مألوفة في نطاق الإنتاج الزراعي والغذائي، ولا تقتصر على المعنى الضيق الذي لا يراعى سوى تقنيات حمض (DNA) الجديدة والبيولوجيا الجزيئية وتطبيقاتها كمعالجة الجينات ونقلها، وإعادة تركيب حمضDNA واستنساخ النباتات والحيوانات. فبالرغم من أنه لا يوجد خلاف يذكر بشأن الكثير من جوانب التكنولوجيا الحيوية وتطبيقاتها، فإن الكائنات الحية المحورة جينيا باتت موضع جدل شديد، بل مشحون بالانفعالات في بعض الأحيان. وتعترف منظمة الأغذية والزراعة بأن الهندسة الوراثية تنطوي على إمكانيات تساهم في زيادة الإنتاج في القطاعات الزراعية والسمكية والحرجية، ومن شأنها أن تؤدي إلى زيادة الغلات في الأراضي التي يتعذر عليها إنتاج ما يكفي من غذاء لتلبية حاجة سكانها.(3/68)
كما أسهمت الهندسة الوراثية في خفض انتقال الأمراض المعدية البشرية والحيوانية بأمصال التطعيم الجديدة، وأمكن تحوير الأرز جينيا ليحتوى على بروفيتامين ألف (كاروتين بيتا) والحديد، مما ساعد على تحسين الحالة الصحية في الكثير من المجتمعات ذات الدخل المنخفض، وهناك تطبيقات للتكنولوجيا الحيوية أسفرت عن كائنات حية تحسن من نوعية الغذاء، وأخرى تطهر بقع النفط وتزيل المعادن الثقيلة من النظم الإيكولوجية الهشة، وتتيح طرق الانتخاب المعتمدة على حمض (DNA) استنباط أنماط جينية محسنة للكائنات الحية، كما أنها توفر طرقا بحثية جديدة يمكن أن تساعد على صيانة
التنوع البيولوجي.(3/69)
بيد أن المنظمة تدرك مشاعر القلق إزاء المخاطر المحتملة التي تشكلها جوانب بعينها من جوانب التكنولوجيا الحيوية. وتنقسم هذه المخاطر إلى فئتين أساسيتين: تأثيراتها على صحة الإنسان والحيوان، وانعكاساتها على البيئة. ولابد من توخي الحذر حرصا على تقليل مخاطر نقل السمات من شكل إلى آخر من أشكال الحياة، وصنع سمات جديدة تسبب الحساسية، ومن المخاطر التي تهدد البيئة بإمكانية التهجين التي تؤدي إلى استحداث حشائش ضارة أكثر انتشارا, أو كائنات برية أكثر مقاومة للأمراض تسبب إجهادا بيئيا يخل بالتوازن في النظام الإيكولوجي، كما يمكن أن تفقد البيئة تنوعها البيولوجي من جراء حلول عدد صغير من النباتات المحورة جينيا محل النباتات التقليدية. وتقدم المنظمة الدعم لنظم التقييم التي تحدد بصورة علمية وموضوعية منافع الكائنات المحورة جينيا والمخاطر الناجمة عنها، فينبغي توخي منهج الحذر ومعاملة كل حالة على حدة، استجابة لمشاعر القلق المشروعة إزاء السلامة الحيوية لكل مُنْتَج قبل الإفراج عنه، وينبغي تقييم التأثيرات المحتملة على التنوع البيولوجي والبيئة وسلامة الأغذية، ومدى منافع المنتج ومخاطره المتوقعة، وينبغي أن تراعي عملية التقييم أيضا الخبرات التي اكتسبتها سلطات الرقابة في عملية إجازة هذه المنتجات، كما أن الرصد المتأني لتأثيرات هذه المنتجات بعد الإفراج عنها ضروري لضمان استمرار سلامتها للإنسان والحيوان والبيئة.(3/70)
إن هيئة الموارد الوراثية للأغذية والزراعة لدى المنظمة - وهي منتدى حكومي دولي دائم - تعمل على وضع مدونة سلوك بشأن التكنولوجيا الحيوية وتهدف إلى زيادة منافع التكنولوجيا الحيوية الحديثة، وتقليل المخاطر الناشئة عنها إلى أدنى حد، وتستند المدونة إلى الاعتبارات العلمية, وتراعي الانعكاسات البيئية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية المترتبة على التكنولوجيا الحيوية، لذا تعمل المنظمة على إنشاء لجنة خبراء دولية تعنى بالجوانب الأخلاقية في قطاعي الأغذية والزراعة.(1)
تقرير لمنظمة الصحة العالمية: (2)
خلصت منظمة الصحة العالمية، في تقرير أصدرته بشأن الأغذية المحورة جينياً، أن هذه الأغذية الجديدة من شأنها الإسهام في تعزيز صحة البشر ونمائهم، غير أن ذلك التقرير يشدّد أيضاً على ضرورة الاستمرار في تقييم أمان تلك الأغذية قبل تسويقها، وذلك من أجل توقي المخاطر المحتملة التي تهدّد صحة البشر والبيئة عموماً، ويشير التقرير المذكور إلى أنه يجري تقييم جميع المنتجات المحورة جينياً قبل تسويقها، وذلك عندما تكون موجهة للتسويق. وفي هذا الصدد، يتم إخضاع الأغذية المحورة جينياً لفحوص أكثر دقة من تلك التي تخضع لها الأغذية العادية، وذلك بسبب الآثار الصحية والبيئية التي يمكن أن تحدثها، ولم يتبيّن حتى الآن أن تلك الأغذية تقوم بإحداث آثار صحية ضارة.
__________
(1) بيان منظمة الأغذية والزراعة عن التكنولوجيا الحيوية على موقع الإنترنت:
http://www.fao.org/biotech/act.asp?lang=ar
(2) انظر: يجب تلافي "الفجوة الجينية" من خلال تحسين التقييم الاجتماعي والثقافي، تقرير منظمة الصحة العالمية على
http://www.who.int/mediacentre/news/releases/2005/pr29/ar/index.html موقعها على شبكة الإنترنت:(3/71)
يقول الدكتور يورغن شلونت، مدير إدارة السلامة الغذائية بمنظمة الصحة العالمية: (ينبغي تقييم الأغذية المحورة جينياً من زوايا كثيرة، بما في ذلك الاجتماعية والعرقية والصحية والبيئية، وإذا ساعدنا الدول الأعضاء في منظمتنا على القيام بذلك على الصعيد القطري، فإننا سنتمكّن من تلافي ظهور "فجوة جينية" بين البلدان التي تجيز زراعة المحاصيل المحورة جينياً والبلدان التي لا تجيزها).
إحدى الدراسات قيمت التخفيض الإجمالي في استعمال مبيدات الحشرات في الولايات المتحدة بنحو 1200 طن سنويا بعد إدخال "محاصيل Bt" - التي تحتوي على مورثات من بكتيريا باسيوس توريجينسيس أو Bt، وهي بكتيريا توجد في التربة وتفرز مادة بروتينية تسمم بعض الحشرات- بما يعود بفوائد كبيرة على البيئة، وأدت زراعة القطن المحور وراثيا في المكسيك من قبل صغار المنتجين في منطقة Comarca Lagunera إلى خفض بنسبة 50 % في استعمال مبيدات الآفات في زراعة القطن المحور وراثيا عن القطن التقليدي، فضلا عن زيادة الغلات وتحسين نوعية خيوط القطن من المحاصيل المحورة وراثيا نوعا ما في المواسم التي تكثر فيها الآفات. صدر تقرير منظمة الصحة العالمية في جنيف23 حزيران / يونيو 2005م.
أثر سمك السلمون المعدل وراثيا على البيئة إذا فر من المزارع: (1)
__________
(1) انظر: التكنولوجيا الحيوية والأمن الغذائي، وثائق منظمة الأغذية والزراعة (FAO) على موقعها على الإنترنت:
http://www.fao.org/biotech/index.asp?lang=ar(3/72)
إن الآثار البيئية التي ستخلِّفها الأسماك المعدَّلة وراثياً تتسم بأهمية أشد إلحاحاً من آثار الحيوانات التي تعيش على اليابسة، وذلك لأن دورات حياة الأسماك أقصر بكثير وأعدادها أكثر، لذا فإن أثر الأسماك المعدَّلة وراثياً سيكون سريعا. إن الأسماك التي تربى في المزارع السمكية لا تظل هناك على الدوام، إذ أن نسبة 30% من أسماك السلمون في أنهار النرويج من أسماك التربية التي فرت من مزارعها، بل إن هذه النسبة أعلى من ذلك في بعض المناطق. وفي مقاطعة نيوبرونسفيك الكندية فإن 33 % من أسماك السلمون من أسماك التربية الهاربة. ويعزى انتشار بعض الآفات والأمراض مثل القمل السمكي إلى أسماك المزارع التي فرت إلى المياه الطبيعية، وفرار السلمون المعدَّل والأنواع الأخرى من أسماك التربية المعدَّلة يثير قدراً كبير من الأسئلة المقلقة، إذ أن الأسماك المعدَّلة تربى لسماتها الغذائية، ويرجح أنها لن تتمكن من البقاء على قيد الحياة في ظل ظروف الحياة الطبيعية. ولكن إذا تمكنت من البقاء لفترة تكفي للتكاثر فإن صفات الضعف فيها ستنتقل إلى الأسماك الطبيعية مما سيخل بقدرتها على التناسل والبقاء، كما أنها ستنافس الأسماك الطبيعية على الغذاء لكبر حجمها ونهمها، مما سيقلل من أعداد الأسماك الطبيعية التي قد تختفي، وتبقى أسماك السلمون المعدلة وراثيا، ثم قد تنفق الأسماك المعدَّلة بعد ذلك لعجزها عن التكاثر. وبالرغم من المعايير الدولية الملزمة قانونياً والتي تتعلق بالكائنات الحية المعدَّلة وراثياً (بروتوكول كارتاجينا)، فإن هناك وقائع ثابتة تؤكد وقوع أضرار بسبب الأنواع الدخيلة والمعدلة وراثيا.(3/73)
لقد أوشك عهد الأسماك المعدَّلة وراثياً على الانطلاق، إذ تنظر إدارة الأغذية والعقاقير في الولايات المتحدة، وإدارة الأسماك والمحيطات في كندا، في الموافقة على طرح أسماك السلمون سريعة النمو في الأسواق. كما أن المورِّثات السمكية تجد طريقها -حاليا- إلى الكائنات الحية على اليابسة، فيجري نقل مورِّثة بروتين منع التجمد من الأسماك المفلطحة القطبية إلى المحاصيل الغذائية، بعد أن نُقلت إلى السلمون الكندي، وما تزال هذه الجهود في نطاق الاختبارات، ومن الواضح أن الأسماك تحتل موقعاً بارزاً في ثورة المورِّثات. (1)
__________
(1) صدر في مارس/آذار 2003م ، منظمة الأمم المتحدة: التكنولوجيا الحيوية في الأغذية والزراعة:
http://www.un.org/arabic/conferences/wssd/media/fact2.html .(3/74)
سجل المزارعون المزودون بالتقنية الحيوية المستفيدون من تقنية التحوير الوراثي إيجابيات تمثلت في تخفيض استعمال مبيدات الحشرات والانتقال إلى مبيدات أعشاب جينية أقل أذى بالبيئة، إلا أنه يندر تسجيل زيادة كبيرة في غلات الكائنات المحورة وراثيا مقارنة بالزراعة التقليدية. إن الأخطار التي تحدق بكل من البيئة وصحة الإنسان من جراء زراعة المحاصيل المحورة وراثيا تتضمن القلق على الصعيد البيئي بانتشار صفة التحور الوراثي إلى سائر المحاصيل والأعشاب المرتبطة والبذور البرية والحشرات والفيروسات والفطريات، أما فيما يتعلق بالصحة فتنطوي الأخطار على ظهور عناصر تسبب الحساسية وجينات بكتيرية تقاوم المضادات الحيوية، ويقر مطورو المنتجات المحورة وراثيا أنه من الصعب قبول عامة الناس تقنية تدرج مورثات تقاوم المضادات الحيوية، والآفات الزراعية تطور من أساليب مقاومتها للمكافحة، فمن الضروري تصميم محاصيل وخطط للمكافحة بعناية فائقة، إلا أن القدرة على التحكم في موقع الإقحام في الجينوم وسلوك المورثات وتعبيرها مازال محدودا، ولا شك أن المورثات تنتقل في الأنظمة البيئية من محصول إلى آخر، وإلى الأنواع البرية القريبة وراثيا منها، وإلى الحشرات والأعشاب وبكتيريا التربة، وهذا ما يحدث في المحاصيل التقليدية فلا تشكل المحاصيل المحورة وراثيا استثناء، فليست المخاطر في مدى إمكانية انتقال المورثات، ولكن الخطورة تتضمن إدخال المحاصيل المحورة وراثيا أنواعا جديدة من المورثات لا يستوعبها النظام البيئي.(3/75)
إن الاستثمارات في تقييم الآثار البيئية المحتملة الناجمة عن المحاصيل المحورة وراثيا على المدى الطويل مازالت قليلة ومحدودة، ولم يتم الكشف -حتى اليوم- عن أي منها، وقد صرحت المجموعات الاستشارية الخارجية التابعة للمفوضية الأوروبية "إعلان السلامة الصحية" أن الأبحاث المكثفة خلصت إلى أنه ليس هناك أخطار جديدة تحدق بصحة الإنسان أو البيئة من جراء المحاصيل والمنتجات المعدلة وراثيا، وتوصلت الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة إلى نفس الاستنتاج عام 2000م، إلا أن كلاً من التقريرين دعا إلى اعتماد المراقبة المنظمة والمكرسة بعناية لتحقيق فهم أكبر لآثار المحاصيل والمنتجات المعدلة وراثيا على الصحة والبيئة. (1)
إن البلدان النامية لا يكاد يكون لها خبرة في ميدان زراعة المحاصيل المحورة وراثيا على نطاق واسع باستثناء الصين والأرجنتين، ولا يتيسر سوى القليل من المعلومات عن آثارها البيئية والصحية والاجتماعية والاقتصادية، كما يصعب التنبؤ بالآثار ودراستها قبل توزيع المحاصيل على نطاق واسع بسبب التنوع الحيوي الهائل على صعيد الأصناف المزروعة والفصائل البرية القريبة منها، فضلا عن طبيعة الأنظمة البيئية المعقدة وضعف مراقبة القواعد التنظيمية للأمن الغذائي والبيئي والإشراف على تطبيقها.
__________
(1) انظر: أدوات التقنية الحيوية، بقلم James Dargie مدير الدائرة المشتركة بين منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة/الوكالة الدولية للطاقة الذرية الخاصة بالتقنيات الذرية في ميدان الأغذية والزراعة، أضواء كاشفة 2002 صدر في فبراير/شباط 2002، انظر موقع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) على شبكة الإنترنت:
http://www.fao.org/ag/ar/magazine/0201sp1.htm(3/76)
إن الخيار الحكيم للبلدان النامية في هذه المرحلة عدم التسرع في زراعة المحاصيل المحورة وراثيا، بل الاستثمار في مجال الأبحاث والمراقبة ومعاينة كل ما نشر واقتُرح على أساس كل حالة على حدة، مع اعتماد منهج فعال وشفاف. إن التقنية الحيوية تشكل ميدانا تجاريا كبيرا في العالم الصناعي، لكن عدم لمس المستهلكين فوائد المحاصيل المحورة وراثيا في بعض البلدان وانشغالهم بالأمن الغذائي والبيئي أبطأ اعتمادهم المنتجات المحورة وراثيا، أما البلدان الصناعية فبادروا إلى اعتماد بعضها، ونظَروا لتطبيقات التعديل الوراثي المستقبلية غير المحدودة، وصاغوا أنظمة المِلكية الفكرية للكائنات المحورة وراثيا، ورصدوا الأموال للاستثمار في مجال الأبحاث والمراقبة والتقييم للمنتجات المحورة وراثية، كما قامت بعض البلدان النامية باستثمارات في ميدان التقنية الحيوية والكائنات المحورة وراثيا، إلا أنها لا تراعي حاجات المزارعين من أصحاب الدخل المنخفض.
البيئة المبتكرة: (1)
__________
(1) انظر: النسخة الإلكترونية لكتاب المفسدون في الأرض، د/أحمد محمد عوف ص10، كما في موسوسوعة ويكيبيديا، موقعها على شبكة الإنترنت: http://ar.wikipedia.org/wiki/(3/77)
شهد العالم منذ مطلع الستينيات والسبعينيات ثورتان هما الثورة الخضراء والثورة البيئية المضادة لها، وجعلت هاتان الثورتان العالم أمام مسئولياته وأمام التحديات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من البيئة التي اهترأت بالجفاف والتصحر العالمي والتنوع الحيوي المنهار بعدما أصبحت الكائنات الحية تواجه نزيف الانقراض، وكل هذه الصور المأساوية باتت تؤرق الضمير العالمي، إلا أنها لم توقظه من سباته رغم الحملات العالمية الإعلامية التي تنادي بالعودة إلى الطبيعة، وهذه الأصوات باتت نشازا وسط عشوائية القرارات السياسية والسيادية، فوكالات حماية البيئة في كل بلدان العالم تضع الشعوب في قفص الاتهام الإداري لبيئاتها، وتلاحق الفساد البيئي أينما كان، لكن المقاومة أكبر من قدراتها. إن عالمنا أصبح موبوءا بشتى الملوثات التي تعددت مصادرها وأشكالها وأساليبها بعدما تغلغلت في الطعام والهواء والماء والتربة والمياه الجوفية، ولو أنفقت كنوز الدنيا لاستعادة حالة كوكب الأرض إلى ما كان عليه من نقاوة وطهر بيئي واستعادة التوازن الحيوي والمناخي والصحي داخل المنظومة البيئية فلن تستعيد البيئة عافيتها وهيبتها، والثورة الخضراء قامت بأمل إحياء الأرض بعد مواتها، وأطلقت مفهوم البيئة المبتكرة لمضاعفة إنتاج الطعام وانتشال دول العالم الثالث من المجاعة والفقر، إلا أنها اتبعت في آلياتها تشجيع استخدام المخصبات الصناعية والمبيدات الحشرية والحشائشية، فحققت إنتاجا وفيرا من المحاصيل الزراعية، ظاهرها الرحمة بالبشر وباطنها العذاب للبيئة، وتبين أنها ثورة سرابية خلفت التلوث والسموم وضاعفت السرطانات والفشل الكلوي وغيرت الميراث الجيني لمعظم الكائنات الحية النباتية والحيوانية، فانهارت الثورة الخضراء، وقامت الجمعيات الأهلية بالثورة البيئية التي تنادي العالم بالعودة إلى الطبيعة.
النرويج تبني سفينة نوح لإنقاذ نباتات الأرض:(3/78)
ميدل إيست أون لاين - أوسلو -: صممت النرويج غرفة محصنة تبلغ مساحتها 800 م2 بكلفة ثلاثة ملايين دولار، لتخزين ثلاثة ملايين عينة من البذور، تضم أبرز أنواع النباتات على كوكب الأرض، داخل جبل يقع في جزيرة معزولة بمنطقة المحيط المتجمد الشمالي، وذلك تحسبا للكوارث الطبيعية والنووية، وتم بناء هذا المستودع بدعم من منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) والحكومة النرويجية لضمان البقاء لجميع أنواع المزروعات المعروفة، يقول كاري فولر رئيس الصندوق الائتماني العالمي للتنوع الزراعي- منظمة دولية مستقلة مشتركة في هذا المشروع- : (ما نخزنه لا يقتصر على ثلاثة ملايين عينة من البذور أو المواد العضوية، لكنه ثمرة عمل الأجيال التي لا تحصى من المزارعين عبر آلاف السنين، إن مزروعاتنا أقدم المواد التي صنعها الإنسان في العالم، وتفوق الأهرامات في القدم، وهي حية، وإذا كان بقاء النباتات يتجدد ذاتيا، فهي معرضة للانقراض جراء تهديدات الحروب النووية والكوارث الطبيعية وأخطاء الإدارة، وعندما أتحدث في اجتماع عن بنوك الجينات يبدي الناس لا مبالاة، ولكنهم سيدركون أهمية عملنا عندما أقول لهم إن سبعة آلاف نوع من التفاح كانت تزرع في الولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر اختفى منها 6800 نوع فأصبحت من الماضي مثل الديناصورات(، ومن المقرر افتتاح بنك الجينات الذي أطلقت عليه الحكومة النرويجية اسم (سفينة نوح) في أيلول/سبتمبر 2007م. إن هذه الغرفة المحصنة والباردة محاطة بأرض جليدية دائما، لحفظ العينات في درجة حرارة 18(، لضمان الحفاظ(3/79)
عليها مئات أو آلاف السنين، وإذا أصيبت منظومة التبريد بخلل ما، فإن الهواء الساخن لن يتمكن من دخول الغرفة لعشرات السنين، وسيجرى دوريا اختبار قدرة البذور على الإنبات لاستبدال البذور التي تصاب بالعقم.(1)
__________
(1) انظر: مقال: "النرويج تبني سفينة نوح لإنقاذ نباتات الأرض" على موقع ميدل إيست أون لاين على شبكة الإنترنت:
http://middle-east-online.com/environment/?id=38987(3/80)
المبحث الثالث: موقف الإسلام من العلوم التقنية الحديثة
لا يستطيع أحد أن ينكر أن العلوم التقنية المعاصرة أصبحت طابعا مميزا للحضارة الغربية الحديثة، وأنها من نتاج معاملها وتجاربها، ولم تعُد هذه العلوم لتحقيق الرفاهية والأمان لشعوبها فحسب؛ بل للسيطرة على شعوب العالم وإذلالها وتهديدها بالدمار. فحري بنا في معرض بيان الأحكام الشرعية للهندسة الوراثية أن نبين موقف الشريعة الإسلامية من العلوم التقنية الحديثة.
إن المدنية الغربية الحديثة مادية بحتة، تستبعد رضا الله عز وجل في علومها التقنية، فوجهت تقنياتها الحديثة إلى المبالغة والسرف في تجميل الحياة وإعلاء جوانب اللذات والشهوات والإباحية والتجبر والإفساد في الأرض بغير الحق، واستعمار الأمم وقهرها وابتزاز مواردها الطبيعية وخيرات شعوبها ظلما وقهرا.
إن للإسلام ضوابط أخلاقية وشرعية لممارسة العلوم التقنية، فمعطيات العلم الحديث والتكنولوجيا المعاصرة لا يوجهها الإسلام على نحو ما يوجهها الغرب، بل يوجهها للخير والرحمة والعدل والإحسان، قال - جل جلاله - : { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ - مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ]القصص: 83-84[، ولعل رجال العلم التقني في بلاد الغرب لم يريدوا الإباحية والتدمير والفساد في الأرض، ولكن مما لا شك فيه أنهم لم يطلبوا رضوان الله - جل جلاله - بعلومهم، فامتلك أصحاب القرار في بلادهم نتاج علومهم التقنية وسلطوه على مواجهة الحق غالبا.(4/1)
لقد كان التقدم العلمي والتكنولوجي في بلاد الغرب ثمرة رخيصة في أيدي القوى الظالمة التي تريد السيطرة على مقدرات الشعوب ومواردها بجشع وكبرياء، وهؤلاء يقودون الحضارة الغربية الحديثة نحو الإباحية والانحلال والعنف والتدمير.
إن الحضارة الغربية قبلت المنهج العلمي والتجريبي الإسلامي المتقدم عليها، ولكنها غايرت مفهوم الإسلام للعلم والمجتمع بانحرافها إلى الإباحية والاستعلاء والعنصرية والاستعمار وإذلال الشعوب الإسلامية التي قدمت لها المنهج العلمي التجريبي (1) .
العلم لغة:
__________
(1) انظر: الإسلام والحضارة لأنور الجندي، دار الاعتصام 1978م ، مصر القاهرة، ص11 والإسلام وحضارة الغد ص9-22، وبينات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين ص15.(4/2)
العلم من صفات الله عز وجل العَليم والعالِمُ والعَلاَّم ؛ قال الله - جل جلاله - : { وهو الخَلاَّقُ العَلِيمُ } ]يس:81 [، وقال الله - جل جلاله - : { عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادةِ } ]الأنعام:73 [، وقال الله - جل جلاله - : { إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّم الغُيوب } ]المائدة:109 [، فهو اللَّهُ العالم بما كان وما يكونُ قَبْلَ كَوْنِهِ، ولم يَزَل عالِما ولا يَزالُ عالما بما كان وما يكون، ولا يخفى عليه خافيةٌ في الأَرض ولا في السماء سبحانه وتعالى، أَحاطَ عِلْمُه بجميع الأَشياء باطِنِها وظاهرها دقِيقها وجليلها. والعِلْم نقيضُ الجهل، تقول: عَلِم عِلْماً وعَلُم هو نَفْسُه، ورجل عالمٌ وعَلِيم على وزن فَعِيل: من أَبنية المبالغة، وأعْلَمَهُ إياهُ فَتَعَلَّمَهُ، وعَلِمَ به كسَمِعَ: شَعَرَ، يقال: ما عَلِمْت بخبر قدومه أَي ما شَعَرْت. وعلم الأَمْرَ: أتْقَنَهُ، كتَعَلَّمَهُ. وتعالَمَه الجميعُ أَي عَلِمُوه. وعالَمَه فعَلَمه يَعْلُمُه، بالضم: غلبه بالعِلْمِ أَي كان أَعْلَم منه. ويقال: اسْتَعْلِم لي خَبَر فلان وأَعْلِمْنِيه حتى أَعْلَمَه ، واسْتَعْلَمَني الخبرَ فأَعْلَمْتُه إِياه. وعَلِمْت يتعدى إِلى مفعولين، ولذلك أَجازوا عَلِمْتُني، كما قالوا ظَنَنْتني ورأَيْتُني وحسِبْتُني. تقول: عَلِمْت عَبْدَ الله عاقلاً، ويجوز أَن تقول عَلِمْت الشيء بمعنى عَرَفْته وخَبَرْته. وعَلِم الرَّجُلَ: خَبَرَه، وفي التنزيل قال الله - جل جلاله - : { وآخَرِين مِنْ دونهم لا تَعْلَمُونَهم الله يَعْلمُهم } ]الأنفال:60 [.(4/3)
قال ابن بري (1) : وجمعُ عالِمٍ عُلماء، ويقال عُلاَّم أَيضاً كجُهَّالٍ، وعُلَماء كَحُلَماء لأَن العلم مَحْلَمةٌ لصاحبه. قال ابن بري: وتقول عَلِم وفَقِهَ أَي تَعَلَّم وتَفَقَّه، وعَلُم وفَقُه أَي سادَ العلماءَ والفُقهاءَ. والعَلاَّمُ والعَلاَّمة : النَّسَّابة وهو من العِلْم. والعَلاَّمَةُ مُشدَّدة والتِّعلِمَةُ والتِّعْلامَةُ العالِمُ جِدّاً. قال ابن جني (2) :
__________
(1) عبد الله بن بري عبد الجبار بن بري النحوي اللغوي، المصري المولد والمنشأ، المقدسي الأصل، ولد بمصر سنة 499هـ، ونشأ بها وتعلم العربية وقرأ على مشايخ زمانه المصريين، وقصده الطلبة من الآفاق، كان عالما بكتاب سيبويه وعلله وبغيره من الكتب النحوية، لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملك من الملوك إلا تصفحه وأصلح ما فيه من خلل، ونسب إلى الغفلة في غير علوم العربية. كان قليل التصنيف، لم يشتهر له سوى مقدمة سماها "اللباب"، و"جواب المسائل العشر" التي سأل عنها أبو نزار ملك النحاة، وحاشية على كتاب الصحاح في ستة مجلدات، ولما مات سنة 582هـ بيعت كتبه. انظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة(2/110-111)، وفيات الأعيان(1/268-269)، شذرات الذهب(4/273-274)، طبقات ابن قاضي شهبة(2/24-27)، معجم الأدباء (3/461-463)، النجوم الزاهرة(6/103).
(2) عثمان بن جني، أبو الفتح الموصلي النحوي اللغوي المشهور، صاحب التصانيف البديعة في علم الأدب، وأبوه جني مملوك رومي لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، يقول ابن جني: فإن أُصبح بلا نسبٍ فعلمي في الورى نسبي، فتح المقفلات وشرح المشكلات في الأدب والإعراب، خدم البيت البويهي: عضد الدولة وولده صمصام الدولة، وولده شرف الدولة، وولده بهاء الدولة ومات في زمانه، وكان يلازمهم في بيوتهم ويبايتهم، استوطن دار السلام ودرس بها العلم إلى أن مات في بغداد سنة 372هـ..انظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة (2/335-340)، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة(2/132)، شذرات الذهب (3/140- 141)، معجم الأدباء (12/81-115)، النجوم الزاهرة(4/205)، تاريخ بغداد(11/311-312)، وفيات الأعيان(1/313-314)، طبقات ابن قاضي شهبة(2/123- 126).(4/4)
رجل عَلاَّمة وامرأَة عَلاَّمة، لم تلحق الهاء لتأْنيث الموصوفِ، وإِنما لَحِقَتْ لإِعْلام السامع أَن هذا الموصوفَ قد بَلغ الغايةَ والنهايةَ، وسواءٌ كان الموصوفُ بتلك الصفة مُذَكَّراً أَو مؤنثاً، وعَلِمَهُ كسَمِعَهُ، عِلْماً بالكسرِ: عَرَفَهُ، وعَلَّمَهُ العِلْمَ تَعْليماً وعِلاَّماً، ككِذَّاب. (1)
التقنيات أو التكنولوجيا:
التِكْنُولُوجِيَا كلمة إنجليزية (technology ) معربة، ويقال أيضا تِقَانَة، ومعناها العِلْمُ التّطْبِيقِيّ (applied science)، ويقال أيضا علم التقنيات، وهي الطريقة الفنية لتحقيق الغرض العلمي، وهي جماع الوسائل المستخدمة لتوفير كل ما هو ضروري لمعيشة الناس ورفاهيتهم. (2)
العلم التقني في الاصطلاح:
__________
(1) انظر: لسان العرب (2/870-872)، القاموس المحيط (4/153-154)، تاج العروس (8/405- 408)، الصحاح (5/1990 – 1991) .
(2) انظر: المورد لمنير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت – لبنان، 1985م، ص954، وقاموس القارئ إنجليزي – عربي، للعزبي وهورنبي وبارنويل، أكسفورد، دار جامعة أكسفورد للطباعة والنشر، إنجلترا – لندن، 1980م، ص 716.(4/5)
لا يوجد تعريف دقيق مجمع عليه للعلم التقني والمعرفة التي يقدمها، فبالرغم من تميز المعرفة العلمية بالدقة والتحديد على وجه العموم؛ إلا أن دراسة طبيعة هذه المعرفة ليس مما يشتغل به الباحثون الكونيون، بل هو من تخصص الدراسات الإنسانية، والذين تتفاوت آراؤهم تفاوتًا كبيرًا تبعًا للمدرسة التي ينتمون إليها في التفكير، فيقول غريغوري ديري في كتابه (ما العلم وكيف يعمل؟) (1) : (إن صعوبة تعريف العلم التقني ترجع إلى تضمنه الطريقة التي يتوصل بها إلى المعلومة العلمية، والتي من عناصرها الفرضية العلمية والتجربة والاستنتاج المبني على المشاهدة، وقابلية الحصول على نفس النتيجة عند إعادة إجراء التجربة تحت الظروف المشابهة، وأي تعريف للعلم لا بد أن يتضمن مجموع المعارف العلمية التي توصل إليها العلم عبر مسيرته الطويلة، فالقوانين والنظريات والمبادئ العلمية كلها تدخل في مسمى العلم)، فلا يرى ديري قَصْرَ تعريف العلم التقني على المنهج العملي، لأن العلم تنسب إليه مجموع المعارف الهائلة، وليس مجرد الطريقة العلمية التي يتوصل بها إلى استنتاج المعرفة العلمية، وأدخل الفيزيائي ريتشارد فاينمان المنجزات العلمية ـ بما فيها التكنولوجيا ـ تحت مسمى العلم التقني (2) ،
__________
(1) Gregory M. Derry, 1999, ''What Science Is And How It Works?'', Princeton Univer Press, New Jersey, pages 3-9.
(2) انظر: Richard Feynman,1998, ''The Meaning Of It All”, Allen Lane The Penguin Press, London,pages 4-18..(4/6)
ومن ناحية أخرى فإن المنهج العلمي للوصول إلى المعرفة العلمية ليس واضح المعالم، فالفرضية العلمية لا تسبق التجربة دائما، كما أن الاستنتاج قد يسبق التجربة المطلوبة، وفي تاريخ العلم الكثير من الأمثلة التي تشهد بذلك، وإذا جمعنا بين الطريقة العلمية والمنجزات المعرفية للعلم يمكن تعريف العلم التقني بأنه: (مجموع المعارف التي تم التوصل إليها باستخدام المنهج العلمي المؤسس على التجربة والمشاهدة والاستنتاج المبني على المنطق العقلي أو النماذج الرياضية أو الطرق الإحصائية)، ويحتوي هذا التعريف على مختلف العناصر الواردة في المصادر التي تعنى بتعريف العلم التقني.
الحقائق العلمية:(4/7)
الحقائق العلمية نوعان، حقيقة علمية مشاهدة وأخرى مستنتجة، فالمشاهدة التي رآها الإنسان أو استشعرها بالتقنيات العلمية الحديثة فتثبت مصداقيتها بمشاهدتها، ودور العلم المساعدة في الوصول إلى هذه المشاهدة، وهذا النوع من الحقائق العلمية قطعي، أما الحقائق العلمية المستنتجة خاضعة للتغيير لأنها مجرد استنتاج يفسر نتائج التجربة، فتظل الحقيقة العلمية المستنتجة عرضة للنقض، كدوران الأرض حول الشمس لا يعود إلى حقيقة مشاهدة، بل يرجع إلى دقة الحسابات الناشئة من افتراض أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، يقول الفيزيائي المعاصر بول ديفس: (واليوم لا يشك باحث في كون الشمس مركز المجموعة الشمسية، وأن الأرض هي التي تدور وليس السماء) ، ولكنه يستدرك قائلاً: (لن نتمكن أبدًا من التأكد من صحة هذا التصور مهما بدا دقيقًا، فلا نستبعد كليٌّا أن صورة أكثر دقة قد تُكتشف في المستقبل) ، فيرى بول ديفس أن دوران الأرض حول الشمس مجرد افتراض رياضي لا يصور الحقيقة، وكون التصور حقيقيٌّا أو غير ذلك لا معنى له في لغة العلم (1) ، إن الحركة نسبية، وحركة الأرض لا بد أن تنسب إلى شيء ما حتى تصبح حقيقة، وإلا لا يوصف الجرم بأنه ساكن أو متحرك، فكل شيء في هذا الكون يتحرك بالنسبة لكل شيء فيه، ولا يوجد سكون مطلق أو حركة مطلقة في الكون كما أوضح الرياضي والفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل (2) ،
__________
(1) انظر: أسطورة المادة (صورة المادة في الفيزياء الحديثة)، لبول ديفس وجون جريبين، ترجمة علي يوسف علي، سلسلة الألف كتاب الثاني (299)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998م، ص 33-78.
(2) انظر: Bertrand Russell, 2000, ''ABC Of Relativity Understanding”, Orion Audio Books London..(4/8)
فقول العلم بمركزية الشمس في النظام الشمسي ودوران الأرض حولها مجرد تعبير رياضي لا يصور الحقيقة، لأن الأجرام السماوية تتحرك بالنسبة لبعضها البعض في نظام يصح لنا أن نُثبِّت أي نقطة فيه لتكون المركز، ثم نعيد حساباتنا على هذا الأساس، فقد تكون السماء هي التي تدور حول الأرض، يقول الفيلسوف الإنجليزي/الأمريكي والتر ستيس: (ليس القول بأن الشمس ساكنة والأرض تدور حولها أصوب من القول بعكس ذلك، غير أن كوبرنكس برهن على أنه من الأبسط رياضيٌّا أن نقول إن الشمس هي المركز، فلو أراد أحد أن يقول إن الشمس تدور حول أرض ساكنة فلا يستطيع أحد أن يثبت أنه على خطأ) (1) ، وعلى كثرة إشارات القرآن الكريم إلى الشمس والقمر وحركتيهما، لم يحدد صراحة أي هذين الجرمين يدور حول الآخر، بل قال الله - جل جلاله - : { لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَها أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا الَّليْلُ سَابِقُ النَّهَار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } ]يس:40 [، فقرر حركة الأجرام بحسب مشاهدة الناس على مرِّ العصور، وترك المسائل الاصطلاحية المتغيرة بحسب المنفعة لاجتهاد البشر، فعبارة القرآن للكون قطعية، أما التفسير العلمي فنظري، فالمعرفة العلمية سواء سميت نظرية أو حقيقة أو غير ذلك لا ترقى إلى القطعية حتى تصبح حقيقة مشاهدة، وتخرج من التصور العلمي الاستنتاجي إلى التصنيف الواقعي الحقيقي. (2)
__________
(1) الدين والعقل الحديث، لوالتر ستيس، 1998، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة، ص56.
(2) يرى الشيخ محمد بن صالح العثيمين أن ظاهر الكتاب والسنة يدلان على أن الشمس تدور حول الأرض.انظر: موقع الشيخ بن عثيمين على الإنترنت: http://www.ibnothaimeen.com/all/books/article_17973.shtml(4/9)
إن البحث العلمي الراقي في العصر الحديث يدعم بمؤسسات ربحية لإنجاز مشاريع تجارية ذات صبغة تطبيقية، فدافع العلم التقني المعاصر نفعي (برغماتي)، وليس دينيا أو أخلاقيا أو فلسفيا أو للبحث عن الحقيقة، فنجح في خدمة الرغبات البشرية المادية البحتة، بينما أخفق في الإجابة عن أسئلة أساسية كثيرة في ضمير الإنسان، ولاسيما التي تتعلق بمهمته ودوره في الوجود، يقول كيث وورد Keith Ward بروفسير علم الإلهيات في جامعة أكسفورد: (إن القوانين الفيزيائية المكتشفة لا تبرر في الحقيقة وجود الظواهر الكونية، ولكنها فقط تعمل على تفسير عمل هذه الظواهر، فالقانون الفيزيائي المتعلق بالجاذبية مثلاً لا يمكن أن يكون بذاته المسبب لحدوث ظاهرة التجاذب، فمن الذي يجبر الأجرام السماوية أن تتصرف وفقاً لقانون الجاذبية؟ إنه قطعاً ليس القانون ذاته، لأن القانون يصف العلاقة ولا يسببها) (1) ،
__________
(1) انظر:على شبكة الإنترنت: العلم والدين تآلف أم تخالف/ د. عدنان محمد فقيه/ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة/ مكة المكرمة : http://www.nooran.org/O/4/4O7.htm..(4/10)
وهذا حجة على قيومية الله عز وجل، وعدم غفلته عن الكون، فإن الكون محتاج إلى قيام الله عليه، والقوانين العلمية لا تحميه من الزوال ولا تجبره على التصرف بالطريقة التي نراها، قال الله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ] } الروم:25[، ولو تخلى الله تعالى عنه لتلاشى وانتهى من فوره، قال - جل جلاله - : { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } ]فاطر:41[، وعلى ذلك فإن الله - جل جلاله - تأثيره في الكون في كل زمان ومكان، وهو من وراء القوانين والحقائق، يمدها بسبب وجودها، كما يأمر الكائنات أن تسير وفقها، وإن شاء أن يعطلها فعل، كما أمر النار أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم - عليه السلام - .
إن العلم التقني الحديث يَعتبر دراسة الحقيقة من القضايا الميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة) التي لا تدخل تحت نطاق العلم أصلاً، وقد حذر الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت منذ القرن التاسع عشر من تعرض العلم لمحاولة إدراك حقيقة الأشياء فقال: (إن أي نظرية علمية تدَّعي أن بإمكانها معرفة حقيقة الظاهرة تصبح قولاً ميتافيزيقيٌّا ينبغي رفضه تمامًا، لأن العلم لا يبحث في ماهية الأشياء، وإنما يكتفي بالوقوف عند حد الوصف الخارجي للظاهرة، فما يهم العلم هو كيفية حدوث الظاهرة) (1) ، فالمعارف العلمية تتعلق بظواهر الأشياء دون حقائقها، وهذا ما يُقرِّه كافة الباحثين الكونيين، والبحث العلمي يهدف إلى أحد أمرين:
__________
(1) أسطورة المادة: (صورة المادة في الفيزياء الحديثة)، لبول ديفس وجون جريبين، 1998، ترجمة علي يوسف علي، سلسلة الألف كتاب الثاني (299)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص 73.(4/11)
1 ـ وصف الظواهر الطبيعية كعلمي الجغرافيا والتشريح، ويهدفان إلى وصف الحال دون كثير من الاستنتاجات، والعلم التجريبي في مجالهما يكون بالإمداد بالأدوات العلمية التي تساعد على دقة الوصف وصحة التصنيف.
2 ـ تفسير الظواهر الطبيعية، كعلمي الفيزياء والكيمياء بوضع الصيغ التفسيرية والمفاهيم العلمية، كالجاذبية والإلكترونات والقوانين الرياضية، وتهدف هذه العلوم إلى إيجاد صيغ تتفق مع المشاهدة، وتتنبأ بمشاهدات أخرى عند تغير الظروف، أما مطابقة الصيغ والمفاهيم للحقيقة فليس مما يُعنى به العلم التجريبي.(4/12)
ومن العلوم التي تجمع بين الوصف والتفسير للظواهر الأحياء والطب والهندسة الوراثية، وأشار القرآن الكريم إلى العلم البشري المكتسب بمعزل عن الوحي أنه متعلق بظواهر الأشياء لا بحقائقها في قوله تعالى: { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ - يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ]الأعراف:187- 188[ (1) ، يقول بول كلارنس إبرسولد: (قد لا يستطيع الإنسان أن يسلم بوجود الخالق تسليما تاما على أساس الأدلة العلمية المادية وحدها، ولكننا نصل إلى الإيمان الكامل بالله عندما نمزج بين الأدلة العلمية والأدلة الروحية) (2) ، ويهيمن على تفكير إنسان القرن الحادي والعشرين مصداقية العلم، ويقل تداول عبارات النظرية العلمية والتفسير العلمي، وطبيعة المعرفة العلمية لا تمثل الواقع والحقيقة عند الباحثين الكونيين، فيقول الفيزيائي الإنجليزي جون بولكين هورن في كتابه (ما وراء العلم): (المنجزات العلمية ضرورة مؤقتة، والعلم لا يُحرز حقائق يقينية قاطعة، وقصارى ما يدَّعيه هو رجحان الصدق) (3) ، وتكاد تجد هذا رأي عامة الكتاب عن طبيعة المعرفة العملية، سواء كان من فلاسفة العلم، أو من الباحثين الكونيين في شتى التخصصات.
__________
(1) انظر: العلم والعقل في القرآن الكريم ص 144- 145.
(2) كما في كتاب (الله يتجلى في عصر العلم: الأدلة الطبيعية على وجود الله) ص36.
(3) انظر: ما وراء العلم، السياق الإنساني الأرحب، لجون بولكين هورن، 2000م، عرض د. يمنى طريف الخولي، المكتبة الأكاديمية، القاهرة ص 10-30.(4/13)
وبالرغم من ادعاء الحيادية والموضوعية في البحث العلمي الحديث إلا أن الباحث يلاحظ تحيزا ضد الرؤية الإيمانية في تفسير نتائج التجربة، فأشهر علماء الفلك المعاصرين وأعلاهم صيتًا البرفيسور ستيفين هوكينج بعد أن سرد المشاهدات التجريبية التي استنتج الباحثون منها أن المجرات في هذا الكون الفسيح تبتعد عنا مسرعة في جميع النواحي؛ يشرح هوكينج في كتابه (موجز في تاريخ الزمن) فرضيتين بسيطتين حول الكون؛ وضعهما الفيزيائي والرياضي الروسي ألكسندر فريدمان وينصّان على:
1 ـ أن مظهر الكون يبدو واحدًا من أي اتجاه نظرنا إليه من على سطح الأرض.(4/14)
2 ـ أن هذا الأمر لا يختص بكوكب الأرض فحسب بل هو صحيح لو كنا في أي موقع آخر في هذا الكون، واستطرد في شرح الأدلة التي تضافرت في تأييد الفرضية الأولى، حتى أصبحت مقبولة علميٌّا يعتقد الباحثون صحتها، ثم يقول: (وللوهلة الأولى فإن هذه الأدلة التي تبين أن الكون يبدو متشابها بغض النظر عن الاتجاه الذي ننظر منه، قد توحي بأن هناك شيئًا خاصٌّا حول مكاننا من هذا الكون، والذي نعنيه بالذات أننا إذا كنا نشاهد جميع المجرات الأخرى وهي تتجه مبتعدة عنا في جميع الاتجاهات، فلابد إذًا أن نكون في مركز هذا الكون). لكنه يستطرد قائلاً: (إن هناك بديلاً آخر لهذا الاستنتاج، وهو أن الأمر سيبدو كذلك أيضًا لو كنا في أي موقع آخر في هذا الكون) (1) ،
__________
(1) انظر: موجز في تاريخ الزمن، لستيفن هوكنغ، دمشق – سوريا، دار طلاس، 1988م، ص80..(4/15)
مشيرًا بذلك إلى فرضية فريدمان الثانية، فإذا كانت الأدلة العلمية التجريبية تؤيد فرضية فريدمان الأولى التي تشير إلى أن الأرض مركز الكون، فهل هناك دليل علمي على الفرضية الثانية؟ يجيب هوكينج قائلاً: ( إننا لا نملك دليلاً علميٌّا يؤيد أو يناقض هذه الفرضية الثانية، ولكننا نؤمن بها بدافع التواضع)، فنحن مضطرون لقبول الفرضية الثانية، لأن عدم قبولها يعني أن للإنسان وكوكب الأرض أهمية خاصة في هذا الكون تجعله في مركز الكون الشاسع الممتد في جميع الاتجاهات، ولهذا السبب يتجه الباحثون إلى قبول فرضية فريدمان الثانية، ولا يخفى ما في هذا التفكير من تأثر بالمذهب المادي، الذي ينظر إلى الإنسان على أنه وليد الصدفة المحضة، لا يتميز عن غيره من الكائنات سواء في موقعه في الكون أو أهميته في الوجود، بل هو كم مهمل في هذا الكون يموت ويحيا، خلافا لنصوص الوحي التي تؤكد أن الله قد سخر الكون كله وإمكانياته للإنسان، فالمنهج العلمي يقترح استنتاجًا مباشرًا، ثم يحيد الباحثون عنه استنادًا إلى فرضية لا دليل عليها، لمجرد أنه يوحي بخصوصية الأرض والإنسان في الوجود، وما يتبع ذلك من وجود خالق لهذا الكون، وقلّما يُشار في الكتب العلمية إلى احتمالية كون الأرض مركزًا للكون، فضلاً عن أنه الاستنتاج الطبيعي للمشاهدات الكونية، بل عادة ما تقدم النظرية الثانية على أنها الاستنتاج العلمي المعتبر لمجرد أن بديلها يوحي بوجود إرادة تدبر هذا الكون، وغاية من وراء وجود الإنسان فيه.(4/16)
إن التناقض سمة لا تكاد تنفك عنها المعرفة الإنسانية، وكثير من التجارب العلمية تخرج باستنتاجات متناقضة، لا لتناقض الحقيقة ولكن لعدم قدرة الإنسان على فهمها أوتفسيرها تفسيرا صائبا، يقول البروفسور رينيه دوبو الأمريكي الجنسية الفرنسي الأصل: ( وتواجهنا العلوم المادية بتناقضات لا حلول لها، فعندما نحاول فهم حدود الفضاء أو بداية الزمن، إضافة إلى الإنجازات العلمية التي تثير مسائل أخلاقية يعتبر كثير من الباحثين ذلك خارج نطاق كفاءاتهم، ويشيرون إلى أن العلم والتكنولوجيا أدوات ووسائل ليس لها أخلاق، ويمكن استعمالها لخير البشرية أو لدمارها، فالاعتقاد بأن العلم التقني قادر على حل أكثر المشاكل العملية أمر يكذبه الوعي المتزايد بأن تكنولوجيا العلم تثير مشاكل جديدة في محاولتها لحل المشكلات القديمة) (1) ، خلافا للحقائق العلمية المشاهدة التي لا تناقض فيها، والتي يشير إليها القرآن كثيرا في الدعوة إلى الإيمان بعظمة الخالق سبحانه وتعالى من خلال التأمل والنظر في ضبط صنعة الكون وإتقانها وجودتها.
إن المنهج العلمي التجريبي الذي يعزى إليه التطور العلمي يقوم على أربعة عناصر:
1. القياسِ والتجربةِ اللذين تستنطق بهما الطبيعة.
2. التصورِ في ذهن العالِم أو الباحث الذي يستخدمه في صياغة النظرية.
3. المنطقِ الاستدلالي الذي يحاول أن يوفق بين التصور ونتائج التجربة ببناء نماذج تفسيرية عادة ما تكون على شكل صيغ رياضية.
4. الطبيعةِ المرجع الذي يميز به بين الصحيح والخطأ بالتجربة.
وباستثناء الطبيعة فإن العناصر الثلاثة الأولى من صنع الإنسان وهي عرضة للتناقض خلافا للطبيعة التي وصفها القرآن بأمرين:
__________
(1) إنسانية الإنسان، لرينيه دوبو، ترجمة د/ نبيل صبحي الطويل - مؤسسة الرسالة – بيروت لبنان ص22.(4/17)
1- قال الله - جل جلاله - : { الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ - ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ } ]الملك:3-4 [، والتفاوت يعني الاختلاف، بمعنى أن أفراد النوع تتصرف بشكل متماثل في الظروف المتماثلة، لأنها تخضع لسنن وقوانين لا تحيد عنها.
2- قال الله - جل جلاله - : { فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا } ]فاطر:43[، الأمر الذي يشير بوضوح إلى ثبات سنن الكون ونواميسه.(4/18)
إن كثيرا من المشتغلين بنقد المعرفة العلمية الحديثة يميلون إلى المذهب البرغماتي (النفعي) الذي يعتبر المعرفة العلمية أداة نفعية لكسب الربح والتجارة في الاستنباط والتنبؤ، لا للإخبار عن الواقع والحقيقة (1) ، وشجعت التناقضات المنطقية في تجارب العلوم التقنية هذا التيار، فقد اضطر الباحثون إلى قبول تصورات ومفارقات لا وجود لها في عالمنا الذي نشهده ونتعامل معه، كما لو كانت تعبر بالفعل عن الحقيقة، فالإلكترونات والبروتونات والنيوترونات مثلا لا تعبر بالضرورة عن الشكل الذي نعهده، فنحن لم نرها أصلاً، بل استنتجنا وجودها من التجارب التي أَظهرت لها طبيعةً (جُسيميَّةً)، كما أَظهرت لها تجارب أخرى طبيعةً (موجية)، فكيف يكون الشيء جسيمًا وموجةً في نفس الوقت؟ لكن العلم يُصرُّ أن الكائنات دون الذرة جسيمية وموجية؛ فتارة تتصرف على أنها موجة، وتارة تتصرف على أنها جسيم، والأغرب أن هذه الجسيمات لا تسمح لنا بالتحقق من طبيعتها الازدواجية (الموجية ـ الجسيمية)، فسرعان ما تتخلى عن طبيعتها الموجية إذا ما حاولنا التحقق منها، ويمكن تشبيه ذلك بالشكل التوضيحي للدورة الدموية في الجسم، حيث تأخذ الأوردة اللون الأزرق، بينما تأخذ الشرايين اللون الأحمر، فلا يُظن أبدا أن لون الأوردة أزرق بالفعل، أو أن لون الدم الذي يجري فيها أزرق بالفعل، كذلك التقريرات العلمية تكون مجرد تمثيل وتصور للواقع لا حقيقة الواقع، وبالرغم من التناقضات التي تنطوي عليها نتائج تجارب العلم التقني؛ فقد أثبتت نجاحًا مذهلاً في التعامل مع ما دون الذرة في صناعة الحاسب الآلي وغزو الفضاء.
__________
(1) انظر: ما وراء العلم، السياق الإنساني الأرحب، لجون بولكين هورن، عرض د. يمنى طريف الخولي، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 2000م، ص 12-34.(4/19)
إن العلم في الإسلام لا يقصد استثمار الطبيعة وإعمار الكون فحسب، بل يتعدى ذلك إلى معرفة الحقيقة والخالق الصانع المدبر للكون، وسبب وجود الإنسان ومهمته ودوره في الحياة عن طريق الوحي والإيمان بالرسالة، مع ربط ذلك بالعلم التجريبي المعاصر. إن المواءمة بين العلم المعاصر والدين ـ على أهميتها في هذا العصر وحاجة المسلمين إليها ـ تحتاج إلى كثير من الحيطة والحذر، فلا ينبغي أبدًا أن نجعل من العلم التجريبي حَكَمًا على الوحي، نستدل به على صحة نصوصه، ونثبت به صدق رسالته، ولا نغالي في بحوث الإعجاز العلمي لإثبات صدق القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بالحقائق والنظريات العلمية المعاصرة، فيكون العلم الكوني في مرتبة أعلى منهما، فربما تتغير النظرية العلمية أولا تثبت مصداقيتها، كما لا يجوز لي أعناق النصوص الشرعية لتتواءم مع المفاهيم العلمية المعاصرة، لأن ذلك سيكون إنزالا للنصوص الشرعية على غير مقصود الشارع، ولا يعني ذلك أن نتوقف عن ربط العلم بالدين، والاستفادة مما توصل إليه من معارف في فهم نصوصه، ولكن يجب أن يكون ذلك لتثبيت حقائق الإيمان في قلب المؤمن لا لإثباتها. (1)
الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي:
التفسير العلمي : هو الكشف عن معاني الآية الكريمة أو الحديث الشريف في ضوء ما ترجحت صحته من نظريات العلوم الكونية .
__________
(1) انظر: العلم والعقل في القرآن الكريم ص 294- 299.(4/20)
أما الإعجاز العلمي : فهو إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية المشرفة بحقيقة أثبتها العلم التجريبي أخيراً، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فيظهر اشتمال القرآن العظيم أو الحديث الشريف على الحقيقة الكونية، التي يؤول إليها معنى الآية الكريمة أو الحديث الشريف، ويشاهد الناس مصداقيتها في الكون، فيستقر عندها التفسير، ويعلم بها التأويل، كما قال تعالى: {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ]الأنعام:67[، وقد تتجلى مشاهد كونية أخرى عبر القرون، تزيد المعنى المستقر وضوحاً وعمقاً وشمولاً، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أوتي جوامع الكلم، فيزداد بها الإعجاز عمقا وشمولاً. (1)
العلم من ركائز الإسلام
__________
(1) انظر:على شبكة الإنترنت موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة/ مكة المكرمة :
http://www.nooran.org/A/a1.htm.(4/21)
إن العلم هو الأساس الّذي بَنَى الإسلام عليه كيانه، والركيزة الأولى التي ارتفع فوقها صرحه العظيم، قال تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ } ]الزمر:6[، وأمر الله عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة قبل أن يأمره بالعبادة، قال - جل جلاله - : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ]القلم:1-5[، فنسب الله - جل جلاله - فضل العلم والتعليم إلى نفسه سبحانه وتعالى، ثم نزل الأمر بالعبادة في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا - نِصفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا - أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا } ]المزمل:1-4[. فالعلم فريضة محكمة وشريعة من شرائع الإسلام، وكان اهتمام الإسلام بالعلم بالغا، ولم يأمر الله تعالى نبيّه محمدا - صلى الله عليه وسلم - بطلب الازدياد في شيء إلا العلم، قال تعالى: { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا } ]طه:114 [.
مكانة العلم في القرآن العظيم:(4/22)
ربط القرآن الكريم العلم بأصول الإسلام وفروعه برباط وثيق، فأثنى الله عز وجل على نفسه بسعة علمه وإحاطته بكل شيء، قال - جل جلاله - : { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } ]طه:98[، وميز الله عز وجل أهل العلم بعلو الدرجات والمنازل، قال - جل جلاله - : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } ]المجادلة:11[، وأثنى الله عز وجل على عباده المؤمنين بفضل علمهم، فقال - جل جلاله - : { فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } ]الكهف:65[، وقال جل شأنه: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ } ]النمل:15[، وكرم الله عز وجل آدم عليه السلام على الملائكة بما علمه من العلم، قال تعالى: { وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ - قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ - قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } ]البقرة:31-33[، وجعل الله عز وجل العلم من أسباب خشيته، قال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } ]فاطر:28[، كما جعل الله عز وجل تفصيل كتابه العظيم بالعلم من أسباب الهدى والرحمة والشهادة بالحق، قال تعالى: { وَلَقَدْ جِئْنَاهُم(4/23)
بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ]الأعراف:52[، وقال تعالى: { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } ]الرعد:43[، كما جعل الله عز وجل العلم من أسباب القوة والمنعة، قال تعالى: { قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } ]النمل:40[، وحذر الله عز وجل من سؤاله بغير علم، قال - جل جلاله - : { قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } ]هود:46[، وأنكر الله عز وجل على أهل الكتاب محاجتهم في الدين بغير علم، قال - جل جلاله - : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ - هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ]آل عمران:65-66[، وجعل الله عز وجل عدم العلم من أسباب الشرك والكفر والضلال والظلم والكذب والمعاصي واتباع الشيطان، قال تعالى: { وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } ]الأنعام:100[، وقال تعالى: { تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ(4/24)
عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ } ]غافر:42[، وقال تعالى: { وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ } ]الزخرف:20[، وقال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } ]الحج:71[، وقال تعالى: { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } ]الأنعام:140[، وقال تعالى: { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ } ]الأنعام:119 [، وقال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ]لقمان:7[، وقال تعالى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ]الأنعام:144[، وقال تعالى: { مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا } ]الكهف:5[، وقال - جل جلاله - : { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن(4/25)
تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ } ]الأنعام:148[، وقال جل شأنه: { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } ]النور:15[، وقال جل ذكره: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ } ]الحج:3[، كما حذر الشارع الحنيف من تغليب الهوى على العلم واتباع الظن بغير علم، قال تعالى: { بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ } ]الروم:29[،وقال تعالى: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } ]الإسراء:36[، وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى - وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } ]النجم:27-28[، وجعل الله عز وجل الاغترار بالعلم سببا للضلال والهلاك، قال تعالى: { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } ]القصص:78[، وقال تعالى: { فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } ]الزمر:49[.
مكانة العلم في السنة المشرفة:(4/26)
كما جاءت السنة النبوية ببيان فضل العلم والحث على طلبه، فعَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (1) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب العلم – باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين 1/164)، (كتاب الخمس – باب قول الله تعالى: { فإن لله خمسه } ]الأنفال:41[ 6/217)، (كتاب الاعتصام – باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" 13/293) ومسلم في صحيحه (كتاب الإمارة – باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" 3/1524)، (كتاب الزكاة – باب النهي عن المسألة 2/718-719)، وابن ماجة في سننه (المقدمة – باب فضل العلماء والحث على طلب العلم 1/80)، والدارمي في سننه (المقدمة – باب الاقتداء بالعلماء 1/65)، ومالك في الموطأ (كتاب القدر - باب جامع ما جاء في أهل القدر 2/ 900-901) ، وأحمد في مسنده (4/92- 93، 95، 96، 97، 98- 99، 101)..(4/27)
وَعَنِ عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «لاَ حَسَدَ إلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (1) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب العلم - بَاب الْفَهْم في الْعِلْمِ 1/39)، وفي (كتاب الزكاة - بَاب إِنْفَاقِ الْمَالِ في حَقِّهِ2/510) (كتاب الأحكام - بَاب أَجْرِ من قَضَى بِالْحِكْمَةِ 6/ 2612)، وفي (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة – باب ما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل الله 6/ 2668)، ومسلم في صحيحه (كتاب صلاة المسافرين وقصرها – باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من يتعلمه 1/559)، والنسائي في سننه الكبرى (كتاب العلم – باب الاغتباط في العلم 2/426)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان (كتاب العلم – باب إباحة الحسد لمن أوتي الحكمة وعلمها الناس 1/292) والبيهقي في السنن الكبرى (كتاب آداب القاضي- باب فضل من ابتلي بشيء من الأعمال فقام فيه بالقسط وقضى بالحق 10/88)، والبيهقي في السنن الصغرى (كتاب أدب القاضي - فضل القضاء بين الناس 9/3)، وأبوعوانة في مسنده (كتاب مبتدأ فضائل القرآن - باب ذكر الدليل على أن قراءة القرءان على من جمع القرءان من السنة وإن كان القارئ أعلم به من المقرئ2/469)، والطبراني في معجمه الأوسط (كتاب فضائل الصحابة - باب من اسمه يعقوب 2/200)..(4/28)
وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ وخير دينكم الورع» (1) ،
__________
(1) رواه الطبراني في المعجم الأوسط (كتاب فضائل الصحابة – باب من اسمه علي 4/197)، والبزار في مسنده (مطرف عن حذيفة 7/371)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (تفسير سورة يس 1/171)، والبيهقي في السنن الكبرى (مدخل إلى السنن الكبرى – باب فضل العلم خير من فضل العبادة 1/304) ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد في (كتاب العلم – باب فضل العلم 1/120) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وفيه: عبد الله بن عبد القدوس، وثقه البخاري وابن حِبان وضعفه ابن مَعين وجماعة. وذكره المنذري في الترغيب والترهيب في (كتاب العلم –الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه 1/50) و(كتاب البيوع وغيرها – الترغيب في الاكتساب بالبيع وغيره 2/325) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، والبزار بإسناد حسن..(4/29)
وجعل النبي صلى الله عليه وسلّم طلب العلم طريقا إلى الجنة ومحبة الله - جل جلاله - ورضا الملائكة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إلَى الْجَنَّةِ» (1) ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقاً إلَى الْجَنَّةِ، وَإنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضاً بِمَا يَصْنَعُ، وَإنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ.
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه (كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار- بَاب فَضْلِ الاجْتِمَاعِ على تِلاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الذِّكْرِ 4/2074)، وابن ماجة في سننه (كتاب العتق – باب المكاتب 1/82)، وابن أبي شيبة في مصنفه (كتاب الأدب – ماجاء في طلب العلم وتعليمه 5/284)، وأحمد في مسنده(2/325)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان (كتاب العلم – باب ذكر تسهيل الله جل وعلا طريق الجنة على من يسلك في الدنيا طريقا يطلب فيه علما 1/284)، وفي (كتاب العلم - ذكر وصف العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا قبل 1/289)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (كتاب التفسير – باب تفسير سورة القمر 1/165) وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه.(4/30)
إنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً إنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (1) ،
__________
(1) رواه أبو داود في سننه (كتاب الأقضية – باب الحث على طلب العلم 3/317)، والترمذي في سننه (كتاب العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب ما جاء في فضل العلم على العبادة 5/48) وقال الترمذي: ولا نَعْرِفُ هذا الحديث إلا من حديث عَاصِمِ بن رَجَاءِ بن حَيْوَةَ وَلَيْسَ هو عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ، هَكَذَا حدثنا مَحْمُودُ بن خِدَاشٍ بهذا الإسناد، وَإِنَّمَا يُرْوَى هذا الْحَدِيثُ عن عَاصِمِ بن رَجَاءِ بن حَيْوَةَ عن الوليد بن جَمِيلٍ عن كَثِيرِ بن قَيْسٍ عن أبي الدَّرْدَاءِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وَهَذَا أَصَحُّ من حديث مَحْمُودِ بن خِدَاشٍ، وقال مُحَمَّد بن إسماعيل البخاري: هذا أَصَحُّ، ورواه ابن ماجة في سننه (كتاب الرهون – باب من باع عقارا ولم يجعل ثمنه في مثله 1/81)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان (كتاب العلم – ذكر وصف العلماء الذين لهم فضل 1/289)، والدارمي في سننه (كتاب السير – باب فضل من قرأ القرآن 1/110)، والبيهقي في شعب الإيمان (فصل في فضل العلم وشرف مقداره 2/262)، وأحمد في مسنده (5/196)..(4/31)
وعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلّم وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ مُتَّكِىءٌ عَلَى بُرْدٍ لَهُ أَحْمَرَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ، فَقَالَ: «مَرْحَباً بِطَالِبِ الْعِلْمِ إنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ تَحُفُّهُ الْمَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً حَتَّى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ مَحَبَّتِهِمْ لِمَا يَطْلُبُ» (1) ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلاَّ ذِكْرَ اللَّهِ، وَمَا وَالاَهُ، وَعَالِماً وَمُتَعَلِّماً» (2) ،
__________
(1) رواه أحمد في مسنده (5/196)، والطبراني في معجمه الكبير(8/54)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان (كتاب العلم – ذكر وصف العلماء الذين لهم فضل 1/289)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (1/131) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (1/52) وقال: رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد وابن حبان في صحيحه.
(2) رواه الترمذي في سننه (كتاب الزهد – باب ما جاء في هوان الدنيا على الله 4/561) قال أبوعيسى: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة في سننه (كتاب الزهد – باب من لا يؤبه به 2/1377)، والبيهقي في شعب الإيمان (فصل في شرف العلم وفضل مقداره 2/265)..(4/32)
وربط النبي صلى الله عليه وسلّم بين الهدى والعلم برباط وثيق، فَعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضاً فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ وَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرََعَوا، وَأَصَابَ طَائِفَةً أُخْرَى مِنْهَا إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً فَذلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (1) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب العلم - بَاب فَضْلِ من عَلِمَ وَعَلَّمَ 1/42)، ومسلم في صحيحه (كتاب الفضائل – باب مثل ما بعث به النبي - صلى الله عليه وسلم - 4/1787)، والنسائي في سننه الكبرى (كتاب العلم – باب مثل من فقه في دين الله تعالى 3/427)، وأحمد في مسنده (4/399)..(4/33)
وبين النبي صلى الله عليه وسلّم عظم فضل العلم في حياة الإنسان وبعد مماته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (1) ،
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه (كتاب الوصية - بَاب ما يَلْحَقُ الإِنْسَانَ من الثَّوَابِ بَعْدَ وَفَاتِهِ 3/1255)، وأبوداود في سننه (كتاب الوصايا - بَاب ما جاء في الصَّدَقَةِ عن الْمَيِّتِ 3/117)، والنسائي في المجتبى (كتاب الوصايا – باب فَضْل الصَّدَقَةِ عن الْمَيِّتِ 6/251)، والنسائي في السنن الكبرى (كتاب الوصايا – باب فضل الصدقة عن الميت 4/109)، وابن خزيمة في صحيحه (كتاب الزكاة – باب ذكر الدليل على أن أجر الصدقة المحبسة يكتب للمحبس بعد موته ما دامت الصدقة جارية 4/122)، وابن الجارود في المنتقى(باب أول كتاب الزكاة 1/101)، والبيهقي في السنن الكبرى (كتاب الوصايا –باب الدعاء للميت 6/278)، والبيهقي في السنن الصغرى (كتاب الزكاة – باب ما يلحق الميت بعد موته 6/62)..(4/34)
كما قدم النبي صلى الله عليه وسلّم طلب العلم على طلب العبادة فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ رَجُلاَنِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ، وَأَهْلَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرِ» (1) ،
__________
(1) رواه الترمذي في سننه (كتاب العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة 5/50)، وبحسب طبعة دار إحياء التراث العربي قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، أما في طبعة دار الكتب العلمية 1994م (7/426) قال أبو عِيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (كتاب العلم – باب الترغيب في طلب العلم وفضله 1/56) وقال: رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وذكره النووي في رياض الصالحين (كتاب العلم – باب فضل العلم 1/253) وقال: رواه الترمذي وقال حديث حسن، وذكره الهندي في كنز العمال (10/63) وقال: أخرجه الترمذي وقال غريب، وذكره العجلوني في كشف الخفاء (2/112) وقال: رواه الترمذي وحسنه عن أبي أمامة، ورواه الطبراني في معجمه الكبير (خطبة الكتاب – الوليد بن جميل الدمشقي 8/234)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (1/124) وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه القاسم أبو عبد الرحمن وثقه البخاري وضعفه أحمد..(4/35)
وعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: قال رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - :«من خرج في طلب العلم فهو في سبيل اللَّه حتى يرجع» (1) ، وحذر النبي صلى الله عليه وسلّم من كتمان العلم وسوء القصد في طلبه، فعن أبي هريرة رَضيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» (2) ،
__________
(1) رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ في سننه (كتاب العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب فضل طلب العلم 5/29) وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، والضياء المقدسي في المختارة (6/124-1256) وقال إسناده حسن، والطبراني في معجمه الصغير (1/224) وقال: لا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو جعفر الرازي وخالد بن يزيد، ورواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/55).
(2) رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ في سننه (أبواب العلم – باب كراهية منع العلم 3/321)، وَالتِّرمِذِيُّ في سننه (كتاب العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب ما جاء في كتمان العلم 5/29) وَقَالَ أبو عيسى: حديث أبي هريرة حَدِيث حَسَن. ورواه ابن ماجة في سننه (المقدمة – باب من سئل عن علم فكتمه 1/98)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان (كتاب العلم – ذكر إيجاب العقوبة يوم القيامة على كاتم العلم 1/297)، والحاكم في المستدرك (كتاب العلم 1/181-182)، والطبراني في معجمه الأوسط (2/382)، (3/335)، (4/29)، (5/108) وفيه "من كتم علما نافعا"، (7/293)، وفي معجمه الصغير (1/112- 198- 275)، وأحمد في مسنده (2/263- 296- 305- 344- 353- 495- 499- 508)، والطيالسي في مسنده (1/330)، وأبويعلى في مسنده (11/268)، وابن أبي شيبة في مصنفه (في الرجل يكتم العلم 5/315 – 316)..(4/36)
وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «من تعلم علماً مما يبتغى به وجه اللَّه عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (1) يعني ريحها، كما حذر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم من عاقبة اقتفاء آثار الجهال واتباعهم، فعن ابن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يقول: «إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (2) .
__________
(1) رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ في سننه (كتاب العلم – باب في طلب العلم لغير الله تعالى 3/323)، وابن ماجة في سننه (المقدمة – باب الانتفاع بالعلم والعمل به 1/92)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (كتاب العلم 1/160) وقال: هذا حديث صحيح، سنده ثقات، رواته على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد أسنده ووصله عن فليح جماعة غير ابن وهب، ورواه وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان (ذكر وصف العلم الذي يتوقع دخوله النار في القيامة 1/279)، وأحمد في مسنده (2/338)، وذكره النووي في رياض الصالحين (كتاب العلم – فضل العلم ص253) وقال: رواه أبو داود بإسناد صحيح.
(2) رواه البخاري في صحيحه (كتاب العلم - باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم 1/50)، ومسلم في صحيحه (كتاب العلم – باب قبض العلم ورفعه 4/2058)، والنسائي في السنن الكبرى (كتاب العلم – باب كيف يرفع العلم 3/455)، وابن ماجة في سننه (المقدمة – باب اجتناب الرأي والقياس 1/20)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان (باب طاعة الأئمة - ذكر وصف الأئمة المضلين التي كان يتخوفها على أمته - صلى الله عليه وسلم - 10/432)، وأحمد في مسنده (2/162-190).(4/37)
الإسلام يوحد بين الدين والعلم (1)
لا مجال لدعوى التعارض والعداوة بين الدين والعلم في الإسلام، فالدين في الإسلام علم، والعلم فيه دين، وتشهد بذلك أصول الإسلام وفروعه وتاريخه، والدين الإسلامي لا يعتمد على الوجدان وحده بل يقوم على النظر والتفكير ورفض التقليد الأعمى والاعتماد على البرهان اليقيني لا على الظن واتباع الهوى (2) ، وطلب العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم، وهو فريضة عين أو كفاية، بحسب حاجة الفرد والمجتمع، والاشتغال بالعلم النافع ـ الديني أوالدنيوي ـ عبادة وجهاد، وقد بادر المسلمون إلى طلب العلم قياما بالفريضة منذ القرن الهجري الأول رجاء أن تضع لهم الملائكة أجنحتها رضاً بما يصنعون, فانطبع العلم في تلك الحقبة من الزمن بطابع علماء الحضارة الإسلامية واصطبغ بصبغتهم. وقد قسم جورج سارتون الزمن في كتابه "تاريخ العلم" (3)
__________
(1) انظر: العلم والعقل في القرآن الكريم ص 96- 114.
(2) انظر: الرسول والعلم ص160-161.
(3) انظر: تاريخ العلم لجورج سارتون، ترجمة محمد مصطفى زيادة ، دار المعارف، مصر- القاهرة (3/17-200)..(4/38)
إلى عصور يمتد كل منها نصف قرن, وسمي كل عصر باسم شخصية علمية فرضت وجودها فيه, فحقبة القرون الثلاثة ونصف القرن التي تمتد من عام سبعمائة وخمسين إلى عام ألف ومائة للميلاد لا تحمل عنده أي اسم غير إسلامي, والعصور على التوالي عصر جابر بن حيان, فالخوارزمي, فالرازي, فالمسعودي, فأبي الوفا, فالبيروني, فعمر الخيام, وجميعهم من العرب والترك والأفغان والفرس المسلمين, ومنهم علماء الكيمياء والجبر والطب والجغرافيا والرياضيات والطبيعيات والفلك وغيرها، ولم يظهر في كتاب سارتون أي اسم غير إسلامي في مجال العلوم إلا بعد ألف ومائة، حيث ذكر أول اسمين غربيين هما: جيرار وروجر بيكون, وظل انتساب العصور شركة بين أسماء الغربيين والمسلمين على مدى قرنين ونصف من الزمان بعدئذ, حيث ظهرت أسماء ابن رشد ونصير الدين الطوسي وابن النفيس، يقول هورتن: (في الإسلام وحده تجد اتحاد الدين والعلم، فهو الدين الوحيد الذي يوحد بينهما، فتجد فيه الدين ماثلاً متمكناً في دائرة العلم، وترى وجهة الإسلام والعلم متعانقتين، فهما واحدة لا اثنتان).ويقول آتيين دينيه: (إن العقيدة الإسلامية لا تقف عقبة في سبيل الفكر، فقد يكون المرء صحيح الإسلام، وفي الوقت نفسه حر الفكر، ولا تقتضي حرية الفكر أن يكون المرء منكراً لله، لقد رفع محمد - صلى الله عليه وسلم - قدر العلم إلى أعظم الدرجات، وجعله من أول واجبات المسلم) (1) .
__________
(1) انظر: محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لآتيين دينيه ، ترجمة سليمان بن إبراهيم، دار المعارف- القاهرة - ص150.(4/39)
إن التعارض بين الدين والعلم نشأ في أوروبا بعيدا عن أرض الإسلام، وتصور النزاع بين العلم والدين يناقض روح الإسلام الذي يحث على التعليم والتعلم (1) ، وقد نشأ المنهج العلمي في ربوع الإسلام، الذي أرسى على أساسه حضارة عملاقة، لا تزال تتكشف كل يوم الكثير من جوانبها، يقول بريفولت: (إن الحضارة الإسلامية قدمت إلى الحضارة الغربية الحديثة المنهج العلمي وأصول العلم نفسه، ومسألة التعارض بين الدين والعلم وهمية إذا نظرنا إلى حقيقة الإسلام)، ومن جماع ما كتب عن دور المسلمين في قيام الحضارة ومنهج البحث التجريبي ومنهج المعرفة ما يلي :
__________
(1) انظر: الإسلام حضارة الغد ص145.(4/40)
1- يقول الدكتور لويجي رينالدي: بينما كان نجم المدنية الرومانية التي قامت على أطلال المدنيات القديمة قد أخذ في الأفول، وكانت أوربا قد عادت وسقطت في ظلمات الجهل؛ كان العرب يشرفون برؤوسهم من سواحل البحر الأبيض المتوسط، ولم تلبث أن قامت منهم البعثة الخطيرة التي أيقظت الأمم الأوربية. إن ظهور العرب لَحادث جلل يستحق أن يذكر منا بالشكر والامتنان، لأن مدنِيّة هذا الشعب العظيم كان لها تأثير وأي تأثير في حياة الشعوب اللاتينية بل الأوربية، وكان العالم اليوناني وأخوه الروماني قد سقطا في كل مكان عندما أخرج محمد العظيم خلفاءه من أبناء الصحراء ونشرهم في أنحاء العالم لفتحه وغزوه، فانتشروا في كل مكان فوق صهوات جيادهم شرقا وغربا، حتى شيدوا ذلك الملك الكبير الزاهر، الذي كان يمتد من بلاد الهند إلى بلاد الأندلس، ونقل المسلمون مدنيتهم وحضارتهم وعلومهم وصنائعهم إلى صقلية في منتصف القرن التاسع الميلادي، وكان الرعايا يعيشون في راحة وسرور تحت حكم أمراء المسلمين، وكانت حالتهم أحسن بكثير من حالة إخوانهم الإيطاليين الذين يرزخون تحت نير الفرنجة. إن وجود مئات الكلمات العربية في اللغة الإيطالية وغيرها ليشهد بما كان للمدنية الإسلامية من نفوذ عظيم في العالم المسيحي. اجتاح العالمَ المسيحي سنة 1000م غزو إسلامي جديد كان كالسيل الجارف، ذلك الغزو كان التهذيب العربي والمدنية العربية، فإن شعب الصحراء العظيم ظهر على وجه الأرض بعد سقوط المدنيتين الرومانية واليونانية واندثار معالمهما، وعقب ذلك النصر الدموي الكبير الذي أحرزه بسلاحه، ذلك النصر الجميل الذي كان نتيجة التدريس والتعليم، والذي أوجده أمراء العرب، وسهلوا سبله لأبنائهم، فقد قام العرب في ظلمات القرون الوسطى البربرية بإعادة نور الحضارة والمدنية في جميع بلاد الغرب والشرق حتى القسطنطينية.(4/41)
في أيام سقوطنا كانت علومنا في ظل الأديرة الهادئ، حيث انزوى الرهبان المساكين في مقصوراتهم، وكانت مدنية العرب في القرنين التاسع والعاشر في الأندلس وصقلية قد بلغت أوج الكمال، فلما شعرنا بالحاجة إلى دفع الجهل الذي كان يثقل كاهلنا تقدمنا إلى العرب ومددنا إليهم أيدينا، لأنهم كانوا الأساتذة الوحيدين في العالم، وتسرب العلم من أسبانيا وصقلية إلى بلاد أوربا. وقد تلقى جلبرت -الذي كان البابا عام 999م تحت اسم سلفستر الثاني- دروسه كلها في مدارس العرب بالأندلس، ولما رجع إلى أوربا أراد نشر ما أخذه من العلوم بين مواطنيه، فبدا لهم ما نشره بينهم غريبا جدا، حتى اتهموه أنه باع روحه للجن. وبدأت سنة 1130م في مدينة طليطلة ترجمة الفكر الإسلامي، وكان العالم المسيحي في ذلك الوقت في صراع مع العالم العربي، فبينما كان رسل الصليبيين يذهبون بعددهم وعدتهم لانتزاع الأماكن المقدسة من أيدي العرب في الشرق، كان هنا في الغرب من ينتزع منهم العلم والعرفان. ازدهرت الحضارة في ظل الهلال بفضل الرعاية العظيمة التي كان الخلفاء والأمراء يولونها للعلوم والآداب، وكان في الأندلس وحدها سبعون مكتبة، وكان في قرطبة زهاء ستمائة ألف مجلد، وبينما كان كل واحد في الأندلس يعرف القراءة والكتابة، كان جميع المسيحيين في أوربا حتى نبلائهم وأشرافهم لا يفكرون في العلم، ولقد كانت الهدايا التي أرسلها أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى الإمبراطور الروماني شارلمان موضع دهشة عظيمة، ومن ضمنها ساعة مائية كانت لا تزال مجهولة عند الأوربيين. (1)
__________
(1) محاضرة ألقاها الدكتور لويجي رينالدي في القاهرة في ديسمبر سنة 1921م كما في كتاب الإسلام والحضارة لأنور الجندي، دار الاعتصام 1978م ، مصر- القاهرة، ص57-60.(4/42)
2- ويقول جولفيه كستلو في كتابه " قانون التاريخ": كان التقدم العربي بعد وفاة الرسول عظيما، جرى على أسرع ما يكون، وكان الزمان مستعدا لانتشار الإسلام، فنشأت المدنية الإسلامية نشأة باهرة، وقامت في كل مكان بالفتوحات بذكاء غريب، ظهر أثره في الفنون والآداب والشعر والعلوم، وقبض العرب بأيديهم خلال عدة قرون على مشعل النور العقلي، وتمثلوا جميع المعارف البشرية التي لها مساس بالفلسفة والفلك والكيمياء والطب والعلوم الروحية، فأصبحوا سادة الفكر، مبدعين ومخترعين، لا بالمعنى المعروف، بل بما أحرزوه من أساليب العلم التي استخدموها بقريحة وقّادة للغاية. إن أوربا مَدِينة لهم بكل ما كُتب لها من ارتقاء من القرن العاشر إلى القرن الرابع العشر الميلادي، وعنهم أخذت الفكرة العلمية التي سرت إليها سريانا بطيئا في القرون الوسطى، ولم يتمكن أهل أسبانيا النصرانية أن يحولوا دون تغلغل النفوذ الإسلامي في صميم حياتهم، حتى إن ممالك أسبانيا النصرانية استعملت النقود الإسلامية أربعة قرون، وماتت روح التسامح في أسبانيا بالقضاء على الإسلام، وحل محلها روح خبيثة، مِلؤها التعصب الأعمى الذي أشعل ناره القساوسة الكاثوليك، لتصبح أسبانيا أسيرة رِقّهم وعبوديتهم. (1)
__________
(1) قانون التاريخ لجولفيه كستلو: نقلا عن كتاب الإسلام والحضارة لأنور الجندي، دار الاعتصام 1978م ، مصر- القاهرة، ص 60.(4/43)
3- ويقول بريفولت دانييل في كتابه "نشأة الإنسان": لم يكن روجر بيكون إلا رسولا من رسل العلم والمنهج الإسلامِيَيْن إلى أوربا المسيحية، ولم يتوقف قط عن التصريح بأنه تعلم من معاصريه اللغة العربية وعلم العرب، وهو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة. وكان المنهج العلمي التجريبي في عصر بيكون قد انتشر انتشارا واسعا، وانكب الناس في لهفة على تحصيله في ربوع أوربا، لقد كان العلم أهم ما جاءت به الحضارة الإسلامية إلى العالم الغربي، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج. إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في أسبانيا لم تنهض في عنفوانها إلا بعد مضي وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام، ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوربا الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية، فإنه ليس ثمة ناحية من نواحي الازدهار الأولي إلا ويرجع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، وأهمها العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي. إن ما يَدين به علمنا للعرب ليس بما قدموه لنا من كشوف مدهشة للنظريات العلمية المبتكرة فحسب، بل يدين علمنا إلى الثقافة الإسلامية بأصل وجوده. لم يكن للعلم وجود في العالم القديم، وقد نظم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات، أما أساليب البحث العلمي بدأب وأناة، وجمع المعلومات وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم والملاحظة الدقيقة المستمرة والبحث التجريبي، كل ذلك كان غريبا تماما عن المزاج اليوناني. أما العلم الحديث فقد ظهر في أوربا نتيجة لروح البحث الجديدة وطرق الاستقصاء المستحدثة والتجربة والملاحظة والقياس وتطور الرياضة بما لا يعرفه اليونان، وهذه الروح وتلك المناهج أدخلها العرب إلى العالم الأوربي. (1)
__________
(1) نشأة الإنسان لبريفولت دانييل، ترجمة سهيل الحكيم، من منشورات وزارة الثقافة، سوريا- دمشق، دراسة علمية
1984م، ص 35.(4/44)
4- ويقول هاللر الألماني: كانت كتب أبي القاسم الزهراوي المصدر العام الذي استقى منه جميع من ظهر من الجراحين بعد القرن الرابع عشر، وقد توفي الزهراوي سنة 1151هـ، وكان الزهراوي أشهر جراحي المسلمين في الأندلس، واخترع كثيرا من آلات الجراحة ورسمها في كتبه، ووصف لأول مرة في تاريخ البشرية عملية سحق الحصاة في المثانة وإخراجها، وقد حاول البعض نسبة هذا الاتجاه العلمي إلى الغرب الحديث، ولكن جوستاف لوبون كشف الحقيقة، وأرجع الفضل إلى الزهراوي في معرفة أكثر من مائتي آلة ومبضع شرحها، ووضع تصاميمها في كتبه، وظلت طريقته متبعة في أوربا الوسطى إلى مدى 500 سنة، ولولا ابن الهيثم لما كان علم البصريات، فقد أخذ عنه كلير معلوماته في الضوء وما يتعلق بانكساره في الجو، ووصف كتابه المناظر بأنه أعظم ما ظهر في علم الطبيعة، فقد أقام ابن الهيثم أبحاثه على الاستقراء والقياس والمشاهدة والتجربة. وقد صحح الأطباء المسلمون ما وقع فيه أبقراط وجالينوس وغيرهم من أخطاء. (1)
__________
(1) كما في كتاب الإسلام والحضارة لأنور الجندي، دار الاعتصام 1978م ، مصر- القاهرة، ص63.(4/45)
5- يقول الدكتور أوليري في كتابه "مسالك الثقافة الإغريقية إلى العرب": إن العرب استطاعوا أن يصححوا معلومات الإغريق القدماء، ولم يعترف كثير من علماء المسلمين بالتنجيم، ولم يرو علاقة بين النجوم و بين ما يحدث للناس في الأرض، وبذلك خالفوا اليهود والمسيحيين، وكانوا دقيقي الملاحظة في الطب، وأضافوا من خبراتهم الشيء الكثير، واخترعوا كثيراً من الآلات التي تستعمل في الجراحة". ويقول: "إن الإسلام أقر مبدأ الاقتباس في مجال العلم وتكميل أعمال السابقين، وقد تحرك محصول المدنية الإسلامية بعيداً عن الترف والظلم والتحكم، ووضعت ما اقتبست من حضارة القدماء في إطارها الفكري العقائدي القائم على التوحيد، ونحّت عنها الفلسفات والأدب والتشريعات القديمة، وأفادت مما سوى ذلك من مادة الحضارة وأدواتها، وخاصة في الزراعة والورق وتدجين الحيوانات وأساليب التجارة والبناء والأسلحة وتنظيم الجيوش والبارود والنار اليونانية. والمسلمون في العصر الحديث قد واجهوا خطأ التجاهل البشع لدور المسلمين في الحضارة الإنسانية، وإنكار دورهم الرائد في بناء المنهج العلمي التجريبي، ثم جاءت الاعترافات المنصفة التي قدمها درابر وبريفولت الذي قال: (إن مآثر العرب الخالدة تقوم على أساس ابتداعهم التجربة بالمعنى الدقيق للعلم، وهم المنشئون الحقيقيون للاستقصاء العلمي، والإنجازات التي حققها المسلمون على أساس المشاهدة والتجربة هي الأساس العلمي لما قدمه بعد ذلك روجر بيكون و فرانسيس بيكون.(4/46)
وقال جوستاف لوبون: إن الحضارة الإسلامية هزمت البرابرة الذين قضوا على دولة الرومان، وفتحوا لأوربا ما كانت تجهله في عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية، وبينما كانت الحضارة الإسلامية في أسبانيا ساطعة جداً؛ كانت مراكز الثقافة في الغرب أبراجا يسكنها أمراء إقطاعيون متوحشون يفخرون بأنهم لا يقرؤون، وأكثر رجال النصرانية معرفة هم الرهبان الذين يقضون أوقاتهم في ديارهم لقراءة كتب الأقدمين النفيسة بخشوع ونسخ كتب العبادة، وظلت همجية أوربا زمنا طويلا ولم يظهر منها بعض الميل إلى العلم إلا في القرن الحادي عشر، وفي القرن الثاني عشر –خصوصا- ظهر أناس رأوا أن يرفعوا أكفان الجهل الثقيل عنهم ولووا وجوههم شطر العرب الذين كانوا أئمة العلم وحدهم، يقول فشر: (أفاق العالم الغربي على نور الإسلام، وكان يغط في نوم الجهالة والظلام). (1)
__________
(1) مسالك الثقافة الإغريقية إلى العرب للدكتور فلاسي أوليري، تحقيق تمام حسان، عالم الكتب، مصر- القاهرة 2002م، ص 78.(4/47)
6- ويقول جوستاف فوق جرونباوم في كتابه "حضارة الإسلام": يبدو أن ظهور الإسلام وازدهاره للمسلم المؤمن معجزة، والنجاح الساحق لدعوة النبي أقوى دليل على صحتها، أما غير المسلم فيرى الإعجاز وإن لم يسلم، فقد استطاع صرح الإسلام أن يرتفع عالياً متناسقاً على قاعدة ضيقة حضاريا ومكانيا في وسط وشمال جزيرة العرب، واستمد هذا الصرح قوة بنائه وعظمته من قدرته على التحول من الارتباط بطائفة دينية وطنية إلى جامعة حضارية دينية ترتفع فوق المستوى القومي، هذه المعجزة الحضارية مرتبطة بعالمية الإسلام، فكان الدين الدافع الأول نحو العالمية، وكانت القوة الحضارية الكامنة في الدعوة الجديدة غير مرتبطة بسلطة الحكم المركزية، فلم يؤد استقلال أقاليم إسلامية إلى نكسة حضارية، بل استمرت وحدتها المرتكزة على عالمية الدين. (1)
__________
(1) حضارة الإسلام لجوستاف فوق جرونباوم، الهيئة العامة للكتاب، مصر- القاهرة، ص 15-18 .(4/48)
7- و يقول أركسن تشايلدز في كتابه "العرب في نظر الغرب": لم يكن غزو العرب لأوربا غزواً عسكرياً فحسب، بل كان غزواً فكرياً أيضا، والحضارة العربية الحضارة الوحيدة التي غزت أوربا في قلبها وتحدتها وتفوقت عليها، واستطاع العرب خلال ثلاثة قرون أن يقدموا للعالم حضارة أصيلة تمتد من بغداد إلى قرطبة، وقد وجد الغرب نفسه أمام حضارة متفوقة ذات قوة لا قبل لهم بها، فحملوا لها العداء والكراهية، وأسبغ عليها من الصفات والنعوت ما ولد هذا العداء، وهذا السبب في الفرق بين نظرة الغرب إلى العرب ونظرتهم إلى الأمم الأخرى، فلا يكاد الغرب يسمع باسم العرب حتى يعبر خياله التاريخ الطويل لأصحاب الدين الذين كانوا قاب قوسين أو أدنى من السيطرة التامة على كل أوربا، وليس عهد سلاطين آل عثمان -وهم يدقون أبواب فينا- عنا ببعيد. إن روح العداء دفعت القائد البرتغالي (البوكرك) أن يقول لرجاله قبل احتلاله مالقة: إن عملنا اليوم أجل خدمة لكسر شوكة الإسلام بحيث لا تقوم له قائمة بعد اليوم. وتستعمل البنوك في لندن الصكوك في معاملاتها التي أول من استعملها العرب في التجارة، ثم انتقلت إلى أوروبا فأصبحت شيكات، وكذلك المجاري من ابتكار العرب في بغداد، والقبة الزرقاء التي تزينها النجوم، مازالت تحمل الأسماء العربية، لأن الفلكيين العرب أول من اكتشفها في مراصدهم، والقائد نلسون الذي يناطح تمثاله السحاب إنما استطاع أن يجوب بأسطوله البحار ويصل إلى أسبانيا بفضل التحصينات التي أضافها الملاحون العرب إلى السفن يوم كانوا يسيطرون على أطول خط بحري عرفه العالم القديم من البحر الأحمر إلى الصين.(4/49)
و عندما رأت بريطانيا أن تكرم قائدها لم تجد إلا لقب أديمرال المنقول عن العربية أمير البحر، والماء الذي تبعثه النوافير ما كان ليكون نقيا لولا الكيمياء عند العرب وتطويرهم لها، ولا ينسى الغرب الرائد الأول العربي ابن خلدون في فلسفة التاريخ، وكتاب الرازي في الطب ظل المرجع الأساسي في أوربا لمدة تزيد عن أربعمائة عام، إن مثل هذه الحقائق قد تفاجئ المواطن الغربي الذي لا يعترف للعرب بأي فضل في بناء حضارته بسبب العداء القديم الموروث، بالرغم من أنه يعترف لأمم أخرى بما هو دون ذلك بكثير، والأنكى أن الغرب لا ينكر على العرب فضائلهم فحسب، بل ينسب إليهم أحداثا مشينة لا صلة لهم بها، ومن ذلك مكتبة الإسكندرية، فقد أشاع الغربيون أن العرب هم الذين أحرقوا مكتبة الإسكندرية، وقد ثبت أن هذا الاتهام لا أساس له من الصحة، فقد أُحرق نصفها قبل الفتح العربي بزمن طويل، وحافظ العرب على نصفها الباقي إلى أن أحرقه الصليبيون في هجوم مفاجئ لهم على الإسكندرية، وأجمع المؤرخون على أن المكتبة لم يكن لها وجود عام 624م سنة فتح العرب لمصر. (1)
__________
(1) العرب في نظر الغرب لأركسن تشايلدز: نقلا عن كتاب الإسلام والحضارة لأنور الجندي، دار الاعتصام 1978م ،
مصر- القاهرة، ص 64-65.(4/50)
8- وتقول الدكتورة زيغريد هونكة في كتابها " شمس العرب تسطع على الغرب ": قد ثبت أن أغلب آراء كَانْتْ وديكارت ونيوتن في الطبيعة وانكسار الضوء والإبصار مأخوذة عن الحسن بن الهيثم، وأن هارفي ليس مكتشف الدورة الدموية وإنما اكتشفها ابن النفيس مدير مستشفى قلاوون بالقاهرة، وما نادى به لامَارك من أثر الطبيعة والبيئة في الأحياء سبقه إليه ابن خلدون، حيث قال ابن خلدون: إن العادة قد تغير من صفات العضويات كما يغير الطقس. وما أورده الجاحظ وابن سينا من ملاحظات في التطور والارتقاء نسبها الغرب إلى علمائهم وأغفلوا فضل العرب، وقبل كبلر وجاليليو وكوبرنيك وضع علماء العرب علم حساب المثلثات بطريقة منظمة، فاعتبر علما عربيا، وأقاموا المراصد، وقدروا أبعاد النجوم والكواكب، وقالوا باستدارة الأرض، وقاسوا محيطها وحسبوا طول السنة الشمسية، وكتبوا عن البقع الشمسية والكسوف والخسوف، ووضعوا أسماء كثير من الكواكب التي مازالت تستعمل إلى اليوم مثل الدب الأكبر والدب الأصغر والحوت والعقرب. وعرف العرب الطريقة العلمية قبل أن يولد بيكون الذي تنسب إليه الطريقة المبتكرة. وقد عبر الحسن بن الهيثم عن طريقة البحث العلمي بالاستقراء والتجربة والمشاهدة قبل أن يصيغها فرانسيس بيكون، وعرفت طريقة البحث العلمي في طب ابن سينا ورياضيات الخوارزمي ونظريات ابن الهيثم وكيمياء جابر بن حيان، وهو منطلق الحضارة الغربية الحديثة الذي صاغه فرانسيس بيكون. (1)
__________
(1) شمس العرب تسطع على الغرب للدكتورة زيغريد هونكة، دار الآفاق الجديدة، بيروت-لبنان ص58.(4/51)
9- ويقول الدكتور ماكس مايرهوف: إن العرب قدموا خدمات حقيقية وجليلة جدا لعلم البصريات الذي يتجلى منه عظمة الابتكار الإسلامي، فكان المنهل الذي نهل منه روجر باكون ولوديكلو وليوناردوفنشي وكلير، وتعترف دائرة المعارف البريطانية بأن كتابات العرب في الضوء أوحت باختراع النظارات. (1)
__________
(1) الإسلام والحضارة لأنور الجندي، دار الاعتصام 1978م ، مصر القاهرة، ص 67-68.(4/52)
10- ويقول الدكتور سيديو في كتابه "تاريخ العرب العام": تميز العرب بعلم الفلك والعلوم الرياضية، فأتوا بالعجب العجاب في الهندسة والحساب والجبر وعلم الضوء والبصر والميكانيكا، وظلت مؤلفات الحسن بن الهيثم مرجعا معتمدا في أوربا إلى القرن السادس عشر، ووصل علم البصريات أعلى درجة من التقدم بفضل ابن الهيثم. وقد اعترف العالم الفرنسي لوينر قيارد بأن كيلر أخذ معلوماته في الضوء وانكساره في الجو مما اطلع عليه من مؤلفات ابن الهيثم. إن ابن الهيثم اعتمد الطريقة العلمية الحديثة في البحث العلمي بعناصرها الثلاثة: الاستقراء والقياس والتمثيل قبل فرانسيس بيكون، وابن الهيثم لم يسبق فرانسيس بيكون إلى طريقة الاستقراء فحسب بل سما عليه، وكان أوسع منه أفقا وأعمق تفكيرا. ويشير الباحثون إلى أن الفارابي في المادة 16 من الصفحة العاشرة من رسالة عيون المسائل يقول: (كل جسم له مكان خاص ينجذب إليه، فإن كان الجسم بسيطا وجب أن يكون مكانه وشكله من النفس النوع ولا خلاف بينهما)، ويقول أينشتين في هذا المعنى: (إن من صفات المكان الفضاء، أي أن الجسم ينجذب إلى غيره، لا لأن هذا الغير فيه صفة الجاذبية بل لأن شكل الفضاء الذي يتحرك فيه الجسم المنجذب يحتم عليه الاقتراب من الآخر)، ويعلق الباحثون: إن النظريتين مختلفتان في الجمل والألفاظ ومتفقتان في المعنى بما يثير الدهشة والعجب. (1)
وهكذا نجد الباحثين الغربيين المنصفين في مجال العلم يعلنون الاعتراف بدور علماء الإسلام في بناء الحضارة الغربية الحديثة.
الإسلام يدعو إلى العلم النافع: (2)
__________
(1) تاريخ العرب العام (حضارتهم ومدارسهم الفلسفية والعلمية والأدبية) للدكتور سيديو، الأهلية للنشر والتوزيع، الأردن – عمان، المحقق عبد الله علي الشيخ، 2003م، ص123.
(2) انظر: الرسول والعلم ص33.(4/53)
تنبع أهمية العلم في الإسلام من الترابط الوثيق بين العلم والإيمان، فكلما ازداد علم الإنسان ازداد يقينًا ومعرفة وخشية لله عز وجل، قال تعالى { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ - وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } ]فاطر:27-28[ ، فكل علم يهدي إلى الحق والإيمان ويقوي دعائمه ويورث خشية الله في قلب صاحبه دعا إليه الإسلام ورغّب فيه، وهذه العلاقة الوثيقة بين العلم والدين لا نجدها في غير الإسلام، يقول روجيه جارودي: ( ولم يفصل الإسلام الحكمة عن العلم، ولم يقبل معالجة أي فرع من فروع العلم بمعزل عن العقيدة التي هي هدف في ذاتها). فلابد من العلم والإيمان كي ترقى الأمة وتتقدم؛ أما بالعلم وحده فقد يرفع الله أمة حتى تعانق السماء رفاهية ورغداً، ولكنها سرعان ما تتداعى وتتساقط كأوراق الخريف التي تعصف بها الرياح، وكم من أمة غنية ولكنها مهددة ومقطعة الأواصر يسودها القلق والانحلال، مالُها بلا أمن، ومتاعُها بلا رضا، وحاضرُها زاهٍ يترقبه مستقبل نكد، إنه الابتلاء الذي يعقبه النكال.(4/54)
لقد فاق المسلمون غيرهم قرونا وعقوداً من الزمان حين سمت عندهم مكانة العلم، وأخلصوا في طلبه وأكرموا أهله، ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا ترقد في ظلام دامس وتغطُّ في سبات عميق كان المسلمون قد سبقوا عصرهم في شتى العلوم، والمسلمون في هذا الزمان قد تبدّل حالهم، وصاروا في مؤخرة الركب بعد أن كانوا في مقدمته، وصاروا تابعين بعد أن كانوا متبوعين، لفصلهم بين العلم والدين مواكبة للغرب، إلا أن قدر هذه الأمة أنها لا تقوم لها قائمة بمال وعلم وعتاد بمعزل عن الإسلام والإيمان خلافا للأمم، لأن الله اشترط لهذه الأمة، حيث قال الله - جل جلاله - : { إن تنصروا الله ينصركم } ]محمد:4[، فصار الإيمان للأمة بمثابة الروح من الجسد، فالمسلم لا يستحق الحياة ولا نعمة النَّفَس إن بدل دينه، والأمة إذا هجرت دينها صارت جسدا بلا روح، فلا ينفعها مال ولا علم بعد دينها، لأنها ستتلف مالها وتخون أمانتها، فلا عودة للأمة إلى سابق عزها ومجدها إلا إذا أقبلت على الإيمان والعلم معا. وكل علم يهدي إلى الحق والبر والخير والإحسان ويتقرب به صاحبه إلى الباري عز وجل مدحه الشارع وأثنى عليه وأثبت فضله، سواء أكان علما شرعيا أم كونيا، أما العلم الذي لا يتقرب به صاحبه إلى الله ولا يهتدي به إلى الحق والبر والخير والإحسان فقد ذم الشارع الحنيف صاحبه، وحذر منه أيما تحذير، سواء أكان العلم شرعيا أم كونيا، ولا يذم الشرع العلم النافع أبدا بل يجعله حجة لصاحبه أو عليه.(4/55)
لم يكن الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا الصحابة رضوان الله عليهم ولا من تبعهم بإحسان يصنفون العلوم إلى شرعية وكونية, إنما كانوا يقتدون بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في تقسيم العلم إلى علم نافع وعلم لا ينفع، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل الله علما نافعا ويستعيذ بالله من علم لا ينفع، فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: لاَ أَقُولُ لَكُمْ إِلاَّ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ، كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ. اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا. وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا. أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لاَ يُسْتَجَابُ لَهَا» (1) ،
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه (كتاب الذكر والتوبة والدعاء والاستغفار- باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل 4/2088)، والنسائي في السنن الكبرى (كتاب الاستعاذة – باب الاستعاذة من علم لا ينفع 4/444)، والطبراني في معجمه الكبير(عبد الله بن الحارث 5/201)، والطبري في تهذيب الآثار (مسند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - باب ذكر ما صح عندنا من ذلك سنده 2/585)، والضحاك في الآحاد والمثاني (زيد بن أرقم 4/128)..(4/56)
وعن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يقول: "اللهمَّ إِنِّي أَسألُكَ عِلْماً نَافِعاً، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ" (1) . وفي رواية لجابر - رضي الله عنه - أيضا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «سَلُوا الله عِلْماً نَافِعاً وتعوذوا بالله من علم لا ينفع» (2) ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (3) ،
__________
(1) رواه ابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان (كتاب العلم –ذكر ما يجب على المرء أن يسأل الله جل وعلا من العلم النافع، رزقنا الله إياه وكل مسلم 1/283)، والطبراني في معجمه الأوسط (من اسمه مقدام 9/32)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (10/182) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
(2) رواه ابن ماجة في سننه (كتاب الدعاء – باب ما تعوذ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 2/1263)، وابن أبي شيبة في مصنفه (5/342)، (6/17)، (7/82)، وأبو يعلى في مسنده (3/437-469)،(4/139)، وعبد بن حميد في مسنده (1/330)، وذكره الهيثمي في مصباح الزجاجة (كتاب الدعاء – باب ما تعوذ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 4/140) وقال: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات وأسامة بن زيد هذا هو الليثي المدني احتج به مسلم ورواه عبد بن حميد في مسنده.
(3) تقدم تخريجه في صفحة 152..(4/57)
فكل علم ينفع الناس له فضل شرعي, وضرب القرآن الكريم مثلا للعلم الذي لا ينفع في قصة هاروت وماروت قال - جل جلاله - : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } ]البقرة:102[.
أسس التفكير العلمي في الإسلام :(4/58)
جعل الإسلام العلم الصحيح ثمرة النظر الصائب في كتاب الكون المفتوح وقراءة آياته المبثوثة في الآفاق، وللقرآن الكريم دعوة ملحة إلى معرفة الله عن طريق التدبر في ملكوته والتفكر في صنوف خلقه, وذم الكفار لأنهم عطلوا حواسهم وأهملوا مشاعرهم وأهدروا نعمة العقل التي أكرمهم الله بها، وسرد القرآن الكريم حقائق كونية هائلة منهجية ومعرفية، ووضع المبادئ الأساسية للوصول إلى حقائق الوجود بالأسلوب البرهاني والحجة والجدال الحسن والاستقراء والمقارنة والتمحيص وضرب الأمثال, وحذر من الاستسلام للظنون والأوهام، كما يصر القرآن الكريم على الوصول إلى نتائج إيجابية في المعرفة والفكر من خلال الدعوة إلى النظر والتفكر والاستدلال العقلي والابتعاد عن التقليد والعاطفة، ففي المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم في مادة ن.ظ.(4/59)
ر وردت 130 كلمة بتسع وعشرين صيغة، منها قول الله - جل جلاله - : { قُلْ سِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ } ]العنكبوت:20[ وهو خطاب لمنكري البعث ليشاهدوا كيف أنشأ الله - جل جلاله - جميع الكائنات, ومن قدر على إنشائها بدءا يقدر على إعادتها، وقال - جل جلاله - : { فَانظُرْ إِلَىَ آثَارِ رَحْمَةِ اللّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنّ ذَلِكَ لَمُحْييِ الْمَوْتَىَ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ]الروم: 50[، وقال - جل جلاله - : { فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَىَ طَعَامِهِ } ]عبس: 24[، وهذه الآية لبيان نعم الله على الإنسان في الدنيا بعد بيان نعمة الإيجاد: قال - جل جلاله - : { فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ } ]الطارق:5[، وقال - جل جلاله - : { أَفَلَمْ يَنظُرُوَاْ إِلَى السّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيّنّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } ]ق: 6[، وقال - جل جلاله - : { أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } ]الغاشية: 17[, أم غفلوا وعموا فلم ينظروا إلى آيات الله الباهرة، وفي هذا تقريع لكل ذي نظر لا يعمله في التفكير والتأمل والاتعاظ، كما أثنى القرآن الكريم على الاستدلال البرهاني في دعوة إبراهيم عليه السلام لقومه، قال تعالى: { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ - فَلَمّا جَنّ عَلَيْهِ الْلّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هََذَا رَبّي فَلَمّآ أَفَلَ قَالَ لآ أُحِبّ الاَفِلِينَ - فَلَمّآ رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هََذَا رَبّي فَلَمّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لّمْ يَهْدِنِي رَبّي لأكُونَنّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالّينَ - فَلَماّ رَأَى الشّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هََذَا رَبّي هََذَآ أَكْبَرُ فَلَمّآ أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ - إِنّي وَجّهْتُ وَجْهِيَ لِلّذِي(4/60)
فَطَرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ]الأنعام: 75-79[. ويرفض القرآن الكريم التقديس المطلق لفكر الآباء والأجداد، ويأمر بمحاكمته للعقل، قال تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } ]البقرة:170[. وقال - جل جلاله - : { وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مّن نّذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىَ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَىَ آثَارِهِم مّقْتَدُونَ - قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىَ مِمّا وَجَدتّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُوَاْ إِنّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } ]الزخرف:23-24[، إن العلم في الإسلام يمر من خلال الدين، والإيمان حافز لاكتشاف صنعة الخالق، وكلما ازداد الإنسان علما ازدادت معرفته وخشيته لله، قال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } ]فاطر:28[. إن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد إلى خيري الدنيا والآخرة، وليس كتابا في العلوم الكونية ترد إليه النظريات العلمية، وما ورد في كتاب الله عز وجل من الحقائق والنواميس الكونية تأسيس للبحث العلمي القائم على النظر والملاحظة والتحقق والتقصي وتحكيم الفكر والتأمل، وتحطيم للقيود أمام العقل.
التوافق بين الإسلام وأصول العلم التجريبي التقني الحديث: (1)
__________
(1) انظر: العلم والعقل في القرآن الكريم ص 250- 279.(4/61)
1- لا يقبل العلم التجريبي المعاصر إلا ما قام عليه البرهان العقلي والدليل المنطقي: وقال تعالى: { أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } } [النمل: 64]، وقال جل ذكره: { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ } ]الأنبياء:24[.
2- لا يعتمد العلم التجريبي الظن والتخريص والتخمين في إثبات الحقائق العلمية: وقال الله - جل جلاله - : { إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى } [النجم: 23]. وقال الله - جل جلاله - : { وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ } [الجاثية: 24]. وقال الله - جل جلاله - : { وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } [يونس: 36]، وقال الله - جل جلاله - : { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ } [الأنعام: 148].(4/62)
3- يمنع العلم الحديث تقليد العلماء مهما كانوا كبارا من غير وقوف على الدليل والبرهان: وقال الله - جل جلاله - : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } [البقرة: 170]، وقال الله - جل جلاله - : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } [المائدة: 104]، وقال الله - جل جلاله - : { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ - قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } [الزخرف:23-24].
4- ينطلق العلم التجريبي من عدم التناقض بين الحقائق واطرادها, فما ثبت أنه حقيقة سيكون دائما كذلك، وهذان أصلان قرآنيان الأول في قول الله - جل جلاله - : { مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ } [الملك: 3], والثاني في قول الله - جل جلاله - : { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا } [الفتح: 23] وقال الله - جل جلاله - : { فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا } [فاطر: 43] .(4/63)
5- يعتمد العلم التقني المشاهدة الصحيحة سبيلا للبحث عن الحقائق العلمية: والقرآن الكريم يدعو إلى النظر في الكون وتدبر آياته باستعمال الحواس والعقل, قال الله - جل جلاله - : { وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [النحل: 78]، وقال الله - جل جلاله - : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ - وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ - يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ - وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ - وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ - وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ - وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ - وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ - وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ - وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ - وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ(4/64)
أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - ضَرَبَ لَكُم مَّثَلا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ - بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ - فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ - مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِين } ]الروم: 17- 31[ ، وقال الله - جل جلاله - : { أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ } [الأعراف: 185]، وقال الله - جل جلاله - : { أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ } [ ق: 6]، وقال الله - جل جلاله - : { فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الروم: 50] وقال الله - جل جلاله - : { انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } [الأنعام: 99]، وقال الله - جل جلاله - : { قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } [يونس: 101]، وقال الله - جل جلاله - : { قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [العنكبوت:20]، وقال الله - جل جلاله - : { أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ(4/65)
} ]الواقعة: 63] وقال الله - جل جلاله - : { أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ } ]الواقعة: 68]، وقال الله - جل جلاله - : { أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ } [الواقعة: 71]، وقال الله - جل جلاله - : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } [الحج: 63] وقال الله - جل جلاله - : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [الحج: 65]، وقال الله - جل جلاله - : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ } [النور: 43]، وقال الله - جل جلاله - : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [لقمان: 29]، وقال الله - جل جلاله - : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ - وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } [فاطر:27-28]، وقال الله - جل جلاله - : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى(4/66)
لأُوْلِي الْأَلْبَابِ } [الزمر: 21]، وقال الله - جل جلاله - : { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّه بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ } [ لقمان: 20]، وقال الله - جل جلاله - : { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ } [النحل: 48]، وقال الله - جل جلاله - : { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } [الشعراء: 7]، وقال الله - جل جلاله - : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ } [السجدة: 27].
6- من جماع أصول البحث العلمي التقني الحديث أن لا يقبل الباحث إلا الحق المعلوم، وأن طريق الوصول إلى الحقيقة العلمية القطعية هو المشاهدة الصحيحة والتفكير الصحيح, وعلى الباحث التمسك بالحقيقة التي يصل إليها عن طريق المشاهدة والتفكير لأنه مسؤول عن ذلك علميا: قال جل ذكره: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } [الإسراء: 36].
التأصيل الشرعي للعلم التقني: (1)
__________
(1) انظر: المستصفى للغزالي (1/375)، المحصول للرازي (5/542-548)، اللمع في أصول الفقه للشيرازي (1/83)، الإبهاج للسبكي (3/210)، البرهان في أصول الفقه للجويني (2/752-780)، حاشية العطار على جمع الجوامع (2/402)، كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري (3/13)، التحبير شرح التحرير للمرداوي (7/3239).(4/67)
1- علم الله هو العلم الشامل المحيط الذي لا يعتريه خطأ، ولا يشوبه نقص، وعلم الإنسان محدود، يقبل الزيادة والنقصان، ومعرض للخطأ.
2- قال ابن حزم: لا تعارض بين شيء من نصوص القرآن الكريم ونصوص كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وما نقل من أفعاله قال الله - جل جلاله - : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى } ]النجم:3-4[،وقال جل ذكره: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرا } ً]النساء:82[، فأخبر عز وجل أن كلام نبيه - صلى الله عليه وسلم - وحي من عنده كالقرآن في أنه وحي. (1)
3- نصوص الوحي بعضها قطعي الثبوت والدلالة، وكذلك الحقائق العلمية الكونية بعضها قطعي.
4- بعض نصوص الوحي ظني في ثبوته أودلالته، وكذلك النظريات العلمية الكونية بعضها ظني في ثبوتها.
5- لا يمكن أن يقع تصادم بين قطعي الوحي وقطعي العلم التقني، فإن وقع تعارض في الظاهر فلابد أن هناك خللا في اعتبار أحدهما قطعيا.
6- نصوص الوحي ألفاظه جامعة ومانعة ومعانيه صحيحة جيلا بعد جيل.
7- إذا وقع التعارض بين نص قطعي الثبوت والدلالة، وبين نظرية علمية رفضت هذه النظرية، لأن النص وحي من الذي أحاط بكل شيء علما، وإذا وقع التوافق بينهما كان النص دليلا على صحة تلك النظرية، وإذا كان النص ظنيا والحقيقة العلمية قطعية يفسر النص بها.
8- وإذا وقع تعارض بين حقيقة علمية قطعية، وبين نص ظني في ثبوته أو دلالته فيؤول الظني ليتفق مع الحقيقة القطعية، وحيث لا مجال للتوفيق فيقدم القطعي، ولا يمكن أن يقع تعارض بين نص شرعي قطعي وحقيقة علمية قطعية. قال ابن الحاجب: لا تعارض بين قطعي وظني لانتفاء الظن أي عند القطع بالنقيض (2) .
الحكم التكليفي للعلوم التقنية:
__________
(1) الإحكام لابن حزم (1/170).
(2) انظر: حاشية العطار على جمع الجوامع (2/402).(4/68)
إن الله عزّ وجلّ خلق الخلق غير عالمين بوجوه مصالحهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، قال الله تعالى: { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } [سورة النحل:87]، ثم وضع فيهم العلم بذلك على التدريج والتربية، تارة بالإلهام كما يلهم الطفل التقامَ الثدي ومصّه، وتارة بالتعليم، فطالب الناس بالتعلم والتعليم لجميع ما يستجلب به المصالح، وكافة ما تدرأ به المفاسد، إنهاضاً لما جبل فيهم من تلك الغرائز الفطرية والمطالب الإلهامية (1) ،
__________
(1) انظر: الموافقات للشاطبي (1/179)، الفروق مع هوامشه للقرافي (2/32)..(4/69)
وتحدث العلماء عن فروض الكفاية التي إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم بها أحد أثم كل قادر على القيام بها، ومن هذه الفروض تَعَلُّم العلوم التي تستغني بها الأمة عن أعدائها وتدافع بها عن كيانها، والله سبحانه وتعالى يقول: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } ]الأنفال:60[، فكل قوة يستطيع المسلمون إعدادها ثم يقصّرون فإنهم آثمون، والعلوم التقنية الحديثة بكل فروعها وجوانبها واجبة على الأمة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وكل ما يحتاج إليه المسلمون من العلوم ليحقق لهم التفوق على غيرهم ولتكون لهم القوة على عدوهم؛ فهو فرض كفائي عليهم؛ تأثم الأمة إذا فرطت فيه، فإذا أرادت الأمة أن تستأنف حياتها وتتحرر من رق غيرها فلا بد من استقلالها العلمي والتعليمي، بل لا بد من القيادة والزعامة في العلم التقني مع التشبع بروح الإسلام وأصوله وفروعه، وتحقيق نصوص الشريعة وضبطها في ظل معطيات العلوم التقنية النافعة والمنهج العلمي المعاصر، فتستقل الأمة بكيانها وتستغني عن الغرب، وتستخرج كنوزها وخيراتها وتحافظ على مقدراتها، ويظهر فضل النظام الإسلامي في إدارة شئون الأمة. إن الاستعداد الروحي والصناعي والحربي، والاستقلال التعليمي ينهض بالأمة الإسلامية، ويُمَكن الإسلام من أداء رسالته في إنقاذ العالم وهدايته (1) .
__________
(1) انظر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ لأبي الحسن الندوي ص235-245 بتصرف.(4/70)
طلب الكفاية متوجه على الجميع، فإذا قام به بعضهم سقط عن الباقين، إلا أن الطلب في بعض فروض الكفايات وارد على البعض ممن فيه أهلية للقيام بذلك الفعل المطلوب، لا على الجميع عموماً، ففي قوله تعالى: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [التوبة:122]، فرد التحضيض على طائفة لا على الجميع، وفي قوله: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ]آل عمران:104[، رد الطلب نصاً على البعض لا على الجميع، وقد ثبت هذا المعنى في الإمامة الكبرى والصغرى، فإنما تتعين على من فيه أوصافها المرعية لا على كل الناس، وسائر الولايات بتلك المنزلة، فإنما يطالب بها شرعاً من كان أهلاً للقيام بها والغَناء فيها باتفاق، وكذلك الجهاد ـ حيث يكون فرض كفاية ـ إنما يتعين القيام به على من فيه النجدة والشجاعة، ومن ذلك ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذرّ: «يا أبا ذرٍّ إني أراك ضَعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأَمّرنَّ على اثنين، ولا تَولّين مال يتيم» (1) ،
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة – باب كراهة الإمارة بغير ضرورة 3/1457)، وأبوداود في سننه (كتاب الوصايا – باب ما جاء في الدخول في الوصايا 3/114)، والبيهقي في السنن الكبرى (جماع أبواب صلاة الإمام وصفة الأئمة 3/129)، (كتاب الوصايا – باب من اختار ترك الدخول في الوصايا 6/283)، (كتاب آداب القاضي – باب كراهية الإمارة وكراهية تولي أعمالها 10/95)، والبيهقي في السنن الصغرى (كتاب أدب القاضي - أدب القاضي وفضله 9/6)، وأبو عوانة في مسنده (مبتدأ كتاب الأمراء – بيان الترغيب في اجتناب الإمارة 4/379)، وأحمد في مسنده (5/180).(4/71)
وكلا الأمرين من فروض الكفاية، ومع ذلك فقد نهاه عنها، فلو فرض إهمال الناس لهما لم يصح أن يقال بدخول أبي ذر في حرج الإهمال، وعلى هذا جرى العلماء في تقرير كثير من فروض الكفايات، فقد جاء عن مالك أنه سئل عن طلب العلم: أفرضٌ هو؟ فقال: أمّا على كل الناس فلا، يعني به الزائد على الفرض العيني، وقال أيضاً: أمّا من كان فيه موضع للإمامة فالاجتهاد في طلب العلم عليه واجب. وقد يقال إن فرض الكفاية واجب على الجميع على وجه من التجوز؛ لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة، فهم مطلوبون بسدّها على الجملة، فبعضهم قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلاً لها، والباقون ـ وإن لم يقدروا عليها ـ قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادراً على الولاية فهو مطالب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطالب بأمر القادر على القيام بها، إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلاَّ بالإقامة؛ من باب ما لا يتم الواجب إلاَّ به واجب. فطلب الكفاية ليس على ترتيب واحد، ولا هو على الكافة بإطلاق، ولا على البعض بإطلاق، ولا هو مطلوب من حيث المقاصد دون الوسائل، ولا العكس. فالعلوم التقنية فرض كفاية على الأمة يطالب بها من يقدر عليها ليكون للأمة إغناء بها عن غيرها، ومن لا يقدر عليها يطالب بإقامة القادر عليها (1) .
__________
(1) الموافقات للشاطبي (1/181)، الفروق مع هوامشه للقرافي (2/34).(4/72)
والأمور الضرورية والحاجية والتكميلية إذا اكتنفتها أمورٌ لا ترضي الشارع، يظل جلب المصالح صحيحا شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج؛ كالنكاح الذي يلزمه طلب قوت العيال مع ضيقِ طرُق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات، ولكنه ليس مانعا؛ إذ لو اعتبر مثل هذا في النكاح في زماننا لأدى إلى إبطال أصله، وكذلك طلب العلم إذا كان في طريقه مناكر يسمعها ويراها، وشهود الجنائز وإقامة الوظائف الشرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرضي الشارع، فلا يُخرج هذا العارض تلك الأمورَ عن أصولها.(4/73)
وقد اكتنف العلوم التقنية المعاصرة بعض الحرج الشرعي، إلا أن ذلك لا يعفي الأمة من طلبها، لأنها من أسباب التمكين في الأرض في العصر الحديث، والعلم من أجل نعم الله على المؤمن، كرم الله أهله ومدحهم وأجزل لهم العطاء، ورفع لهم الدرجات، فالعلم رحمة ونور وعصمة وسمو ورفعة، وكما أنعم الله عز وجل على الإنسان بنقله من ظلمة العدم إلى نور الوجود؛ أنعم عليه بنعمة العلم الذي يُخرجه به من ظلمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة، ومما لا شك فيه أن العلم أساس نهضة الأمة الإسلامية، ففي ظل تعاليم الإسلام السمحة وحضارته الوارفة وترغيبه في طلب العلم وتكريمه للعلماء نبغ المسلمون في العلوم كلها، والتمسوا المعرفة من الشرق والغرب، وترجموا كتب العلوم الفارسية واليونانية وغيرها وشجع الخلفاء على هذه الحركة العلمية. ولم يقتصر المسلمون على الترجمة، بل تابعوا البحث والدراسة، والتعديل والتطوير وابتكروا وطوروا وسبقوا غيرهم، فبرز أبو بكر الرازي بأول عملية لإزالة الماء من العين، وابن سينا في كتابه الطبي (القانون) الذي يدرس في جامعتي (كمبردج، وأكسفورد)، وبرع جابر بن حيان في علم الجبر، واكتشف كثيرا من أسرار الكيمياء، وسبر العرب علم الفلك، فبنوا أول مرصد فلكي وأول منظار [تليسكوب]، فكل علم نافع يجب على الأمة أن تنهض به، سواء كان شرعيا أو كونيا مما يحتاجه الناس في حياتهم كالطب والهندسة والزراعة والكيمياء وعلم الأحياء وعلم الفيزياء وعلم الإحصاء وسائر العلوم التي تعد من المقومات الأساسية للنهضة الحضارية المعاصرة.
الرأي الفقهي الذي اختارته المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية: (1)
__________
(1) ندوة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية الرابعة عشرة سنة 2001 م، المنعقدة بالكويت في الفترة ما بين 23 – 25 يناير 2001 م * 28 شوال – ذو القعدة 1421 هـ تحت عنوان "العلوم في الإسلام" ، إشراف وتقديم د/عبد الرحمن عبد الله العوضي رئيس المنظمة .(4/74)
أكدت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في ندوتها الرابعة عشرة سنة 2001 م على شمول الفضل الشرعي لكل علم ينفع الإنسانية، وحثت على تعميم هذا المفهوم بكل السبل، وأن العلم الذي أشادت مصادر الشريعة به وبأهله ولاسيما ما جاء في الكتاب والسنة ليس مقصوراً على العلم الشرعي وحسب، بل يشمل جميع العلوم الشرعية والكونية، ولكنها تختلف في مراتبها، فما تعلق منها بالله - جل جلاله - وأوصافه كان أشرف العلوم على الإطلاق، وأن تعلم المسلمين العلوم الكونية يعد من فروض الكفاية بحيث لا يسقط الوجوب عن مجموع المسلمين إلا بتعلم بعضهم هذه العلوم تعلماً يكفي حاجة المسلمين إليها، فيأثمون جميعا بترك تعلمها أو تعلم ما لا تحصل الكفاية إلا به منها، ويدخل في ذلك تمويل متطلبات تلك العلوم، والاستفادة من معطيات العلوم الكونية والطبيعية في التوصل إلى الحكم الشرعي فيما يستجد من القضايا واجب، كما يجب تقوية أواصر الترابط بين علماء الشريعة وعلماء الكون والطبيعة، وذلك بالإكثار من الندوات واللقاءات والحلْقات والمؤتمرات التي تثمر مزيداً من الفهم المتبادل، وتيسر التوصل إلى اجتهادات قائمة على أساس متين من الشرع والسنن الكونية، إذ لا تنافر بين العلم الشرعي والكوني، لذا ينبغي تدريس مدخل إلى العلوم الشرعية في كليات العلوم الكونية، وتدريس مدخل إلى العلوم الكونية في كليات العلوم الشرعية، ولابد من الربط بين الدراسات الكونية وترسيخ القيم الشرعية والأخلاقية بما يضمن توجيه العلم إلي ما ينفع الناس.
العلاقة بين الإيمان والعلم التقني:
1- تجديد بينة الرسالة في عصر الكشوف العلمية:(4/75)
شاهد المعاصرون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - المعجزات بأعينهم، فعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :"ما من الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إلا أُعْطِيَ ما مِثْلهُ آمَنَ عليه الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كان الذي أوتيته وَحْيًا أَوْحَاهُ الله إلي، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يوم الْقِيَامَةِ" (1) ، وكثير من أهل عصرنا لا يذعنون لشيء مثل إذعانهم للعلوم الكونية وبيناتها ودلائلها على اختلاف أجناسهم وأوطانهم وأديانهم، وإخبار القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة بحقائق علمية أثبتها العلم التجريبي أخيراً؛ وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كفيلة بتقديم أقوى الحجج والبراهين على صدق الرسالة والنبوة، وأقوى البينات العلمية لمن أراد الحق، فالبينات العلمية تثبت قلوب المؤمنين على دينهم في عصر التقدم والحضارة.
2- تصحيح مسار العلم التجريبي:
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب فضائل القرآن - باب كيف نزول الوحي 4/1905)، ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان – باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - 1/134)، والنسائي في سننه الكبرى (كتاب فضائل القرأن – باب كيف نزول القرآن 5/3)، وفي (تفسير سورة النساء – قوله - جل جلاله - : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ } ]النساء:163[ 6/330)، ورواه البيهقي في سننه الكبرى ( كتاب السير – باب مبتدأ الخلق 9/4)، وأبو عوانة في مسنده (كتاب الإيمان –بيان صفة مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - 1/102)، وأحمده في مسنده (2/341-451).(4/76)
جعل الله - جل جلاله - النظر في المخلوقات طريقاً إلى الإيمان بالله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ما تقوم عليه العلوم التجريبية، خلافا لأهل الأديان المحرفة، فقد كذبوا حقائق العلم، وسفهوا طرقه واضطهدوا دعاته، فواجههم حملة العلوم التجريبية بإعلان الحرب على تلك الأديان، وكشفوا ما فيها من أباطيل، وأصبحت البشرية في متاهة تبحث عن الدين الحق الذي يدعو إلى العلم. أما الإسلام فيصحح مسار العلم التجريبي ويضعه في مكانه الصحيح، بجعله طريقاً إلى الإيمان بالله ورسوله، ومصدقا للقرآن الكريم، ودليلا على شريعة الإسلام، وشاهدا على تحريف الأديان الأخرى. إن البشرية بحاجة إلى الإسلام الدين الحق لإنقاذها مما حل بها من خواء في الروح، يجمع لها بين الدين والعلم، والمادة والروح، وسعادة الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
3-تحفيز المسلمين لاكتشاف الكون بدافع الإيمان :
إن التفكر في مخلوقات الله وصنعته عبادة، والتفكر في معاني الآيات والأحاديث عبادة، وتقديمها للناس دعوة إلى الله، وهذا متحقق في البحوث العلمية، والإسلام يحفز المسلمين إلى اكتشاف أسرار الكون بدوافع إيمانية، ويجد الباحثون المسلمون في كلام الخالق عن أسرار مخلوقاته أدلة تهديهم في أبحاثهم وتقرب لهم النتائج وتوفر لهم الجهود. فالأبحاث العلمية تقوية لإيمان المؤمنين، ودفع للفتن عن أرض الإسلام التي ألبسها الكفار ثوب العلم.(4/77)
إن نهضة الإسلام التي بثها القرآن شملت جميع مجالات الحياة والكون، وقد نفذ نور القرآن العظيم إلى دائرة الكونيات التي تراكم عليها الظلام أحقابًا، وظل البشر يفتقدون النور الذي يبصرون به الحق، والرؤية الجليّة لعلوم الكون، وسادت الخرافات الكونية العالم الغربي، وتعامل الناس مع الكون بحشد من المخاوف والأساطير، فكانوا يخشون مباغتة الطبيعة بانقلاب نظامها عليهم، فمنهم من فسر حركة الكسوف والخسوف بأن وحشًا ضخمًا قد قضم الشمس أو القمر، ومنهم من قال: إن الأرض محمولة على قرن ثور، وحركة المد والجزر أثر من آثار شهيق الثور وزفيره، ومنهم من جزم بأن السماء قبة من نحاس، ومن زعم غير ذلك فهو ملحد مهرطق يجب قتله، ولم يكن العرب استثناءا من الأساطير والأوهام الكونية، فقد كانوا في ظلمة التنجيم والكهانة والتطير، وخرافات الهامة وصفر، ثم جاء القرآن فجعل الكونيات من قضاياه الكبرى من خلال :
1 ـ جدد القرآن الكريم الإحساس بالكون، وأزال غفلة البصر والبصيرة بسبب طول ألفة الإنسان للكون، مما حرم العين من الرؤية الصائبة، قال - جل جلاله - : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } ]الحج:63[، وقال جل شأنه: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ } ]النور:43[.(4/78)
2 ـ حث القرآن على النظر في عناصر الكون: قال تعالى: { قُلِ انظُرُواْ مَاذَا في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } ]يونس:101[، وقال - جل جلاله - : { قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ } ]العنكبوت:20[، وقال جل شأنه: { فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إلَى طَعَامِهِ - أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبًّا - ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا - فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا - وَعِنَبًا وَقَضْبًا - وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً - وَحَدَآئِقَ غُلْبًا - وَفَاكِهَةً وَأَبًّا - مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ } ]عبس:24-32[.
3 ـ حث القرآن الكريم على التفكر في الكون، فقال - جل جلاله - : { وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِي وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ]الرعد:3[، وقال جل ذكره : { هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ - يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ]النحل: 10-11[.(4/79)
4 ـ وبتجديد الإحساس بالكون، والنظر السديد إليه، والتفكر فيه، هيأ القرآن الكريم الإنسان للمنهج الموضوعي والعلمي في التعامل مع الكون العظيم المسخر للإنسان الضعيف، فعناصر الكون ليست آلهة تخاف فتعبد، ولا مقدسات خرافية يؤدي المساس بها إلى انقلاب نظام الطبيعة، بل عناصر الكون مسخّرة لنفع الإنسان إذا نهج العلم الصحيح بسنن الكون وقوانينه وطاقاته، قال تعالى: { اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ - وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } ]إبراهيم 32-33[، وقال جل ذكره: { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } ]لقمان:20[، وقال جل ثناؤه: { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ]الجاثية:13[، فأودع الله عز وجل الكون خصائص التسخير والتكيف ليتعامل الإنسان معه، فقوانين الحركة والجاذبية وخطوط الطول والعرض وسطح البحر وعمقه وطبقات الأرض ومعادنها المختلفة والتربة وقابليتها للحرث والبذر والتسميد والسقيا وإثمار الشجر والحبوب والورود وقابلية الفضاء للطيران ونقل الصوت والصورة والإلكترونات والذرات وأشعة الليزر والمرايا الفضائية كل ذلك مسخر لصالح الإنسان، فكان للتنوير القرآني بالكونيات الأثر العميق والواسع في بناء الحضارة الإسلامية. (1)
__________
(1) انظر: التنوير بالكونيات وأثره في الحضارتين الإسلامية والأوروبية، لزين العابدين الركابي، على موقع الهيئة العالمية للإعجاز
http://www.nooran.org/O/20/20-8.htm العلمي في القرآن والسنة على شبكة الإنترنت:(4/80)
الفكر الغربي والعلم التقني: (1)
عاش الفكر الغربي معركة قوية عارمة بين الدين والعلم، فلا يمكن لمفكر غربي أن يتقبل أن يكون هناك لقاء بين الدين والعلم، لأنهم يرون أن الشجرة التي مُنع آدم من أكلها هي شجرة المعرفة، وأنه بعد أن أكل منها ازداد بصيرة، فغضب الله عليه وطرده من رحمته، لذلك أخذت أوروبا تتحاور مدة قرنين من الزمان، هل تقبل هذه العلوم الكونية القادمة من بلاد الإسلام أم تردها على المسلمين، لأن القساوسة حكموا على هذه العلوم والمعارف بأنها المعصية الأولى، فرفضوا هذه العلوم جملة وتفصيلاً، فانتصر قادة العلم على رجال الكنيسة، وانتقموا بحركة مضادة لمصادرة الدين كله من أساسه، وحاصروا الكنيسة في أضيق دائرة لها، فصار العداء بين العلم والدين حتميا، خلافا للإسلام الذي كرم العلم والعلماء وجعل العلماء هم الشهود على توحيد الله بعد الملائكة قال تعالى :{ شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ]آل عمران: 18[.
__________
(1) الإنسان ذلك المجهول ترجمة شفيق أسعد فريد – مكتبة المعارف بيروت لبنان ط4 ص37 .(4/81)
وبعد أن بالغ الغرب وأسرفوا في إقحام التقنيات والتكنولوجيا في حياة الإنسان، وعزله عن بيئته الطبيعية التي خلقها الله له، فتكشفت لهم آثار سلبية كثيرة لغلوهم فيها، يقول ألكسيس كاريل: في كتابه (الإنسان ذلك المجهول): (إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا، فقد نشأت دون أي معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية وشهوات الناس وأوهامهم ونظرياتهم ورغباتهم، وبالرغم من أنها نشأت بجهودنا إلا أنها غير صالحة لنا) (1) ، ويقول البروفسور رينيه دوبو الأمريكي الجنسية والفرنسي الأصل في كتابه (إنسانية الإنسان): (إن المفكرين قلقون على مستقبل الأبناء الذين سيقضون حياتهم في بيئات اجتماعية سخيفة عابثة وباطلة، نوجدها نحن لأبنائنا دون تفكير، إنها بيئات ملوثة وشوارع متراصة وأبنية شاهقة وخليط حضاري متمرد وعادات اجتماعية تهتم بالأشياء وتهمل البشر. إن الإنسان العصري قلق في زمن السلم والبحبوحة الاقتصادية، لأن عالم التكنولوجيا الذي فصله عن الطبيعة فشل في توفير حاجات الإنسان الأساسية، فصار كالحيوان البري الذي يقضي حياته في حديقة الحيوان، توفر له الغذاء الكافي والحماية الكافية، ولكنه يحرم المؤثرات الطبيعية الأساسية لوظائفه الجسدية والفكرية، فالإنسان العصري أصبح غريبا معزولا عن أعماق ذاته). (2)
__________
(1) انظر: الرسول والعلم ص33.
(2) انظر: إنسانية الإنسان ترجمة د/ نبيل صبحي الطويل مؤسسة الرسالة – بيروت لبنان ص49.(4/82)
المبحث الرابع: موقف الإسلام من المحافظة على الوجود الفطري
ليس ثمة شك أن الإسلامَ خاتمَ الرسالاتِ السماوية إلى البشرية كافة قد اهتم بالبيئة اهتماماً بالغا؛ كونها ميراث الأجيال المتلاحقة، وأودع الله - جل جلاله - فيها مقومات حياة الإنسان المستخلف، فأرسى الإسلام الأسس والقواعد والمبادئ التي تضبط وتقنن علاقة الإنسان ببيئته؛ لتَتَحقق من خلالها العلاقة السوية والمتوازنة التي تصون البيئة من ناحية، وتساعدها على أداء دورها الذي قدره الخالق الحكيم العليم في إعالة الحياة من ناحية أخرى.
ينظر الإسلام إلى البيئة على أنها هبة وفضل من الله - جل جلاله - ومنة على البشر، خلقها الله سبحانه وتعالى لتلبية حاجات الإنسان الحياتية، وعلى الإنسان حمايتُها وتنمية مواردها الطبيعية بما في ذلك الهواء والمناخ والماء والبحر والنبات والحيوان، ولا يجوز في أي حال من الأحوال إحداث أي تلويث أو تغيير جوهري في عناصر نظام البيئة يخلّ بتوازنها.
ومنذ أن خلق الله سبحانه وتعالى البشر واستخلفهم في الأرض وهم يحاولون جهدهم استغلال موارد بيئتهم الطبيعية التي خلقها الله وسخرها لهم بطرق شتى؛ لإشباع حاجتهم التي تباينت على مر العصور بتباين البيئة التي يعيشون فيها، والعلاقة بين الإنسان وبيئته على مدى الزمن علاقة ديناميكية متغيرة بتغير نوع وطبيعة البيئة من جهة وقدرات وإمكانيات وتطلعات الإنسان من جهة أخرى.
البيئة من المنظور الإسلامي: (1)
__________
(1) انظر: قضايا البيئة من منظور إسلامي: د/ إحسان هندي، دار ابن كثير، دمشق - بيروت، ط1-2001، ص 77، والبيئة من منظور إسلامي: د/صالح محمود وهبي، دار الفكر، دمشق - سورية، ط1، 2004م، ص12-13 .(5/1)
إن الدين الإسلامي عقيدةٌ وشريعةٌ، فلا يكتفي الإسلام بتنظيم علاقة المسلم مع ربه فحسب، بل باعتباره شريعة ينظم علاقة المسلم مع نفسه ومجتمعه مسلمين وغيرِ مسلمين والمخلوقاتِ من حوله حيةٍ وغيرِ حيةٍ. إن المنظور العلمي للبيئة قاصر على دراسة البيئة الطبيعية والحيوية فحسب، خلافا لشريعة الإسلام التي تعطي بعدا ربانيا وروحانيا وأخلاقيا للمعنى البيئي، والشريعة الإسلامية بذلك لا تفتات على العلم البيئي الطبيعي والحيوي، بل تدعمه وتكمله بالمعاني الإيمانية والربانية، لتصبغه بصفة الخير والرحمة والإحسان والشعور بالامتنان للخالق المنعم المتفضل سبحانه وتعالى. إن المعطيات العلمية للبيئة الطبيعية والحيوية لم تكن قادرة يوما على حل المشاكل البيئية المعاصرة المعقدة، بل استمر التدهور البيئي بالرغم من استخدام العلوم التقنية الحديثة المتطورة في دعمها وصيانتها، ويعود السبب في ذلك إلى القصور في البعد الإيماني في التعامل مع البيئة (1) ، يقول - جل جلاله - : { أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ - قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ]العنكبوت:19-20[، قال ابن عطية: (يأمرهم الله - جل جلاله - على جهة الاحتجاج بالسير في الأرض والنظر في كل قطر وفي كل أمة قديما وحديثا) (2)
__________
(1) انظر: البيئة ومفهومها العلمي المعاصر للدكتورة رجاء وحيد دويدري ص291-302.
(2) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي (4/311)..(5/2)
للتأمل في تاريخ الصنعة الإلاهية وكيفية بدايتها من العدم ، وقال تعالى: { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } ]الأعراف:56[، قال الإمام الشوكاني: (نهاهم الله سبحانه عن الفساد في الأرض بوجه من الوجوه قليلا كان أو كثيرا، ومنه قتل الناس وتخريب منازلهم وقطع أشجارهم وتغوير أنهارهم، ومن الفساد في الأرض الكفر بالله والوقوع في معاصيه) (1) ،
__________
(1) فتح القدير للشوكاني (2/213)..(5/3)
وربط الله - جل جلاله - رحمته بالإحسان وعدم الإفساد في الأرض بعد إصلاحها مع دعائه وعبادته خوفا من عقابه وطمعا في رحمته، وقال جل ذكره: { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ]الأعراف:85[، فخلق الله الأرض صالحة للحياة، متوازنة طيبة في أصل فطرتها، منسجمة العناصر وموزونة بقدر الله وحكمه، فلا يجوز التعدي عليها وإتلافها، وقد جعل الباري - جل جلاله - الإفساد في الأرض منافيا لطريقة المؤمنين، ومنَّ الله - جل جلاله - على العباد بتمكينهم من إعمار الأرض واستثمارها، وحثهم على تنميتها ورعايتها وعدم الإسراف في مواردها، قال تعالى: { هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } ]هود:61[، وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } ]الأنعام:141[، فخلق الله الجنات المعروشات التي يتعهدها الإنسان بالحوائط والقوائم، وخلق النباتات البرية التي تنمو في أنظمتها البيئية بغير مساعدة الإنسان، وأنشأ النخل والزرع مختلف الألوان والأصناف والطعوم وخلق الزيتون والرمان منوع الصنوف متشابها وغير متشابه (1) ، فبث الله الحياة في الأرض ونوعها أيما تنوع (التنوع البيولوجى).
__________
(1) انظر: تفسير البيضاوي "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" (2/458) .(5/4)
وبالرغم من أن كلمة بيئة لم ترد في القرآن الكريم أو في السنة النبوية الشريفة، إلا أن البيئة بمعنى الأرض وما تتضمنه من مكونات غير حية من جبال وهضاب وسهول ووديان وصخور ومعادن وتربة وموارد ومياه؛ ومكونات حية ممثلة في النباتات والحيوانات سواء كانت على اليابسة أو في الماء، وما يحيط الأرض من العناصر الأساسية اللازمة لوجود الحياة على سطح الأرض؛ نجد أن البيئة بهذا المفهوم قد ورد ذكرها في القرآن الكريم في 199 آية.
البيئة مخلوقة لا خالقة وتسير وفق سنن إلهية بالغة الدقة: (1)
شاع بين كثير من الكتاب والمفكرين نسب الأفعال للطبيعة ولاسيما التي تعبر عن الخلق، كقولهم: إن الطبيعة تخلق أصنافًا عديدة من النباتات، أوقولهم: إن الطبيعة جعلت الإنسان في قمة الكائنات الحية، مما يضفي على الطبيعة بعض الصفات الإلهية، والحق أن الطبيعة بكل ما فيها ما هي إلا مخلوقة لله عز وجل، لا تقدر على فعل شيء إلا بأمر الله - جل جلاله - وإذنه، قال - جل جلاله - : { يَآ أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } ] الحج:73[.
__________
(1) انظر: موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة – مكة المكرمة (الطبيعة - المفهوم والمخالفة) للدكتور
http://www.nooran.org/O/12/12O(10).htm. أحمد محمد كنعان(5/5)
وجعل الله عز وجل لكل من مخلوقاته طبيعة خاصة وسننا ونواميس تميزه عن غيره من المخلوقات، وهذه السنن لا يمكن تغييرها أوتعديلها، قال تعالى: { فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } ]فاطر:43[، والمخلوق لا يستطيع الانفكاك عن طبيعته التي خلقه الله عليها، ولا يستطيع الخلاص من أسر السنن الكونية، لذا فإن إدراك طبيعة البيئة والسنن التي تحكمها؛ يمكِّن من تسخيرها تسخيرًا مجديًا، وإذا كان لا يمكن تعديل السنن التي قدرها الله عز وجل على البيئة، فينبغي توجيه الاهتمام للكشف عن السنن لا العمل على تعديلها وتغييرها، والاستفادة من معارضة السنن بعضها بعضا، أو تآزر بعض السنن مع بعض، من أجل الحصول على مزايا جديدة لم تكن موجودة من قبل.(5/6)
خلق الله البيئة بمقادير محددة وصفات معينة ومتوازنة؛ بما يكفل إعالة الحياة الملائمة لكل الكائنات الحية عليها، قال تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } ]القمر:49[، وقال - جل جلاله - { قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } ]الطلاق:3[، وقال جل شأنه: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } ] الفرقان:2[، وقال جل ذكره: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } ]الرعد:8[، وقال تقدست أسماؤه وصفاته: { وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } ]الحجر:19[، قال الزجاج: (جرى على وزن من قدر الله تعالى لا يجاوز ما قدره الله تعالى عليه) (1) ، فكل شيء خلقه الله تبارك وتعالى بمقدار معلوم بحسب علمه وتقديره في مصفوفة بيئية توافقية وانسجامية غاية في الدقة والتوازن مع بعضها البعض قادرة على إعالة الحياة، ويقول تبارك وتعالى: { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } ]النمل:88[، فالبيئة صنعة إلهية بالغة الدقة والإحكام في خصائصها ووظائفها كمًّا ونوعاً (2) .
__________
(1) زاد المسير لابن الجوزي (4/390)، .
(2) انظر: تفسير الطبري "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" (20/21)، تفسير الآلوسي "روح المعاني" (20/34).(5/7)
إن مكونات البيئة وعناصرها كلها مفيدة ومتوازنة مع بعضها البعض في أصل فطرتها، ولطالما ظلت هذه المكونات والعناصر محتفظة بخصائصها الكمية والنوعية كما خلقت دون تغيير جوهري يذكر؛ حتى تدخل الإنسان بتقنياته المعاصرة في البيئة متعمدا أو جاهلا فأحدث فيها تغييرات جسيمة كماًّ ونوعاً أخلت بخصائصها ووظائفها وتوازنها؛ فأفرزت الكثير من العناصر الضارة التي تهدد الحياة على سطح الأرض، فأصبحت المحافظة على مكونات البيئة وعناصرها كما خلقها الله سبحانه وتعالى ضرورة علمية وشرعية وأخلاقية (1) .
__________
(1) انظر: قضايا بيئية معاصرة ص 356-359.(5/8)
لم يخلق الله - جل جلاله - شيئا في هذا الوجود عبثا ولا لعبا، قال تعالى: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ } ]الأنبياء:16[، وقال تعالى: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ َوالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ - مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } ]الدخان: 38-39[، وقال جل شأنه: { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } ]آل عمران:191[، وقال - جل جلاله - : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } ]الحجر:85[، وقال سبحانه وتعالى: { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ } ]الروم:8[، وقال - جل جلاله - : { مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ } ]الأحقاف:3[، وقال جل شأنه: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ - لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ - بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ - وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ } ]الأنبياء:16-19[، وقال - جل جلاله - : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ - مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا(5/9)
يَعْلَمُونَ } ]الدخان:38-39[، قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه خلق السموات والأرض بالحق أي بالعدل والقسط ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى وأنه لم يخلق ذلك عبثا ولا لعبا) (1) ، وما ترك الله - جل جلاله - الإنسان على غير هدى بل أرسل له الرسل والأنبياء مبشرين ومنذرين وهادين ينيرون له الطريق ويرشدونه إلى شكر نعمة الله.
البيئة مسخرة للإنسان:
__________
(1) تفسير ابن كثير"تفسير القرآن العظيم" (3/175-176).(5/10)
خلق الله سبحانه وتعالى البيئة بأرضها وسمائها ومائها وهوائها وجمادها ونباتها وحيواناتها، وما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، كل ذلك خلقه الله تبارك وتعالى مسخراً مذللاً للإنسان يعتصر منافعه من بين ثناياها، فهي خلقت له ومن أجله، إلا أن طول إِلْفِ الإنسان لحياته على سطح الأرض وسهولة استقراره واستغلاله لتربتها ومائها وهوائها وكنوزها نسي فضل الله عليه بتذليلها وتسخيرها له (1) ، قال تعالى: { اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ - وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ - وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } ]إبراهيم:32-34[، قال البيضاوي: (جعلها معدة لانتفاعكم وتصرفكم، وقيل: تسخير هذه الأشياء تعليم كيفية اتخاذها) (2) ،
__________
(1) انظر: تفسير النسفي (2/231)، تفسير البغوي (3/36)، تفسير السمعاني (3/118)، تفسير أبي السعود (5/ 48).
(2) تفسير البيضاوي "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" (3/350)..(5/11)
وقال - جل جلاله - : { وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ يَهْتَدُونَ - وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ - أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ - وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } ]النحل:15-18[، وقال جل ذكره: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } ]تبارك: 15[، فالأرض مذللة للإنسان ليتنقل عليها ماشيا وعلى دابته وفلكه، وليزرع ويجني ثمارها وحصادها، وليمارس عليها حياته كاملة وينعمَ بليلها ونهارها وسمائها وشمسها وقمرها ونجومها وهوائها ومائها وتربتها ودوابها، قال الله تعالى: { وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ - وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ - وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ]النحل:12-14[، وقال الله - جل جلاله - : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى - كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى - مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } ]طه: 53-55[،وقال جل شأنه: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ(5/12)
أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ - وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ - وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ } ]يس: 71-73[، وقال تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ - وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ - لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ } ]الحج:65-67[، وقال تعالى: { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِير } ٍ ]لقمان:20[ وقال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ]الجاثية:12-13[ ، وقال تعالى: { اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ - وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } ]إبراهيم:32-33[.(5/13)
فيعرض القرآن العظيم عجيب التناسق بين حاجات الإنسان على الأرض وتركيب هذا الكون، إذ يسخر الله - جل جلاله - الكون الهائل ومدخراته لمخلوقاته الضعيفة على سطح الأرض، وكما خلق الله الكون مكن الإنسان مما تزخر به الأرض من كنوز ظاهرة وباطنة، فبات مغمورا بنعم الله الوافرة التي خلقها الله له، يتقلب فيها كيفما شاء.
الإنسان مستخلف في الأرض: (1)
__________
(1) انظر: البيئة من منظور إسلامي: د/صالح محمود وهبي، دار الفكر، دمشق – سورية، ط1، 2004م، ص94.(5/14)
إن الإنسان مستخلف في إدارة البيئة واستثمارها وإعمارها، فهو أمين ووصي على البيئة لا المالك المطلق لها، فيجب عليه أن يتصرف فيها - باعتبارها أمانة- على الوجه الذي يرضي مالكها ملك الملوك سبحانه وتعالى؛ بحسن استغلالها وصيانتها والمحافظة عليها من التدمير والتخريب. إن مفهوم رعاية البيئة في الإسلام يتميز بالشمول لأنه نابع من الاستخلاف في الأرض، فعلاقة المؤمن ببيئته تتميز بالرحمة والحنان والمودة والصداقة والصبر على الضراء والشكر على النعماء، والشعور بعظيم الامتنان للخالق المبدع الحنان المنان على عطائه ومنه وكرمه، قال تعالى: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } ]الأعراف:10[، وقال تعالى: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ - ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } ]يونس:13-14[، وقال جل شأنه: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } ]الأنعام:165[، وقال سبحانه تعالى: { هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } ]هود:61[، أي يخلف كل جيل من سبقه، فجدير بمن يمضي أن يحسن مقامه على الأرض ليترك وراءه الذكر الجميل، قال الإمام النسفي: (جعلكم خلفاء في أرضه، قد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها، وأباح منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة) (1) ،
__________
(1) تفسير النسفي (3/345)..(5/15)
وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها فَيَنْظُر كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فإن أَوَّلَ فِتْنَةِ بنى إِسْرَائِيلَ كانت في النِّسَاءِ" (1) . إن سلوك المؤمن تجاه بيئته نابع من التزامه تجاه خالقه، فيقابل إحسان الخالق إليه بحسن التصرف مع مخلوقاته، قال تعالى: { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } ]القصص: 77[ ، قال ابن كثير: (أي أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك، ولا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض وتسيء إلى خلق الله) (2) .
قهر الطبيعة:
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه(كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار – باب أكثر أهل الجنة الفقراء 4/2098)، والترمذي في سننه(كتاب الفتن – بَاب ما جاء ما أَخْبَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَصْحَابَهُ بِمَا هو كَائِنٌ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ 4/483)، وابن ماجة في سننه (كتاب الفتن – باب فتنة النساء 2/1325)، والنسائي في السنن الكبرى(كتاب عشرة النساء - ذكر الاختلاف على أبي رجاء في هذا الحديث 5/400)، والبيهقي في السنن الكبرى(كتاب الجنائز –باب ما ينبغي لكل مسلم أن يستعمله من قصر الأمل والاستعداد للموت 3/369)، وفي (كتاب النكاح – باب ما يتقى من فتنة النساء 7/91)، والطبراني في معجمه الأوسط(من اسمه علي 4/140). وأحمد في مسنده(3/7-19-22-61)،
(2) تفسير ابن كثير"تفسير القرآن العظيم" (3/400).(5/16)
إن الإسلام لا يجعل المؤمن في حالة عداوة ومواجهة مع الطبيعة لقهرها، وكل ما يلحق الإنسان من ضرر البيئة والطبيعة فذلك بما كسبت يداه وقدره الله عليه، لا لعداوة وكراهية الطبيعة له، قال الله - جل جلاله - { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ]الروم:41[، وأي اكتشاف لسنن الطبيعة ليس قهرا لها وانتصارا عليها، لأن الله عز وجل لم يجعلها عَصِيَّة على البشر، بل سخرها لهم كما بينا آنفا، والاعتقاد بعداوة الطبيعة يتنافى مع المنظور الإسلامي، لأن الطبيعة فضل ومنة وعطاء من الله لابن آدم، فعليه أن يشكر الله عز وجل كلما وفّقه لاكتشاف سنة من سنن الطبيعة التي سخرها له، وقد أخبر الله تعالى أنه سيري العباد آياته في الآفاق ليهتدوا بها إلى الحق، قال جل ذكره: { سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا في الآفَاقِ وَفي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّه عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } ]فصلت:53[، ولا يكشف الإنسان من نواميس الكون شيئا إلا بإذن الله عز وجل.
المحافظة على الوجود الفطري عبادة ومصلحة:(5/17)
إن المحافظة على الوجود الفطري في المنظورالإسلامي ليس تحقيقا للمصلحة وحسب؛ بل عبادة تعبدنا الله - جل جلاله - بها، فمقاصد الشريعة الإسلامية في تحقيق الضروريات الخمس- حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال - تدور عليها الأحكام الشرعية تحقيقا للعبادة لله وحده، ولو لم يكن من وراء خلق الإنسان إلا تمتيعه بالضروريات الخمس؛ للزم أن تنتهي مقاصد خلق الإنسان بطي حياته، ويكون نعيم الآخرة وعذابها ليسا إلا حافزين لتحقيق هذه المصالح فقط، وهو عين العبث الذي نفاه الله عز وجل عن ذاته وتنزه عنه، لأن الناس لا يحتاجون إلى هذه المصالح إلا بعد وجودهم، وهي بمجردها لا تصلح علة لخلقهم، فمن العبث أن يخلق الإنسان لمجرد حفظ حياته وعقله ونسله وماله ودينه، فمقصد خلق الله الإنسان من العدم العبادة لله وحده ثم النهوض بعمارة الكون تعبدا، قال الله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ } ]الذاريات:56[، وقال تعالى: { هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } ]هود:61[.(5/18)
إن معالجة البيئة وحمايتها ورعايتها معالجة تشريعية تجعلها تستمد مصداقيتها من حقائق تشريعية إلهية، إذ تنفرد الشريعة الإسلامية عن النظم القانونية الوضعية بخاصية الربانية والعموم والشمول لكل زمان ومكان، فما من نازلة في حياة البشر إلا وللشريعة فيها حكم، إما بدلالة مفصلة أومجملة من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، فرعاية البيئة وحمايتها وتنمية مواردها يجب أن يكون بقصد التعبد وليس لمجرد تحقيق المصلحة، يقول الإمام الشاطبي : (فقد يعمل العمل قاصدا للمصلحة غافلا عن امتثال الأمر فيها، فيشبه من عملها من غير ورود أمر، والعامل على هذا الوجه عمله عادي، فيفوت قصد التعبد وقد يستفزه فيه الشيطان فيدخل عليه قصد التقرب إلى المخلوق أو الوجاهة عنده أو نيل شيء من الدنيا أو غير ذلك من المقاصد المردية بالأجر، وقد يعمل هنالك لمجرد حظه فلا يكمل أجره كمال من يقصد التعبد) (1) ، فبذلك يتجلى عظم قدر العبودية والالتزام الإيماني في رعاية البيئة وحمايتها في الإسلام، فلا ينبغي أن تنطلق رعاية البيئة من المصلحة المحضة وحسب بل لابد الانطلاق من العبودية لله وعمارة الأرض.
المصلحة لغة: تطلق المصلحة في اللغة بإطلاقين:
الإطلاق الأول :
__________
(1) الموافقات للشاطبي (2/374).(5/19)
المصلحة بمعنى المنفعة مصدر بمعنى الصلاح، أواسم للواحدة من المصالح كالمنفعة اسم للواحدة من المنافع، والمصلحة ضد المفسدة، فكل ما كان فيه نفع سواء بالجلب والتحصيل أو بالدفع والاتقاء يسمى مصلحة، قال ابن منظور: (الإصلاح نقيض الإفساد والمصلحة الصلاح والمصلحة واحدة المصالح، والاستصلاح نقيض الاستفساد، وأصلح الشيء بعد فساده أقامه، وأصلح الدابة أحسن إليها فصلحت، وفي التهذيب تقول أصلحت إلى الدابة إذا أحسنت إليها) (1) .
الإطلاق الثاني :
كما تطلق المصلحة على ذات الفعل الجالب للنفع والدافع للضرر إطلاقا مجازيا؛ من باب إطلاق المسبب على السبب، فيطلق لفظ المصلحة الحاصلة بسبب الفعل على الفعل الذي هو سبب لها، فيقال: التجارة مصلحة وطلب العلم مصلحة بمعنى أنهما سبب للمصلحة.
المصلحة شرعا:
عرف الأصوليون المصلحة في موضعين في كتب الأصول :
الموضع الأول :
عرف الأصوليون المصلحة عند ذكر المناسب بأنها الوصف الظاهر المنضبط المناسب المتعدي الذي يترتب عليه شرع حكم لجلب مصلحة أو دفع مفسدة، يقول الآمدي: (وصف ظاهر منضبط يلزمُ من ترتيب الحكمِ على وفقِهِ حصولُ ما يصلحُ أن يكونَ مقصوداً من شرعِ ذلك الحكمِ، سواء كانَ ذلك الحكمُ نفياً أو إِثباتاً، وسواء كانَ ذلك المقصودُ جلبَ مصلحةٍ أو دفعَ مفسدةٍ) (2) ، أي أن الذي يترتب على شرع الحكم عند هذا الوصف هو ما يصلح أن يكون مقصود الشارع في جلب المصلحة ودفع المفسدة، وهذا تعريف للمصلحة بالفعل الذي اشتمل عليها، فهو من باب إطلاق السبب وإرادة المسبب.
أما الموضع الثاني :
__________
(1) لسان العرب لابن منظور (2/517)، وانظر: تاج العروس (6/548)، تهذيب اللغة (4/142)، القاموس المحيط (1/293)، كتاب الكليات لأبي البقاء الكفومي (1/560) .
(2) إحكام الأحكام للآمدي (3/294) .(5/20)
كما يذكر الأصوليون المصلحة عند الكلام عنها باعتبارها دليلا شرعيا قائما بذاته، يقول الإمام الغزالي : (أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة) (1) . ولابد أن تكون المصلحة مقصودة للشارع الحكيم لاعتبارها، فإن المعيار في المصالح والمفاسد يرجع إلى مقصد الشارع وأدلته لا لأهواء الناس وشهواتهم، يقول الإمام الشاطبي : (المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية) (2) .
الشريعة الإسلامية تكفلت بمصالح العباد:
__________
(1) المستصفى للغزالي (1/174) .
(2) الموافقات للشاطبي (2/37) .(5/21)
إن مقاصد الشريعة تحقيق السعادة الحقيقية للعباد في الدنيا والآخرة، يقول الإمام الشاطبي: (والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع) (1) . وساق الفقهاء قواعد فقهية موجزة تؤسس للمصلحة في التشريع الإسلامي من ذلك (الأصل في المنافع الحل وفي المضار التحريم) و(لا ضرر ولا ضرار) و(الضرر يزال) و(لا يزال الضرر بمثله) و( يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) و(التصرف على الرعية منوطة بالمصلحة). فالشريعة الإسلامية مبنية على تحقيق المصلحة وحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله، يقول الإمام الغزالي : (نحن نجعل المصلحة تارة علماَ على الحكم ونجعل الحكم أخرى علماً لها) (2) ، فرعاية الشريعة للمصالح أمر كلي وأصل من الأصول، والشريعة جاءت لرفع الحرج ودفع الضرر، فحيث وجدت المصلحة فثم شرع الله، يقول ابن القيم: (فإن الشريعة مَبْنَاها وأساسَهَا على الحِكَمِ ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عَدْل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة) (3) . وتحقيق المصالح يختلف باختلاف الظروف، فما يعد مصلحة في ظروف معينة لا يعد كذلك في ظروف أخرى، وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي: (إن الشأن في معظم المنافع والمضار أن تكون إضافية لا حقيقية، فهي منافع ومضار في حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص، أو وقت دون وقت) (4) ،
__________
(1) المصدر السابق (2/37) .
(2) المنخول (1/355) .
(3) أعلام الموقعين لابن القيم (3/3) .
(4) الموافقات للشاطبي (2/39) ..(5/22)
كذلك تُرتب المصالح التي يقصدها الشارع بحسب أهميتها، فيقدم ما هو ضروري على الحاجي، والحاجي على التحسيني، بل إن الضرورات ليست في مرتبة واحدة، فلا تراعى ضرورة إذا كان في مراعاتها إخلال بضرورة أهم منها، وكذلك الحاجيات والتحسينات.
مقاصد الشريعة في رعاية الوجود الفطري : (1)
أولا: تحقيق الضروريات:
1- حفظ الدين: إن الاعتداء على البيئة إفساد في الأرض يتنافى مع حفظ الدين، ويناقض مهمة الإنسان في العبادة وعمارة الكون التي أمر الله عز وجل بها، قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ - وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ } ]البقرة: 204-205[.
2- حفظ النفس: من ناحية الوجود شرع الله - جل جلاله - لحفظ النفس إباحة أصل الطعام والشراب والمسكن مما يتوقف عليه بقاء الحياة، ومن حيث العدم شرع عقوبة الدية والقصاص، ومما لا ريب فيه أن فساد البيئة وعدم المحافظة عليها واستنزاف مواردها والإخلال بتوازنها يهدد حياة الإنسان ويصيبه بالأمراض بما يتنافى مع حفظ النفس. قال تعالى: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ]البقرة:195[، وقال تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ]الأنعام:151[.
__________
(1) انظر: المستصفى للغزالي(1/174-175)، الموافقات للشاطبي (1/77)،(2/21)، الاعتصام(2/37-38)، الإحكام للآمدي(4/286)، الفروق مع هوامشه للقرافي(4/355-356) .(5/23)
3- حفظ العقل: كما حرم الله - جل جلاله - لحفظ العقل من ناحية العدم المسكرات والمخدرات وشرع العقوبة عليهما، فإفساد البيئة بالتلوث والاستنزاف يتلف جسم الإنسان بما فيه دماغه، وقد يسبب له السرطان ويشوه جيناته، ومن ناحية الوجود أمره بالنظر والاستقراء والاستنتاج حفاظا على عقله ..
4- حفظ النسل: كما شرع الله - جل جلاله - لحفظ النسل من ناحية الوجود النكاح وأحكام الحضانة والنفقات، ومن ناحية العدم حرم الزنا ووضع الحدود عليها، والاعتداء على البيئة يهدد النسل بما يحمله من أسباب الهلاك والدمار باستنزاف الموارد الطبيعية المدخرة، والإخلال بالتوازن البيئي يهدد النسل في الحاضر والمستقبل، فيجب المحافظة على البيئة ورعايتها للأجيال الحاضرة والمستقبلة، فلا يصح أن ينعم جيل بالخير والعافية والصحة على حساب الأجيال القادمة، وأن يستنفد مصادر الرزق، فعن سعد بن أبي وقاص - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ من أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ الناس" (1) .
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الجنائز- بَاب رثى النبي - صلى الله عليه وسلم - سَعْدَ بن خَوْلَةَ 1/435) وفي(كتاب المغازي-باب حجة الوداع 4/1600)، وفي(كتاب الدعوات- باب التعوذ من أرذل العمر5/2343)، ومسلم في صحيحه(كتاب الوصية-باب الوصية بالثلث 3/1251)، وابن ماجة في سننه(كتاب الوصايا-باب النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الممات 2/903)، ومالك في الموطأ(كتاب الوصية-باب الوصية في الثلث لا تتعدى2/763).(5/24)
5- حفظ المال: شرع الله - جل جلاله - لحفظ المال من ناحية الوجود أصل المعاملات المختلفة بين الناس، ومن ناحية العدم حرم السرقة وأوجب العقوبة عليها، والمال كل ما يتموله الإنسان ويحرص على كسبه واقتنائه، فالأرض والشجر والزرع والمرعى والمسكن والأثاث والمعادن والنفط مال متمول، والمحافظة على البيئة ومواردها من الإتلاف والاستنزاف محافظة على المال بكل أجناسه وأنواعه، ومن أعظم المشكلات البيئية المعاصرة استنزاف الموارد الطبيعية بما يهدد البشرية في مستقبلها.
فرعاية البيئة والمحافظة عليها يحقق مقاصد الشريعة بحفظ الضروريات الخمس، وإفساد البيئة وتلوثها واستنزاف مواردها الطبيعية والإخلال بتوازنها يخالف المقاصد التشريعية التي أمر الشارع الحكيم برعايتها، قال تعالى: { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } ]الأعراف:56[ ، قال أبو حيان الأندلسي: (وهذا نهي عن إيقاع الفساد في الأرض وإدخال ماهيته في الوجود، فيتعلق بجميع أنواعه من إفساد النفوس والأنساب والأموال والعقول والأديان ومعنى { بَعْدَ إِصْلاحِهَا } بعد أنْ أصلح الله خلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق ومصالح المكلفين، وما روي عن المفسّرين من تعيين نوع الإفساد والإصلاح ينبغي أن يحمل ذلك على التمثيل، إذ ادّعاءه تخصيص شيء من ذلك لا دليل عليه، كالظلم بعد العدل أو الكفر بعد الإيمان أوالمعصية بعد الطاعة، أوبالمعصية يمسك الله المطر ويهلك الحرث بعد إصلاحها بالمطر والخصب، أوبقتل المؤمن بعد بقائه، أوبتكذيب الرّسل بعد الوحي، أوبتغوير الماء المعين وقطع الشجر والثمر ضراراً، أو بقطع الدنانير والدراهم، أو بتجارة الحكام، أو بالإشراك بالله بعد بعثة الرسل وتقرير الشرائع وإيضاح الملة) (1) .
ثانيا: تحقيق الحاجيات:
__________
(1) تفسير البحر المحيط (4/313) .(5/25)
إن جانباً من المصالح البيئية المشمولة بحماية التشريع الإسلامي هي مصالح حاجية يلزم عن فواتها حرج ومشقة، أي أنها مصالح ليست ضرورية للحفاظ على أصول المصالح الكلية، وإنما هي مصالح مكملة، كالحفاظ على نظافة البيئة وصحتها، إذ أن عدم الحفاظ على نظافة البيئة وصحتها لن يفوِّت مصلحة من المصالح الضرورية، إلا أن الحفاظ على المصالح الضرورية لا يكون أكمل وأتم إلا إذا روعيت مصلحة الإنسان في صحة بيئته ونظافتها، كالأمر بتنظيف البيوت والأفنية والطرقات، فعن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَبُولَنَّ أحدكم في الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ منه" (1) ، وعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:"اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قالوا وما اللَّعَّانَانِ يا رَسُولَ اللَّهِ قال الذي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ الناس أو في ظِلِّهِمْ". (2)
ثالثا: تحقيق التحسينات:
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الطهارة- باب النهي عن البول في الماء الراكد1/253)، ومسلم في صحيحه(كتاب الطهارة-باب النهي عن البول في الماء الراكد1/235)، وأبوداود في سننه(كتاب الطهارة- باب لايجنب الماء1/18)، والنسائي في سننه المجتبى(كتاب الطهارة- باب النهي عن البول في الماء الراكد 1/125، وباب الماء الدائم 1/49)، وفي(كتاب الغسل والتيمم-باب ذكر نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم 1/197)، وأحمد في مسنده (2/346-362).
(2) رواه ومسلم في صحيحه(كتاب الطهارة- بَاب النَّهْيِ عن التَّخَلِّي في الطُّرُقِ وَالظِّلالِ 1/226)، وابن خزيمة في صحيحه (جماع أبواب الآداب- باب النهي عن التغوط على طريق المسلمين وظلهم1/37)، وأحمد في مسنده(2/372).(5/26)
إن جانباً من المصالح البيئية المشمولة بحماية التشريع الإسلامي هي من المصالح التحسينية، فهي ليست ضرورية للحفاظ على المقاصد الكلية، ولا يلزم من عدم تشريعها حرج شديد ولا مشقة زائدة، كالحفاظ على جمال البيئة وبهائها ورونقها، كمنع قطف وردة تسبح لله غرستها الدولة لتجميل البلد وإدخال البهجة والسرور على مواطنيها، ومنع إلقاء المهملات في الطرق والحدائق، وهذه الحماية تجري مجرى التحسين والتزيين.
وفي حال المساس بالبيئة والاعتداء عليها فإن الشريعة الإسلامية تلزم المعتدي التعويض إذا أحدث ضررا بالبيئة، قال ابن جزي: ( وكل من فعل ما يجوز له فعله فتولد منه تلف لم يضمن، فإن قصد أن يفعل الجائز فأخطأ ففعل غيره أو جاوز فيه الحد أو قصر فيه عن الحد فتولد منه تلف يضمنه) (1) ، ويقول القرافي:( قاعدة الجوابر والزواجر من قواعد الشرع، وقد توجد الزواجر بلا جبركالحدود، والجوابر بلا زجر كتضمين الصبي والمجنون، وقد يجتمعان نحو كفارة الظهار). (2)
ولم تقتصر الشريعة الإسلامية في حماية الوجود الفطري بالثواب للمحسنين والعقاب للمسيئين، بل تعدت ذلك إلى جعل التعامل مع البيئة خلقا وسلوكاً حميداً يجب أن يلتزم به المسلم ويراقب في أدائه ربه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: (لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها). (3)
دعوة الإسلام في حماية الوجود الفطري:
(1) الدعوة إلى الاقتصاد ونبذ الإسراف:
__________
(1) القوانين الفقهية لابن جزي (1/221).
(2) الذخيرة للقرافي (12/260) .
(3) رواه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء(6/136)، وابن عساكر في تاريخ دمشق(35/215)، والبيهقي في شعب الإيمان(6/31)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية(10/226)، والغزالي في إحياء علوم الدين(2/349).(5/27)
إن الإسلام دين الوسطية والاعتدال، دون إفراط أو تفريط أو إسراف أو تقتير، فحذر الشارع الحنيف من التوسع في الترف، لما فيه من الضرر، وما يصاحبه عادة من الفساد والانحراف عن الجادة، فالإسراف سلوك غير حضاري يتجاوز ضوابط الشريعة، كالإسراف في الطعام والشراب والمياه والكهرباء، واستنزاف الثروات البيئية بالاستخدام المفرط لمواردها النباتية والحيوانية، كالتعدي على الأراضي الزراعية وتجريفها وتعريضها للتصحر والرعي الجائر النابع من الأنانية والجهل وعدم الحكمة والتبصر في تحمل المسئولية، وتبديد نعمة الله التي سخرها لمصالح البشر، فنهى سبحانه وتعالى عن الإسراف في استنزاف الموارد وهدرها ، فقال تعالى: { وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } ]الأعراف:31[، وقال الله - جل جلاله - : { وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } ]الفرقان:67[، وقال تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } ]الإسراء:33[، وقال جل ذكره: { وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } ]الأنعام:141[، وذم الله - جل جلاله - المسرفين وبين عاقبة مسلكهم، فقال تعالى: { ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ } ]الأنبياء:91[، وقال جل شأنه: { وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ - الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ } ]الأنعام:151-152[، وعن أبي جحيفة - رضي الله عنه - قال: أكلت ثريدة من(5/28)
خبز بر ولحم سمين ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعلت أتجشأ، فقال:" ما هذا؟ كف من جشائك! فإن أكثر الناس في الدنيا شبعا أكثرهم في الآخرة جوعا" (1) ، وعن مِقْدَامِ بن مَعْدِي كَرِبَ قال سمعت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ما مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا من بَطْنٍ، بِحَسْبِ بن آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كان لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ" (2) ،
__________
(1) رواه الحاكم في مستدركه(كتاب الأطعمة 4/135) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، كما رواه في(كتاب الرقاق 4/346) وقال صحيح، والطبراني في معجمه الكبير(22/132)، وفي معجمه الأوسط(4/113)، والبيهقي في شعب الإيمان(5/26)، وابن المبارك في الزهد(1/213).
(2) رواه الترمذي في سننه(كتاب الزهد-باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل4/590) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة في سننه(كتاب الأطعمة-باب الاقتصاد في الأكل وكراهية الشبع 2/1111)، والنسائي في سننه الكبرى(كتاب آداب الأكل-باب النهي عن رفع الصحفة حتى تلعق 4/177)، و الحاكم في مستدركه(كتاب الرقاق 4/367) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وابن حبان في صحيحه(كتاب الأطعمة-ذكر وصف أكل المسلمين12/41)، والطبراني في معجمه الكبير(20/279)، وأحمد في مسنده(4/132)..(5/29)
وجعل القرآن الكريم الماء عصب الحياة، فقال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ } ]الأنبياء:30[، عن أَنَس - صلى الله عليه وسلم - قال:( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَغْسِلُ أو كان يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ) (1) ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الوضوء، فتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا ثلاثا، فقال: "من زاد فقد أساء وظلم أو اعتدى وظلم" (2) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الوضوء- باب الوضوء من التور1/84)، ومسلم في صحيحه(كتاب الحيض-باب استحباب إفاضة الماء على الرأس1/258)، وأبوداود في سننه(كتاب الطهارة- باب ما يجزئ من الماء في الوضوء1/23).
(2) رواه وأبوداود في سننه(كتاب الطهارة- باب الوضوء ثلاثا ثلاثا 1/23)، وابن ماجة في سننه(كتاب الطهارة وسننها- باب ما جاء في القصد في الوضوء1/146)، والنسائي في سننه المجتبى(كتاب الطهارة- باب الاعتداء في الوضوء1/88)، والنسائي في سننه الكبرى(أبواب الوضوء- باب الاعتداء في الوضوء1/82، وفي باب عدد مسح الرأس 1/102)، وابن خزيمة في صحيحه (جماع أبواب الوضوء وسننه- باب التغليظ في غسل أعضاء الوضوء أكثر من ثلاث والدليل على أن فاعله مسيء ظالم أو متعد ظالم 1/89)، وابن الجارود في المنتقى(باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - 1/30). قال الإمام النووي: (هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره بأسانيدهم الصحيحة والله أعلم) شرح النووي على صحيح مسلم (3/129) ..(5/30)
فالحفاظ على الماء واجب، وتبديده خطيئة، واتفق العلماء على أن الإسراف في ماء الوضوء مكروه (1) , وحد الإسراف أن يستعمل الماء زيادة على الإسباغ بإبلاغ الماء مواضعه، قال العدوي في حاشيته:( فَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَقْدِرُ على الإِسْبَاغِ أَنْ يُقَلِّلَ الْمَاءَ وَلا يَسْتَعْمِلَ زِيَادَةً على الإِسْبَاغِ) (2) .
__________
(1) انظر: البحر الرائق(1/24)، حاشية ابن عابدين(1/132)، إعانة الطالبين(1/51)، الإقناع للشربيني(1/50)، روضة الطالبين(1/59)، (1/)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (1/140-262)، الكافي في الفقه الحنبلي(1/33)، المغني لابن قدامة(1/142)، الإنصاف للمرداوي (1/136).
(2) حاشية العدوي(1/205).(5/31)
2) كما أمر الإسلام بالمحافظة على الكائنات الحية والإحسان إليها، فقد أمر الله - جل جلاله - نوحا - عليه السلام - أن يحمل معه على السفينة من كل زوجين اثنين حفاظا على المخلوقات الحية من خطر الفناء بالطوفان، قال تعالى: { حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } ]هود:40[، وقال تعالى: { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ } ]المؤمنون:27[، وهذا توجيه للمؤمنين بقيمة حياة الكائنات الحية على سطح الأرض ليصونوها ويحافظوا عليها، وعن عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:"بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عليه الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ منها ثُمَّ خَرَجَ، فإذا هو بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى من الْعَطَشِ. فقال: لقد بَلَغَ هذا مِثْلُ الذي بَلَغَ بِي، فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ الله له فَغَفَرَ له". قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لنا في الْبَهَائِمِ أَجْرًا. قال:"في كل كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" (1) .
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب المساقاة- باب فضل سقي الماء2/833) وفي(كتاب المظالم-باب أفنية الدور 2/870) وفي(كتاب الأدب-باب رحمة الناس والبهائم 5/2238)، ومسلم في صحيحه(كتاب السلام-باب فضل ساقي البهائم 4/1761)، وأبوداود في سننه(كتاب الجهاد- باب ما يؤمر به من القيام على الدابة3/24)..(5/32)
وفي نملة ضعيفة ينزل الله وحياً إلى نبي من أنبيائه في شأنها، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "نَزَلَ نَبِيٌّ من الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ من تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى الله إليه فَهَلا نَمْلَةً وَاحِدَةً " (1) ، وفي رواية: "أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً من الأُمَمِ تُسَبِّحُ ؟" (2) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب بدء الخلق- باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم3/1206)، ومسلم في صحيحه(كتاب السلام-باب النهي عن قتل النمل 4/1759)، وأبوداود في سننه(كتاب الأدب- باب في قتل الذر4/367)، والنسائي في سننه المجتبى(كتاب الصيد والذبائح- باب قتل النمل 7/211)، وأحمد في مسنده(2/313).
(2) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الجهاد- بَاب إذا حَرَّقَ الْمُشْرِكُ الْمُسْلِمَ هل يُحَرَّقُ 5/290) ومسلم في صحيحه(كتاب السلام-باب النهي عن قتل النمل 4/1759)، وأبوداود في سننه(كتاب الأدب- باب في قتل الذر4/367)، والنسائي في سننه المجتبى(كتاب الصيد والذبائح- باب قتل النمل 74/210)، وابن ماجة(كتاب الصيد-باب ما ينهى عن قتله2/1075)، وأحمد في مسنده(2/402)، وأبويعلى في مسنده(10/227-233-419)..(5/33)
فحرص الإسلام بأوامره ونواهيه على المحيط الحيوي، وعرف المؤمن بقدر الحياة على ظهر الأرض، فعن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حتى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ"، قال: فقال وَاللَّهُ أَعْلَمُ: "لا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا ولا سَقَيْتِهَا حين حبستها، ولا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ من خَشَاشِ الأرض" (1) -هوامها وحشراتها- ، وعن عَمْرِو بن الشَّرِيدِ قال سمعت الشَّرِيدَ يقول: سمعت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إلى اللَّهِ عز وجل يوم الْقِيَامَةِ يقول يا رَبِّ إِنَّ فُلانًا قَتَلَنِي عَبَثًا ولم يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ" (2) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب بدء الخلق- بَاب خَمْسٌ من الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ في الْحَرَمِ 3/1205) وفي(كتاب الأنبياء-باب حديث الغار3/1284)، ومسلم في صحيحه(كتاب البروالصلة-باب تحريم تعذيب الهرة 4/2022)، والدارمي في سننه(كتاب الرقاق- باب دخلت امرأة النار في هرة 2/426.
(2) رواه النسائي في سننه المجتبى(كتاب الضحايا- باب من قتل عصفورا بغير حقها7/239)، وابن حبان في صحيحه(كتاب الذبائح-باب ذكر الزجر عن ذبح المرء شيئا من الطيور عبثا دون القصد في الانتفاع به 13/214)، وأحمد في مسنده(4/389)، والطبراني في معجمه الكبير(7/317)، والبخاري في التاريخ الكبير(4/277)، والدولابي في الكنى والأسماء(2/542)، قال الشوكاني: وهو حديث مروي من طرق قد صحح الأئمة بعضها. السيل الجرار(4/380)..(5/34)
وقال الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:( فلما كان قَتْلُ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ من الْبَهَائِمِ مَحْظُورًا إلا بِمَا وَصَفْتُ؛ كان عَقْرُ الْخَيْلِ وَالدَّوَابِّ التي لا رُكْبَانَ عليها من الْمُشْرِكِينَ دَاخِلا في مَعْنَى الْحَظْرِ خَارِجًا من مَعْنَى الْمُبَاحِ). (1)
__________
(1) الأم للشافعي (4/259).(5/35)
3) وحث الإسلام على استزراع النباتات ورعايتها والمحافظة عليها، عن أَنَس رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "ما من مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أو يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ منه طَيْرٌ أو إِنْسَانٌ أو بَهِيمَةٌ إلا كان له بِهِ صَدَقَةٌ" (1) ، وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - :"من كانت له أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أو لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ" (2) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب المزارعة- بَاب فضل الزراعة والغرس 2/817)، ومسلم في صحيحه(كتاب المساقاة- بَاب فضل الزراعة والغرس 3/1189)، والترمذي في سننه(كتاب الأحكام- بَاب فضل الغرس 3/666).
(2) رواه البخاري في صحيحه (كتاب المزارعة- بَاب ما كان أَصْحَاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يُوَاسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا في الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَرَةِ 2/825)، ومسلم في صحيحه(كتاب البيوع- بَاب كراء الأرض 3/1178)، وابن ماجة في سننه(كتاب الرهون- بَاب المزارعة بالثلث والربع 2/820)، وأبوعوانة في مسنده(كتاب البيوع-باب باب ذكر الأخبار الناهية عن كراء الأرض وإيجاب منحها وإعادتها إذا استغنى عنها صاحبها3/322)..(5/36)
وعن أنس بن مَالِكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "إن قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فإن اسْتَطَاعَ أن لاَ يَقُومَ حتى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ" (1) ، كما نهى الشارع الحنيف عن قطع الأشجار بغير حق، فعن عبد اللَّهِ بن حُبْشِيٍّ الخثعمي قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - :"من قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ الله رَأْسَهُ في النَّارِ" (2) ، وسئل أبو دَاوُد عن معني هذا الحديث، فقال: (هذا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ يَعْنِي من قَطَعَ سِدْرَةً في فَلاةٍ يَسْتَظِلُّ بها ابن السَّبِيلِ وَالْبَهَائِمُ عَبَثًا وَظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ يَكُونُ له فيها صَوَّبَ الله رَأْسَهُ في النَّارِ).
__________
(1) رواه أحمد في مسنده(3/191)، وأبو داود الطيالسي في مسند(1/275)، والبخاري في الأدب المفرد(باب اصطناع المال1/168)، والضياء المقدسي في المختارة(7/262) وقال: إسناده صحيح، وعبد بن حميد في المنتخب(1/366)، وقال الهيثمي:(رواه البزار ورجاله أثبات ثقات، وكأنه أراد بقيام الساعة: أمارتها فإنه قد ورد: "إذا سمع أحدكم بالدجال وفي يده فسيلة فليغرزها فإن للناس عيشاً بعد") مجمع الزوائد(4/63).
(2) رواه أبوداود في سننه(كتاب الأدب-باب من قطع السدر4/361)، والنسائي في سننه الكبرى(قطع السدر5/182)، والطبراني في معجمه الأوسط(3/50)، وقال الهيثمي:( رواه أبو داود غير قوله:"من سدر الحرم"، ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات) مجمع الزوائد(8/115).(5/37)
4) ومما يضر البيئة في العصر الحديث طغيان البنيان عليها، وقد حذر الشارع الحنيف من الإسراف في البنيان، فعن خباب بن الأرت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :"إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ في كل شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إلا في شَيْءٍ يَجْعَلُهُ في هذا التُّرَابِ" (1) . أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة، بل قد تجب العمارة إن ترتب على تركها مفسدة بنحو اطلاع الفسقة على حريمه مثلاً، يقول الإمام الرملي: (والزيادة على العمارة خلاف الأولى، وربما قيل بكراهتهما)، ثم قال:(ما لم يقصد بالإنفاق في البناء به مقصدا صالحا كما هو معلوم، ولا تكره عمارة لحاجة وإن طالت، والأخبار الدالة على منع ما زاد على سبعة أذرع، وأن فيه الوعيد الشديد، محمول على من فعل للخيلاء والتفاخر على الناس). (2)
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب المرضى-باب نهي تمني المريض الموت5/2147)، وابن حبان في صحيحه (8/34)، والطبراني في معجمه الكبير(4/57)، وأحمد في مسنده(5/109).
(2) نهاية المحتاج(7/244)، وانظر: إعانة الطالبين(4/108).(5/38)
5) كما دعا الإسلام إلى نظافة الأبدان والثياب والطرقات والأفنية والمنازل، قال تعالى: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } ]المدثر:4[، وقال - جل جلاله - : { وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ } ]المائدة:6[، وعن أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - :"الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ" (1) ، وحث النبي عليه الصلاة والسلام على إماطة الأذى عن الطريق، وأعظم أجر فاعله ولو كان يسيراً، كتنحية غصن لشوك عن الطريق، فيغفر الله - جل جلاله - لفاعله، فعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ على الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ الله له فَغَفَرَ له" (2) ،
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه(كتاب الطهارة-باب فضل الوضوء1/203)، والترمذي في سننه(كتاب الدعوات5/535) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في سننه(كتاب الزكاة- باب وجوب الزكاة5/5)، وابن ماجة في سننه(كتاب الطهارة وسننها-باب الوضوء شطر الإيمان1/102)، وأحمد في مسنده(5/342-343-344).
(2) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الجماعة والإمامة- بَاب فضل التهجير إلى الظهر 1/233)، ومسلم في صحيحه(كتاب الإمارة- بَاب بيان الشهداء 3/1521)، وفي(كتاب البر والصلة- باب فضل إزالة الأذى عن الطريق 4/2021)، ومالك في الموطأ (كتاب صلاة الجمعة- بَاب ما جاء في العتمة والصبح 1/131)..(5/39)
وعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - :"الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أوبِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إلا الله، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عن الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ من الإِيمَانِ" (1) ، وعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:"اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ. قالوا: وما اللَّعَّانَانِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال:"الذي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ الناس أو في ظِلِّهِمْ" (2) ، حتى التلوث السمعي والضوضاء التي تؤثر سلبا على أعصاب البشر حذر منه القرآن ونهى عنه، فقال الله تعالى: { واقصد وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } ] لقمان:19[، كما دعا الإسلام إلى الحفاظ على نقاء الماء ونظافته، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد وتلويثه، فعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَبُولَنَّ أحدكم في الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ منه" (3) ،
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه(كتاب الإيمان-باب عدد شعب الإيمان1/63)، والترمذي في سننه(كتاب الإيمان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 5/10) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في سننه(كتاب الإيمان وشرائعه- ذكر شعب الإيمان8/110)، وابن ماجة في سننه(باب في الإيمان1/22)، وأحمد في مسنده(2/379).
(2) تقدم تخريجه في صفحة 194.
(3) تقدم تخريجه في صفحة 194..(5/40)
كما نهى الشارع أن يضع المرء يده في الإناء بعد استيقاظه من نومه قبل غسلها، فعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا تَوَضَّأَ أحدكم فَلْيَجْعَلْ في أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وإذا اسْتَيْقَظَ أحدكم من نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قبل أَنْ يُدْخِلَهَا في وَضُوئِهِ، فإن أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" (1) . كما اهتم الإسلام بنظافة الموارد مياه الشرب، وأمر بحفظها من التلوث، فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قال: نهى رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ أَنْ يُشْرَبَ من أَفْوَاهِهَا (2) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الوضوء- بَاب الاستجمار وترا 1/72)، ومسلم في صحيحه(كتاب الطهارة- بَاب كَرَاهَةِ غَمْسِ الْمُتَوَضِّئِ وَغَيْرِهِ يَدَهُ الْمَشْكُوكُ في نَجَاسَتِهَا في الإِنَاءِ قبل غَسْلِهَا ثَلاثًا 1/233)، وأبوداود في سننه(كتاب الطهارة - باب الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها 1/25)، والترمذي في سننه(كتاب أبواب الطهارة- باب ما جاء إذا اسْتَيْقَظَ أحدكم من مَنَامِهِ فلا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإِنَاءِ حتى يَغْسِلَهَا 1/36) ، وابن ماجة في سننه (كتاب الطهارة وسننها- بَاب الرَّجُلِ يَسْتَيْقِظُ من مَنَامِهِ هل يُدْخِلُ يَدَهُ في الإِنَاءِ قبل أَنْ يَغْسِلَهَا1/138).
(2) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الأشربة- بَاب اختناث الأسقية 5/2132)، ومسلم في صحيحه(كتاب الأشربة- بَاب آداب الطعام والشراب 3/1600) واللفظ له، وأبوداود في سننه(كتاب الأشربة - باب اختناث الأسقية 3/336)، والترمذي في سننه(كتاب الأشربة- باب النهي عن اختناث الأسقية 4/305) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة في سننه (كتاب الأشربة- بَاب اختناث الأسقية 2/1131)..(5/41)
كما أمر رسول الله بتغطية آنية السقاء والطعام وألا تترك مكشوفة، فعن جَابِرٍ - رضي الله عنه - عن رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: "غَطُّوا الإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ وَأَغْلِقُوا الْبَابَ وأطفئوا السِّرَاجَ، فإن الشَّيْطَانَ لا يَحُلُّ سِقَاءً ولا يَفْتَحُ بَابًا ولا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لم يَجِدْ أحدكم إلا أَنْ يَعْرُضَ على إِنَائِهِ عُودًا وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ، فإن الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ على أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ " (1) ، وعن جَابِرِ بن عبد اللَّهِ رضي الله عنهما قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "يقول غَطُّوا الإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فإن في السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فيها وَبَاءٌ لا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ ليس عليه غِطَاءٌ أو سِقَاءٍ ليس عليه وِكَاءٌ إلا نَزَلَ فيه من ذلك الْوَبَاءِ" (2)
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه (كتاب الأشربة- بَاب الأمر بتغطية الإناء 3/1594)، وابن ماجة في سننه (كتاب الأشربة- بَاب تخمير الإناء 2/1129).
(2) رواه مسلم في صحيحه (كتاب الأشربة- بَاب الأمر بتغطية الإناء 3/1596)، وأحمد في مسنده(3/355).(5/42)
6) الإسلام وضبط الإنجاب: يدعي الغرب أن البيئة بحاجة إلى ضبط الإنجاب في الشرق الإسلامي، لأن الموارد البيئية لم تعد كافية لهذه الأعداد من البشر، وقد تقدم في المبحث السابق وفق تقرير أصدره الصندوق العالمي للحياة البرية من أن المتهمين الأساسيين باستنزاف الموارد الطبيعية هم الدول الغنية، مثل الولايات المتحدة وكندا والدول التسع عشرة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ورابطة التجارة الحرة الأوروبية واليابان. (1) أما الدعوة إلى تحديد أوتنظيم النسل في المسلمين فمنشؤها اليهود، وتشجعها في الشرق الإسلامي دول الغرب، بل تبذل كثير من الدول الغربية المال الطائل لتحد من النمو السكاني للدول الإسلامية (2) ، جاء في تقرير الأمم المتحدة لمؤتمر القمة في جوهانسبيرغ 2002م: (ما تزال بيئة العالم هشة جداً، والتدابير القائمة للحفاظ عليها بعيدة عن أن تكون كافية، لقد تمّ تحقيق تقدّم ضئيل جداً في مجال الحدّ من الفقر في الدول النامية، والعولمة بحدّ ذاتها لم تنفع الكثير من الناس في العالم، ولم تكن المحاولات لتعزيز التنمية البشرية وقلب التدهور البيئي ناجحة بشكل عام خلال العقد الماضي)، ويتابع التقرير:(وقد وصل تعداد سكان العالم إلى 6 مليارات نسمة في عام 2000م، وهى زيادة ملحوظة منذ عام 1950م حيث كان حينئذ تعداد السكان 2,5 مليار نسمة، ومن المتوقع أن يصل تعداد السكان إلى حوالي 8 مليارات نسمة بحلول عام 2025 ، وأن يرتفع هذا الرقم إلى 9،3 مليار نسمة بحلول عام 2050م، وأن يستقر تعداد السكان ليصل ما بين 10.5 - 11 مليار نسمة، وقد ارتفع معدل الزيادة في السكان بنسبة 2% في عام 1965م إلا أنه عاد إلى الانخفاض.
__________
(1) انظر: صفحة 103 من هذا البحث .
(2) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (8/441).(5/43)
إن 15% من تعداد العالم في البلدان ذات الدخل المرتفع يستهلكون % 54من مجموع الإنتاج العالمي، في حين أن 40% من الفقراء في البلدان ذات الدخل المنخفض يستهلكون 11% من مجموع الإنتاج العالمي، وفي حين أن أغلبية الناس ازداد استهلاكهم في الوقت الحالي؛ فقد انخفض معدل الاستهلاك للأسر المعيشية الأفريقية 20% عما كان عليه منذ 25 سنة)، ويتابع التقرير:(إن أكثر من 8% من الأطفال في الدول النامية يموتون دون سن الخامسة حتى الآن، وفي بعض الدول الأكثر فقرا فإن طفلا من كل خمسة أطفال يموتون قبل بلوغ عامهم الأول، كما أن أكثر من 113 مليون طفل في الدول النامية لا يتعلمون، وأكثر من 60% من هذا الرقم للإناث، وهناك حوالي 815 مليون شخص في العالم يعانون من سوء التغذية، ويعيش 777 مليون منهم في الدول النامية، و77 مليون في الدول المتحولة، و11 مليون في الدول الصناعية، وبينما بدأت المجاعات في جنوب أسيا في الاختفاء، فإن حوالي ثلث تعداد أفريقيا يعانون من النقص الشديد في الطعام مع تزايد في هذا التعداد). ويتابع التقرير:
(إدارة النظام البيئي:
1- إن التوسع في الرقعة الزراعية لتفي بالاحتياجات المتزايدة للغذاء كان لها الأثر السلبي الرئيس على الغابات والسهول والمستنقعات، وقد أثر تدهور التربة على حوالي 2 مليار هكتار من أراضي العالم وعلى حوالي ثلثي الأراضي الزراعية حول العالم، حتى أصبحت المياه النقية شيئا نادرا في العديد من الدول الزراعية التي تستخدم حوالي 70% من المياه على المستوى العالمي.
2- إن أكثر من 11000 فصيلة تعتبر مهددة بالانقراض، وهناك أكثر من 800 فصيلة انقرضت بالفعل نتيجة فقدان بيئتها الطبيعية، كما أن هناك 5000 فصيلة أخرى من المتوقع أن تكون مهددة إلا إذا اتخذت الإجراءات اللازمة لزيادة أعدادها المتناقصة.(5/44)
3- إن ربع مصايد الأسماك في العالم تتعرض للصيد الجائر ونصفها مستغل بالكامل، ووصل الصيد في المحيط الأطلسي وبعض مناطق المحيط الهادي إلى أقصاه المتوقع منذ عدة سنوات. وتبلغ نسبة المحميات البحرية والمناطق غير المسموح فيها بالصيد 1% فقط .
4- إن الغابات الطبيعية تتحول إلى أراض زراعية أو لاستخدامات أخرى، ويبلغ معدل مساحة الغابات التي تعرضت للقطع في التسعينات 14.6 مليون هكيتار، معظمها في الدول المتقدمة، وأعلى معدل لقطع الأشجار في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وأكثر من نصف الأشجار التي تحصد تستخدم أخشابها وقودا، و90% من هذه الأشجار تستهلك في الدول المتقدمة). (1)
__________
(1) انظر: موقع الأمم المتحدة على شبكة الإنترنت
http://www.un.org/arabic/conferences/wssd/media/press1.html.(5/45)
فالإنسان في الدول المتقدمة قد تسبب في التلوث والاستنزاف البيئي العالمي، بتوسعه في الترف وإسرافه في الإنفاق وانحرافه وطمعه وجشعه وبمصانعه التي تبث السموم والدفيئة العالمية، ويستكثر على المسلم لقمة عيشه على أرضه، ولا يرى له حق في الحياة بل في الوجود أصلا، ورغم هذا تضبط الطبيعة إيقاع الحياة فوق كوكب الأرض ضمن منظومة بيئية فعالة لا يكاد يفهمها الإنسان، تنطوي فيها كل الأحياء بتنوعها الحيوي والنوعي للحفاظ على التوازن ولو بإزعاج الكائنات الحية أوانقراضها, ولولا هذا التوازن الحيوي والبيئي لسادت الفوضى البيئية فوق الأرض. إن الدعوة إلى تقليص أعداد المسلمين يخالف دعوة الإسلام، فقد اتفق الفقهاء على استحباب نكاح الودود الولود تكثيرا للأمة (1) ، وقال تعالى ممتنا على بني إسرائيل بذلك : { وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } ]الإسراء:6[ ، وعلى لسان شعيب قال تعالى: { وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } ]الأعراف:86[، ولا أحد ينكر أن كثرة الأمة سبب لعزتها وقوتها، على عكس ما يتصوره أصحاب ظن السوء، الذين يظنون أن كثرة الأمة سبب لفقرها وجوعها.
__________
(1) انظر: شرح فتح القدير(3/188-189)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر(1/468)، مواهب الجليل(3/404)، إعانة الطالبين (3/272)، الإقناع للشربيني (2/401)، الوسيط (5/27)، مغني المحتاج (3/127)،الفروع (5/107)، المبدع (7/6)، الإنصاف للمرداوي(8/16)، الروض المربع (3/72)، الكافي (3/35)، المغني (7/82).(5/46)
إن الأمة إذا كثرت واعتمدت على الله عز وجل وآمنت بوعده في قوله - جل جلاله - : { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا } ]هود:6[، فإن الله ييسر لها أمرها ويغنيها من فضله، وعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب إلا أنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فنهاه ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فنهاه، فقال: "تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم" (1) ، وعن أَنَسِ بن مَالِكٍ - رضي الله عنه - قال: كان رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ
التَّبَتُّلِ نَهْياً شَدِيداً، َيَقُولُ: "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إني مُكَاثِرٌ الأَنْبِيَاءَ يوم الْقِيَامَةِ" (2) .
__________
(1) رواه أبوداود في سننه(كتاب النكاح- بَاب النَّهْيِ عن تَزْوِيجِ من لم يَلِدْ من النِّسَاءِ 2/220)، والنسائي في سننه المجتبى (كتاب النكاح- بَاب كراهية تزويج العقيم 6/65)، وفي سننه الكبرى (كتاب النكاح- بَاب النهي عن تزويج المرأة التي لاتلد 3/271)، والحاكم في المستدرك (كتاب النكاح- 2/176) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة، وابن حبان في صحيحه (كتاب النكاح- ذكر الزجر عن أن يتزوج المرء من النساء من لا تلد 9/364).
(2) رواه أحمد في مسنده(3245)، والضياء المقدسي في المختارة(5/261)، وابن حبان في صحيحه (كتاب النكاح- ذكر العلة التي من أجلها نهي عن التبتل 9/338)، والطبراني في معجمه الأوسط(5/207)، وقال: إسناده حسن، قال الهيثمي: (رواه أحمد والطبراني في الأوسط وإسناده حسن) مجمع الزوائد (4/258).(5/47)
فالدعوة إلى تقليل أعداد المسلمين يخالف نصوص الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة الضرورية بحفظ الدين والنفس والنسل، فهو مصلحة ملغاة، أما منع الحمل بصورة فردية لمصلحة ظاهرة أو لغيرها بالعزل أو غيره فللفقهاء فيه تفصيل:
العزل: بفتح العين المهملة وسكون الزاي هو أن ينزع الرجل بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج، لئلا تحمل المرأة كراهة الولد، وهو يفعل لأحد أمرين إما في حق الأمة لئلا تحمل كراهة الولد من الأمة، ولأنه مع ذلك يتعذر بيعها، وأما في حق الحرة لكراهة ضرر الرضيع أولأسباب صحّيّة تعود إلى المرأة أوالجنين أوالطّفل الرّضيع (1) ، وبالتحريم جزم ابن حزم في المحلى (2) محتجا بحديث جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ رضي الله عنها أُخْتِ عُكَّاشَةَ، قالت: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في أُنَاسٍ وهو يقول:" لقد هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عن الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ في الرُّومِ وَفَارِسَ فإذا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلادَهُمْ فلا يَضُرُّ أَوْلادَهُمْ ذلك شيئا"، ثُمَّ سَأَلُوهُ عن الْعَزْلِ، فقال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "ذلك الْوَأْدُ الْخَفِيُّ" (3) ، وذهب جمهور الفقهاء إلى جواز عزل السّيّد عن أمته مطلقاً سواء أذنت بذلك أو لم تأذن، لأنّ الوطء حقّه لا غير، وكذا إنجاب الولد، وليس ذلك حقّاً لها، واختلف الفقهاء في العزل عن الزّوجة الحرّة إلى رأيين: الرّأي الأوّل: الإباحة مطلقاً أذنت الزّوجة أو لم تأذن، إلاّ أنّ تركه أفضل وهو الرّاجح عند الشّافعيّة، وذلك لأنّ حقّها الاستمتاع دون الإنزال، إلاّ أنّه يستحبّ استئذانها.
__________
(1) انظر: سبل السلام للصنعاني (3/145).
(2) انظر: المحلى (10/70-71).
(3) رواه مسلم في صحيحه (كتاب النكاح- بَاب جَوَازِ الْغِيلَةِ وَهِيَ وَطْءُ الْمُرْضِعِ وَكَرَاهَةِ الْعَزْلِ 2/1067)، وابن ماجة في سننه(كتاب النكاح-باب الغيل1/648)، وأحمد في مسنده(6/361-434).(5/48)
الرّأي الثّاني: الإباحة بشرط إذنها، فإن كان لغير حاجة كره، وهو قول عمر وعليّ وابن عمر وابن مسعود ومالك، وهو الرّأي الثّاني للشّافعيّة، وبه قال الحنفيّة (1) ، قال ابن قدامة المقدسي في الكافي:(ويكره العزل، وهو أن ينزل الماء خارج الفرج، لما فيه من تقليل النسل ومنع المرأة من كمال استمتاعها، وليس بمحرم، لما روي عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - في غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ ولا يَحْمِلْنَ، فَسَأَلُوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الْعَزْلِ، فقال: "ما عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا، فإن اللَّهَ قد كَتَبَ من هو خَالِقٌ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" وقال مُجَاهِدٌ عن قَزَعَةَ سمعت أَبَا سَعِيدٍ فقال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلا الله خَالِقُهَا " (2) ، فإن كان ذلك في أمته فله ذلك بغير إذنها، لأن الاستمتاع بها حق له دونها، وكذلك أم الولد، وإن كان في زوجة حرة لم يجز إلا بإذنها) (3) ،
__________
(1) انظر: البحر الرائق لابن نجيم الحنفي (8/222)، الهداية شرح البداية(4/87)، تبيين الحقائق(6/21)، حاشية ابن عابدين (3/175)، الشرح الكبير(2/226)، الأم(7/173)، المهذب (2/66)، نهاية المحتاج(8/442)، الإنصاف للمرداوي(8/349)، كشاف القناع(5/189).
(2) رواه البخاري في صحيحه(كتاب التوحيد - باب { هو الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ } ]الحشر:24[ 6/2695)، ومسلم في صحيحه(كتاب النكاح – باب حكم العزل2/1063)، وأبوداود في سننه(كتاب النكاح- بَاب ما جاء في العزل 2/251)، والترمذي في سننه(كتاب النكاح- بَاب ماجاء في كراهية العزل 3/444).
(3) الكافي لابن قدامة المقدسي (3/125)..(5/49)
وقال الجمهور: حديث جذامة معارض بعدة أحاديث منها: حديث جَابِرٍ - رضي الله عنه - قال: قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كنا نَعْزِلُ فَزَعَمَتْ الْيَهُودُ أنها الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى. فقال:"كَذَبَتْ الْيَهُودُ، إِنَّ اللَّهَ إذا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ فلم يَمْنَعْهُ" (1) ، وحديث أبي هريرة قال سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العزل فقيل يا رسول الله إن اليهود تزعم أنها الموءودة الصغرى فقال كذبت يهود (2) ، وحديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَجُلا قال: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لي جَارِيَةً وأنا أَعْزِلُ عنها، وأنا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وأنا أُرِيدُ ما يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ مَوْءُودَةُ الصُّغْرَى. قال:" كَذَبَتْ يَهُودُ، لو أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَهُ ما اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ" (3)
__________
(1) رواه الترمذي في سننه(كتاب النكاح- بَاب ماجاء في العزل 3/442) وقال: (وفي الْبَاب عن عُمَرَ وَالْبَرَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ)، والنسائي في سننه الكبرى(كتاب عشرة النساء- ذكر العزل واختلاف الناقلين5/340)، والترمذي في سننه(كتاب النكاح- بَاب ماجاء في كراهية العزل 3/444).
(2) رواه النسائي في سننه الكبرى(كتاب عشرة النساء- ذكر العزل واختلاف الناقلين5/344)، والترمذي في سننه(كتاب النكاح- بَاب ماجاء في كراهية العزل 3/444)، وأبو يعلى في مسنده(10/405).
(3) رواه أبوداود في سننه(كتاب النكاح-باب ما جاء في العزل 2/252)، والنسائي في سننه الكبرى(كتاب عشرة النساء- ذكر العزل واختلاف الناقلين5/341-342)، والترمذي في سننه(كتاب النكاح- بَاب ماجاء في كراهية العزل 3/444)، والبيهقي في سننه الكبرى(باب العزل 7/230)..(5/50)
قال ابن حجر في الفتح: (وجُمع بينها وبين حديث جذامة؛ بحمل حديث جذامة على التنزيه وهذه طريقة البيهقي، ومنهم من ضعف حديث جذامة بأنه معارض بما هو أكثر طرقا منه، وكيف يصرح بتكذيب اليهود في ذلك ثم يثبته؟ وهذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم، والحديث صحيح لا ريب فيه والجمع ممكن، ومنهم من ادعى أنه منسوخ، ورُد بعدم معرفة التاريخ. وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون حديث جذامة على وفق ما كان عليه الأمر أولا من موافقة أهل الكتاب، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، ثم أعلمه الله بالحكم فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه، وتعقبه ابن رشد ثم ابن العربي بأنه لا يجزم بشيء تبعا لليهود ثم يصرح بتكذيبهم فيه، ومنهم من رجح حديث جذامة بثبوته في الصحيح، وضعف مقابله بأنه حديث واحد اختلف في إسناده فاضطرب، ورُد بأن الاختلاف إنما يقدح حيث لا يقوى بعض الوجوه، فمتى قوي بعضها عمل به، وهو هنا كذلك والجمع ممكن، ورجح ابن حزم العمل بحديث جذامة، بأن أحاديث غيرها توافق أصل الإباحة، وحديثها يدل على المنع، قال: فمن ادعى أنه أبيح بعد أن منع فعليه البيان، وتُعقب بأن حديثها ليس صريحا في المنع، إذ لا يلزم من تسميته وأدا خفيا على طريق التشبيه أن يكون حراما). (1)
إن نصوص الشريعة لا يمكن أن تتعارض مع المصالح البيئية بدعوة المؤمنين إلى كثرة الإنجاب، لأن الشريعة تشترط تحمل المسئولية بإنجاب الذرية الصالحة، ودعوة الإسلام للمسلمين بتكثير الذرية ليس في الكم فحسب بل في الكيف والنوع، فإن الكثير الصالح من البشر ينفع البيئة ولا يفسدها، أما القليل الفاسد فربما يستنزف مواردها، فكم من أفراد مفسدين قلة أهلكوا الحرث والنسل وسعوا في الأرض فسادا.
الكوارث الطبيعية:
__________
(1) فتح الباري (3/309)، وانظر: تحفة الأحوذي (4/242-243)، وسبل السلام للصنعاني (3/146).(5/51)
درج الناس في عصرنا على تسمية ما يصيبهم من نقمة الله وعذابه بسبب ذنوبهم ومعاصيهم كوارث طبيعية، غافلين عن تحذير القرآن ووعيده لمن خالف أمر الله - جل جلاله - ، فقد شهد العصر الحديث كوارث جمة أهلكت البشر والحرث والنسل، سواء بالماء أو الهواء أو الزلازل أو الميكروبات المجهرية، والناس لا يريدون أن يقروا أن إفساد البيئة إنما كان بذنوبهم ومعاصيهم ومخالفتهم أمر الله - جل جلاله - ، فأهلك الله عز وجل قوم نوح لما كفروا وكذبوا، قال تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ - قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ - قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ - أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ - أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ } ]الأعراف:59-64[، كما كذب قوم هود فتوعدهم عذاب الله ونقمته، قال تعالى: { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ - وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } ]هود: 57-58[، وقال تعالى: { قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ(5/52)
يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ - قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ - فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } ]الأعراف:70-72[، كما أهلك الله قوم صالح لما عصوا أمر ربهم، قال جل شأنه: { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ - قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ - فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ - فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ - فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } ]الأعراف:75-79[، وقال تعالى فيما لحق ثمود وعاد من عذاب الله : { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا ِالطَّاغِيَةِ - وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ - سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ - فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ } ]الحاقة:5-8[، كما توعد الله عزو جل قوم لوط لما أتوا الفاحشة بإتيان الرجال من دون النساء، قال تعالى : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ(5/53)
الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } ]هود:81[، ثم أمطرهم الله الحجارة، قال تعالى: { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ - فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } ]الحجر:73-74[، وقال تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ]الروم:41[، بين سبحانه وتعالى أن الشرك والمعاصي سبب لظهور الفساد في العالم، واختلف في معنى ظهور الفساد المذكور، فقيل هو القحط وعدم النبات ونقصان الرزق وكثرة الخوف ونحو ذلك، وقال مجاهد وعكرمة: (فساد البر قتل ابن ادم أخاه، يعني قتل قابيل لهابيل، وفي البحر الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا)، ولا دليل دلهما على هذا التخصيص، والفساد يدل على الجنس، فيعم كل فساد واقع في البر والبحر، وقال السدي: الفساد الشرك، وهو أعظم الفساد. وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش، وقيل: الفساد قطع السبل والظلم وكل ذلك تخصيص لا دليل عليه، والظاهر أن الفساد راجع إلى أفعال بني آدم من معاصيهم واقترافهم السيئات وتقاطعهم وتظالمهم وتقاتلهم، أو راجع إلى نقمة الله سبحانه بسبب ذنوبهم كالقحط وكثرة الخوف والموت ونقص الزرع والثمار. والبر والبحر هما المعروفان، قال عكرمة: البر الفيافي، والبحر القرى التي على الماء. والعرب تسمى الأمصار البحار. قال مجاهد: البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان على شط نهر.(5/54)
وقال الشوكاني: (والأولى أن البر مدن البر ومعنى البحر مدن البحر، وما يتصل بالمدن من مزارعها ومراعيها، والباء في { بما كسبت } للسببية، و { ما } إما موصولة أو مصدرية، وقوله تعالى: { ليذيقهم بعض الذي عملوا } اللام متعلقة بظهر، وهي لام العلة، أي ليذيقهم عقاب بعض عملهم، أو جزاء بعض عملهم، { لعلهم يرجعون } عما هم فيه من المعاصي ويتوبون إلى الله) (1) .
تعديل الوجود الفطري وراثيا:
خلق الله الخلق على الفطرة الجبلية الأصلية البعيدة عن كل فساد، ولو ظل الخلق على ما هم عليه في أصل خلقتهم وفطرتهم لتقبلوا الحق، ولآمن جميعهم بالإسلام دين الحق ودين الفطرة، قال - جل جلاله - : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } ]الروم:30[، ولكن الناس يفسدون ما أصلح لهم بارئهم بمخالفة أمره ومعصيته.
__________
(1) انظر: فتح القدير للشوكاني (4/228)، التفسير الكبير للرازي (25/112)، الدر المنثور (6/496-497)، الكشاف (3/488)، تفسير ابن كثير (3/436)، تفسير الطبري (21/49-50)، تفسير البيضاوي (4/338)، تفسير السمرقندي (3/14)، تفسير السمعاني (4/217)، تفسير الصنعاني (3/104)، تفسير القرطبي (14/40).(5/55)
لقد تيقن الإنسان المعاصر أن العودة إلى الطبيعة وأصل الفطرة يقيه كثيرا من الشرور التي ألحقها بنفسه وبيئته، ومع ذلك فإن أي تعديل على المخلوقات لا يتناقض مع نصوص الشريعة إذا حقق مصلحة قطعية أو راجحة، ولكن المشكلة إذا أفضى في نفس الوقت إلى مفسدة، يقول عبد الوهاب خلاف:(أما حيث تكون المصلحة راجحة فلاخلاف في أنه لا تنخرم المناسبة بمفسدة مرجوحة، لأنه لو انخرمت المناسبة بأية مفسدة ولو مرجوحة لم يبق أي وصف مناسب، أما حيث تكون المفسدة راجحة فلا خلاف في أنه تنخرم المناسبة، وأما حيث يتساويان فالراجح أنها تنخرم، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومن هذا قرروا أنه إذا تعارض المانع والمقتضي رجح المانع، وإذا تعارض المحرم والمبيح رجح المحرم) (1) ، وهذه الدراسة برمتها ستبنى -إن شاء الله تعالى-على ما قرره الأصوليون من أن كل مصلحة تناقض النصوص الشرعية فهي مصلحة وهمية ملغاة، وكل مصلحة يترتب عليها مفسدة مساوية أوأكبر منها منهي عنها لأنها مخالفة لمقاصد الشريعة.
إن المشكلة في التعديل الوراثي عدم وضوح الرؤية للآثار السلبية المترتبة عليه إلا بعد عقود من الزمن غالبا، ولاسيما في صحة الإنسان والقضايا البيئية، أما الآثار الإيجابية فإنها غالبا ما تكون منطقية وواضحة وفورية، لذا تظل الآثار السلبية المستقبلية غير المتوقعة على سلاسل الغذاء مخاوف تراود الباحثين.
__________
(1) مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه لعبد الوهاب خلاف ص61.(5/56)
الفصل الأول: الضوابط الشرعية في التعامل مع التقنيات الوراثية
المبحث الأول: تصحيح النية والهدف وعدم العبث.
المبحث الثاني: لا ضرر ولا ضرار.
المبحث الثالث:الموازنات الشرعية في التعديل الوراثي.
المبحث الرابع: أخلاقيات عامة لتكنولوجيا التعديل الوراثي.
.(6/)
المبحث الأول: تصحيح النية والهدف وعدم العبث
إن نيات ومقاصد المكلفين محل نظر الباري جل وعلا، وأصل من أصول التشريع الإسلامي، يبني الإسلام عليها الصحة والبطلان والثواب والعقاب، فوجب على العباد تجميل مقاصدهم وتحسين نياتهم للعرض على الله يوم القيامة، فما لم يقم على المقاصد والأهداف المشروعة يكون هباء منثورا في الميزان يوم القيامة، لذا يقوم المؤمن بتقويم أهدافه وتجديد نيته ورعاية مقاصده، فعن شَدَّادِ بن أَوْسٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" الْكَيِّسُ من دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ من أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى على اللَّهِ" (1) ، وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال في خطبته: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ } ]الحاقة:18[) (2) .
النية لغة:
__________
(1) رواه الترمذي في سننه(كتاب صفة القيامة 4/638) وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "من دَانَ نَفْسَهُ" يقول: حَاسَبَ نَفْسَهُ في الدُّنْيَا قبل أَنْ يُحَاسَبَ يوم الْقِيَامَةِ، ورواه ابن ماجة في سننه(كتاب الزهد في الدنيا- باب ذكر الموت والاستعداد له 2/1423)، والحاكم في المستدرك(كتاب الإيمان 1/125)، (كتاب التوبة والإنابة 4/280) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه الكبرى(كتاب الجنائز-باب ما ينبغي لكل مسلم أن يستعمله من قصر الأمل 3/369)، والطبراني في معجمه الكبير(7/281، 284) وفي معجمه الصغير(2/107) وفي مسند الشاميين(1/266)(2/354) ، وأحمد في مسنده(4/124)، والبزار في مسنده(8/417)، والطيالسي في مسنده(1/153).
(2) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه(7/96)، وابن المبارك في الزهد (1/103)، وابن الجوزي في القصاص والمذكرين ص211 وفي ذم الهوى ص40، وابن عساكر في تاريخ دمشق(44/314،357).(6/2)
أصل النية من نَوى الشيءَ نِيَّة ونِيَة ، بالتخفيف؛ عن اللحياني وحده، وهو نادر، ونوى المنزلَ وانْتَواه، والنية القصد وعزم القلب، وهي مأخوذة من قولك نويت بلدة كذا إذا عزمت بقلبك قصده، ويقال للموضع الذي يقصده نيّة بتشديد الياء ونية بتخفيفها، ونِي جمع نِيَّة ، وهذا نادر، وانتويت موضع كذا أي, قصدته للنجعة (1) ،
__________
(1) التَّنَجُّعُ والانْتِجاعُ والنُّجْعة: طَلبُ الكلأ ومَساقِطِ الغَيْثِ، لسان العرب(8/347)..(6/3)
والنِّيَّة والنَّوَى الوجهُ الذي يَنْويه المسافرُ مِنْ قُرْبٍ أَو بُعد، وهي مؤنثة لا غير، والنَّوى الدار، والنَّوى الوجه الذي تقصده، والنَّوى التحول من مكان إلى مكان آخر أو من دار إلى دار غيرها، والناوي : الذي أَزْمَعَ على التحوُّل، وانتوى القوم إذا انتقلوا من بلد إلى بلد، وانتوى القوم منزلا بموضع كذا وكذا واستقرت نواهم أي أقاموا، كما تنتوي الأعراب في باديتها، كل ذلك على التأنيث، والمرأة يتوفى عنها زوجها تنتوي حيث انتوى أهلها أي تنتقل وتتحول، ومعنى نية المؤمن من خير من عمله أنه ينوي الإيمان ما بقي، وينوي العمل لله بطاعته ما بقي ولو عاش مائة سنة، وإنما يخلده الله في الجنة بهذه النية لا بعمله، فالنية عمل القلب، وهي تنفع الناوي وإن لم يعمل الأعمال، وأداؤها لا ينفعه دونها، ونويت نية ونواة أي عزمت وانتويت مثله، قال الشاعر: ونوت ولما تَنْتَوي كنواتي، قال: يقول: لم تنو فيّ كما نويت في مودتها، ويروى ولما تنتوي بنواتي أي لم تقض حاجتي، والنَّوى : الحاجة، ويقال: نواه بنواته أي رده بحاجته وقضاها له، ويقال: لي في بني فلان نواة ونية أي حاجة، ورجل منوي ونية منوية إذا كان يصيب النجعة المحمودة، وأنوى الرجل إذا كثر أسفاره، وأنوى إذا تباعد، والنوي الرفيق وقيل الرفيق في السفر خاصة، ونَوَّيْتُه تَنْوِية أَي وَكَلْتُه إِلى نِيَّتِه، ونَوِيُّك : صاحبُك الذي نيته نيّتك، وفي نوادر الأعراب فلان نوي القوم وناويهم و منتويهم أي صاحب أمرهم ورأيهم، ويقال نواك الله أي حفظك، والمعنى قصد الله بحفظه إياك، قال ابن سيده: ولست منه على ثقة، قال الفراء: نواك الله أي حفظك الله، وفي الصحاح: نواه الله أي صحبه الله في سفره.(6/4)
(1)
النية في الاصطلاح:
تنوعت ألفاظ العلماء في تعريف النية بعدة معان:
1) تعريف النية بحسب المدلول اللغوي: قال الخطابي:(النية قصدك الشيء بقلبك وتحري
__________
(1) انظر: لسان العرب (15/347-350)، العين للخليل بن أحمد الفراهيدي(8/394-395)، المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده(10/537)، المصباح المنير للفيومي(2/632)، تاج العروس للزبيدي(40/141-147)، تهذيب اللغة للأزهري(15/399-401)، المعجم الوسيط للزيات والنجار(2/966).(6/5)
الطلب منك له)، وقال البيضاوي: (النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا)، وقال النووي: (النية القصد وهو عزيمة القلب)، وقال الكرماني: (ليس هو عزيمة القلب، لما قال المتكلمون: القصد إلى الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، والعزم قد يتقدم عليه ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد)، وقال ابن قدامة المقدسي: (النية القصد، وهو اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه من غير تردد)، وقال القرافي: (النية قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله) (1) ، وقال ابن قيم الجوزية:(النية القصد بعينه، ولكن بينها وبين القصد فرقان: أحدهما: أن القصد معلق بفعل الفاعل نفسه وبفعل غيره، والنية لا تتعلق إلا بنفسه، فلا يتصور أن ينوى الرجل فعل غيره، ويتصور أن يقصده ويريده من غيره.
__________
(1) انظر: فتح الباري (1/13)، عمدة القاري (1/23)، المغني(3/9)، المجموع (1/371)، الذخيرة للقرافي(1/134)، مواهب الجليل(2/230).(6/6)
والفرق الثاني: أن القصد لا يكون إلا بفعل مقدور يقصده الفاعل، وأما النية فينوي الإنسان ما يقدر عليه وما يعجز عنه، ولهذا في حديث أبي كبشة الأنماري الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر، عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي في ماله ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل عند الله، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته وأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما، ذلك شر منزلة عند الله، ثم قال: وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، وهما في الوزر سواء" (1) ، فالنية تتعلق بالمقدور عليه والمعجوز عنه، بخلاف القصد والإرادة فإنهما لا يتعلقان بالمعجوز عنه لا من فعله ولا من فعل غيره) (2) ، فالنية بناء على هذا أعم من القصد. (3)
__________
(1) رواه الترمذي في سننه(كتاب الزهد – باب ما جاء مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ 4/562) وقال أبو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، ورواه ابن ماجة في سننه(كتاب الزهد – باب النية2/1413)، وأحمد في مسنده(4/230)، والبيهقي في سننه الكبرى(جماع أبواب صدق التطوع- باب وجوه الصدقة4/189)، والطبراني في معجميه الكبير(22/344-345) والأوسط(4/237) .
(2) بدائع الفوائد (3/708).
(3) النيات في العبادات لعمر الأشقر ص25.(6/7)
2) تعريف النية بالإرادة: يقول ابن عابدين: (النية لغة العزم، والعزم وهو الإرادة الجازمة القاطعة، والإرادة صفة توجب تخصيص المفعول بوقت وحال دون غيرهما، أي ترجح أحد المستويين وتخصصه بوقت وحال، أي كيفية وحالة مخصوصة، وبه علم أن النية ليست مطلق الإرادة بل هي الإرادة الجازمة) (1) ، ويقول الجرجاني:(العزم جزم الإرادة بلا تردد) (2) ، والإرادة أعم من النية لأنها تشمل النية وغيرها، فالنية تتعلق بفعل الناوي، خلافا للإرادة فتتعلق بفعله وفعل غيره، كما نريد معونة الله وإحسانه وليست من فعلنا، فلا يكون التعريف مانعا إلا إذا قيدت بما يخصها،.
3) تعريف النية بالإخلاص: يرى الدكتور عمر الأشقر:(أن النية تطلق ويراد بها قصد العبادة، ويراد بها قصد المعبود، بل دلالة النية على المعنى الثاني أوضح وأظهر، كما جاء في الحديث"إنما الأعمال بالنيات"، وبذلك يصح قول من قال: وإخلاص الدين هو النية، وتخصيص النية بالإرادة المتوجهة للعبادة لا يعدو أن يكون اصطلاحا خاصا لبعض العلماء، أما لغة العرب ونصوص السنة فلا تدلان على تخصيصها بذلك) (3) ، ويقول الإمام السيوطي:(قال بعض المتأخرين الإخلاص أمر زائد على النية، ولا يحصل بدونها، وتحصل بدونه، ونظر الفقهاء قاصر على النية، وأحكامهم إنما تجري عليها، وأما الإخلاص فأمره إلى الله) (4) ، ويقول الشيخ عماد الدين الأسنوي: (الفرق بين النية والإخلاص أن النية تتعلق بفعل العبادة، أما إخلاص النية في العبادة فيتعلق بإضافة العبادة إلى الله) (5) .
__________
(1) حاشية ابن عابدين(1/414).
(2) التعريفات للجرجاني ص10.
(3) النيات في العبادات لعمر الأشقر ص29-30.
(4) الأشباه والنظائر للسيوطي(1/20).
(5) منتهى الآمال في شرح حديث إنما الأعمال بالنيات للسيوطي ص25.(6/8)
4) تعريف النية بعمل القلب ووجهته: قال التيمي (1) :(النية وجهة القلب) (2) ، وقال ابن تيمية:( النية عمل القلب، وهى أصل العمل، وإخلاص الدين لله، وعبادة الله وحده، ومتابعة الرسول فيما جاء به هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله) (3) ، وممن عرف النية بعمل القلب ابن نجيم الحنفي وابن عابدين والكساني والسرخسي (4) ، وتعريفها بذلك لا يخالف تعريفها بالقصد لأنهما من أعمال القلوب، إلا أن تعريفها بعمل القلب غير مانع لأنه قد لا يكون إرادة بل رغبة أو رهبة أو حبا أو كراهية، والإرادة قد لا تكون نية بل هما أو شهوة أو مشيئة، فتعريف النية بعمل القلب أعم إلا أن يقيد بما يميزه كما فعل البيضاوي بقوله: (النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا) (5) ، والعلماء يستحسنون تعريف البيضاوي ويتناقلونه (6) .
__________
(1) سليمان بن بلال التيمي مولاهم المدني أحد علماء البصرة، ثقة كثير الحديث مات سنة 172هـ. تهذيب التهذيب(4/175)، الكاشف(1/391).
(2) عمدة القاري للعيني (1/23).
(3) مجموع الفتاوى لابن تيمية (1/70).
(4) انظر: البحر الرائق لابن نجيم(1/353)، وحاشية ابن عابدين(1/80)، وبدائع الصنائع للكساني(2/161)، المبسوط للسرخسي (8/147).
(5) انظر: الكرماني على البخاري (1/18)، عمدة القاري (1/23)، فيض القدير (1/30)، الأشباه والنظائر للسيوطي(1/20).
(6) انظر: النيات في العبادات لعمر الأشقر ص 30-31.(6/9)
عظم قدر حديث النية عند العلماء: حديث النية رواه عُمَر بن الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - قال سمعت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "يقول إنما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أو إلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليه"، وهذا لفظ البخاري في صحيحه (1) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب بدء الوحي-كيف كان بدء الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - 1/3)، وفي (كتاب الإيمان-باب بَاب ما جاء أن الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى 1/30)، وفي(كتاب العتق-باب الخطأ وَالنِّسْيَانِ في الْعَتَاقَةِ وَالطَّلاق ونحوه 2/894)، وفي(كتاب فضائل الصحابة-بَاب هِجْرَةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابِهِ إلى الْمَدِينَةِ3/1416)، وفي(كتاب النكاح-باب بَاب من هَاجَرَ أو عَمِلَ خَيْرًا لِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ فَلَهُ ما نَوَى 5/1951)، وفي(كتاب الأيمان والنذور- باب النية في الأيمان والنذور6/2461)، وفي(كتاب الحيل- باب في تَرْكِ الْحِيَلِ وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى في الأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا 6/2551)، ومسلم في صحيحه(كتاب الإمارة-باب قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - إنما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فيه الْغَزْوُ وَغَيْرُهُ من الأَعْمَالِ3/1515)، وأبوداود في سننه(كتاب الطلاق- بَاب فِيمَا عُنِيَ بِهِ الطَّلاقُ وَالنِّيَّاتُ2/262)، والترمذي في سننه(كتاب فضائل الجهاد-بَاب ما جاء فِيمَنْ يُقَاتِلُ رِيَاءً وَلِلدُّنْيَا4/179)، والنسائي في سننه (كتاب الطلاق-باب بَاب الْكَلامِ إذا قُصِدَ بِهِ فِيمَا يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ 6/158) وفي (كتاب الأيمان والنذور- باب النِّيَّةُ في الْيَمِينِ 7/13)، وابن ماجة في سننه(كتاب الزهد-باب النية 2/1413)، وأحمد في مسنده(1/25-43)..(6/10)
وقوله - صلى الله عليه وسلم - "إنما الأعمال بالنيات" أصل عظيم من أصول الإسلام، فليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث، قال الإمام الشافعي: (يدخل في سبعين بابا من الفقه) وقال أيضا: (يدخل في هذا الحديث ثلث العلم) (1) ، وقد تواتر النقل عن الأئمّة في تعظيم قدر حديث النيّة، واتّفق الشافعي وأحمد بن حنبل وابن مهدي وابن المديني وأبو داود والدارقطني وغيرهم على أنه ثلث العلم، ومنهم من قال ربعه، وقال عبد الرحمن ابن مهدي: (ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب)، وكلام الإمام أحمد يدلّ على أنه أراد بكونه ثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث التي ترد إليها جميع الأحكام عنده، فإنّه قال: (أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"، وحديث: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هاذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" (2) ،
__________
(1) المجموع المذهب من قواعد المذهب للعلائي (1/37).
(2) حديث عائشة رضي الله عنها رواه مسلم في صحيحه (كتاب الأقضية – باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور 3/1343)، وابن ماجة في سننه(باب تعظيم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 1/7) وأحمد في مسنده(6/240-270)..(6/11)
وحديث: "الحَلاَلٌ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ" (1) )، ووجه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها، وقال أبوداود (2) : (
__________
(1) حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما رواه البخاري في صحيحه (كتاب الإيمان- باب فضل من استبرأ لدينه 1/28) وفي (كتاب البيوع – باب الحلال بين والحرام بين 2/723)، ومسلم في صحيحه(كتاب المساقاة – باب أخذ الحلال وترك الشبهات 3/1219،1221)، وأبوداود في سننه(كتاب البيوع – باب في اجتناب الشبهات 3/243)، والنسائي في سننه( كتاب البيوع – باب اجتناب الشبهات في الكسب 7/242)، وفي (كتاب آداب القضاة – باب الحكم باتفاق أهل العلم 8/230)، وفي (كتاب الأشربة – باب الحث على ترك الشبهات 8/327)، والترمذي في سننه( كتاب البيوع – باب ما جاء في الترك الشبهات 3/511) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة في سننه (كتاب الفتن – باب الوقوف على الفتن 2/1318).
(2) انظر: عمدة القاري (1/22)، شرح السيوطي لسنن النسائي(7/241-242)، مرقاة المفاتيح لعلي القاري(1/72)، طرح التثريب في شرح التقريب للعراقي(1/50)، تهذيب الكمال(11/364)، تاريخ دمشق(22/196-197)..(6/12)
ومدار السنة على أربعة أحاديث: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"، و"مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ" (1) ، و"الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ"، و"إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّباً" (2) )، وعنه أيضاً: (الفقه يدور على خمسة أحاديث: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" و"الحَلاَلُ بَيِّنٌ" و"لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَار" (3)
__________
(1) حديث أبي هريرة - صلى الله عليه وسلم - ذكر البخاري أوله في صحيحه تعليقا (كتاب الإيمان – باب حسن إسلام المرء 1/24)، والترمذي في سننه (كتاب الزهد 4/558) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من هذا الوجه وحديث علي بن الحسين أصح عندنا من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، ورواه ابن ماجة في سننه(كتاب الفتن – باب كف اللسان في الفتنة 2/1315)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: روي الحديث عن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، رواه أحمد والطبراني في الثلاثة ورجال أحمد والكبير ثقات. مجمع الزوائد (8/18)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة (2/360).
(2) حديث أبي هريرة - صلى الله عليه وسلم - رواه مسلم في صحيحه (كتاب الزكاة – باب الحث على الصدقة 2/703)، والترمذي في سننه(كتاب تفسير القرآن – باب ومن سورة البقرة 5/220) وقال: هذا حديث حسن غريب، ورواه أحمد في مسنده(2/418).
(3) سيأتي تخريجه في المبحث الثاني: لاضرر ولا ضرار..(6/13)
و"مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (1) )، وقال الدارقطني: أصول الأحاديث أربعة:("الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ" و"مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ" و"الْحَلاَلُ بَيِّنٌ" و"ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ" (2)
__________
(1) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه البخاري في صحيحه (كتاب الاعتصام بالسنة – باب الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 3/2658)، ومسلم في صحيحه (كتاب الحج- باب فرض الحج مرة في العمر 2/975)، وفي (كتاب الفضائل – باب توقيره - صلى الله عليه وسلم - 4/1830)، وابن ماجة في سننه (باب اتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 1/3)، وأحمد في مسنده(2/482،355، 247)، وابن حبان في صحيحه(1/199،200،202،465،466-9/18،19. قلت: ربما اعتبر أبوداود طرفي الحديث حديثين.
(2) حديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - رواه ابن ماجة في سننه(كتاب الزهد – باب الزهد في الدنيا 2/1373)، والطبراني في معجمه الكبير(6/193)، قال الهيثمي: (هذا إسناد ضعيف، خالد بن عمرو قال: أحمد وابن معين أحاديثه موضوعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال ابن حبان: كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات لا يحل الاحتجاج بخبره، ثم غفل فذكره في الثقات..وضعفه أبو داود والنسائي وقال ابن عدي: عامة أحاديثه أو كلها موضوعة، قلت: وأورد له العقيلي هذا الحديث بهذا الإسناد وقال: ليس له أصل من حديث الثوري انتهى، وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية من طريق خالد ابن عمرو وضعف الحديث به، وقال النووي عقب هذا الحديث: رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة، وقال الحافظ عبد العظيم المنذري في كتاب الزهد من الترغيب: وقد حسن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بُعد لأنه من رواية خالد بن عمرو، وقد تُرك واتهم ولم أر من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة، لا يمنع كون رواية ضعيفا أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله، وقد تابعه عليه محمد بن كثير الصنعاني عن سفيان، ومحمد هذا قد وثق على ضعفه وهو أصلح حالا من خالد). مصباح الزجاجة (4/210). وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة(2/392).(6/14)
)، ويقول ابن تيمية: (المعنى الذي دل عليه هذا الحديث، أصل عظيم من أصول الدين، بل هو أصل كل عمل) (1) ، ويقول ابن القيم: (فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يُبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعمل تابع لها، يُبنى عليها ويصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يُستجلب التوفيق، وبعدها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة) (2) ، حديث النية متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون في كتبهم إلا الموطأ ، ووهم من زعم أنه
في الموطأ مغترا بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك.
حكمة مشروعية النية: بين العلماء (3) سبب مشروعية النية، وأن ذلك راجع إلى حكمتين:
الحكمة الأولى: التمييز، وله صور:أحدها: تمييز العبادات عن العادات، كتمييز غسل الجنابة عن غسل التبرد، وتمييز الجلوس في المسجد بين جلوس الاعتكاف وجلوس الاستراحة .
وثانيها: تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض، كتمييز الظهر عن العصر، وتمييز صوم أو صلاة الفرض عن النفل، وتمييز الصدقة عن الهدية، وتمييز الكفارة عن الصدقة، ونحو ذلك. وثالثها: تمييز معاني الأقوال ودلالاتها، فمن قال لزوجته: اذهبي إلى أهلك، وقصد به
الطلاق طلقت، وإذا لم يقصد الطلاق لم يقع.
الحكمة الثانية: التقرب إلى الله، وهذه النية هي التي تفصل بين العمل الخالص والعمل الذي يدخله الرياء، وغياب هذه النية يفقد ثواب العمل ويجعله هباء منثوراً.
أقسام النية عند الفقهاء:
للنية تقسيمات متعددة، منها ما يلي :
أولاً: تقسيم النية من حيث التأكيد وعدمه: (4)
__________
(1) مجموع الفتاوى (18/249).
(2) إعلام الموقعين (4/199).
(3) الأمنية في إدراك النية للقرافي ص20، والذخيرة للقرافي (1/241)، ونشر البنود على مراقي السعود للشنقيطي (1/29)، وقاعدة الأمور بمقاصدها للدكتور- الباحسين ص87-90.
(4) الفروق للقرافي (1/178).(6/15)
تنقسم النية من حيث تأكيدها للفظ وعدم تأكيدها إلى قسمين : نية مؤكِّدة، ونية مخصِّصة:
فالنية المؤكِّدة التي توافق معنى اللفظ، فإذا حلف بلفظ عام ونوى العموم كانت نيته مؤكدة للفظه، أما النية المخصصة التي تخصص مدلول اللفظ، فإذا حلف بلفظ عام ونوى التخصيص كانت نيته مخصصة للفظه.
ثانياً: تقسيم النية من حيث المقصود منها: (1)
تنقسم النية من حيث المقصود إلى قسمين: نية تثبت حكم العمل، ونية تثبت فضيلة العمل: فنية إثبات حكم العمل التي يتأثر الحكم بها وجودا وعدما، كنية الصلاة؛ فمن صلى بغير نية لم يعتد بصلاته. ونية إثبات فضيلة العمل: ما كان المقصود بها نيل فضيلة العمل، ولا يتأثر حكم العمل بها وجودا وعدما، ولكن بتركها يفقد فضيلة العمل، كنية غسل الثوب من النجاسة، ونية أداء الدين.
ثالثاً: تقسيم النية من حيث وجودها الفعلي والحكمي: (2)
تنقسم النية من هذه الجهة إلى قسمين: نية حقيقية، ونية حكمية:
فالنية الحقيقية الموجودة بالفعل والتي يستحضرها الإنسان، وتكون في أول العمل، وهي النية التي يذكر الفقهاء أنها شرط لصحة العبادة. أما النية الحكمية: المحكوم باستمرارها وبقائها وإن لم يستحضرها الإنسان، كنية الصائم في حال نومه، ونحو ذلك .
شروط النية: (3)
ذكر أهل العلم خمسة شروط للنية،إذا انخرم منها شرط فسدت النية وما يتبعها من عمل:
__________
(1) قاعدة الأمور بمقاصدها للدكتور- الباحسين ص 108.
(2) الذخيرة (1/248).
(3) انظر: في شروط النية: الأمنية في إدراك النية للقرافي ص 39، وقاعدة الأمور بمقاصدها للباحسين ص 69.(6/16)
الشرط الأول : عدم معارضتها لقصد الشارع، فإذا ناقضت نيةُ المكلف ما قصده الشارع كان العمل باطلاً، وبناء على هذا الشرط حكموا بمعاملة الإنسان بنقيض قصده (1) ، كمن قتل قريبه ليرث منه فإنه يمنع من الميراث، ومن طلق امرأته في مرض موته ليمنعها من الميراث فإنها لا تمنع، معاملة له بنقيض قصده السيئ، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: (كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل) (2) .
الشرط الثاني: مقارنة النية للعمل حقيقة أو حكماً، فلا بد أن ترتبط النية بالعمل من أوله إلى آخره، فلا يعتد بنية تأخرت عن العمل، ولا بنية تقدمت عليه تقدماً كثيراً، واستثنى بعض الفقهاء نية صوم النفل،لما روي عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قالت: قال لي رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ: "يا عَائِشَةُ! هل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قالت: فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عِنْدَنَا شَيْءٌ.
قال: "فَإِنِّي صَائِمٌ" (3) .
الشرط الثالث: الجزم وعدم التردد، فلا يعتد بنية غير جازمة؛ لأن التردد والشك لا تنعقد معه نية صحيحة، ولا تصح معه العبادة (4) .
__________
(1) المغني لابن قدامة (9/195).
(2) الموافقات للشاطبي(2/333).
(3) رواه مسلم في صحيحه (كتاب الصيام – باب فضل الصيام في سبيل الله 2-808، 809)، والنسائي في سننه(كتاب الصيام – باب النية في الصيام 4/193،194،195)، والترمذي في سننه( كتاب الصوم – باب صيام التطوع من غير تبييت 3/111) وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجة في سننه (كتاب الصيام – باب ما جاء في فرض الصوم من الليل1/543)، وأحمد في مسنده(6/207).
(4) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 97.(6/17)
الشرط الرابع: عدم المنافي للنية؛ فإذا رفض المكلف النية في أول العمل أو وسطه بطلت نيته وعبادته، ووجب عليه استئنافها، ومما ينافي النية الردة، فإذا ارتد وجب عليه استئناف العمل الذي ارتد فيه (1) .
الشرط الخامس: الإخلاص، فمن نوى بعبادته غير الله بطلت، قال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } ]الكهف: 110[، وقال جل ذكره: { مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ - أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ]هود: 15- 16[ وفي الحديث القدسي عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عن الشِّرْكِ من عَمِلَ عَمَلا أَشْرَكَ فيه مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" (2) .
القاعدة الفقهية " الأمور بمقاصدها ":
__________
(1) المرجع السابق ص 88.
(2) رواه مسلم في صحيحه (كتاب الزهد والرقائق- باب من أشرك في عمله غير الله4/2289)، وابن ماجة في سننه (كتاب الزهد في الدنيا – باب الرياء والسمعة 2/1405)، وابن خزيمة في صحيحه (2/67)، والطبراني في معجمه الأوسط(6/324)، وأبو يعلى في مسنده(11/430).(6/18)
الأمور بمقاصدها أحد القواعد الفقهية الخمس التي يرجع إليها أكثر مسائل الفقه (1) وهي: الأمور بمقاصدها، واليقين لا يزول بالشك، والضرر يزال، والعادة محَكّمة، والمشقة تجلب التيسير. والقاعدة مكونة من شطرين: الأمور، والمقاصد. والمراد بالأمور في القاعدة: تصرفات المكلفين، وهي محصورة في الأقوال والأفعال والاعتقادات والتروك. والمقاصد : جمع مفرده مقصد وهو مصدر كالقصد، والقصد في اللغة : إتيانُ الشيءِ وأَمُّهُ (2) ، فالمقاصد هي النوايا، أما في اصطلاح الفقهاء فيقول القرافي: (هي قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله) (3) ، وعرَّفها الشافعية بأنها : (قصد الشيء مقترناً بفعله) (4) ، والمراد بالمقاصد في القاعدة: مقاصد المكلفين ونواياهم لا مقاصد الشارع . وبين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن مقاصد المكلفين نوعان: قصد عقلي، وقصد حيواني، والمراد بالقصد في القاعدة القصد العقلي، ويقول: (والمراد بالقصد القصدُ العقلي الذي يختص بالعقل، فأما القصد الحيواني الذي يكون لكل حيوان فهذا لا بد منه في جميع الأمور الاختيارية من الألفاظ والأفعال، وهذا وحده غير كاف في صحة العقود والأقوال، فإن المجنون والصبي وغيرهما لهما هذا القصد كما هو للبهائم، ومع هذا فأصواتهم وألفاظهم باطلة مع عدم التمييز) (5) ،
__________
(1) المجموع المذهب للعلائي (1/35-37).
(2) معجم مقاييس اللغة (5/95).
(3) الذخيرة للقرافي (1/240).
(4) إعانة الطالبين (1/37)، الإقناع للشربيني (1/38)، السراج الوهاج (1/41)، حاشية الجمل على شرح المنهاج (1/330).
(5) مجموع الفتاوى لابن تيمية (33/107)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/162)..(6/19)
فالمعنى الإجمالي لهذه القاعدة أن أعمال العباد وتصرفاتهم معتبرة بالنيات والمقاصد، فالأعمال مرتبطة بها صحة وفساداً، وثواباً وعقاباً، وحديث الأعمال بالنية أصل القاعدة ومستند الفقهاء في تأسيسها، بل تعد القاعدة مطابقة للحديث منطوقاً ومفهوماً، لكن العلماء عدلوا عن صيغة الحديث إلى صيغة الأمور بمقاصدها لسببين (1) :
الأول : أن لفظ الأمور ولفظ الأعمال وإن كان كل منهما عاماً يشمل كل تصرف قولي أو فعلي في اللغة، إلا أن بعض العلماء يرى أن الأعمال خاصة بما يصدر عن المرء من أفعال دون الأقوال، خلافا للفظ الأمور فهو شامل للأفعال والأقوال اتفاقا.
الثاني: أن العلماء اشترطوا في النية شروطاً متعددة جعلت النية أخص من القصد، فعدلوا إلى القصد لعمومه، يقول الدكتور يعقوب الباحسين: (وبهذا يتضح لنا أن التعبير بصيغة: الأمور بمقاصدها، ربما كان بسبب أنها كما تصورها بعض العلماء أعم من التعبير بصيغة: الأعمال بالنيات؛ لكون الأمور أوسع دائرة من الأعمال، ولكون المقاصد على رأي بعضهم أعم من النيات أيضاً) (2) .
تقدير محذوف في القاعدة:
في قوله - صلى الله عليه وسلم - : "الأعمال بالنيات" وقولهم: "الأمور بمقاصدها" لفظ محذوف لا يتم المعنى إلا به، وهو الذي يتعلق به الجار والمجرور، واختلف الفقهاء في تقدير هذا المحذوف على ثلاثة أقوال ذكرها ابن دقيق العيد (3) :
القول الأول: تقدير الصحة، وعليه يكون تقدير الحديث: صحة الأعمال بالنيات، وهو قول جمهور الفقهاء، ورجَّحَه بعض المحققين (4) .
__________
(1) انظر: قاعدة الأمور بمقاصدها للدكتور يعقوب الباحسين ص (48-50)، وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد ص53.
(2) قاعدة الأمور بمقاصدها، للدكتور- الباحسين ص 50.
(3) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد ص 54.
(4) انظر: فتح الباري (1/17-18).(6/20)
القول الثاني : تقدير الكمال، أي كمال الأعمال بالنيات؛ وهو رأي بعض الفقهاء؛ لأنهم رأوا أن بعض الأعمال يُعْتَدُّ بها وإن لم تصحبها نية كقضاء الحقوق من الديون ونحوها.
القول الثالث: تقدير الاعتبار، أي اعتبار الأعمال بالنيات (1) ، وقد رجح القرافي هذا التقدير، وهو اعتبار الأعمال بالنيات، حيث قال: (ومعنى هذا الحديث أن الأعمال معتبرة بالنيات وهذا أحسن ما قرر به، فوجب الحمل عليه، فيكون ما لا نية فيه ليس بمعتبر، وهو المطلوب) (2) ، ووجه ذلك أن لفظ الاعتبار أوسع من لفظ الصحة والكمال ؛ لأن المعنى حينئذ أن الأعمال تابعة للنية موزونة بها من حيث الصحة والفساد، والثواب والعقاب، والكمال والنقص وغير ذلك.
مجالات القاعدة :
قاعدة الأمور بمقاصدها ليست مقصورة على باب فقهي معين أو مسائل محدودة، بل تدخل في جميع أبواب الفقه، لأن موضوع علم الفقه أعمال المكلفين من حيث ما يعرض لها من الأحكام الشرعية، وهذه القاعدة موضوعها كذلك سائر تصرفات المكلفين وأعمالهم من حيث ما يعرض لها من مصاحبة النية المعتبرة لها أو عدم ذلك، ومما يبين وجه اتساعها أن لفظ: "الأعمال" ولفظ: "الأمور" لفظ عام، والعام يدخل تحته كل ما يشمله من أفراد، ومقتضى العموم في هذين اللفظين: لفظ الأعمال والأمور، يوجب أن كل عمل من الأعمال قولاً أو فعلاً أو تركاً، فرضاً أو نفلاً، فحكمه مرتبط بنيته صحة وفساداً، قبولاً ورداً، ثواباً وعقاباً،
__________
(1) المجموع المذهب للعلائي (1/37).
(2) الذخيرة للقرافي(1/241).(6/21)
ولسعة القاعدة وشمولها بيّن العلماء أنها تدخل في العبادات، والمعاملات المالية، والجنايات، والنكاح وما يتعلق به، وجل أبواب الفقه، وتأثيرها في هذه الأبواب يختلف ويتفاوت فتؤثر في العبادات تأثير الشرط في المشروط، فتكون العبادة التي لم تقترن بنيتها المعتبرة عبادة غير صحيحة، كما تؤثر في قبول العبادات وعدم قبولها؛ لأن النية تفصل بين الإخلاص والرياء، وتؤثر في بعض المسائل الفقهية تأثير السبب في المسبب، فتكون النية سبباً في تحريم الحلال كنكاح المحلل وأكل المحرم من الصيد الذي صيد لأجله، يقول ابن تيمية رحمه الله : (ولما دلت السنة على أن الصيد إذا صاده الحلال للحرام وذبحه لأجله، كان حراماً على المحرم، ولو أنه اصطاده اصطياداً مطلقاً، وذبحه لكان حلالاً له وللمحرم، مع أن الاصطياد والذكاة عمل حسي أثرت النية فيه بالتحليل والتحريم، عُلِم بذلك أن القصد مؤثر في تحريم العين التي تباح بدون القصد، وإذا كان هذا في الأفعال الحسية ففي الأقوال والعقود أولى، يوضح ذلك أن المحرم إذا لم يعلم ولم يشعر، وإنما الحلال قصد أن يصيده ليضيفه به، أو ليهبه له أو ليبيعه إياه فإن الله سبحانه حرمه عليه بنية صدرت من غيره لم يشعر بها) (1) ، وتؤثر النية في المعاملات المالية، يقول ابن رجب الحنبلي: (وقد استُدِلَّ بقوله - صلى الله عليه وسلم - : "الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" على أن العقود التي يُقْصَد بها في الباطن التوصلُ إلى ما هو محرَّمٌ غير صحيحة، كعقود البيع التي يقصد بها الربا ونحوها) (2) ، كما تؤثر النية في الجنايات فتثبت العقوبة وتنتفي أحياناً تبعاً للنية، وتخفف أو تشدد تبعاً لها أحياناً.
القصد من الهندسة الوراثية:
__________
(1) الفتاوى الكبرى (6/85).
(2) جامع العلوم والحكم (1/48).(6/22)
إن الباحث المسلم المتخصص يجعل من العمل في مجال الهندسة الوراثية عبادة وقربة لله عز وجل بحسن مقاصده واجتهاده في تتبع المصالح وتجنب المفاسد ما أمكنه ذلك، طلبا لرضوان الله - جل جلاله - وثواب الآخرة، ومدركا لخطورة التعديل الوراثي على المخلوقات، ومع ذلك إن لم يقصد الباحث المسلم أو غير المسلم ثواب الآخرة لا يكون العمل بالهندسة الوراثية غير مشروع شريطة أن يتتبع المصالح ويتجنب المفاسد ما أمكنه ذلك، دون عبث أو تلاعب بالجينات الوراثية، إلا أن الثواب يظل منحصرا في الدنيا دون الآخرة، قال تعالى: { مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } ]هود:[15، وقال - جل جلاله - : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } ]الشورى:20[، أما المقاصد الشريرة مخالفة لأصول شرائع الإسلام بالعبث والتلاعب بجينات مخلوقات الله، دون ضرورة أو حاجة ولإلحاق الأذى والضرر بها، ولا يدعي أحد من الباحثين في مجال التكنولوجيا الحيوية أن له مقاصد شريرة.(6/23)
إن الباحث المتخصص في الهندسة الوراثية إن أخطأ عن غير قصد أو تقصير فألحق الأذى بالمخلوقات ولم يرد إلا خيرا وبرا وإحسانا فلا حرج عليه، بل له أجر إن كان يريد وجه الله - جل جلاله - ، لما روي عن عَمْرِو بن الْعَاصِ أَنَّهُ سمع رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إذا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وإذا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" (1) ، يقول الإمام النووي: (قال العلماء أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكمٍ عالمٍ أهل للحكم، فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده، وفي الحديث محذوف تقديره إذا أراد الحاكم الحكم فاجتهد، قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم، ولا ينفذ حكمه سواء أوافق الحق أم لا، لأن إصابته ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه سواء أوافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك) (2) ، وكذلك كل مجتهد في تخصصه فيما يسوغ فيه الاجتهاد.
المقاصد المعلنة للهندسة الوراثية:
1- في مجال البحث العلمي : بحث علمي بحت لتحقيق أغراض علمية.
2- في المجال الطبي: العلاج الجيني للأمراض.
3- في المجال الاقتصادي: تحسين خصائص الكائنات الحية من أجل زيادة إنتاجها أو رفع نوعيتها وفق طبيعة استخدامها.
مبررات الهندسة الوراثية ( في نظر الباحثين و العاملين في هذا المجال):
1- ضرورة فهم الشيفرات الوراثية للكائنات الحية.
2- تفشي الأمراض المستعصية.
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة – باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ 6/2676)، ومسلم في صحيحه (كتاب الأقضية – باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ 3/1342)، وأحمد في مسنده (4/204).
(2) شرح صحيح مسلم للنووي (12/14).(6/24)
3- الكثافة السكانية المتزايدة، وعدم كفاية الموارد الحالية لسد احتياجات الإنسان من الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي، سواء لأغراض غذائية أو صيدلانية أو حياتية، ولعل هذه المقاصد والمبررات مشروعة طالما تحقق الخير والنفع للإنسان، إلا أن الغاية لا تبرر الوسيلة، فكذلك الوسيلة لابد أن تكون مشروعة ومنضبطة بالضوابط الشرعية.
خطورة الهندسة الوراثية: (1)
يقول الباحث البريطاني آرباد بوزستاي: (مع ولادة الهندسة الوراثية أخطر فروع علم الحياة، صار بالإمكان تفصيل كائنات حية دقيقة تقوم بمهامّ متباينة لم تكن تخطر على البال، وتحوّلت جهود الإنسان في تحسين الأحياء من مجرّد متابعة المخلوقات الطبيعية وهي تتكاثر وتتحسن أجيالها إلى التدخل في الشيفرة الوراثية لهذه المخلوقات باستخدام تقنية القطع والوصل والترقيع في بنية المورثات الجينية، أي تفصيلها في نهاية المطاف حسب الطلب، لتقوم بمهامّ صناعية محددة، وبشَّر ذلك بثورة زراعية تتيح وفرة من الغذاء عن طريق زراعة أصناف محسنة وراثيًا من القطن والقمح والأرز والبطاطس، إنتاجها أكثر وتقاوم ظروف الجفاف والصقيع والملوحة والأمراض والحشرات، ويمكنها أن تنمو بأقل قدر من الأسمدة والمبيدات، وهناك وعود بنباتات تصنع غذاءها من الهواء مباشرة بدلاً من أن تستنزف التربة أو تعتمد على السماد).
__________
(1) انظر: بحث : مخاطر الهندسة الوراثية، لوجدي عبد الفتاح سواحل، على موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/scince21-3-00/scince1a.asp.(6/25)
تحوّلت الهندسة الوراثية على مدى ثلاثة عقود من مجال بحثي إلى تكنولوجيا فاعلة تدرّ بلايين الدولارات، يمسك بدفّتها كبار رجال الأعمال، يديرون تطبيقات الهندسة الوراثية وسط أعاصير السياسة والسوق والاستثمار والإعلام ومناورات تستهدف نهب فقراء العالم. ولما أعلن الباحث البريطاني (آرباد بوزستاي) في برنامج تليفزيوني بأن الفئران التي تم تغذيتها بنوع من البطاطس المعدلة وراثيًا (على نحو محدّد) قد تعرّضت لعدم اكتمال أجهزتها الداخلية، كما تعرّض جهاز مناعتها للوهن؛ اتسمت ردود فعل المستثمرين بالعصبية، فأقالت المؤسسة البريطانية الباحث من منصبه، وتوالت التداعيات فأقدم عشرون باحثًا من مختلف أنحاء العالم على الإعلان عن تضامنهم مع الباحث، وطالبوا بعودته إلى عمله وأكدوا أن نتائج أبحاثهم تتفق مع نتائج أبحاثه. واتخذت بعض الجهات العلمية موقفا متعقّلا صحيحا، وطالبت بتجميد الإنتاج التجاري للنباتات المعدلة وراثيًا حتى تتمّ دراسة الموضوع، وكان من بين هذه الجهات مجلة "نيتشر" NATURE العلمية البريطانية الراقية، واقترحت وقف الإنتاج التجاري للنباتات المعدلة وراثيًا لمدة ثلاث سنوات، إلا أن الحكومة البريطانية رفضت ذلك، وأعلن رئيس الوزراء البريطاني "توني بلير" أن النباتات المعدلة وراثيًا لا تنطوي على أي أضرار، وأنه شخصيًا يتناول الأطعمة التي تحتوي على مثل هذه النباتات، وفي تصريح رسمي قال :(إن أسوأ السبل هو إثارة مخاوف العامة قبل أن توضع الأدلة أمام الشعب)، واشتعل الجدل بين الأطراف المتنازعة حين ظهر أن قائمة المحتويات الملصقة على المعلبات لا تنص بصورة دقيقة على احتوائها مكونات معالجة وراثيًا، كما تبين أن 60% من المعلبات وأغذية الأطفال وألبانهم تحتوى على مكونات معدلة وراثيًا، مما يعني حرمان المستهلك من أبسط حقوقه في معرفة ما يشتريه ويأكله.(6/26)
إن دعم الحكومة للشركات البريطانية العاملة في مجال التقنيات الحيوية التي تحتلّ مركزًا طليعيًا على مستوى العالم يعود للحفاظ على وظائف العاملين فيها والذي يبلغ مئات الآلاف، وتجميد أعمالها سيضر هذه الشركات والعاملين فيها؛ ويفقد الصناعة البريطانية وضعها التنافسي المتميز، كل ذلك عزز ما يروجه البعض من أن الأغذية المعدلة وراثيًا إحدى تجارب العولمة التي تحول البيئة والناس على نطاق العالم كله إلى حيوانات تجارب للمصالح الغربية، ولما كان الحكم على الشيء فرعا عن تصوره نستعرض بعض التجارب التي استهجنها الأخلاقيون وحماة حقوق الإنسان والبيئة والحيوان ليتضح أثر القصد في الهندسة الوراثية على الحكم الشرعي:
1- جينات العُقم الوراثي: (1) إن الفلاح الذي يريد محصولاً وفيرا ومتميزا يحلم بحبوب معدلة وراثيًا مما تنتجه شركة "مونسانتو" الأمريكية أكبر شركات التكنولوجيا الحيوية في
__________
(1) انظر: جينات العُقم النباتي، الأغذية المعالجة وراثيًا، لوجدي عبد الفتاح سواحل، على موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1175751853013&pagename=Zone-Arabic-HealthScience%2FHSALayout(6/27)
العالم، والتي تنتج بذورًا لمختلف النباتات أُدمجت بها مورثات مقاومة للحشرات والأعشاب الضارة، وربما لإنتاج محصول أوفر، ولما كانت هذه البذور غالية الثمن يطمع الفلاح أن يعاود استخدام البذور التي تنتج عن زراعته، كما اعتاد الفلاحون منذ بداية معرفتهم للزراعة، إلا أن الشركة الأمريكية تشترط على المشتري في عقد البيع عدم معاودة استخدام البذور الناتجة عن زراعته، وعليه اللجوء إلى الشركة لشراء بذور جديدة بالثمن المرتفع لمعاودة زراعتها، لأن الشركة تمتلك حق الملكية الفكرية للبذور المعدلة وراثيًا، ولما صعب على الشركة التأكد من تنفيذ الفلاحين هذا الاتفاق لجأت إلى اختراع شيطاني مع شركة أخرى تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية وبدعم من وزارة الزراعة الأمريكية بإنتاج مورث يستخدم لإصابة البذور بالعقم، فإذا أدخل هذا المورث في المادة الوراثية للمحصول يصاب بالعقم حين يصل إلى مرحلة تكوين البذور، وبالتالي يستحيل زراعة البذور الناتجة عن زراعتها، وحصلت الشركتان على براءة الاختراع، بما يعطيهما حق التحكم في استخدام هذا المورث، وأطلقت منظمة Green Peace جرين بيس اسم (المدمِّر) على براءة اختراع مورث العقم، وأكدت أن غبار الطلع الناتج عن المحاصيل الحاملة للمدمِّر يمكن أن يتحرك مع الريح ويتزاوج مع المحاصيل الطبيعية والبرية بما يؤدي إلى إصابتها جميعًا بالعقم والقضاء على الحياة في كوكب الأرض.
2- بطاطس تطلب النجدة: (1)
__________
(1) انظر: بطاطس تطلب النجدة، لطارق يحيى قابيل- جامعة كليمسون – أمريكا- ولاية جنوب كارولينا الأمريكية- 2/1/2001م - على موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/scince21-3-00/scince1a.asp.(6/28)
تم الإعلان عن إنتاج بطاطس تتوهج في الظلام وتطلب السقاية والارتواء عند العطش؛ لتعمل كناقوس ينذر المزارعين عند احتياج النبات للماء، وعند إحساسه بالخطر، قاد هذا المشروع البروفيسور (أنتوني تريوافاس) الباحث بجامعةِ أدنبرة بالمملكة المتحدة، والذي قال في مستهل تعليقه على البحث: (هذه هي زراعةُ المستقبلِ، لقد حاولنا أَنْ نُصمّمَ طريقة لمُرَاقَبَةِ الحقول أثناء الزراعة ولم نجد حارسًا أحسن من النبات نفسه، الذي من الممكن أن يخبرنا بما يشعر به، وبما نريده من المعلومات التي نحتاجها عن المحاصيل أثناء زراعتها)، تم تحوير نبات البطاطس وراثيًّا بحقنه بجين ينتج بروتينًا متوهجًا يسمى جي إف بي (GFP)، ويتوهج هذا البروتين حال تعرض النبات للضغوط والإجهاد البيئي، وتم استخلاص هذا الجين من قنديل البحر المضيء "أيكوري فيكتوريا" الذي يتوهج عادة في حالة شعوره بالخطر وعند مهاجمة الأعداء، وقد شارك قائد هذا الفريق البحثي من قبل في عزل جين التوهج من قنديل البحر، كما شارك أيضًا في إنتاج طحالب ونباتات تبغ تتوهج في الظلام، ولقد كلَّل نجاح أبحاثه بإنتاج نبات البطاطس المضيء، ليكون أول نبات محصولي ذي أهمية اقتصادية يتوهج في الظلام، والجيل الأول من البطاطس المتوهجة غير مُعَدٍّ للاستهلاك الآدمي، فمن المحتمل أن ينتج هذا الجين بعض التأثيرات الجانبية، كبعض السموم أو مسببات الحساسية. ومن المتوقع أن يتم إنتاج نباتات أخرى من هذا النوع المضيء المتوهج؛ لتَقُوم بدور الحراس وتنذر المزارعين بالأخطار التي تحيق بالمزروعات. وأكدت تجارب سابقة نجاح التحوير الوراثي في إنتاج نباتات تتوهج في الظلام حال تعرضها للعديد من المؤثرات الخارجية، مثل الجروح والإصابة بالأمراض، ومما يثير الدهشة أن بعض النباتات المختبرة توهجت قبل إصابتها بمرض فطري بحوالي أسبوع كامل.(6/29)
إن الوهج الصادر من البطاطس لا يرى إلا بصعوبة بالعينِ المجردة، ولكن يُمكنُ أَنْ يظهر الوهج جليًّا باستخدام جهاز صغير يُحمل باليد، مما يعضد استخدام مثل هذه النباتات كجهاز إنذار وكناقوس للحماية من المخاطر التي تحيق بها، ومن الممكن أن توزع مثل هذه النباتات مع المحاصيل المهمة ولو بنسبة ضئيلة -بذرة واحدة لكل ألف بذرة من البذور العادية- مما يساعد المزارعين على سرعة التدخل في الوقت المناسب لرعاية المحاصيل والسيطرة على المرض، وستَبْدأَ الاختبارات الحقلية لهذه النباتات المحوَّرة وراثيًّا في العام المقبل 2002م، وأكد "تريوافاس" على إمكانية نقل الجين لأي نوع آخر من النباتات؛ ليعمل بنفس الكفاءة ولينذر المزارعين بقرب الإصابة بمرض معين أو بنقص عنصر ما في التربة، وتقدم هذه التقانة وسيلة مُثْلى لريّ النباتات في الوقت المناسب بالكم الأمثل من الماء المطلوب لتساهم في الحد من مشكلة نقص المياه الحادة في القرن الحادي والعشرين، الذي يعتبره العلماء قرن ندرة المياه.
إن الكائنات المضيئة المتوهجة في الظلام كانت حلمًا يداعب خيال الكثير من الباحثين منذ فترة ليست بالقصيرة؛ وذلك لأسباب علمية متعددة، ولهذا الجين المعزول من قنديل البحر مجالات تطبيقية عديدة في المجالات البحثية والتطبيقية والطبية والصناعية، ومن الممكن إيلاجه في أي نوع من الكائنات الحية ليعمل بنفس الكفاءة.
3- الأرنب الأخضر المتوهج: (1)
__________
(1) انظر: الأرنب الأخضر المتوهج، لطارق يحيى قابيل- جامعة كليمسون – أمريكا- ولاية جنوب كارولينا الأمريكية- على موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/scince-37/scince2.asp.(6/30)
أثار أرنب معدل وراثيًّا خلافًا حادًّا حول الاستمرار في التلاعب بجينات الكائنات الحية، فرفض الباحثون في المعهد الوطني للبحوث الزراعية الفرنسي، آي إن آر آي (INRI) إهداء أرنب مُعَدَّل وراثيًّا أنتجوه معمليًّا إلى فنان من شيكاغو يدعى "إدواردو كاك" يُريدُ أَنْ يَعْرضَ الحيوان كقطعة فنية حية في معرض بالولايات المتحدة الأمريكية، وسُمِّيت أنثى الأرنب المحوَّرة وراثيًّا "ألبا"، بعد أن حورت جيناتها لتشع لونًا أخضر تحت الظروف المعملية، وأكدت المتحدثة بلسان المعهد عدم السماح "لكاك" بعْرض ألبا كقطعة فنية حية، وقالت: (إن ألبا ستظل في المختبر كأي حيوان معملي آخر، وفنان شيكاغو علم بوجود ألبا من خلال محادثة مع أحد الباحثين الذين طوروها)، ونفت ما أعلن من قبل عن أن المعهد أنتج هذه الأرنبة خصيصًا تلبية لطلب الفنان الأمريكي، والذي ادعى أن هذا الأرنب سيستغل كرمز للتقارب الفكري بين الباحثين والمجتمع؛ لتأكيد دور بحوث الهندسة الوراثية الجديدة في تغيير الواقع والثوابت الحياتية.
قام باحثو المعهد بنقل جينات تحدث وهجًا عند تعرضها لبعض المؤثرات الخارجية من قنديل البحر( Jelly Fish) إلى الأرنب "ألبا" في مرحلة الجنين، وتنتج هذه النوعية من الجينات البروتين المشع الأخضر جي إف بي (GFB) ونتيجة لذلك تَتوهّجُ خلاياها مثل قنديل البحر تحت المجهر في الضوء الأزرق، ويبدو الأرنب ألبا طبيعيا في الضوء الأبيض، ولكن تتوهج عيونه وشواربه وفراؤه في الظلام تحت الضوء الأزرق. استخدم باحثو المعهد الفرنسي أسلوب الحقن المجهري للأجنة (zygote microinjection) بحقن جين البروتين المشع المعزول من فصيلة قنديل البحر المشع "أيكوري فيكتوريا" (Aequorea victoria)، بعد تعديل الجين ومضاعفته عدة مرات؛ ليصبح أكثر تأثيرًا بحيث يظهر توهجًا ملحوظًا بعد نقله إلى خلية البويضة.(6/31)
4- الفأر الأخضر المتوهج : (1) ولا تُعَدُّ "ألبا" أول كائن يُحوًّر ليشع في الظلام، بل سبقها عديد من المحاولات لإنتاج كائنات تتوهج في الظلام، وأول حيوان مفضل بطبيعة الحال هو الفأر، ولقد تم بالفعل إنتاج فأر محوَّر وراثيًّا؛ ليتوهج في الظلام لأول مرة في عام 1997م في اليابان، وتم استغلال الفأر المحوّر في الأغراض البحثية؛ ليزود الباحثين بمعلومات عن بعض العمليات الحيوية والبيولوجية، ولدراسة طبيعة بعض الأمراض وطبيعة التعبير الجيني عن طريق استخدام جينات قنديل البحر المتوهجة، وذلك لاقتفاء أثر بعض الجينات الهامة بطريقة سريعة، حيث يتوهج البروتين المشع في الظلام في حالة تنشيطه معمليًّا.
__________
(1) انظر: الفأر الأخضر المتوهج، الخبر على موقع آ ب س نيوز ABC news على شبكة الإنترنت:
http://abcnews.go.com/sections/science/DailyNews/rabbit_gm001006.html(6/32)
وصرح بعض الباحثين أن مثل هذا المشروع "مشروع طائش" وهو يُشعل المناقشة حول مثل هذه المشاريع، وحول حرية ممارسة مثل هذا التحوير الوراثي الجيني للكائنات الحية، وحول الهدف من مثل هذا العبث، ولقد ألقى مثل هذا النبأ الضوء على ما يحدث خفية في المختبرات بهذا المعهد، وأكد نشطاء حقوق الحيوان أن مشروع المعالجة غير ضروري وسخيف وغير مبرر، وأن إنتاج مثل هذا الحيوان قد يسلِّط الضوء على الفوضى المقبلة في تبديل صفات المخلوقات خلال البحوث الوراثية، بينما أكد باحثون آخرون أهمية مثل هذه البحوث، ولا ينبغي أن توصف بالعبث، فقد اقتحمت الهندسة الوراثية حياة البشر وفرضت نفسها على حياتهم باعتبارها "المنقذ"، الذي فتح آفاقًا بغير حدود لإنقاذ البشرية من الجوع والأمراض الفتاكة، فالهندسة الوراثية جاءت لتبقى، وحتى كبار المتحفِّظين عليها يصفون القرن القادم "بقرن التقنيات الحيوية" أو "عصر الجينات"، ومثل هذه التقنية تضيف للباحثين القدرة على اقتفاء الأثر الجيني، ومُراقبة تأثير العقاقير الجديدة ومعرفة تأثيرها مباشرة دون جراحة، كما يمكن استغلالها في أساليب العلاج الجيني الحديثة بلصق الجينات المشعة مع جينات معالجة للسرطان على سبيل المثال، واقتفاء آثارها باستخدام أجهزة حساسة للضوء، مما يساعد في سرعة العلاج ودقة تحديد الأورام السرطانية خلال الجراحة. ووصف أوسامو شيمومرا، عالم الأحياء الياباني الذي يُعَدُّ أول من اكتشف جين التَّوَهُّج في "أيكوري فيكتوريا" مشروع الأرنب المتوهج، بأنه مثير ولكنه ليس مهمًا. ويحاول العديد من الباحثين توظيف استخدام مثل هذه الجينات المتوهجة في الصناعة، فتم طرح مسدسات مائية في الأسواق لشركة تدعى "برولوم" حيث يَتدفّقُ منها ماء يحوي نسخا من الجينات المتوهجة، ليضيء السائل في حال تلامسه مع شخص ما، أو أي جسم يحتوي على الكالسيوم.(6/33)
ويعمل باحثون آخرون على تطوير أزهار وحشيش الحدائق وحلوى وأحبار تضيء وتتوهج في الظلام.
5- القردة أندي تتوهج بالبروتين المنقول إليها (1) : فاجأ الباحثون العالم بالإعلان عن ولادة "أندي"، أول قرد محور وراثيًّا؛ ليعلنوا للعالم أن القرن الجديد هو قرن الجينوم والعلاج الجيني، وأن أمراض البشر الوراثية قد تكون مجرد ذكرى في القرن الحادي والعشرين، هذا ما يؤكده باحثون وأطباء في الغرب الآن، من خلال رؤيتهم المستقبلية للطب والعلاج في الألفية الثالثة، إذا استمرت الأبحاث بمثل التسارع الحالي غير المسبوق. إن المسألة لم تعد ضربًا من الخيال العلمي أو التمني ؛ فبعد عشرات الأبحاث، استطاع الباحثون الوصول إلى نتائج هامة وإلى حلول وتقنيات جديدة تعتبر ثورة في العلاج الجيني، وكان آخرها أن أعلن الباحثون الأمريكيون بمركز "أوريجون" لأبحاث المخلوقات الرئيسة ـ وهي رتبة الثدييات التي تشمل الإنسان والقردة – أنهم أنتجوا أول قرد معدل وراثيًّا من نوع ريساس، الذي يعتبر أقرب الكائنات الحية إلى الإنسان من الناحية الجينية ، وذلك في إنجاز علمي يبشر بتطوير علاجات جينية للعديد من الأمراض البشرية المزمنة. جرت عملية التعديل الوراثي لبويضة القرد "أندي"، في أولى مراحل تكوينه عن طريق نقل جين التوهج المنقول من قنديل البحر "إيكوري فيكتوريا" الذي ينتج بروتينًا مشعًا يسمى بـ"جي إف بي" اختصارا لاسم بروتين الفلورسنت الأخضر– الذي يحدث وهجًا حال تعرضه للضغوط كحالات الإصابة بالأمراض مثلا- ويمكن تتبع هذا الوهج الفلورسينتي في خلايا القرد عن طريق متابعة الوهج الصادر من هذا البروتين تحت أنواع معينة من المجاهر في المختبر.
__________
(1) القردة أندي تتوهج بالبروتين المنقول إليها، تقرير نشر في مجلةscience "ساينس" العلمية في عددها الصادر الجمعة 12/1/2001.(6/34)
وبالرغم من أنه قد تم إنتاج عدة كائنات تتوهج في الظلام نتيجة لنقل هذا الجين نفسه؛ كالفأر والأرنب "ألبا" ونبات البطاطس، وبعض الطحالب والأزهار، فإن القرد "أندي" الكائن الأكثر رقيًّا من الناحية البيولوجية، الذي نقل إليه هذا الجين، ويعد من رتبة الرئيسيات التي تضم الثدييات ومنها الإنسان. وقد سبق للباحثين أن حوروا العديد من المخلوقات وراثيًّا مثل البكتيريا والخمائر المعدلة وراثيًّا لتنتج بروتينات بشرية منها الأنسولين، والأغنام التي تنتج بعد تعديلها وراثيًّا بروتينات بشرية تستخدم في صناعة الأدوية، لكن لم يسبق لأحد من قبل أن وضع جينًا غريبًا في حيوان من المخلوقات الرئيسة التي تضم القردة والبشر، وأفلح الفريق البحثي نفسه الذي شارك في إنتاج "أندي" في استنساخ قردة أطلق عليها اسم "تيترا"، وذلك من خلال تقسيم الجنين إلى شطرين؛ تماما كما يحصل بشكل طبيعي في حالة التوائم المتطابقة، وحاول الباحثون نقل هذا الجين بعد تحميله على المادة الوراثية لأحد الفيروسات إلى حوالي 244 بويضة قرد، ثم تم تخصيب البويضات بحقن السائل المنوي في البويضات مجهريا لتخصيبها، وكانت النتيجة تكوين 40 جنينا وحدوث خمس حالات حمل وولادة ثلاثة قرود فقط أحياء. ولم يبق من المواليد الثلاثة الذين حملوا الجين جميعا سوى القردة "أندي". وأطلق على القرد اسم ANDI الذي يعد اختصارا عكسيا (من اليمين إلى الشمال) لعملية التحوير الوراثي عن طريق إضافة أل دي إن إيه.(Inserted DNA)، ويؤكد الباحثون أن القِرَدَة كحيوانات تجارب تعد أفضل من ذباب الفاكهة والفئران المستخدمة حاليا في المختبرات؛ حيث تعتبر القردة أقرب الأنواع إلى البشر جينيا، وهي أقرب إلى الإنسان من الفئران والذباب.(6/35)
ويقول الباحثون في تقريرهم: إنه بالإمكان من خلال التقنية ذاتها إدخال تعديلات هامة بحيث تجعل القرود تحاكي الأمراض البشرية كسرطان الثدي والزهايمر والإيدز وأنواع عدة من الأمراض الوراثية، ويقولون: إن تعديل القردة بحيث تحمل جينات تسبب أمراضا للإنسان، يمكن أن يساهم في فهم أسرع لكيفية نمو الأمراض، واكتشاف علاجات جينية جديدة بوتيرة أسرع. وفي حال استنساخ هذه القردة من الممكن أن تستخدم النسخ المتطابقة في دراسة العقاقير وأنواع مختلفة من العلاج الجيني دون الحاجة إلى التشتت الناجم عن الاختلافات الجينية، ويمكن أن تؤدي هذه التقنية إلى إنتاج حيوانات متطابقة بقصد استخدامها في دراسة الأمراض التي يصاب بها البشر كالسكري ومرض الرعاش، ويؤكد البروفيسور "شاتن" قائد الفريق البحثي الذي أنتج "أندي": إن هذه القردة ستستخدم في ظروف واضحة المعالم، والمشروع لا يرمي إلى ولادة مئات من القردة لإجراء أبحاث عليها، وغايتنا ليست إصابة القرود بالمرض، وإنما اجتثاث الأمراض". وانتشار نبأ استخدام تكنولوجيا تحويل القردة إلى نماذج محاكية للبشر من أجل تجارب العلاج الجيني عن طريق إصابتها بالأمراض أولا ثم محاولة علاجها بعد ذلك أثار غضب جماعات الرفق بالحيوان، فقالت إحدى الجمعيات البريطانية العاملة في هذا المجال: إن التجربة الأمريكية تعني إنزال المزيد من الآلام والموت بالحيوانات الرئيسة، وقالت متحدثة باسم الجمعية: "إن هذه مجرد بداية، ولكن النتيجة في النهاية ستكون آلاما رهيبة، يكفي ما يحصل للقوارض كالفئران، أما أن يقوم الباحثون مقام الله مع جينات المخلوقات الرئيسة، فذلك مرفوض أخلاقيا".
الحكم الشرعي في تجارب الهندسة الوراثية بحسب مقاصدها: (1)
__________
(1) حاشية الرملي (4/344)، البحر الرائق (8/191)، المبسوط للسرخسي (11/221)، السيل الجرار(4/380).
وانظر: الضوابط الشرعية لإجراء التجارب على الحيوانات على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1122528614088(6/36)
إذا كان القصد من إجراء التجارب على الكائنات الحية تحقيق مصالح حقيقية للعباد لا
وهمية، وأغراض علمية لا يمكن تحقيقها إلا بها فهذا جائز، لأن الحيوان مسخر لمصلحة الإنسان، بل كل ما في الكون بما في ذلك الحيوان مسخر لمصالح الإنسان، قال تعالى: { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ } ]لقمان:20[، وقال جل ذكره: { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ]النحل:8[، وقد أجاز الشارع الحنيف إيلام الحيوان المباح الأكل بذبحه، وأكل الحيوان أقل منفعة للإنسان من العلم، فيمكن أن يجد الإنسان ما يأكله غير الحيوان، كما أجاز الشارع إيلام الفواسق من الدواب بقتلها (1)
__________
(1) المغني(3/136)، كشاف القناع(6/190)، حاشية الجمل على شرح المنهاج(2/522)، بدائع الصنائع(2/197)، المبسوط للسرخسي (12/113)، الفواكه الدواني (1/367)، الذخيرة للقرافي (13/288)،نيل الأوطار للشوكاني (8/295)..(6/37)
إن كانت تلحق ضررا بالعباد في أنفسهم أو أموالهم، أما إذا كان القصد من إجراء هذه التجارب العبث والتسلية، دون تحقيق مصلحة حقيقة فهذا حرام، لأنه إيلام للحيوان على غير الصفة التي أذن بها الشارع، ولما روى عن عَمْرِو بن الشَّرِيدِ قال: سمعت الشَّرِيدَ - رضي الله عنه - يقول: سمعت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إلى اللَّهِ عز وجل يوم الْقِيَامَةِ يقول: يا رَبِّ إِنَّ فُلانًا قَتَلَنِي عَبَثًا ولم يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ" (1) ، وعن ابن
__________
(1) رواه النسائي في سننه (كتاب الضحايا – باب من قتل عصفورا بغير حقها 7/239)، وابن حبان في صحيحه(كتاب الذبائح – باب ذكر الزجر عن ذبح المرء شيئا من الطيور عبثا دون القصد في الانتفاع به 13/214)، وابن ماجة في سننه(كتاب الذبائح – باب النهي عن صبر البهائم وعن المثلة2/1063)، وأحمد في مسنده(1/261، 273، 274، 280،284، 297، 340، 345)، قال الإمام الشوكاني: هذا حديث مروي من طرق قد صحح الأئمة بعضها. السيل الجرار(4/380)، وضعفه الألباني في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام ص47 حديث46.(6/38)
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تَتَّخِذُوا شيئا فيه الرُّوحُ غَرَضًا" (1) ، وهذا فيما إذا كان الرمي على سبيل اللهو أو التسلية أو تعلم الرمي، إذ يمكن اتخاذ هدف آخر ليس بذي روح، وبهذا المعنى تنوعت عبارات الفقهاء، فقال الحليمي: (ويحرم التحريش بين الكلاب والديوك لما فيه من إيلام الحيوان بلا فائدة) (2) ، وقال الإمام النووي في المجموع: (الكي بالنار إن لم تدع إليه حاجة حرام، لدخوله في عموم تغيير خلق الله وفي تعذيب الحيوان، وسواء كوى نفسه أو غيره من آدمي أو غيره، وإن دعت إليه حاجة وقال أهل الخبرة إنه موضع حاجة جاز في نفسه وفي سائر الحيوان) (3) ، وقال الإمام الجويني: (ويحرم جز الصوف من أصل الظهر ونحوه وكذا حلقه لما فيهما من تعذيب الحيوان) (4) . فكل حالة من إنجازات الهندسة الوراثية لابد من دراستها على حدة لمعرفة هدف الباحث وقصده ومدى المصالح المترتبة عليها وحقيقتها، أما إذا كانت المصلحة مختلطة بالمفسدة في تجارب الهندسة الوراثية فهذا ما سنتعرض له في المباحث القادمة من هذا الفصل -إن شاء الله-.
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه (كتاب الصيد والذبائح – باب النهي عن صبر البهائم 3/1549)، والنسائي في سننه (كتاب الضحايا – باب النهي عن المجثمة 7/239)، والترمذي في سننه(كتاب الأطعمة – باب ما جاء في كراهية أكل المصبورة 4/72) قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح وعليه العمل عند أهل العلم، ورواه ابن ماجة في سننه(كتاب الذبائح – باب النهي عن صبر البهائم وعن المثلة2/1063)، وأحمد في مسنده(1/261، 273، 274، 280،284، 297، 340، 345).
(2) حاشية الرملي (4/344).
(3) المجموع للنووي (6/163).
(4) مغني المحتاج (3/463)، نهاية المحتاج (7/243)، الإقناع للشربيني (2/483)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب(3/456)، حاشية الجمل على شرح المنهاج(4/529).(6/39)
وقد تداولت المجلات العلمية والمواقع العلمية على شبكة الإنترنت المهتمة بالهندسة الوراثية تأييدا أو رفضا صورا لبعض إنجازات التعديل الوراثي لا يمكن بحال من الأحوال الجزم بصحتها أو بطلانها لأسباب عديدة، منها التحفظ الشديد الذي تبديه مراكز أبحاث الهندسة الوراثية على سرية كثير من أبحاثها وكتمانها لأسباب تنافسية أو اقتصادية أو مجتمعية أخلاقية، وللتوتر الشديد بين المؤيدين والمعارضين لإنجازات الهندسة الوراثية، فما أن تعلن جهة عن إنجاز ما إلا وتجد من ينكره ويكذبه من جهة أخرى ويستبعد حدوثه.
دجاج معدل وراثيا كثير اللحم قليل الأحشاء وبدون ريش: (1)
قامت الجامعة العبرية في ريهوفوت بتعطيل جينات الريش والأجنحة وجين تكوين الشحم وجين الأحشاء الداخلية لتقليلها, وتحفيز جين اللحوم لتكثيره, فأنتجوا مخلوقا غريبا يشبه الدجاج، حي يتنفس ولا يتحرك في حالة بين الحياة والموت، وقلب صغير يساعد هذا المخلوق على البقاء فترة وجيزة ليكبر حجمه بالتغذية المباشرة لأيام قليلة، بلا ريش فيقلل تكاليف التهوية، وبلا أجنحة وشحوم قليلة ولحم كثير, وبلا أحشاء داخلية سوى القلب والرئتين, بما يسهل عمليات التنظيف و يقلل تكاليفها, ويزيد من أرباح الشركات العالمية، ويغري المستهلك بكبر حجمه وكثرة لحمه، وحكم الجواز أو الحظر مبني على الموازنة بين المصالح والمفاسد بعد دراسة مستفيضة لكل حالة على حدة.
دجاج معدل وراثيا كثير اللحم قليل الأحشاء وبدون ريش
Photo of mouse growing a "human ear" - a shape made of cartilage .
فأر مهندس وراثيا تنمو أذن بشرية على ظهره (2)
__________
(1) وكالة الأنباء رويترز 22 مايو 2002. انظر: موقع رويترز على شبكة الإنترنت:
http://ara.today.reuters.com
(2) انظر: Human cloning and Human genetics على موقع فيوتشر العلمي على شبكة الإنترنت:
http://www.globalchange.com/clone_index.htm.(6/40)
فأر مهندس جينيا أدهش الباحثين بقدراته الفائقة (1)
__________
(1) فأر مهندس وراثيا يمكنه أن يجري مسافة ستة كيلومترات بسرعة 20 مترا في الدقيقة، ولمدة خمس ساعات دون توقف ودون تعب، ويشبه سرعة شخص يقود دراجته صاعدا جبال الألب دون توقف، ويعيش حياة أطول من الفئران العادية، ويستمتع بالجنس أكثر، ويأكل كثيرا دون أن يصاب بالسمنة، وقد استولد الأمريكيون 500 فأر من هذا النوع، بتعديل جين للتمثيل الغذائي، يوجد له نظير في البشر، يقول أحد الباحثين: لم يكن الهدف من التجربة تقوية جينات البشر، ولكن ربما تستخدم النتائج لتطوير عقاقير تقوية قدرات الرياضيين. ولكن هل العلم الذي استولد هذا الفأر يريد أن يحقق ذلك في بني البشر؟؟ المصدر : صحيفة الإندبندنت البريطانية الإثنين 5 نوفمبر 2007م .(6/41)
المبحث الثاني: لاضرر ولا ضرار
جاء الإسلام بتحقيق مصالح العباد ودفع المضار عنهم في الدنيا والآخرة من خلال عقائده وتشريعاته ومقاصده، ليسمو بالإنسان إلى المكانة المرموقة التي أرادها الله - جل جلاله - له، قال تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } ]الإسراء:70[، وعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلي اللَّهِ من الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وفي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ولا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فلا تَقُلْ لو أَنِّي فَعَلْتُ كان كَذَا وَكَذَا؛ وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وما شَاءَ فَعَلَ، فإن لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" (1) ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه" (2) ،
__________
(1) رواه مسلم (كتاب القدر- باب بَاب في الأَمْرِ بِالْقُوَّةِ وَتَرْكِ الْعَجْزِ والاستعانة بِاللَّهِ وَتَفْوِيضِ الْمَقَادِيرِ لِلَّهِ 4/2052)، وابن ماجة في سننه (باب في القدر 1/31)، وفي (كتاب الزهد - باب الحكمة 2/1395)، والنسائي في السنن الكبرى (باب ما يقوله إذا غلبه أمر 6/159)، وابن حبان في صحيحه (ذكر الزجر عن أن يستعمل المرء في أسبابه اللو دون الانقياد بحكم الله جل وعلا فيها 13/28).
(2) رواه الحاكم في مستدركه على الصحيحين (كتاب البيوع 2/66) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في السنن الكبرى(كتاب الصلح- باب لا ضرر ولاضرار 6/69)، والدارقطني (كتاب البيوع 3/77). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/250)..(7/1)
وعن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَضَى أَنْ لا ضَرَرَ ولا ضِرَار (1) ، وعن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ (2) ،
__________
(1) رواه ابن ماجة في سننه (كتاب الأحكام – باب من بنى في حقه ما يضر بجاره 2/784)، والبيهقي في السنن الكبرى(كتاب إحياء الموات- باب من قضى فيما بين الناس بما فيه صلاحهم ودفع الضرر عنهم على الاجتهاد 6/156)، وفي (كتاب آداب القاضي- باب ما لا يحتمل القسمة 10/133)، وأحمد في مسنده(5/326)، قال الهيثمي:( روى ابن ماجة طرفا منه، ورواه عبدالله بن أحمد وإسحاق لم يدرك عابدة). مجمع الزوائد(4/204) وقال الهيثمي أيضا: (هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع). مصباح الزجاجة (3/48). وصححه الألباني بمجموع طرقه في صحيح سنن ابن ماجة (2/39).
(2) رواه ابن ماجة في سننه (كتاب الأحكام – باب من بنى في حقه ما يضر بجاره 2/784)، والطبراني في معجمه الأوسط(4/125)، )، والطبراني في معجمه الكبير(11/228،302) وأبو يعلى في مسنده(4/397)، وأحمد في مسنده(1/313)، قال الهيثمي:( هذا إسناد فيه جابر وقد اتهم) مصباح الزجاجة (3/48)، وقال في أسنى المطالب: (رواه مالك مرسلا ورواه أحمد وابن ماجة وغيرهما بسند فيه جابر الجعفي وهو ضعيف، وأخرجه ابن أبي شيبة والدارقطني بسند آخر وله طرق فهو حسن). أسنى المطالب للبيروتي الشافعي (3/323). وقال الألباني:(صحيح بمجموع طرقه). غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام ص158، وصححه في صحيح سنن ابن ماجة (2/39)..(7/2)
وقد روي الحديث عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه (1) ، وعن عائشة رضي الله عنها (2) ، وعن ثعلبة بن أبي مالك رضي الله عنه (3) ، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (4) ،
__________
(1) رواه مالك في الموطأ (كتاب الأقضية-باب القضاء في المرفق 2/745) مرسلا، والبيهقي في السنن الكبرى(كتاب الصلح- باب لا ضرر ولاضرار 6/69)، وفي (كتاب إحياء الموات- باب من قضى فيما بين الناس بما فيه صلاحهم ودفع الضرر عنهم على الاجتهاد 6/157)، والشافعي في مسنده (من كتاب اختلاف مالك والشافعي 1/224)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار(كتاب إحياء الموات- باب من قضى فيما بين الناس بما فيه صلاحهم ودفع الضرر عنهم على الاجتهاد 4/539). قال تقي الدين الهندي:(رواه مالك والشافعي عن يحي المازني مرسلا). كنز العمال (2/491). وقال النووي:(رويناه في الموطأ مرسلا وفي سنن الدارقطني وغيره من طرق متصلا وهو حسن). الأذكار ص 325. وقال العلائي:(له شواهد وطرق يرتقي بمجموعها إلى درجة الصحة). شرح الزرقاني(4/41). وقال أبو عمرو بن الصلاح: (هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به). جامع العلوم والحكم ص 304.
(2) رواه الدارقطني (كتاب في الأقضية والأحكام-باب في المرأة تقتل إذا ارتدت 4/227)، والطبراني في معجمه الأوسط(1/90، 307)، قال الهيثمي:(رواه الطبراني في الأوسط، وسمر بن أحمد بن رشدين وهو ابن محمد بن الحجاج بن رشدين، قال ابن عدي: كذبوه). مجمع الزوائد(4/110).
(3) رواه أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك الشيباني في الآحاد والمثاني (4/215)، والدارقطني في سننه (كتاب في الأقضية والأحكام-باب في المرأة تقتل إذا ارتدت 4/227)، والطبراني في معجمه الكبير(2/86)، قال الهيثمي:(رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس) مجمع الزوائد (4/110) .
(4) رواه الطبراني في معجمه الأوسط (5/238)..قال الهيثمي: وفيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس. مجمع الزوائد (4/110).(7/3)
الحديث من الأحاديث الجامعة التي جمعت أحكاما كثيرة، وقاعدة من قواعد الدين العظيمة، وتنازع العلماء في وصله و إرساله، وأقل شأنه الحسن لكثرة شواهده، والإرسال في بعض طرقه لا يعل الوصل في طرقه الأخرى.
الضرر لغة واصطلاحا:
الضرر لغة: الضُّر الفاقة والفقر، بضم الضاد اسم، وبفتحها مصدر، وضَرَّه يَضُرَّه من باب قتل إذا فعل به مكروها، يتعدى بنفسه ثلاثيا، وبالباء رباعيا أضر به، قال الأزهري: كل ما كان سوء حال وفقر وشدة في بدن فهو ضُّر بالضم، وما كان ضد النفع فهو بفتحها، وفي التنزيل { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ } ]الأنبياء:83[ أي المرض، والاسم الضرر، وقد أطلق على نقص يدخل على الأعيان، كرجل ضرير به ضرر من ذهاب بصره، وضاره مضارة وضرارا بمعنى ضره، وضره إلى كذا واضطره بمعنى ألجأه إليه وليس له منه بد، والضرورة اسم من الاضطرار، والضراء نقيض السراء ولهذا أطلقت على المشقة، والمضرة الضرر والجمع المضار، وَضَرَّةُ الْمَرْأَةِ امْرَأَةُ زَوْجِهَا، وَالْجَمْعُ ضِرَّاتٌ على الْقِيَاسِ، وَسُمِعَ ضَرَائِرُ، وَكَأَنَّهَا جَمْعُ ضَرِيرَةٍ مِثْلُ كَرِيمَةٍ وَكَرَائِمُ وَلا يَكَادُ يُوجَدُ لها نَظِيرٌ ، والضِّرُّ بكسر الضاد فهو أن يَتَزَوَّج الرَّجلُ امرأةً على ضَرَّة، فيقال فلان صاحب ضِرّ هكذا قاله الأصمعي، وامرأة مُضِرٌّ إذا كان لها ضَرَّةٌ ورجُل مُضِرٌّ إذا كان له ضرائر، وجمع الضَّرَّة ضرائر والضَّرتان امرأتان للرّجل سُمِّيتا ضَرَّتين لأن كل واحدة منهما تُضَارُّ صاحبتها، وكُرِه في الإسلام أن يقال لها ضَرّة وقيل جارَة. وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "ولا ضرار" أي لا يضار كل واحد منهما صاحبه، فالضرار منهما معا والضرر فعل واحد، أي لا يدخل الضرر على الذي ضره ولكن يعفو عنه. قال ابن الأثير : الضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه.(7/4)
وقيل : الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به ، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع، وقيل: هما بمعنى واحد والتكرار للتأكيد. (1)
الضرر اصطلاحا (2) : تنوعت عبارات الفقهاء في معنى الضرر المنفي في الحديث الشريف "لاضرر ولا ضرار"، ولم تختلف كثيرا عن المعنى اللغوي، قال سليمان الجمل: (قوله - صلى الله عليه وسلم - : "لاضرر ولاضرار" أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه، والضِرار فِعال من الضرر أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، إذ الضرر فعل الواحد والضرار فعل الاثنين أو الضرر ابتداء الفعل والضرار الجزاء عليه، وقيل الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع به، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع به، وقيل هما بمعنى واحد وتكرارهما للتأكيد) (3) . وعرف الزرقاني وابن حجر الهيتمي والمناوي الضرر بأنه: (إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً، والضرار إلحاق مفسدة بالغير على وجه المقابلة) (4) ، واستحسنه الشيخ الزرقا (5) وتابعه نجله الدكتور الزرقا (6) ،
__________
(1) تهذيب اللغة للأزهري(11/314)، تاج العروس(12/393)، المصباح المنير(2/360)، لسان العرب(4/482)، النهاية في غريب الحديث (3/81-82).
(2) انظر: حاشية الرملي(2/81)، حاشية ابن عابدين(5/ 127) ط. المطبعة الأميرية ببولاق، الطبعة الثالثة، تبيين الحقائق للزيلعي(4/244) ط. دار المعرفة- بيروت، فتح المبين لشرح الأربعين النووية لابن حجر الهيثمي ص211 ط. العامرة الشرقية في القاهرة 1322 هـ.
(3) حاشية سليمان الجمل على شرح المنهاج(5/206)، وانظر:تاج العروس(12/385)، لسان العرب(4/482)، تهذيب اللغة(11/314)، غريب الحديث لابن الجوزي(2/8)، مشارق الأنوار للقاضي عياض(2/57).
(4) فتح المبين لشرح الأربعين لابن حجر الهيتمي ص 237، شرح الزرقاني(4/40)، شرح سنن ابن ماجة(1/169)، فيض القدير(6/431).
(5) شرح القواعد الفقهية للشيخ لأحمد الزرقا ص165.
(6) المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا(2/977)..(7/5)
وقيل: إن الضرر المنفي يرجع إلى جهتين: جهة الشرع وجهة المكلف، أما من جهة الشرع فلا ضرر كائن في الشريعة سواء في العبادات أو المعاملات، فإن الشريعة لم تأت بالضرر للعباد، فإن تضرر المصلي بالقيام صلى قاعدا، وإن تضرر بماء الوضوء انتقل إلى التراب، وإن تضرر الزوج بعقد نكاح غشه فيه الولي بعيب معتبر فله فسخ العقد، فالضرر منتفٍ شرعا في العبادات والمعاملات بعدم تشريع ما فيه ضرر، وإن حصل الضرر يزال، وأما من جهة المكلف فالنفي بمعنى النهي، أي لا يجوز للمكلف فعل الضرر أو الضرار، والضرر قد يكون بالقول أو بالفعل أوبهما أو بالترك، ومثاله امرأة تصرع أحيانا، فتحتاج إلى حفظها، فإن لم يحفظها الزوج حتى ألقت بنفسها من شاهق، فعليه ضمانها، قال أبو الحسن الحرالي والبقاعي: (الضر بالفتح والضم ما يؤلم الظاهر من الجسم وما يتصل بمحسوسه؛ في مقابلة الأذى وهو إيلام النفس وما يتصل بأحوالها، وتشعر الضمة في الضُّر بأنه عن قهر وعلو، والفتحة بأنه ما يكون من مماثل أو نحوه) (1) .
__________
(1) فيض القدير(6/431)، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي(1/472)، نظم الدرر للبقاعي (6/431).(7/6)
في الحديث تحريم جميع أنواع الضرر إلا بدليل شرعي، لأن النكرة في سياق النفي تعم، وفيه حذف وأصله لا فعل ضرر أو ضرار بأحد في ديننا، أي لا يجوز شرعا إلا لموجب دليل خاص، وتزداد حرمة الضرر كلما ازدادت شدته، وقد دلت على ذلك نصوص كثيرة، منها: قوله تعالى: { لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } ]البقرة: 233[، وقوله تعالى: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } ]البقرة:231[، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "لا ضرر ولا ضرار"، ويباح الضرر بحق، كإدخال الضرر على أحد يستحقه لكونه تعدى حدود الله، فيعاقب بقدر جريمته، ومنها ارتكاب الضرر في حالة الضرورة، أو ارتكاب ضرر أخف تجنبا لضرر أشد إلى غير ذلك، وأخذ منه الشافعية أن للجار منع جاره من وضع جذعه على جداره وإن احتاج (1) ، وخالف أحمد (2) تمسكا بخبر "لا يمنع أحد جاره أن يضع خشبته على جداره" (3) ،
__________
(1) انظر: مغني المحتاج للخطيب الشربيني (2/187)، نهاية المحتاج للرملي (4/404-405).
(2) انظر: المغني لابن قدامة (4/324)، شرح منتهى الإيرادات (2/150) ، كشاف القناع(3/411)، الإنصاف للمرداوي(5/262-263).
(3) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه البخاري في صحيحه(كتاب المظالم – باب يَمْنَعُ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ في جِدَارِهِ 2/869)، ومسلم في صحيحه (كتاب المساقاة - بَاب غَرْزِ الْخَشَبِ في جِدَارِ الْجَارِ 3/1230)، وابن ماجة في سننه(كتاب الأحكام- باب بَاب الرَّجُلِ يَضَعُ خَشَبَةً على جِدَارِ جَارِهِ 2/783)..(7/7)
ومنعه الشافعية بأن فيه جابر الجعفي وقد ضعفوه (1) ، وقالوا: وبفرض صحته فقد قال ابن جرير: وإن كان ظاهره الأمر؛ لكن معناه الإباحة والإطلاق بدليل هذا الخبر وخبر "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" (2) . وقال ابن عبد البر:(لم تمنع أخاك ما لا يضرك، وقد قال مالك: للجار إذا تهورت بئره أن يسقي نخيله وزرعه من بئره، وهذا أبعد من غرز الخشبة في جدار الجار؛ إذا لم يكن يضر بالجدار، فإن خيف عليه أن يوهن الجدار ويضر به؛ لم يجبر صاحب الجدار على ذلك) (3) ، وقال ابن حبيب من المالكية: (الضرر عند أهل العربية الاسم، والضرار الفعل، أي لا تدخل على أحد ضررا بحال) (4) ،
__________
(1) يقصدون حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا" عن جَابِرٍ عن عِكْرِمَةَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - :"لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضرار، وَلِلرَّجُلِ أن يَجْعَلَ خشبة في حَائِطِ جَارِهِ وَالطَّرِيقُ الْميتَاءُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ" وقد سبق تخريجه من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، إلا أن رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - تقدم تخريجها في الصحيحين.
(2) حديث أبي بكرة - رضي الله عنه - رواه البخاري في صحيحه(كتاب الحج-باب الخطبة أيام منى 2/620)، وفي (كتاب الأضاحي – باب قسمة الإمام الأضاحي بين الناس 5/2110)، وفي (كتاب التوحيد – باب قول الله - جل جلاله - وجوه يوم ناضرة إلى ناظرة 6/2703)، ومسلم في صحيحه(كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات 3/1305)، وأحمد في مسنده(5/37،40، 49)، والبيهقي في سننه الكبرى(5/165- 6/92).
(3) الاستذكار لابن عبد البر(7/191)، التمهيد لابن عبد البر(20/158).
(4) شرح الزرقاني(4/40)، جامع العلوم والحكم ص304..(7/8)
وقال ابن الصلاح وابن عبد البر: (الضرر الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة، والضرار ما ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة) (1) ، والتفريق بين الضرر والضرار أولى، لأن الأصل في كلام العرب التأسيس لا التأكيد، والضرر ظاهر منه انتفاع فاعله لغة، أما الإضرار ففيه معنى المفاعلة، والظاهر منه عدم انتفاع فاعله.
أتواع الضرر: الضرر أنواع أربعة:
النوع الأول: أن يقع الضرر بلا غرض صحيح ولا فائدة، بل يكون المقصود منه الإضرار المحض، دون أن يكون هناك نفع لمن أوقع الضرر, أو أن يكون له غرض فاسد لا يجوز فعله، وهذا النوع محرم مطلقًا (2) ، ولا يجوز في حال من الأحوال, ومن أمثلته: مضارة الزوج لزوجته، بحيث يمسكها بلا رغبة فيها، بل بقصد الإضرار بها، فيجعلها معلقة؛ لا هي ذات زوج ولا هي مطلقة، ومن أمثلته: أن يقصد الموصي بوصيته الإضرار بالورثة، وإنقاص نصيبهم من الإرث، وحروب الجينات العسكرية كما سيأتي.
__________
(1) انظر: الاستذكار لابن عبد البر(7/191)، التمهيد لابن عبد البر(20/158)، جامع العلوم والحكم ص304.
(2) انظر: جامع العلوم والحكم ص 304.(7/9)
النوع الثاني: الضرر الذي يدخله المكلف على غيره على وجه له فيه نفع، فإن كان على غير الوجه المعتاد، مثل أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف فيحترق ما يليه؛ فإنه متعدٍ بذلك وعليه الضمان، وإن كان على الوجه المعتاد؛ ففيه للعلماء قولان مشهوران أحدهما: لا يمنع من ذلك وهو قول الشافعي (1) وأبي حنيفة (2) وغيرهما، والثاني: المنع وهو قول أحمد (3) ووافقه مالك (4) في بعض الصور، فمن صور ذلك أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره، أو يبني بناء عاليا يشرف على جاره ولا يستره فإنه يُلزم بستره نص عليه أحمد. وقال الرملي من الشافعية: (يتصرف كل واحد من الملاك في ملكه على العادة في التصرف؛ وإن تضرر به جاره أو أفضى لإتلاف ماله؛ كأن سقط بسبب حَفْره المعتاد جدارُ جاره، إذ المنع من ذلك ضرر لا جابر له، فإن تعدى في تصرفه بملكه العادة ضَمِن ما تولد منه قطعا أو ظنا قويا كأن شهد به خبيران) (5) ، وكثير من المسائل الفقهية يجتمع فيها الضرر والنفع، فما كان معتادا والمصلحة فيه ظاهرة فجائز لأن مصالح الناس لا تتم إلا بأذى يصيب الآخرين، فمن أراد أن يبني بناء بجانب جاره فلا بد أنه يشعل نارا وقد تنبعث الأتربة والأصوات التي تؤذي الجار، لكن هذا معتاد لا بد منه ومصلحته ظاهرة، فالضرر فيه غير منفي شرعا لأن أمور الناس لا تصلح إلا بهذا، أما إذا كان الضرر غير معتاد ومصلحته غير ظاهرة فيجب إزالته، كأن يحفر بئرا بجانب بئر صاحبه فيسحب ماءه، والماء لمن سبق؛ فيؤمر المتأخر بأن يزيل الضرر؛ لأنه غير معتاد، ولا مصلحة فيه ظاهرة له؛ لأن مصلحة الأول متقدمة عليه.
__________
(1) انظر: نهاية المحتاج للرملي (3/337).
(2) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (6/264)، المبسوط(23/161).
(3) انظر: جامع العلوم والحكم ص 306.
(4) انظر: المدونة الكبرى(14/529)، منح الجليل(6/312).
(5) نهاية المحتاج للشربيني(3/337).(7/10)
يقول الإمام الكاساني من الحنفية: (للمالك أن يتصرف في ملكه أي تصرف شاء سواء، كان تصرفا يتعدى ضرره إلى غيره أو لا يتعدى، فله أن يبني في ملكه مرحاضا أو حماما أو رحى أو تنورا، وله أن يُقعد في بنائه حدادا أو قصارا، وله أن يحفر في ملكه بئرا أو بالوعة أو ديماسا؛ وإن كان يهن من ذلك البناء ويتأذى به جاره، وليس لجاره أن يمنعه حتى لو طلب جاره تحويل ذلك لم يجبر عليه ; لأن المِلك مطلق للتصرف في الأصل، والمنع منه لعارض تعلق حق الغير به، فإذا لم يوجد التعلق لا يمنع؛ إلا أن الامتناع عما يؤذي الجار ديانة واجب للحديث، قال عليه الصلاة والسلام: "المؤمن من أمن جاره بوائقه" (1) ، ولو فعل شيئا من ذلك حتى وهن البناء وسقط حائط الجار لا يضمن ، لأنه لا صنع منه في مِلك الغير)، (2) والملاحظ هنا أن الحنفية يفرقون بين الحق القضائي في الضرر، وبين الحق الأخلاقي والديني في التعامل مع الجار، فقد يؤذي جاره دون مستمسك قضائي، ولكنه يسخط ربه ويضيع آخرته بإيذاء جاره، فعدم الضمان المادي في الضرر المذكور عندهم لا يعني الجواز بأي حال من الأحوال كما قال الإمام الكاساني:( إلا أن الامتناع عما يؤذي الجار ديانة واجب للحديث).
__________
(1) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه البخاري في صحيحه(كتاب الأدب-باب إِثْمِ من لا يَأْمَنُ جَارُهُ بوائقه 5/2240)، ومسلم في صحيحه(كتاب الإيمان- باب بَيَانِ تَحْرِيمِ إِيذَاءِ الْجَارِ 1/68)، وأحمد في مسنده(2/288-336-372)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين(كتاب الإيمان 1/53)، (4/182).
(2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (6/264).(7/11)
النوع الثالث: هو ما يكون إيقاعه بقصد العقوبة المشروعة من حد أو تعزير (1) , كمن أوقع جناية فقتل نفسا معصومة، أو أذهب طرفًا، أو جرح جرحًا، فإنه يُشرع لولي الدم القصاص، وللمجني عليه في طرف أو جرح أن يقتص لنفسه, فيوقِعُ ضررًا على الجاني، إلا أن هذا الضرر في مقابلة ضرر أوقعه عليه الجاني ابتداء، وكذلك إقامة حد القطع على السارق، وحد الرجم على الزاني المحصن, وهذه العقوبات والحدود انتصار للحق والمظلوم وردع للجاني, كما قال تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ]المائدة:38[، وقال تعالى: { وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ } ]الشورى:41[, والضرر المشروع الواقع في مقابلة الضرر يسمى إضرارًا؛ إما حقيقة لأن من يقام عليه الحد يتضرر؛ وإما مجازًا مقابلة له بإضراره، كقوله تعالى: { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } ]الشورى:40[، والحقيقة أن هذا الضرر فيه نفع عظيم للجاني بتطهيره، وللمجني عليه بتحصيل حقه، وللمجتمع بحفظه من ظهور الفساد، قال تعالى: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ]البقرة:179[.
__________
(1) انظر: جامع العلوم والحكم ص 304.(7/12)
النوع الرابع: منع الغير من التصرف في مِلكه؛ فيتضرر الغير بهذا المنع، كأن يمنع جاره من الانتفاع بملكه والارتفاق به، فإن كان يضر بمن انتُفع بملكه فله المنع، كمن له جدار واهٍ، لا يحمل أكثر مما هو عليه، فله أن يمنع جاره من وضع خشبة عليه، وإن كان لا يضر به؛ فهل يجب عليه التمكين ويحرم عليه الامتناع أم لا؟ فمن قال: لا يُمنع المالك من التصرف في مِلكه وإن أضر بجاره (1) ؛ قال هنا: للجار المنع من التصرف في مِلكه بغير إذنه، ومن قال بالمنع، اختلفوا على قولين: أحدهما: المنع وهو قول مالك (2) ، والثاني: أنه لا يجوز المنع؛ وهو مذهب أحمد (3) في طرح الخشب على جدار دار جاره، ووافقه الشافعي في القديم وإسحاق وأبو ثور وداود بن المنذر وعبد الملك بن حبيب المالكي وحكاه مالك عن بعض قضاة المدينة، وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِ " (4) .
__________
(1) انظر: الأم (7/230)، مغني المحتاج للخطيب الشربيني (2/187)، نهاية المحتاج للرملي (4/404-405)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (6/264).
(2) انظر: الاستذكار لابن عبد البر(7/192)، التاج والإكليل(5/175)، منح الجليل(6/332).
(3) انظر: المغني لابن قدامة (4/324)، شرح منتهى الإيرادات (2/150) ، كشاف القناع(3/411)، الإنصاف للمرداوي(5/262-263).
(4) تقدم تخريجه ص250.(7/13)
قال أبو هريرة: (مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم) ، وقضي عمر بن الخطاب رضي الله عنه على محمد بن مسلمة أن يجري ماء جاره في أرضه، وقال: (واللَّهِ ليمُرَّنَّ به ولو على بطنك) (1) ، وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد (2) ، ومذهب أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قناة في باطن أرضه، نقله عنه حرب الكرماني، ومما ينهى عنه من الضرر منع الماء والكلأ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ" (3) ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث لا يمنعن الماء والنار والكلأ" (4) ،
__________
(1) رواه مالك في الموطأ(كتاب الأقضية- باب القضاء في المرفق 2/746)، والشافعي في مسنده ص224، والبيهقي في السنن الكبرى (6/157)، وفي معرفة السنن والآثار (4/542)، وفي تهذيب الآثار مسند ابن عباس (2/791).
(2) الكافي لابن قدامة المقدسي(2/209).
(3) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه البخاري في صحيحه(كتاب المساقاة الشرب- بَاب من قال إِنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حتى يَرْوَى لِقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ2/830)، ومسلم في صحيحه(كتاب المساقاة- بَاب تَحْرِيمِ فَضْلِ بيع الْمَاءِ الذي يَكُونُ بِالْفَلاةِ وَيُحْتَاجُ إليه لِرَعْيِ الْكَلأِ وَتَحْرِيمِ مَنْعِ بَذْلِهِ3/1197)، وابن حبان في صحيحه (11/332)، والبيهقي في سننه الكبرى (6/152).
(4) حديث أبي هريرة - صلى الله عليه وسلم - رواه ابن ماجة في سننه(كتاب الرهون– باب المسلمون شركاء في ثلاث 2/826)، قال الهيثمي:(هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، محمد بن عبدالله بن يزيد المقري أبو يحيى المكي وثقه النسائي وابن أبي حاتم ومسلمة الأندلسي والخليلي وغيرهم، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين)..مصباح الزجاجة (3/81)، وقال ابن حجر العسقلاني والعراقي:(رواه ابن ماجة بإسناد صحيح). تلخيص الحبير(3/65) وتقريب الأسانيد وترتيب المسانيد(6/159).(7/14)
وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقا، وإن كان الماء لمالك الأرض، وهذا قول أبي حنيفة (1) والشافعي (2) وأحمد (3) وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم، والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانا بغير عوض للشرب وسقي الزروع، ومذهب أبي حنيفة (4) والشافعي (5) لا يجب بذله للزرع، واختلفوا هل يجب بذله مطلقا؟ أم إذا كان بقرب الكلأ وكان منعه مفضيا إلى منع الكلأ؟على قولين لأصحاب أحمد وأصحاب الشافعي (6) ، وفي كلام أحمد ما يدل على اختصاص المنع بالقرب من الكلأ، وأما مالك (7) فلا يجب عنده بذل فضل الماء المملوك بمِلكِ منبعِه ومجراه إلا للمضطر، كالمحاز في الأوعية، وإنما يجب عنده بذل فضل الماء الذي لا يُملك، وعند الشافعي يجوز منع فضل الكلأ إلا في أرض الموات، ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد أنه لا يمنع فضل الكلأ مطلقا، وأما النهي عن منع النار فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس منها دون أعيان الجمر، ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار وهو بعيد، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها بها، بما لم يستدفئ بها أو ينضج عليها طعاما ونحوه لم يبعد. (8)
القاعدة الفقهية: لا ضر ولا ضرار قاعدة كلية:
دليلها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار".
معنى القاعدة:
__________
(1) انظر: بدائع الصنائع (6/189)، البحر الرائق(8/242)، تبيين الحقائق(4/48).
(2) انظر: كفاية الأخيار(1/302).
(3) انظر: المبدع (5/253)، كشاف القناع (4/189).
(4) انظر: بدائع الصنائع (6/189)، البحر الرائق(8/242)، تبيين الحقائق(4/48).
(5) انظر: كفاية الأخيار(1/302).
(6) انظر: مغني المحتاج(2/375).
(7) انظر: حاشية الدسوقي(4/72)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد(2/126).
(8) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ص 309.(7/15)
أن كل ضرر ينشأ عن إحداث أمر غير مشروع يكون منفياً، ويتمثل النفي بالدفع قبل الوقوع بالحيلولة والمنع، والرفع بعد الوقوع بالإزالة والضمان. و"لا" في القاعدة نافية للجنس، وهي تعمل عمل إن واسمها ضرر، وأما خبرها فمحذوف تقديره موجود أو مفعول، والمعنى لا ضرر موجود في الشرع، وهو الأذى أو المفسدة، وعلى هذا جاءت الشريعة بمراعاة مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم، فلا تكلفهم ما فيه ضرر عليهم, وحرمت عليهم أن يضروا أنفسهم بقول أو فعل أو سبب بغير حق. والقاعدة صيغت بالنفي، ومعلوم أن الضرر موجود في فعل المكلف, ولكن النفي هنا يراد به النهي؛ كقول الله سبحانه وتعالى: { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ] } البقرة:197[، فهو نفي يراد به النهي، والتعبير بالنفي وإرادة النهي للمبالغة في دفع الضرر.
أهمية القاعدة:(7/16)
إن قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) إحدى القواعد الكلية الكبرى التي عليها مدار الفقه الإسلامي، وتشتمل على فروع فقهية لا حصر لها، يقول علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي:(لا ضرر ولا ضرار قاعدة فيها من الفقه ما لا حصر له، ولعلها تتضمن نصفه، فإن الأحكام إما لجلب المنافع أو لدفع المضار، فيدخل فيها حفظ الضروريات الخمس الدين والنفس والنسب والمال والعرض) (1) ، ولأهميتها بني عليها أبواب فقهية كاملة، واندرج تحتها قواعد كلية عظيمة، ولأجل هذه الأهمية اعتبرها الفقهاء إحدى القواعد الكلية التي عليها مدار الإسلام، ويرى بعض الشافعية أن مَرَدَّ مذهب الشافعي رحمه الله تعالى إلى أربع قواعد: الأولى: (اليقين لا يُزَالُ بالشك)، والثانية: (المشقة تجلب التيسير)، والثالثة: (الضرر يزال)، الرابعة: (العادة مُحَكَّمَة) (2) ، وعليه تعتبر القاعدة ربع الفقه الإسلامي، فلا تكليف في الإسلام بما فيه ضرر، ولا نهي عما فيه نفع، بل ما أمرهم به عين صلاحهم في دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه عين فساد معاشهم ومعادهم، قال تعالى: { قلْ أمرَ ربِّي بالقِسْطِ } [الأعراف:29] وقال - جل جلاله - : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [الأعراف:33[
. القواعد المندرجة تحت القاعدة الكلية (لا ضرر ولا ضرار):
1. الضرر يزال.
2. الضرر يدفع قدر الإمكان.
3. الضرر لا يزال بمثله.
4. الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
5. يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
6. المشقة تجلب التيسير
7. إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما.
8. إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدّم أرجحهما.
9. القديم يترك على قدمه ما لم يكن ضررًا فاحشًا.
10. درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
11.الضرورات تبيح المحظورات.
12. الضرورات تقدر بقدرها.
__________
(1) التحبير شرح التحرير (8/3846).
(2) الأشباه والنظائر للسيوطي ص7.(7/17)
فهذه قواعد فقهية ضابطة لأحكام الضرر، متفرعة عن القاعدة الفقهية الكلية (لاضرر ولا ضرار)، تناولها الفقهاء وفصلوها وبينوا أحكامها، وسنستعرض ذلك في المبحث القادم –إن شاء الله تعالى-. (1)
أضرار الهندسة الوراثية:
أضرار الهندسة الوراثية لها وجهان:
1- أهم ما يميز مجال التحوير الوراثي الجدل القائم حالياً حول أثر الأنواع والمنتجات المحورة وراثياً على صحة الإنسان والحيوان وعلى البيئة بشكل عام، ورغم أن الأدلة العلمية ليست حاسمة حتى الآن، فإن التخوف قائم من الآثار السمية والتحسسية للبروتينات المستخدمة في التحوير الوراثي، وخطر مقاومة الأجسام للمضادات الحيوية، والخطر الناجم عما قد يحدث من هجرة الجينات المحتملة إلى النباتات البرية والمحاصيل الزراعية، وخطر التقلص في التنوع الحيوي. وقد تفيد الهندسة الوراثية في تحسين بعض السلالات النباتية والحيوانية، إلا أن الضرر قد وقع لكثير من النباتات المعدلة وراثياً، لأن الغالب عند نقل جين بصفات وراثية معينة مرغوبة من نبات إلى آخر يفتقر إلى هذه الصفات؛ فإنه سيعمل بآلية أخرى في الوسط الجديد، فنقل الجين المسؤول عن الوقاية من الآفات في النبات قد يقضي على مناعة النبات الجديد وعلى قدرته الدفاعية، وصدق الله إذ يقول: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [القمر:49 ]، والحكم الشرعي لجميع أضرار الهندسة الوراثية المحتملة يعتمد على الموازنة الشرعية بين المفسدة والمصلحة لكل حالة على حدة. (2)
__________
(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي ص 85 ، ط. دار الكتب العلمية- بيروت.
(2) انظر: مخاطر الهندسة الوراثية - الشبكة الإسلامية- إسلام وب- فتاوى الشبكة الإسلامية- فتوى رقم 5386- 16صفر1420هـ، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/PrintFatwa.php?lang=A&Id=5386(7/18)
2- الممارسات الخاطئة لشركات الهندسة الوراثية العملاقة، وتحويلها علم الهندسة الوراثية إلى نفعي محض على حساب مصلحة الشعوب، فتمتلك هذه الشركات البحوث العلمية لتقنية التعديل الوراثي ومنتجات التعديل الوراثي، وهي الحََكَم على سلبياتها وإيجابياتها، كما تمتلك النفوذ لاستصدار القوانين والتشريعات لتحقيق مصالحها، ويشغل بال المزارعين تحكم الشركات الكبرى بوضعهم تحت هيمنتها بإنتاج البذور التي لا تعبر عن الصفات المرغوبة إلا بالكيماويات المنشطة التي تبيعها، فيضطر المزارع للاعتماد على الكيماويات التي تصنعها شركات البذور العالمية.
حروب الجينات:
1- حروب الجينات الاقتصادية:(7/19)
شركة مونسانتو (1) Monsanto العملاق المارد عالميا في إنتاج النباتات المحورة جينيا؛ لا تمر سنة إلا وتبتلع شركات في ميدان التعديل الوراثي، وباتت تحتكر أكثر من % 90 من ملكية براءات الاختراع للمنتجات المحورة جينيا في الولايات المتحدة الأمريكية.
__________
(1) جاء في موسوعة ويكيبيديا : مونسانتو شركة متعددة الجنسيات تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية الزراعية، وهي المنتج الأول في العالم لمبيد الحشائش جلايفوست تحت اسم راوند آب، مونسانتو أكبر منتج للبذور المعدلة وراثيا بلا منازع، وتملك 70-100% من أسواق بذور مختلف المحاصيل في العالم، ويسميها الناشطون المعارضون للأغذية المعدلة وراثيا (Monsatan) بمعنى الشيطان. مونسانتو لديها سجل تاريخي حافل بالمشاكل مع مزارعي الهند ولاسيما عندما شرعت باستخدام جينات العقم الوراثي في البذور التي باعتها في الهند، وأدت تلك الجينات إلى إنتاج بذور عقيمة لاتنبت، مما أدي إلى مظاهرات غاضبة ضد الشركة، كما فشلت بذور القطن المعدلة وراثيا في إنتاج محصول أوفر، كما وعدت الشركة، بالرغم من الأثمان الباهظة والقيود الشديدة التي تضعها الشركة على المزارعين، وتواجه مونسانتو في الهند حاليا ما تسميه قرصنة البذور لأن المزارعين الهنود أصبحوا يهجنون سلالات بذور خاصة بهم دون دفع مقابل الملكية الفكرية لمونسانتو. انظر: موقع موسوعة ويكيبيديا على شبكة الإنترنت: http://ar.wikipedia.org/wiki(7/20)
أصدرت شركة مونسانتو في يونيو 1998م بيانا أوردته الصحف والمجلات الأمريكية ومفاده: (إذا احتفظ الفلاح أو المزارع بالبذور المحورة جينيا وأعاد زراعتها؛ فعليه أن يعي أنه قد وضع نفسه في موقف مخالف للقانون؛ وعرض نفسه للتتبعات العدلية؛ لأن هذه البذور ملك شركة Monsanto ، والمزارع الذي يوقع عقدا مع مونسانتو ويتسلم البذور المحورة وراثيا ينص عقده على واجباته والتزاماته تجاه مونسانتو، ويشير العقد إلى العواقب الوخيمة التي تلحق المزارع عند مخالفة بنود الاتفاق، وأنه بمجرد إعادة زراعته للبذور بصفة غير شرعية فقد قام بقرصنةٍ تكلفُهُ غراماتٍ مالية تبلغ مئات الدولارات، علاوة على التعويض عن مصاريف التتبعات العدلية، وتعريض نفسه للخضوع عدة سنوات لمراقبة مزرعته وحساباته) (1) . وهذا أبلغ الضرر بمنع مالك البذور من التصرف في مِلكه.
__________
(1) انظر: واشنطن بوست يونيو 1998م.(7/21)
استنجدت شركة مونسانتو بالمحققين الخصوصيين من مؤسسة Pinkerton ذات التاريخ الحافل في مقاومة الحركات النقابية منذ القرن التاسع عشر، للكشف عن هوية المزارعين الذين يسرقون بذورها أويشترونها من السوق السوداء أويعيدون زراعتها، فاكتشفت مونسانتو زراعات لكولزا محورة جينيا في مزرعة أحد المزارعين الكنديين ويدعى بيرسي شمايزير Percy Shmeiser ويبلغ من العمر 70 سنة، فقامت بتتبعه عدليا بتهمة استعمال بذور محورة جينيا تمتلك براءتها شركة مونسانتو دون أن يقوم المزارع بتوقيع أي عقد مع الشركة، فحكمت المحكمة لصالح مونسانتو في مارس 2001م، ودفعته غرامة بقيمة 72800 فرنك، وأكد بيرسي شمايزير أن هذه البذور قد تسربت إلى مزرعته من المزارع المجاورة بفعل انتقال غبار الطلع وأنه هو المتضرر، إلا أن محكمة الاستئناف قررت رفض سبعة عشر دليلا قدمها بيرسي شمايزير، إلا أن هذا الأخير رفع دعواه إلى المحكمة العليا متهما قضاة محكمة الاستئناف بعدم الاكتراث بالطريقة التي تسربت بها هذه النباتات إلى مزرعته. توجه بيرسي شمايزير إلى المزارعين في جميع أصقاع الأرض، وهو اليوم يقوم بمحاضرات وندوات في العديد من بلدان العالم يشرح فيها المظلمة التي تعرض لها، وأصبح بيرسي شمايزير رمزا لمقاومة مزارعي العالم للكائنات المحورة جينيا. (1)
وفرت مونسانتو خطا ساخنا مجانيا للوشاية بالمزارعين الذين لا يحترمون عقودها، وتنتج أفلام الفيديو وتوزع الكتيبات الدعائية للنباتات المحورة جينيا، وتدعم المحاضرات والندوات وتدعو المتخصصين والباحثين والصحفيين من خارج المؤسسة ولاسيما من خارج الولايات المتحدة، وتتحمل مصاريف التنقل والسفر والإقامة لنشر الثقافة الإيجابية لهندسة الجينات
__________
(1) انظر: مجلة الجسور الثقافية الجامعة، باب العلوم وثورة الاتصالات - العدد (7) - السنة الأولى - أيلول/سبتمبر 2005م.(7/22)
وأهميتها، وترصد لذلك مليوني دولار سنويا. (1)
__________
(1) انظر: مجلة "لوموند ديبلوماتيك"، كاتبة البحث: آنياس سينايي- AGNES SINAI ، باحثة في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، باريس، جميع الحقوق محفوظة 2001© العالم الدبلوماسي، موقع البحث على شبكة الإنترنت:
http://www.mondiploar.com/palestine.php3?PHPSESSID=11c3d083d3e59c274e808c0ac28363b6(7/23)
السوجا المتقبلة لمبيد الأعشاب Round up: تمثل ثلثي المساحات المزروعة من النباتات المحورة جينيا، وتدعي مونسانتو أن استعمال هذا النوع من النباتات المتآلف مع مبيد الأعشاب يسمح باستعمال كميات أقل من مبيد الأعشاب، لكن الدراسات والبحوث المستقلة أكدت عكس ذلك، ففي سنة 1998م استعمل المزارعون كميات بلغت خمسة أضعاف الكميات المستخدمة في الزراعات التقليدية للسوجا، وقد احتاجت بعض مزارع السوجا المحورة جينيا إلى رش ما يقارب عشر مرات في السنة بالمبيد الفتاك، فلم تف مونسانتو بوعودها في السوجا المحورة جينيا المتقبلة للمبيد Round up، ومعلومات وزارة الفلاحة الأمريكية USDA كشفت عن استعمال مرتفع لمبيد الأعشاب بزيادة قدرها 11,5% عن السوجا التقليدية، بل أكدت بعض التقارير أن الزيادة بلغت30 % في بعض الأحيان، وفي تقرير للمنظمة البريطانية للمزارعين البيولوجيين لسنة 2001م أكد أن إنتاج السوجا Round up كان أقل بنسبة 6 % من إنتاج نفس النوع من السوجا الطبيعية، كما تطلبت أربعة أضعاف الكمية من مبيد الأعشاب عنه في الزراعة التقليدية. وفي مؤسسة US. Northwest. ،Science and Environmental Policy Center اتهم شارلز بنبروك Charles Benbrouk مونسانتو بالتلاعب بالمعلومات الخاصة باستعمال مبيد الأعشاب، فقد أظهرت الأعشاب الضارة مناعة تجاه مبيد الأعشاب مما اضطر الفلاحين إلى استعمال كميات أكبر من مبيدات الأعشاب. (1)
__________
(1) انظر: مجلة الجسور الثقافية الجامعة، باب العلوم وثورة الاتصالات - العدد (7) - السنة الأولى - أيلول/سبتمبر 2005م.(7/24)
الكولزا (اللفت البري) المحورة جينيا المتقبلة لـ Round up : وهي الزراعة الأولى من حيث الأهمية في غرب كندا، وأصبحت الكولزا المحورة جينيا تحتل 40% من إنتاج غرب كندا، وتؤكد ومونسانتو أن استعمال مثل هذه البذور سيخفض من استعمال المبيدات. وفي 6 يناير 1996 سُمح لشركة Plant Genetic System ببيع الكولزا المحورة جينيا والمتقبلة لـGlufosinate ammonium وأليفة له؛ مع تخوف من انتقال جين التآلف إلى النباتات الطفيلية فتصبح منيعة ضد مبيد الأعشاب بالتلاقح مع الزراعات المحورة جينيا، وأكدت مونسانتو أن هناك مسافة عازلة تمنع من انتقال جين المناعة، إلا أنه في نفس السنة أثبت هولنديون متخصصون في البيوتكنولوجيا النباتية أنه يمكن لنبات بري طفيلي شديد التوالد والخصوبة التلاقح مع الكولزا ليصبح منيعا ضد الأعشاب، كما كان هناك خوف من تولد كولزا جديدة شديدة المناعة ضد مختلف أنواع المبيدات؛ فتصبح بذاتها نباتا طفيليا يهدد بقية المزورعات الأخرى، والحل اللجوء إلى مبيد أعشاب جديد أشد فتكا بالنباتات الطفيلية وهلم جرا. وقد تولدت فعلا الكولزا المنيعة ضد ثلاثة أنواع من مبيد الأعشاب، فبذل المزارعون قصارى جهدهم للتخلص منها، وفي سنة 2001م اضمحلت الكولزا غير المحورة جينيا في كندا، وأثار ذلك امتعاضا في أوساط المزارعين ودفع بعضهم إلى اقتلاع الكولزا المحورة جينيا، ولم تتمكن كندا من بيع الكولزا المحورة جينيا في أوروبا واليابان. (1)
فرنسا تتجه نحو حظر الذرَة MON810 المعدلة وراثيا بعد ألمانيا:
__________
(1) انظر: مجلة نيتشر "Nature " مارس 1996م.(7/25)
أعلن وزير البيئة الفرنسي "آلان جوبي"، عن عزمه على تجميد استعمال الذرَة المعدلة وراثيا MON810؛ المنتجة من طرف العملاق الأمريكي مونسانتو Monsanto؛ وذلك اقتداء بألمانيا التي جمدت ترخيص تسويق هذا المحصول، في انتظار وضع خطة لمراقبة تأثيرات هذه الذرَة على البيئة. وفي حوار وزير البيئة الفرنسي مع الصحيفة الفرنسية الباريسي Le Parisien، ونشر في 25 مايو/آيار 2007م، أعلن أن ألمانيا قامت مؤخرا بحظر ترخيص الذرَة MON810، وقال: (نحن في هذه الحالة سنقتدي بالخطوة الألمانية، والسبب في ذلك أنه تم مؤخرا اكتشاف إفرازات المادة السامة التي كان من المفروض أن تقتل الحشرة التي تتغذى على محصول الذرَة، إلا أن هذه المواد السامة تتصرف بصورة مختلفة عما كان ينتظر منها، ولكن هذا الأمر لا يجب أن يؤدي إلى تجميد البحث في مجال التعديل الوراثي، خصوصا في مجال الصحة والتغذية). (1)
وتهدف مونسانتو من تحوير الذرَة جينيا MON810 حماية المحصول من أحد أنوع الفراشات التي تتغذى يرقاتها على سيقان نبات الذرَة، ويتم سنويا زراعة ما يقارب 30 ألف هكتار من محصول MON810 بفرنسا.
__________
(1) انظر: صحيفة الباريسي "Le Parisien"، 25 مايو/آيار 2007م.(7/26)
وتوالت ردود الأفعال المرحبة بهذا التصريح، فقال: Arnaud Apoteker أروند أبوتكر مسؤول حملة المحاصيل المعدلة وراثيا لدى منظمة السلام الأخضر: (يعتبر تصريح وزير البيئة خبرا مفرحا، بشرط أن يتم الإسراع في ذلك، لأن موسم البذر قد بدأ، والخطر المترتب عن الذرَة MON810 على السلسلة الغذائية وعلى الأنظمة البيئية مجهول وغير محدد، والدراسات الخاصة بسلامة محصول MON810 من السمية غير كافية وتفتقر للكفاءة). وطالبت فدرالية فرنسا للطبيعة والبيئة من الوزير "آلان جوبي" حظر المحصول بدون انتظار إتمام عملية البذر، وذلك وفقا لنظم الاتحاد الأوروبي التي تسمح لأي حكومة منع استعمال المحاصيل المعدلة وراثيا، إذا ما أظهرت الدراسات العلمية وجود خطر على الصحة والبيئة. وإذا تمكنت فرنسا من حظر الذرَة MON810 فستنضم بذلك إلى عدة دول سبقتها لذلك؛ ألمانيا والنمسا واليونان والمجر وإيطاليا وبولونيا وسويسرا. (1)
القطن و اللفت المنيعان تجاه مبيد الأعشاب Round up: (2)
__________
(1) انظر: مجلة بيئتي، قضايا وأحداث بيئية (المواد السامة) 27 جمادى الآخرة, 1428هـ، وانظر: موقع بيئتي على شبكة الإنترنت:
http://www.beeaty.tv/index.cfm?method=home.con&ContentID=3336.
(2) انظر: مجلة الجسور الثقافية الجامعة، باب العلوم وثورة الاتصالات - العدد (7) - السنة الأولى - أيلول/سبتمبر 2005م.(7/27)
لاحظ المزارعون في دلتا المسيسبي في يوليو/تموز 1997م أن نباتات القطن شاحبة ومشوهة ولا تنمو بشكل طبيعي، فسجل قسم الفلاحة والتجارة في الميسيسبي 19 شكوى صادرة عن المزارعين، وكذلك الشأن بالنسبة لفلاحي مناطق Arkansas و Louisiane و Temessee و Texas. ، وعللت Monsanto ضعف المردود إلى شدة البرد في الربيع وكثرة الأمطار، إلا أن جميع التفسيرات والمبررات التي قدمتها Monsanto لم تقنع المزارعين، علما بأن مونسانتو خرقت القواعد المعمول بها بعدم الترقب ثلاث سنوات قبل البدء في تعميم زراعة القطن المحور وراثيا، فاضطرت مونسانتو إلى دفع غرامات للمزارعين قدرت بـ5 مليون دولارا. وفي 12 يناير/ حزيران 1998م أقر مجلس التحكيم حول البذور والتابع لوزارة الفلاحة الأمريكية والتجارة بمنطقة Mississipi أن القطن المنيع تجاه مبيد الأعشاب Round up لم يكن مطابقا للمواصفات والمعلومات الملصقة على حاويات البذور، فحكم مجلس التحكيم بتغريم مونسانتو بـ1,9 مليون دولارا للفلاحين المتضررين.
النباتات المنتجة لمبيد الحشرات: Bacillus Thuringiensis (1)
BT بكتيريا تعيش عادة في التربة، ولها خاصية إيجابية بإنتاج مواد سامة ضد الحشرات المضرة بالمزروعات بإفراز التُكسين Bt، وتستعمل في الزراعة التقليدية لأنها تتحلل بسرعة ولا تضر بالحشرات النافعة. فقامت شركة Monsanto بتحوير الذرة كي تصبح بذاتها منتجة للتُكسين BT المضاد للدودة النارية، والحقيقة أن الذرة Bt ليست منيعة ضد الدودة النارية فحسب بل تقتلها، وتنتج التُكسين Bt بصفة مستمرة بما يقارب عشرة آلاف إلى مائة ألف مرة عن الكمية التي تفرزها البكتيريا الطبيعية، علاوة على أن التُكسين Bt الذي تفرزه النبتة مختلف عن التُكسين الطبيعي لأنه يضاف للجين المغروس جينات فيروسية منشطة وجينات واسمة، وعندما تنتج الذرة التكسين Bt أوشبيهه بصفة دائمة يتولد مناعة قوية لدى الحشرات الضارة.
(
__________
(1) المصدر السابق.(7/28)
تكنولوجيا التعقيم) البذرة الانتحارية أو بذرة الموت (Terminator): (1)
Terminator أو البذرة الانتحارية براءة اختراع تمتلكها شركة Monsanto، وترمز Terminator إلى جملة من تقنيات الهندسة الوراثية تهدف إلى غرس ودمج جين يمنع نمو الحبة التي تم حصادها بعد الزراعة الأولى، ومنذ أن ابتكرت" Monsanto" بذرة الموت طلبت تسجيلها كبراءة اختراع في ثمان وسبعين دولة بهدف منع المزارعين من استعمال البذور مرة أخرى بشكل قانوني بإثبات ملكيتها الخاصة،إلا أن معظم هذه الدول رفضت ذلك، وتتم تقنية الحصول على البذرة الانتحارية كالتالي:
1- غرس جين وراثي انتحاري في النبات.
2- تنشيط الجين الانتحاري عن طريق مضاد حيوي Tétracycline.
__________
(1) الشيطان الأمريكي يدخل جينا في البذور لمنعها من التخصيب، وكالة الأخبار الإسلامية، 6 فبراير 2007م، وموقع وكالة الأخبار الإسلامية على شبكة الإنترنت http://www.islamicnews.net/(7/29)
ويمكن أن ينتقل الجين الانتحاري إلى النباتات الأخرى لتصبح انتحارية، وبانتقاله إلى العلف يمكن أن يؤثر على الحيوانات والطيور والحشرات والبكتيريا والطحالب. وقد تم إجراء تكنولوجيا التعقيم على بذور القطن والتبغ و يتواصل على الأرز والقمح، وهو انتصار لقانون الربح والجشع على حساب الأخلاق والحياة. إن تكنولوجيا التعقيم عبارة عن قاطع كهربائي يُفتح ويُغلق بحسب الرغبة، فيمكن تنشيط هذه الخاصية أوتثبيطها بعامل خارجي (مضاد حيوي). إن حروب الجينات الاقتصادية محورها الغذاء اليومي للشعوب، وقد أصبح مشروعا في العالم المتحضر، وعبرت المنظمة العالمية للتغذية والزراعة FAO عن موقفها المناهض للبذرة الانتحارية بتقاريرها عام 2000م؛ إلا أن المنظمة تراجعت عن ذلك في تقريرها في 17/5/2004م. إن هول المشروع يتجاوز الخيال، والمجاهرة بإنجازه وفرضه على الشعوب وقاحة قصوى لأنه خصخصة للكائنات الحية من النباتات والحيوانات حتى البكتيريا والفيروسات، ومن يدري لعل الإنسان نفسه يتحول يوما ما إلى براءة ملكية لإحدى هذه الشركات العملاقة. (1)
الفاو تعلن الحرب على المزارعين وليس على المجاعة:
هذا عنوان الرسالة المفتوحة التي أرسلتها المؤسسات والحركات والأفراد العاملون في حقل الزراعة والمهتمون بالقضايا الزراعية إلى جاكوس ضيوف المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ( الفاو): عزيزي ضيوف،
__________
(1) انظر: : جريدة الرياض، الأحد 8 جمادى الأولى 1427هـ - 4 يونيو 2006م - العدد 13859، وانظر: مجلة الجسور الثقافية الجامعة، باب العلوم وثورة الاتصالات - العدد (7) - السنة الأولى - أيلول/سبتمبر 2005م.(7/30)
نحن المؤسسات والحركات والأفراد الموقعين أدناه العاملين في حقل الزراعة والمهتمين بالقضايا الزراعية؛ نرغب بالتعبير عن غضبنا ورفضنا لتقرير الفاو الصادر يوم الاثنين -17/5/2004 - ، بعنوان ( التنوع التكنولوجي الزراعي : هل يلبي احتياجات الفقراء ؟) لقد استُخدم هذا التقرير في نطاق العلاقات العامة الموجهة سياسياً لغرض الترويج لصناعة التنوع التكنولوجي. إنه يروج للهندسة الجينية للبذور, ويدعو إلى توجيه التمويل نحو المزيد من الأبحاث في هذا المجال على حساب الابتعاد عن الطرق والوسائل الأكثر فائدة للبيئة التي يطورها المزارعون. وللأسف إن طريقة إعداد هذا التقرير والإعلان عنه في الصحافة أثار أسئلة خطيرة حول الاستقلالية الفكرية لمؤسسة الأمم المتحدة، فالتقرير أبعد منظمة الفاو عن مبدأ السيادة الغذائية والاحتياجات الحقيقية لمزارعي العالم، ويشكل طعنة في ظهر المزارعين والفقراء الذين أُسست منظمة الفاو من أجلهم.(7/31)
إننا نشعر بخيبة أمل كبيرة من انتهاك منظمة الفاو التزامها (والتزامك الشخصي) التشاور مع منظمات المزارعين الصغيرة والمجتمع المدني والمحافظة على الحوار مفتوحا. إن فشلك في التشاور مع هذه المنظمات قبل إعداد التقرير يعني أن الفاو أدارت ظهرها لأولئك الناس الذين هم الأكثر تضرراً من التكنولوجيا التي يروج لها تقريركم. فبدلاً من أن يوصي التقرير بتقوية دور المزارعين الصغار في إدارة التنوع الحيوي الزراعي وتحسين المحاصيل الضرورية لحياتهم؛ كما أوصت بذلك بعض نتائج الأبحاث الميدانية التي أجرتها الفاو سابقا؛ اقترح التقرير حلولاً تكنولوجية للمحاصيل الزراعية الحيوية للفقراء عن طريق تطويرها بتقنية نقل الجينات. إن المجاعة تنمو في العالم من جديد؛ بالرغم من أن الإنتاج العالمي من الغذاء للفرد الواحد قد ارتفع إلى حد لم يسبق له مثيل، فعدالة توزيع الغذاء أهم بكثير من التكنولوجيا، والدرس الأهم الذي تعلمناه من الثورة الخضراء أن التقدم التكنولوجي في محاصيل البذور سيؤدي إلى الاستقطاب الاجتماعي الاقتصادي وارتفاع نسبة الفقر والحرمان في الريف والمدن، علاوة على زيادة عدم الاستقرار الغذائي، ومأساة الثورة الخضراء بسبب نظرتها التكنولوجية المحضة التي تجاهلت العوامل الاجتماعية والتنظيمية المسببة للمجاعة، فتعزيز التكنولوجيا كان من أسباب المجاعة، وثورة الجينات الجديدة ستؤدي إلى تكرار أخطاء الثورة الخضراء.
ألم تتعلم الفاو شيئاً ؟(7/32)
أثبت التاريخ أن الذي يقلل المجاعة والفقر التغييرات التنظيمية التي تمكن المزارع من الحصول على الأرض والغذاء والقوة السياسية، مدعوما بتكنولوجيا زراعية وصحية تعتمد بحثا علميا يقوده المزارع نفسه. إن "الثورة الجينية" تعدنا بأن تأخذ بأيدينا في الاتجاه الصحيح، وهي تعتمد صناعة باهظة التكاليف؛ تهيمن عليها وسائل بحثية تستخدم تكنولوجيا احتكارية، ولو وُجهت تكنولوجيا التعديل الوراثي نحو شبكة أبحاث يقودها المزارعون أنفسهم فستؤدي إلى إنتاج بيوتكنولوجيا أكثر إنتاجا وعدلا وتناغما مع البيئة. وتقريركم الذي لا يتجاوز عدد صفحاته المائتين يحاول أن يبدو محايداً في الشكل؛ إلا أنه متحيز إلى درجة كبيرة، ويتجاهل الأدلة السلبية لمحاصيل المهندسة وراثية على البيئة والصحة والاقتصاد.(7/33)
فعلى سبيل المثال؛ يشير التقرير إلى أن المحاصيل المحورة جينياً أثمرت عن نتائج اقتصادية جمة للمزارعين، وساعدت في تقليل استخدام المبيدات، بناء على معلومات ميدانية لدراسات مختارة بعناية تتعلق بقطن BT، أما الأبحاث التي تناقض ذلك فقد تم تجاهلها تماما، وتجاهل الأبحاث التي أجريت في الهند، والتي اعتمدت على تجارب ميدانية أجرتها شركة مونسانتو نفسها عام 2001م، كما تجاهل التقرير المعلومات الناتجة عن زيارات حقول المزارعين التي قامت بها وكالات حكومية متنوعة وباحثون مستقلون خلال موسم عام 2002م، وتُظهر هذه الزيارات فشل قطن BT، ولم يُستَخدم في التقرير إلا دراسات محددة كانت نتائجها ناقصة؛ أجريت على قطن BT في المكسيك والأرجنتين وجنوب أفريقيا لتطوير القطن بنقل الجينات، كما أشار التقرير إلى دراسة أخرى ادعت تحقيق فوائد لمزارعي القطن في بوركينا فاسو ومالي؛ تضمنت إشارة لا أساس لها من الصحة من أن جنوب أفريقيا – التي تخضع لضغوطات اقتصادية غير مبررة – ستخسر ملايين الدولارات إذا لم تستخدم قطن BT، ومع أن تقرير الفاو يشير إلى سيطرة الشركات العملاقة على الهندسة الجينية؛ إلا أنه يتجاهل القول بأن شركة واحدة فقط هي مونسانتو تمتلك تكنولوجيا بذرة الـ GM التي تُبْذَر على أكثر من 90 % من مساحة العالم التي تستخدِم تكنولوجيا نقل الجينات، وهذا يمثل اعتماداً غير مسبوق من جانب المزارعين على السوق الزراعي العالمي الذي ينبغي أن تنظر إليه الفاو بعين الريبة والشك، وتعمل على إيجاد البدائل، فالمزيد من الاستثمار في هذه التكنولوجيا – كما توصي الفاو – سيزيد حتماً من مستوى احتكار الشركات وسيطرتها على مصادر الغذاء العالمي، وستُجبر الدول الفقيرة على قبول قوانينهم الاحتكارية، وقبول عقود وأنظمة ستضُعِف من قدرتها على محاربة المجاعة.(7/34)
وبعد أربعة أيام من نشر تقريركم؛ اتخذت المحكمة العليا في كندا موقفاً مخجلاً بالوقوف مع شركة مونسانتو ضد المزارع الكندي بيرسي شمايزر الذي دافع عن حقه بتلويث مزارعه بحبوب مونسانتو المحتَكرة، وتم تهديد المزارعين ومقاضاتهم في عدد من الدول بسبب تلوث مزارعهم بلقاح النباتات المُهنَدسة وراثياً. وكلما ارتفع عدد المزارعين المعتمدين على تكنولوجيا التعديل الوراثي؛ كلما قلت أمامهم خيارات تطوير زراعاتهم الذاتية وأنظمتهم المعيشية، ومن غير المقبول أن توافق الفاو على ملكية براءة اختراع التعديل الجيني للشركات، لأنه تأييد إلى حد ما للشركات العملاقة لسرقة المزارعين، لأن المصادر الجينية التي تسعى الشركات العالمية لاحتكارها ناتجة عن تراكم جهد المزارعين على مر آلاف السنين .
إن الفاو تتجاهل مأساة التلوث الجيني للمحاصيل العالمية دون أي تعليق، وهذا بحد ذاته يشكل اعتداء على الأمم التي أوجدت الزراعة، واعتداء على حياة الشعوب وغذائها والمحاصيل التي أوجدتها. تقود الفاو جدلاً دولياً حول كيفية التعامل مع قضية التدهور الجيني منذ عقود، ومع قدوم الهندسة الجينية ارتفع خطر هذا التدهور، وبما أن الفاو مؤسسة دولية حكومية ملتزمة بحماية المصادر الجينية؛ فإن عليها أن تطور سياسات منع التدهور الجيني، وتتخذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة ذلك.(7/35)
ولقد صُعقنا عندما وجدنا أن التقرير يدعم الخيار العبثي باستخدام " التكنولوجيا المنتهية " لمنع التلوث الجيني، التكنولوجيا التي تمنع المزارعين من توفير كميات من البذور بعد الحصاد وإعادة استخدامها من جديد في البذار. وقد أدانت جمعيات المزارعين ومؤسسات المجتمع المدني والعديد من الدول والمؤسسات العلمية هذه " التكنولوجيا المنتهية ". وباعتباركم مديرا للفاو ، فقد قلتم في عام 2000م : (إن الفاو ضد تعقيم البذور الجينية)، وقد أثار دهشتنا دعم تقريركم تكنولوجيا التعقيم؛ والتي ستضر بطعام أكثر من 1.4 مليار إنسان يعتمدون على البذور المنتجة محلياً من مزارعهم في جميع أنحاء العالم.
إن هذه التحيزات والخروقات تجعل من تقريركم تقريرا مخزيا بالترويج لصناعة تكنولوجيا التعديل الوراثي وللدول التي تسعى لتصديرها. إنه إهانة لحكومات أعضاء الفاو التي تقاوم البيوتكنولوجيا بشجاعة والضغوطات السياسية والاقتصادية، والتي تطور بدائل قابلة للحياة؛ ذات تأثير بعيد المدى على مستوى إنتاج البذور والغذاء، كما أنه رفضٌ لجهود العلماء وصناع السياسة – وبعضهم من الفاو نفسها– الذين ساهموا في تطوير تكنولوجيا التنمية المستدامة التي تضمن حقوق المزارعين.(7/36)
إننا نعتقد أن الفاو قد خرقت التزامها تجاه المجتمع المدني وجمعيات المزارعين بعدم التشاور في القضايا ذات الاهتمام المشترك، إذ لم يكن هناك تشاور مع جمعيات المزارعين عند وضع هذا التقرير، بل يبدو أن التشاور كان مع الشركات العملاقة الكبرى مكثفا. ونحن مؤسساتِ المجتمع المدني والحركاتِ الاجتماعية نعتبر الفاو مؤسسةً يُعتمد عليها، ومنبراً للتباحث حول قضايانا، ونعتبر ما حصل نكسة كبيرة، وسيجتمع المزارعون ومؤسسات المجتمع المدني للتشاور فيما بينهم خلال الأشهر القادمة لتحديد الخطوات التي يجب اتخاذها بشأن النتائج السلبية لتقريركم. (1) المخلصون
الأشخاص والمنظمات الموقعة
حرب البيوتكنولوجيا استعباد لطعام البشر: (2)
تحاول "مونسانتو" باستماتة ومن خلال حكومة الولايات المتحدة, أن تعكس حظوظها السيئة بخلق أسواق لمحاصيلها المعدلة وراثيا (GMOs) (3)
__________
(1) انظر: الفاو تعلن الحرب على المزارعين وليس على المجاعة، تقرير المنظمة العالمية لسيادة الطعام، بتاريخ 31/ 5/ 2004م ، انظر موقع المنظمة العالمية لسيادة الطعام على شبكة الإنترنت:
www.foodsovereignty.org/forum_documents/doc/FAO%20_arab31May.doc
FAO Declares War on Farmers not on Hunger (Arab version)
(2) زي نت– كفاية-enough is enough- الغذاء والزراعة- فاندانا شيفا، 15 يونيو 2003،الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.kefaya.org/Translations/0603Shiva.htm
(3) مصطلح (gmo) أو(gm) اختصار genetic modification object أي الكائنات المعالجة جينيا.
انظر: موقع موسوعة ويكيبيديا على شبكة الإنترنت: http://ar.wikipedia.org/wiki(7/37)
بأساليب الإرغام والإفساد، ولم يرخص الاتحاد الأوروبي المحاصيل المعدلة وراثيا لزراعتها بشكل تجارى أو لاستيراد الأغذية المصنعة منها إلا عام 2003م، وفرضت البرازيل حظرا على الأغذية المعدلة وراثيا، ولم تسمح الهند باستيراد محاصيل الأغذية المعدلة وراثيا، وأوقفت انتشار القطن المعدل بالهندسة الوراثية في شمال الهند بعد النتائج المرعبة التي شهدها جنوب الهند في المواسم الأولى لزراعته بشكل واسع في عام 2002م. وخضعت الهند والبرازيل والاتحاد الأوروبي لهجوم ضار مكشوف أحيانا ومستتر أحيانا أخرى, بسبب إحجامهم عن إقرار استخدام المحاصيل المعدلة بالهندسة الوراثية دون ضمان للأمان البيولوجي، وقد هددت الولايات المتحدة ببدء إجراءات ضد الاتحاد الأوروبي داخل منظمة التجارة العالمية بسبب عدم استيراد الأغذية المعدلة وراثيا، وذهب الممثل التجاري الأمريكي "زيليك" إلى البرازيل لإجبار البرازيل على رفع الحظر المفروض على الأغذية المعدلة جينيا، كما حاول وزير الخارجية الأمريكي الضغط على دول جنوب القارة الأفريقية في قمة الأرض بجوهانسبرج لقبول الأغذية المعدلة, فكانت زامبيا من الدول التي رفضت ذلك، وحاولت السفارة الأمريكية في الهند الضغط على وزارة البيئة من خلال مكتب رئيس الوزراء للسماح باستيراد المحاصيل المعدلة وراثيا, ولكن الحملة الواسعة التي شنتها الجمعيات النسوية المنظمة في الاتحاد الوطني للنساء من أجل حقوق الغذاء في الهند، والمنطوية تحت لواء حركة "النساء متعددات الجنسية من أجل التنوع", نجحت في إرجاع سفينتين من الأغذية المعدلة وراثيا حمولتهما عشرة آلاف طن من هذه الغلال.(7/38)
إن الأحرار في غذائهم ومعلوماتهم يقولون: (لا للأغذية المهندسة وراثيا لأسباب إيكولوجية وصحية)، إلا أن صناع الهندسة الوراثية مازالوا يفرضونها على الأمم بواسطة شركاتهم العملاقة وبتأييد من أقوى حكومات العالم. إن المحاصيل التجارية المنتجة بواسطة الهندسة الوراثية لا تعطي طعاما أوفر ولا تخفض من الكيماويات المستعملة، وحجة الجوع الأكثر رواجا لأصحاب الهندسة الوراثية واهية, فالأغذية المعدلة وراثيا تلبي شره الشركات العملاقة للربح أكثر من إشباعها لجوع الفقراء. وجاء في تقرير "الهيرالد تريبيون" الدولية الصادرة في 29 مايو 2003م كمادة إخبارية تحت عنوان "تصوير حرب البيوتكنولوجي كقضية جوع": (هجوم الرئيس جورج دبليو بوش على الأوروبيين بسبب رفضهم المحاصيل المعدلة وراثيا يأتي في إطار الحملة المناهضة للجوع في العالم، ودفاع بوش ومساعديه لا يقوم إلا على حجة عاطفية, وفي خطاب الأسبوع الماضي اتهم أوروبا بالوقوف عقبة في طريق القضية العظمى لإنهاء الجوع في أفريقيا بسبب حظرها المحاصيل المعدلة وراثيا). (1)
__________
(1) انظر: تصوير حرب البيوتكنولوجيا كقضية جوع، مادة إخبارية، جريدة الهيرالد تريبيون الدولية الصادرة في 29 مايو 2003م.(7/39)
إن تكنولوجيا الهندسة الوراثية ليست حلا لمشكلة ندرة الغذاء ولكنها تخلق احتكارا للغذاء والبذور الحلقة الأولى في سلسلة الحياة. فبعد أن نجحت مونسانتو في ضغطها على حكومة البرازيل لإلغاء الحظر على الأغذية المعدلة وراثيا بشكل مؤقت؛ أخذت تطالب بحقوق ملكيتها لجينات الصويا ذات المناعة الشاملة, معلنة بذلك أنها تحقق أرباحها من خلال جمع حقوق ملكية براءة الاختراع، وهو الغرض الحقيقي من نشر المحاصيل المعدلة وراثيا. كما أجبرت مونسانتو الهند على تغيير قوانين براءات الاختراع طبقا لاتفاقيات التريبس TRIPS, وأصبحت المستفيد الرئيس من قانون براءات الاختراع الهندي. إن ملكية براءات الاختراع تجرم العمل الإنساني في إعادة إنتاج أشكال الحياة، وتجعل منه عملا غير قانوني، فعندما تخضع البذور لقانون براءة الاختراع؛ يعامل الفلاحون الذين يمارسون مهنتهم ويؤدون واجبهم بالحفاظ على استمرار الأنواع وتبادل البذور كلصوص يسرقون الملكية الفكرية. إن الممارسة الواقعية للهندسة الوراثية لا تسبب التلوث الجيني للتنوع الطبيعي ولاتكون إمبريالية بيولوجية تحتكر الحياة فحسب؛ بل إنها تسبب أيضا تلوثا معرفيا بتدمير استقلالية العلم, والترويج للبضاعة العلمية الكاذبة، والتسلط على المعرفة وحق الوصول إلى المعلومات التقنية الصحيحة.(7/40)
أعلن البروفيسور آرباد بوزستاي (1) (Arpad Puzstai) من جامعة كامبردج البريطانية في شهر يوليو من عام 1998 من خلال بحثه المستفيض؛ عن أضرار الأطعمة المهجنة وراثيا وتدميرها للصحة الآدمية، فوقع تحت هجوم لاذع وشديد من قبل وزراء الحكومة البريطانية والمؤسسة العلمية، وخلُص بوزستاي بعد عدة تجارب على الفئران إلى خطورة هذه الأطعمة على الإنسان، ويعتبر آرباد بوزستاي - الذي يبلغ من العمر 68 عامًا- من الرواد في مجال الهندسة الوراثية، إذ قام بنشر 270 بحثًا علميًا، وبالرغم من جهوده العلمية عومل معاملة مهينة لا تليق بمكانته ولا سمعته العلمية.
__________
(1) انظر: جريدة الشرق الأوسط, العدد 7371, 2/2/1999م، وانظر: مجلة الجسور الثقافية الجامعة، باب العلوم وثورة الاتصالات - العدد (7) - السنة الأولى - أيلول/سبتمبر 2005م. وانظر: جريدة الرياض، الأحد 8 جمادى الأولى 1427هـ - 4 يونيو 2006م - العدد 13859.(7/41)
والطريف في الأمر أن بوزستاي عندما بدأ البحث في تكنولوجيا الأطعمة المهجنة؛ كان من أشد المؤيدين لهذه التكنولوجيا، وكان متوقِعا أن تسفر تجاربه على الأطعمة المحورة وراثيا عن نتائج إيجابية بالنسبة للصحة الغذائية، إلا أنه توصل إلى نتائج عكسية، وقال في تصريح لصحيفة بريطانية: (لقد كنت واثقًا تمامًا أنني لن أجد شيئًا، ولكن لما طال وقت مكوثي على هذه التجارب ازداد شعوري بالقلق)، يقصد ما هاله من نتائج ضارة للهندسية الوراثية، وقوبلت شهادته برفض تام من الحكومة البريطانية ومن قبل الباحثين الذين زعموا أن تجارب بوزستاي الأخيرة تفتقر إلى العلمية، وأنها غير صالحة للنشر لركاكتها وضعفها، واتهموا المجلة العلمية "الِمشْرَط" (The Lancet) التي نشرت أبحاثه أنها لا تراجع المواد العلمية المنشورة، وتم إيقاف بوزستاي عن عمله في نهاية الأمر، ومصادرة جميع المعلومات الخاصة بأبحاثه الأخيرة من شاشات الكومبيوتر، كما أجبر على الاستقالة ومُنِع من التحدث عن تجاربه وأبحاثه. (1)
__________
(1) انظر: آرباد بوزستاى يعلن عن أضرار الأطعمة المهجنة وراثيًا، شيرين فهمي، لندن،6/ 10/ 1999م، انظر
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/alhadath-6/alhadath1.asp. إسلام أون لاين على الإنترنت:(7/42)
قامت مونسانتو بتزوير بيانات قطن الهند المعدل جينيا ترويجا منها لتكنولوجيا التعديل الوراثي ذات المخاطر التي لم تخضع للاختبار؛ من خلال ادعاءات علمية مضللة، حيث نقص إنتاج القطن المعدل جينيا بنسبة 80%, وبلغت خسارة الفلاح حوالي 6000 روبية للفدان. كلفت مونسانتو كل من مارتن كيم من جامعة "بون" وديفيد زيلبرمان من جامعة "بيريكلى بكاليفورنيا" لنشر مقال في جريدة "العلوم" يدّعون فيه أن إنتاج القطن المعدل جينيا زاد بنسبة 80%، واعتمد كيم وزيلبرمان في نشر نتائج بحوثهم على بيانات زودتهم بها مونسانتو من تجاربها الأولية، وليس البيانات المستمدة من حقول الفلاحين التي تمت فيها زراعة هذا النوع من القطن بشكل تجاري، فتم تزوير البيانات عن القطن المعدل جينيا Bt., وأخفت حقيقة أن الحشرات والأمراض غير المستهدفة زادت بنسبة 250-300%, وأن تكلفة البذور زادت بنسبة 300%, وأن كمية القطن وجودته كانت أقل، كما ثبت زيف ادعاءات مونسانتو أيضا فيما يخص الذرة المهجنة بسبب فشلها الذريع في ولاية "بيهار", فوضعت الحكومة الهندية هذه الشركة في القائمة السوداء. وأكدت مونسانتو أن محاصيلها حققت معجزة في راجاستان, وادعت في نشراتها الفنية أن الفدان ينتج50-90 قنطارا, إلا أن الفلاحين لم يجنوا سوى سبع قناطير للفدان, أي أقل من 90% مما وعدوا به، فبدأ فلاحوا "أودايبور" من ولاية "راجاستان" حملة لمقاطعة بذور شركة مونسانتو. إن كثيرا من هذه التقارير لا يصل إلى المستوى الدولي لسيطرة مونسانتو على وسائل الإعلام بشبكة من العلاقات العامة, كما تحاول السيطرة على الحكومات والهيئات العلمية.(7/43)
فالممارسات الخاطئة للهندسة الوراثية أخضعت الأبحاث العلمية والهيئات الإشرافية التي تضع اللوائح والأحكام المنظمة للتهديد والابتزاز، وهذا السياق الذي يجرى فيه ممارسة الهندسة الوراثية مخالف لشريعة الإسلام، فـ "آن فانيمان" وزيرة الزراعة الأمريكية التي تستضيف مؤتمر البيوتكنولوجي لوزراء الزراعة في سكرامنتو بكاليفورنيا, عادة ما تترأس شركة "أجراسيتوس", وهى شركة تابعة لمونسانتو الشركة الأم. إن التناغم بين تكنولوجيا الهندسة الوراثية والبيئة والصحة والأخلاق مطلب شرعي، حتى لا تصبح الطبيعة وحياة البشر وسيادتهم على غذائهم وحريتهم في مهب الريح، وحتى لا تصبح الأمم والشعوب في سجن براءات اختراع الإمبريالية والدكتاتورية البيولوجية للهندسة الوراثية التي فرضتها الشركات العالمية العملاقة على البشر وعلى حقهم في الحصول على الغذاء والمعلومات الصحيحة. (1)
استعادة سيادة الشعوب على الغذاء:
تسعى حركة الدفاع عن حرية البذور والغذاء في الهند إلى رفض التعاون مع قوانين الهندسة الوراثية اللاأخلاقية، وتدعو إلى ادخار البذور وتبادلها بين المزارعين، ومقاطعة بذور الشركات العملاقة, وإنشاء مناطق زراعية خالية من الهندسة الوراثية وبراءات الاختراع، لتضمن حرية الزراعة والغذاء، بعيدا عن احتكار الشركات العملاقة، ومن أجل سلامة الأرض والتنوع الحيوي.
2- الحروب الجينية العسكرية:
__________
(1) انظر: الغذاء والزراعة، زي نت– كفاية-enough is enough- البحث للمناضلة: فاندانا شيفا، 15 يونيو 2003، انظر البحث على شبكة الإنترنت:
http://www.kefaya.org/Translations/0603Shiva.htm(7/44)
إن الهندسة الوراثية تحمل إلى جانب فوائدها إمكانيات هائلة للتدمير عند إساءة استخدامها، فالتاريخ حافل باستخدام الكثير من الإنجازات العلمية والتكنولوجية استخدامات عدائية مدمرة, فيمكن استخدام نتائج بحوث الهندسة الوراثية في تطوير الأسلحة البيولوجية في المنازعات المسلحة ونشر الرعب في العالم وتدميره، وهذا من الإفساد في الأرض والضرر المحض المحرم شرعا الذي لا نفع ولا فائدة فيه، قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ - وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ } ]البقرة:204-205[. ولم يكتف الإنسان بالكائنات الطبيعية الممرضة؛ بل أخذ يبحث عن طرق صناعية لتوليد كائنات ممرضة جديدة يمكن استخدامها لتدمير الحياة على سطح الأرض، فبعد اكتشاف الخريطة الجينية لعديد من الكائنات الحية؛ قام الباحثون بحقن بعض الجينات الممرضة في الطاقم الوراثي للبكتريا، وإذا أطلقت هذه البكتريا فستغزو جيناتها الممرضة الكائنات الحية لتفتك بها، ولم يقتصر الباحثون على البكتريا بل شملت تجاربهم الحشرات بمختلف أنواعها ورتبها، والنباتات ولاسيما حبوب القمح، حيث تم تطعيمها بجينات مرضية محددة ومبرمجة. فمن الممكن نظرياً تطوير الأسلحة البيولوجية لإنتاج أسلحة ذات تقنيات عالية باستخدام الجينات الممرضة لإبادة أو إلحاق الضرر بالمستهدفين، أومهاجمة جزء معين من أجسامهم، وإذا تمكن الباحثون من تحديد مجموعة الجينات التي تميز جماعة عرقية عن أخرى؛ فمن المحتمل إنتاج أسلحة ذات طابع عرقي.(7/45)
فيبدو أننا مقدمون على نوع جديد من الحروب يتم التنازع فيها على مستوى الجينات، وهو ما يعرف بـ "حرب الجينات"، وسيكون الصراع بين الدول المتقدمة على امتلاك أكبر قدر من المخزون الجيني وتوظيفه لتحقيق مصالحهم بغض النظر عن صالح البشرية، مما يستدعي تقنين العمل في مراكز بحوث الهندسة الوراثية وتوجيهها إلى مصلحة الإنسان؛ لتكون التقنية الوراثية أداة لعلاج الأمراض المستعصية والوراثية، وتوفير الغذاء للبشر الجائعين، لا لتدمير الحياة على سطح الأرض.
إمكانية إنتاج سلاح الحروب الجينية كما جاء في البحوث العلمية: (1)
1- يمكن إجراء تعديل جيني على العناصر المستخدمة حاليا في الحروب البيولوجية مثل بكتريا الأنثراكس (الجمرة الخبيثة)، فتصبح مقاومة للمضادات الحيوية والعوامل البيئية كالجفاف والأشعة فوق البنفسجية بما يجعلها أكثر فتكا وتدميرا وأسهل استخداما. (2)
__________
(1) انظر: موقع المنظمة الدولية للصليب الأحمر ICRC على شبكة الإنترنت:
http://www.icrc.org/Web/ara/siteara0.nsf/html/5N5BXC
(2) انظر: آليات منع تلف الحمض النووي د.ن.أ في جراثيم البكتيريا العصوية، تأليف: ب. سيتلو, المجلة السنوية للميكروبيولوجيا 1995م,المجلد49،ص29-54, وتعبير جينات السريولايسينAB في سلالة لقاح عصيات الأنثراكس يكفل الوقاية من عدوى الأنثراكس، تأليف: أب. بوميرانتسيف وآخرون,مجلة اللقاح 1997 المجلد 15,الصفحات1846-1850.(7/46)
2- يمكن تحويل الميكروبات غير الضارة التي يعيش معها الإنسان يوميا إلى ميكروبات خطيرة مثل Escherichia coli الإشرشيا كولاي، فتنتج سموما تسبب الأمراض. (1)
3- إنتاج اللقاحات العدائية في الحرب الجينية يعتبر الأكثر تقدما, فيمكن تحوير لقاح خاص لاستخدامه ضد سكان بلدة ما، فقد استهدفت أبحاثٌ أجريت في جنوب أفريقيا في الثمانينيات على لقاح يحتوي على عناصر يمكن أن تقلل من خصوبة السكان المستهدفين إلا أن البحث لم يصل إلى مرحلة الإنتاج. (2)
4- قد تولد الأبحاث كائنات خطيرة غير مقصودة ولكنها خطيرة جدا، فقد ولد الباحثون دون قصد نسخة أكثر خطورة من فيروس جدري الفئران، وقد نشر الباحثون تجارب أبحاثهم تحذيرا منهم لخطورة مثل هذه الأبحاث، علاوة على القلق من إمكانية خروج التجربة عن السيطرة على العوامل البيولوجية التي تنطلق بقصد أو بغير قصد. (3)
5- توليد فيروسات اصطناعية بالغة الخطورة:
__________
(1) انظر: ورقة معلومات أساسية مقدمة من المملكة المتحدة إلى المؤتمر الاستعراضي الخامس لاتفاقية الأسلحة البيولوجية: وثيقة الأمم المتحدة، BWC/CONF.V/add.126 أكتوبر / تشرين الأول 2001, ص 15. ومجلة جين الاستخباراتية, (السموم البيولوجية خطر السلاح البيولوجي في القرن 21), س. جوركا و ر. سوليفان, المجلد 14, العدد 6 ص 30-33.
(2) انظر: ورقة معلومات أساسية مقدمة من حكومة المملكة المتحدة إلى المؤتمر الاستعراضي الخامس لاتفاقية الأسلحة البيولوجية، وثيقة الأمم المتحدة، BWC/CONF.V/add.126 أكتوبر / تشرين الأول 2001، ص12 و 13.
(3) مجلة "علم الفيروسات" 2001م, ص 1205-1210.(7/47)
قام الباحثون في يوليو/ تموز 2002م بتوليد فيروس يسبب شلل الأطفال من جزيء الحمض النووي، والمعلومات الجينية لهذا البحث متاحة على الإنترنت، وقد سبب هذا الفيروس المرض للحيوانات التي حقنت به, ويُعتقد أنها المرة الأولى في تاريخ البشرية التي أمكن فيها توليد فيروس من مواد تركيبية، ويعتقد الخبراء أنه سيمكن في المستقبل القريب توليد أي فيروس بهذه الطريقة, بما فيها أكثر الفيروسات خطورة وفتكا. (1)
6- إن المواد البيوكيميائية في جسم الإنسان موجودة بتركيز محدد, فعند تغيير تركيزها ولو
بشكل ضئيل جدا بهجمات عدائية، فإن الوظائف الفسيولوجية مثل السلوك والوعي والخصوبة ودرجة حرارة الجسم ستتغير تغيرا كبيرا، والأبحاث جارية عن كيفية إيصال تلك المواد عن طريق الاستنشاق، بحيث يكون من الصعب جدا اكتشاف الهجوم أو إثباته عن طريق اختبار الضحايا. (2)
7- إن الجدل ما زال محتدما حول إمكانية تصنيع أسلحة تستهدف مجموعات عرقية محددة، وتلك الأسلحة تستهدف الصفات الوراثية الخاصة بعرق من البشر تميزه عن غيره، ويعتقد بعض الخبراء أن هذا سيكون ممكنا في المستقبل القريب. (3)
__________
(1) انظر: أخبار العلم أون-لاين 13/7/2002م، الموقع على شبكة الإنترنت: (www.sciencenews.org)
(2) انظر: "ورقة معلومات أساسية مقدمة من حكومة المملكة المتحدة إلى المؤتمر الاستعراضي الخامس لاتفاقية الأسلحة البيولوجية", وثيقة الأمم المتحدة، BWC/CONF.V/add.126 أكتوبر / تشرين الأول 2001، ص 12 و 15.
(3) انظر: المقال الافتتاحي, حرب الجينات, مجلة اللانست الطبية البريطانية 1996, ص 1183. و"التكنولوجيا الحيوية والأسلحة والإنسانية"، الجمعية الطبية البريطانية, لندن, هاروود أكاديميك 1999م, ص53-67.(7/48)
8- تتوازى المخاوف التي تتعلق بالمواد البيولوجية التي قد تستهدف البشر؛ مع مخاوف بشأن المواد التي يمكن أن تدمر الزراعة والبنية الأساسية المدنية والتجارية، فقد تكون لتلك المواد آثارها الخطيرة على الحياة البشرية ورفاهيتها ويمكن استخدامها في الحروب. (1)
__________
(1) انظر: "ورقة معلومات أساسية مقدمة من حكومة المملكة المتحدة إلى المؤتمر الاستعراضي الخامس لاتفاقية الأسلحة البيولوجية"، وثيقة الأمم المتحدة، BWC/CONF.V/add.126 أكتوبر / تشرين الأول 2001، ص 20-22.(7/49)
المبحث الثالث: الموازنات الشرعية في التعديل الوراثي
إن المصالح التي يسعى الإسلام لتحقيقها من خلال عقائده وشرائعه ومقاصده إن شابها بعض المفاسد؛ فإن الشريعة لا تمنع المسلم نفعا ظاهرا أوخيرا غالبا، بل تدعوه إلى طلبه وتحصيله وعدم تفويته مع تجنب المفاسد -ما أمكنه إلى ذلك سبيلا- في موازنة شرعية ضبطها الفقهاء ووضعوا لها القواعد الفقهية، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: (جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا كان مأذونا فيه؛ على ضربين: أحدهما: أن لا يلزم عنه إضرار الغير، والثاني: أن يلزم عنه ذلك، وهذا الثاني ضربان: أحدهما أن يقصد الجالب أو الدافع ذلك الإضرار، كالمرخص في سلعته قصدا لطلب معاشه وصحبه قصد الإضرار بالغير، والثاني: أن لا يقصد إضرارا بأحد) (1) ، ثم يقول:( فأما الأول: فباق على أصله من الإذن ولا إشكال فيه، ولا حاجة إلى الاستدلال عليه، لثبوت الدليل على الإذن ابتداء، وأما الثاني: فلا إشكال في منع القصد إلى الإضرار من حيث هو إضرار، لثبوت الدليل على أن "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" (2) ،
__________
(1) الموافقات للإمام الشاطبي (2/348).
(2) حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما تقدم تخريجه ص241..(8/1)
لكن يبقى النظر في هذا العمل الذي اجتمع فيه قصد نفع النفس وقصد إضرار الغير، هل يمنع منه فيصير غير مأذون فيه؟ أم يبقى على حكمه الأصلي من الإذن، ويكون عليه إثم ما قصد؟ هذا مما يتصور فيه الخلاف على الجملة، وهو جار على مسألة الصلاة في الدار المغصوبة، ومع ذلك فيحتمل في الاجتهاد تفصيلا، وهو أنه إما أن يكون إذا رفع ذلك العمل، وانتقل إلى وجه آخر في استجلاب تلك المصلحة أو درء تلك المفسدة حصل له ما أراد أولا، فإن كان كذلك فلا إشكال في منعه منه، لأنه لم يقصد ذلك الوجه إلا لأجل الإضرار، فلينقل عنه ولا ضرر عليه، كما يمنع من ذلك الفعل إذا لم يقصد غير الإضرار، وإن لم يكن له محيص عن تلك الجهة التي يتضرر منها الغير، فحق الجالب أو الدافع مقدم، وهو ممنوع من قصد الإضرار، ولا يقال إن هذا تكليف بما لا يطاق، فإنه إنما كلف بنفي قصد الإضرار، وهو داخل تحت الكسب، لا بنفي الإضرار بعينه). (1)
الموازنات الشرعية:
__________
(1) الموافقات للإمام الشاطبي (2/349).(8/2)
إن النصوص التشريعية وأحكامها القطعية والكلية من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثابتة لاتتبدل ولاتتغير، كالعقائد وأركان الإيمان الستة والأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها، والمحرمات اليقينية كالسحر وقتل النفس والزنا وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات والتولي يوم الزحف والغصب والسرقة والغيبة والنميمة، وأمهات الفضائل من الصدق والأمانة والعفة والصبر والوفاء بالعهد والحياء، وغيرها من مكارم الأخلاق، وكل شرائع الإسلام القطعية في شئون الزواج والطلاق والميراث والحدود والقصاص ونحوها من نظم الإسلام التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، فهذه أمور ثابتة، تزول الجبال ولاتزول، نزل بها القرآن وتواترت بها السنة وأجمعت عليها الأمة، فليس لأحد أن يلغي أو يعطل شيئا منها، لأنها أساس الدين وقواعده الثابتة، يقول ابن القيم- رحمه الله - : (فقالوا الأحكام نوعان: نوع لايتغير عن حالة واحدة هو عليها؛ لابحسب الأزمنة ولا الأمكنة؛ ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فلا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه، والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيه بحسب المصلحة) (1) ، ثم يقول: (وهذا باب واسع، اشتبه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التي لاتتغير بالتغيرات التابعة للمصالح وجودا وعدما) (2) ،
__________
(1) إغاثة اللهفان لابن القيم (1/331).
(2) المصدر السابق (1/333)..(8/3)
ويتمثل جانب الثبات في مثل قوله - جل جلاله - : { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } ]الشورى:83 [، والمرونة في عدم تحديد شكل معين للشورى يلتزم به الناس في كل زمان ومكان، والذي قد يلحق بهم ضررا، وأيضا الثبات على إيجاب العدل في قوله - جل جلاله - : { وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } ]النساء:58[، والمرونة بعدم الإلزام بشكل معين للقضاء والتقاضي، بأن يكون درجة أوأكثر، أو يسير على أسلوب القاضي المفرد أو المحكمة الجماعية، بل ترك أسلوب تطبيق العدل ورفع الظلم للاجتهاد، ومن الثوابت الشرعية قوله - جل جلاله - : { لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ } ]آل عمران:28[، وتتمثل المرونة في الاستثناء من هذا الحكم عند الضرورة في قوله - جل جلاله - : { إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً } ]آل عمران:28[ ، وهو كقوله - جل جلاله - : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } ]النحل:106[، ومثله قوله - جل جلاله - : { لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ } ]النساء:148[، وقوله تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ]المائدة:3[، وكذلك من الثوابت عدم تهاون النبي - صلى الله عليه وسلم - في أي أمر من أمور العقيدة أوالشريعة، وجانب المرونة يتمثل في قبوله- صلى الله عليه وسلم -في صلح الحديبية أن يكتب في عقد الصلح »باسمك اللهم« بدل »بسم الله الرحمن الرحيم« ، وقبوله أن يمحو كلمة »رسول الله« بعد اسمه الكريم - صلى الله عليه وسلم - حين رفض علي - رضي الله عنه - طلب الكفار بمحوها بعد أن كتبها، فمحاها النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه، وكتب: محمد بن عبد الله وهو لايحسن أن(8/4)
يكتب (1) ، وقبوله - صلى الله عليه وسلم - من شروط الصلح ما ظاهره إجحاف بالمسلمين، وكان في عاقبته الخير للمسلمين، ففي العقيدة لم يتنازل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقبل المساومة، أما في الجزئيات والشكليات الوقتية، والتي في إجازتها تحقيق مصالح عظمى للمسلمين، نجده تساهل فيها صلى الله عليه وسلم، والفقه الإسلامي يسير في هذا الاتجاه، ثابتا على الأصول والكليات، مرنا ومتطورا في الفروع والجزئيات وفقا للضوابط الشرعية، وعن أبي رافع - رضي الله عنه - قال: وجه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جيشا إلى الروم وفيهم رجل يقال له عبد الله بن حذافة - رضي الله عنه - من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسره الروم، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال له الطاغية: هل لك أن تنصر وأشركك في ملكي وسلطاني؟ قال له عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكته العرب، وفي رواية القطان: وجميع مملكة العرب، على أن أرجع عن دين محمد - صلى الله عليه وسلم - طرفة عين ما فعلت. قال: إذا أقتلك. قال: أنت وذاك. قال: فأمر به فصلب. وقال للرماة: ارموه قريبا من يديه، قريبا من رجليه، وهو يعرض عليه وهو يأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم دعا بقدر فصب فيها ماء حتى احترقت، ثم دعا بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقي فيها، وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، ثم أمر به أن يلقى فيها، فلما ذُهب به بكى.
__________
(1) حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - رواه البخاري في صحيحه(كتاب الشروط - بَاب كَيْفَ يُكْتَبُ هذا ما صَالَحَ فُلانُ بْن فُلانٍ وَفُلانُ بْن فُلانٍ وَإِنْ لم يَنسبْهُ إلى قَبِيلَتِهِ أو نَسَبِهِ 2/ 959-960) وفي (كتاب الغزوات-باب بَاب غَزْوَةِ زَيْدِ بن حَارِثَةَ 4/1551)، والحاكم في المستدرك(2/165-166)، وابن حبان في صحيحه(11/214)، وأحمد في مسنده (4/298).(8/5)
فقيل له: إنه قد بكى، فظن أنه جزع، فقال: ردوه يعرض عليه النصرانية، فأبى، قال: فما أبكاك إذا؟ قال: أبكاني إن قتلت هي نفس، واحدة تلقى الساعة في هذه القدر فتذهب، فكنت أشتهى أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نفس تلقى هذا في الله، قال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟ قال له عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: وعن جميع أسارى المسلمين. قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدو من أعداء الله، أقبل رأسه يخلي عني وعن أسارى المسلمين، لا أبالي. قال: فدنا منه فقبل رأسه. قال: فدفع إليه الأسارى. فقدم بهم على عمر - رضي الله عنه - ، فأخبر عمر - رضي الله عنه - بخبره، فقال: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ. فقام عمر - رضي الله عنه - فقبل رأسه (1) .
__________
(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان(2/244-245 )، وابن عساكر في تاريخ دمشق (27/358-359).(8/6)
فالمفاسد ليست سببا مطلقا لإلغاء المصالح، بل جعلت الشريعة قواعد فقهية للمفاضلة بين المصالح والمفاسد، واستخلص الفقهاء القواعد من نصوص الشريعة التي وردت صريحة في الترجيح بين المصالح، كقوله تعالى: { قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } ]البقرة:61[، فهو صريح في ترجيح المصلحة الأعلى على المصلحة الأدنى، فشرع الله - جل جلاله - تحصيل أعلى المصلحتين عند المفاضلة بين المصالح المجتمعة، فإن أمكن تحصيل المصالح جميعا كان بها، فإن تعذر ذلك يشرع تحصيل الأصلح، فإذا تعذرت المفاضلة للتساوي؛ فإنه يرخص في الاختيار بينهما تقديما وتأخيرا، أما عند المفاضلة بين المفاسد المجتمعة في عمل معين، وجب درء جميع المفاسد، فإن تعذر دَرَأَ الأعظم فسادا، لأن الواجب دفع أعظم المفسدتين، وارتكاب أخف الضررين دفعا لأعظمهما، وإذا كان أحد الضررين عام والآخر خاص، يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، فإن تساوت المفسدتان من كل جهة يباح التوقف أوالتخيير، وإذا اجتمعت المصالح والمفاسد في عمل معين، وأمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد جميعا وجب ذلك، أما إن تعذر تحصيل المصالح ودرء المفاسد معا؛ وكانت المفسدة أعظم من المصلحة أو مساوية لها وجب درء المفسدة وتفويت المصلحة، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، واعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، أما إذا كانت المصلحة أعظم من المفسدة التي تقابلها تقدم المصلحة، والضرورات تبيح المحظورات، ويجب أن تكون المصلحة التي تقتضيها الضرورة أعظم من المفسدة المحظورة، وتقدر الضرورة بقدرها، وتنزل الحاجة منزلة الضرورة سواء كانت الحاجة عامة أو خاصة، والضرر لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه.(8/7)
(1)
المصلحة المرسلة:
__________
(1) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي(1/87-88)، الفروق مع هوامشه للقرافي (4/369)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام لعبدالعزيز عبد السلام السلمي(1/4)، الفوائد في اختصار المقاصد لعبدالعزيز عبد السلام السلمي(1/50-55)، الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي(3/65-66)، شرح القواعد الفقهية لأحمد ابن الشيخ محمد الزرقا ص205-206، شرح المقاصد في علم الكلام للتفتازاني (2/62-63).(8/8)
عرف القرافي المصلحة المرسلة (1) بقوله: (هي ما لم يشهد له الشرع باعتبار ولا بإلغاء، وهي عند مالك رحمه الله حجة) (2) ، ووقع الاختلاف في تعريفهم للإرسال، فكان بين عدم الاعتماد على أي نص شرعي؛ ويُترك للعقل حق اكتشافها؛ وبين عدم الاعتماد على نص خاص؛ وإنما يدخل ضمن ما ورد في الشريعة من نصوص عامة، واستناداً إلى هذا التفاوت في معنى الإرسال تفاوتت تعاريف المصلحة المرسلة، فابن برهان يعرفها بقوله: (ما لا يستند إلى أصل كلي أو جزئي) (3) ، ويعرفها الأصوليون المحدثون بأنها:(الوصف المناسب الملائم لتشريع الحكم الذي يترتب على ربط الحكم به جلب نفع أو دفع ضرر، ولم يدل دليل من الشرع على اعتباره أو إلغائه) (4) ، بينما يذهب الأستاذ معروف الدواليبي إلى إدخالها ضمن ما شهد له أصل كلي من الشريعة فقال: (الاستصلاح في حقيقته هو نوع من الحكم بالرأي المبني على المصلحة، وذلك في كل مسألة لم يرد في الشريعة نص عليها، ولم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس بها، وإنما بني الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامة، برهنت على أن كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشيء، وتلك القواعد مثل قوله تعالى: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } ]النحل:90[، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ضرر ولا ضرار")، وقد رادف بعضهم بين المصلحة المرسلة وبين الاستصلاح (5) ، ورادف آخر بينها وبين الاستدلال (6) ،
__________
(1) يقول عبد الوهاب خلاف: (المصلحة المرسلة أي المطلقة ... وسميت مطلقة لأنها لم تقيد بدليل اعتبار أو دليل إلغاء). علم أصول الفقه ص84.
(2) الذخيرة (1/150).
(3) إرشاد الفحول ص403.
(4) انظر: أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص84.
(5) انظر: أصول الفقه للخضري ص302، وروضة الناظر(1/169).
(6) انظر: البرهان في أصول الفقه للإمام الجويني (2/721-722)، وقال الشوكاني: وأطلق إمام الحرمين وابن السمعاني عليها اسم الاستدلال. إرشاد الفحول ص403..(8/9)
وهو بعيد بل الاستصلاح بناء الحكم على المصلحة المرسلة لا عينها، كما أن الاستدلال إنما يكون بها لا أنها عين الاستدلال.
الاستصلاح عند الأصوليين: ترتيب الحكم الشرعي في واقعة لا نص فيها ولا إجماع؛ بناءً على مراعاة المصلحة. والمصالح بحسب شهادة الشرع ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما شهد الشرع باعتباره وهو القياس، وهو اقتباس الحكم من معقول النص أو الإجماع واحتج به الجمهور. (1)
القسم الثاني: ما شهد الشرع ببطلانه، ومثاله قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أُنكر عليه لأنه لم يأمره بإعتاق رقبة، قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه، ولاستحقر إعتاق رقبة في قضاء شهوته، وهذا باطل لأنه حكم على خلاف حكم الله تعالى، لمصلحة تخيلها الإنسان بحسب رأيه، ولو عُرف ذلك من العلماء لم تحصل للملوك ثقة بفتواهم، وظنوا أن كل ما يفتون به تحريف من جهتهم بالرأي. (2)
القسم الثالث: ما لم يشهد له الشرع بالاعتبار ولا بالبطلان بنص خاص، وهو المصلحة المرسلة، وإما أن تكون في محل الضرورة أو الحاجة أو التحسين. (3)
تقسيم الأحكام المترتبة على المصلحة:
تنقسم الأحكام المترتبة على المصلحة إلى ثلاثة أقسام:
1- الضروري: وهو المتضمن لحفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها
__________
(1) انظر: روضة الناظر(1/169).
(2) انظر: المستصفى للغزالي (1/174).
(3) انظر: روضة الناظر(1/169).(8/10)
الشرائع بل هي مطبقة على حفظها (1) ، يقول الإمام الغزالي رحمه الله: (وحفظ الأصول الخمسة واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص لحفظ النفوس، وإيجاب حد الشرب إذ به حفظ العقول؛ التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب، وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال؛ التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها، وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع؛ التي أريد بها إصلاح الخلق، ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنا والسرقة وشرب المسكر). (2)
2-الحاجي : وهو ما يقع في محل الحاجة من المصالح لا الضرورة، كتشريع أحكام البيع والإجارة، وكتسليط الولي على تزويج الصغيرة والصغير، فذلك لا ضرورة إليه، لكنه محتاج إليه في اقتناء المصالح، وتقييد الأكفاء خيفة من الفوات، واستغناماً للصلاح المنتظر في المآل، وليس هذا كتسليط الولي على تربيته وإرضاعه وشراء الملبوس والمطعوم لأجله، فإن ذلك ضرورة لا يتصور فيها اختلاف الشرائع.
__________
(1) انظر: إرشاد الفحول ص216.
(2) المستصفى للغزالي (1/174).(8/11)
3-التحسيني: وهو ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، ويقع ضمن ما تقتضيه آداب السلوك، والحث على مكارم الأخلاق، كنكاح الكُفْء وعدم مباشرة النساء عقد النكاح، لأن الأليق بمحاسن العادات استحياء النساء عن مباشرة العقد، لأن ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال، ولا يليق ذلك بالمروءة، ففوض الشرع ذلك إلى الولي، حملا للخلق على أحسن المناهج، ولهذا التقسيم ثمرات أهمها تقديم بعضها على بعض في مجالات التزاحم. (1)
الاحتجاج بالمصلحة المرسلة:
اختلف العلماء في حجية المصلحة المرسلة، فذهب الإمام مالك –رحمه الله- إلى أنها
__________
(1) انظر: المستصفى للغزالي (1/175)، وإرشاد الفحول ص216.(8/12)
حجة (1) ، ونفى الإمام الشافعي –رحمه الله- حجيتها (2) ، وتباينت ألفاظ العلماء في بيان مذهب جمهور العلماء في المصلحة المرسلة، يقول ابن قدامة المقدسي: (المصلحة المرسلة التي وقع الإجماع على إطراحها) (3) ، ويقول عبد الوهاب خلاف: (ذهب جمهور علماء المسلمين إلى أن المصلحة المرسلة حجة شرعية يبنى عليها تشريع الأحكام) (4) ، ويقول الإمام الشوكاني: (المذهب الأول: منع التمسك بها مطلقا وإليه ذهب الجمهور، والثاني: الجواز مطلقا وهو المحكي عن مالك، قال الجويني في البرهان: وأفرط في القول بها، حتى جره إلى استحلال القتل، وأخذ المال لمصالح يقتضيها في غالب الظن، وإن لم يجد لها مستندا. وقد حكي القول بها عن الشافعي في القول القديم، وقد أنكر جماعة من المالكية ما نسب إلى مالك من القول بها، ومنهم القرطبي، وقال: ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى عدم الاعتماد عليها، وهو مذهب مالك، قال: وقد اجترأ إمام الحرمين الجويني، وجازف فيما نسبه إلى مالك من الإفراط في هذا الأصل، وهذا لايوجد في كتب مالك، ولا في شيء من كتب أصحابه) (5) ، ويقول إمام الحرمين:) وأفرط الإمام إمام دار الهجرة مالك ابن أنس في القول بالاستدلال، فرُئي يثبت مصالح بعيدة عن المصالح المألوفة والمعاني المعروفة في الشريعة، وجره ذلك إلى استحداث القتل، وأخذ المال بمصالح تقتضيها في غالب الظن، وإن لم يجد لتلك المصالح مستندا إلى أصول، ثم لا وقوف عنده بل الرأي رأيه، ما استند نظره، وانتقض عن أوضار (6)
__________
(1) انظر: الذخيرة للقرافي (1/150).
(2) انظر: المنخول للغزالي ص355.
(3) المغني لابن قدامة (10/371).
(4) علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص85.
(5) إرشاد الفحول للشوكاني(1/403)، البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي(4/378)..
(6) الوَضَرُ: وسَخُ الدَّسَمِ أوغُسالَةُ السِّقاءِ والقَصْعَةِ، وما تَشُمُّه من ريحٍ تَجِدُها من طَعامٍ فاسدٍ..القاموس المحيط(1/634).(8/13)
التهم والأغراض، وذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهما إلى اعتماد الاستدلال؛ وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل، ولكنه لا يستجيز النأي والبعد والإفراط، وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبهة بالمصالح المعتبرة وفاقا، وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول، قارة في الشريعة، فالمذهب إذا في الاستدلال ثلاثة: أحدها: نفيه والاقتصار على اتباع كلِّ معنى له أصل، والثاني: جواز اتباع وجوه الاستصلاح والاستصواب قربت من موارد النص أو بعدت، إذا لم يصد عنها أصل من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع، والمذهب الثالث: هو المعروف من مذهب الشافعي التمسك بالمعنى، وإن لم يستند إلى أصل، على شرط قربه من معاني الأصول الثابتة) (1) ، ويقول ابن النجار من الحنابلة: (وليست المصلحة المرسلة بحجة عند الأكثر، خِلافًا لِمَالِكٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ) (2) ، ويقول الإمام المرداوي من الحنابلة: (اختلف العلماء في المصلحة المرسلة فذهب الأكثر إلى أنها ليست بحجة) (3) ، وممن أنكر حجية المصلحة المرسلة الإمام الغزالي، فقال في المستصفى: (الأصل الرابع من الأصول الموهومة الاستصلاح) (4) ، ويحصر الإمام الغزالي المصلحة المرسلة في الضروري في كتابه المستصفى فيقول:(أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أودفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة) (5) ،
__________
(1) البرهان في أصول الفقه للجويني (2/721-722).
(2) شرح الكوكب المنير (4/169).
(3) التحبير شرح التحرير (7/3391).
(4) المستصفى للغزالي (1/173).
(5) المصدر السابق (1/174)..(8/14)
ويرى الإمام الغزالي في المستصفى أن الواقع في محل الحاجة أو التحسين لا يجوز الحكم فيه بمجرد المصلحة، لأنه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي، وأما الواقع في رتبة الضرورة فلا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، ومثاله أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا واستولوا على دار الإسلام، وتسلط الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما لم يذنب، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ كل المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع من حفظ المسلم الواحد، وتعتبر هذه المصلحة شرعا لاشتمالها على ثلاثة أوصاف، وهى أنها ضرورية قطعية كلية، واحترز بـ(ضرورية) عن المناسبات التي تكون في مرتبة الحاجة أو التحسينات، وبـ (قطعية) عما إذا لم نقطع بتسلط الكفار علينا إذا لم نقصد الترس، فحينئذ لا يجوز القصد إلى الترس، وكذلك قطع المضطر قطعة من فخذه لا يجوز، لأنه لا يقطع بأن ذلك سبب للنجاة، وبـ (كلية) عما لو تترس الكافر في قلعة بمسلم، فإنه لا يحل رمي الترس، إذ لا يلزم من عدم الاستيلاء على القلعة فساد يعم كل المسلمين، وكذلك إذا كان جماعة في سفينة ولو طرحوا واحدا منهم لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم، فلا يجوز طرحه لأن ذلك ليس أمرا كليا (1) ، وإلى هذا الرأي ذهب ابن بدران الدمشقي الحنبلي، فيقول: (ولا يجوز للمجتهد التمسك بمجرد هذين القسمين المذكورين وهما التحسيني والحاجي، بل لا بد له من شاهد من جنسها يشهد له باعتبار أحكامهما، لئلا يكون ذلك وضعا للشرع بالرأي، ولأن اعتبارهما بدون شاهد يؤدي إلى الاستغناء عن بعث الرسل) (2) ،
__________
(1) انظر: المستصفى للغزالي (1/175-179).
(2) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ص 295..(8/15)
إلا أن الغزالي في شفاء الغليل يرى أن الواقع في محل الضرورة والحاجة يجوز الحكم فيه بمجرد المصلحة المرسلة (1) ، ونفى الآمدي مشروعية الاستدلال بالمصلحة المرسلة حتى للضروري الكلي القطعي فيقول: (لو تترس الكفار بجماعة من المسلمين، بحيث لو كففنا عنهم لغلب الكفار على دار الإسلام، واستأصلوا شأفة المسلمين، ولو رمينا الترس وقتلناهم اندفعت المفسدة عن كافة المسلمين قطعا، غير أنه يلزم منه قتل مسلم لا جريمة له، فهذا القتل وإن كان مناسبا في هذه الصورة، والمصلحة ضرورية كلية قطعية، غير أنه لم يظهر من الشارع اعتبارها ولا إلغاؤها في صورة، وإذا عرف ذلك، فالمصالح على ما بينا منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها، وإلى ما عهد منه إلغاؤها، وهذا القسم متردد بين ذينك القسمين، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار يعرف أنه من قبيل المعتبر دون الملغي) (2) ، وقال ابن قدامة المقدسي في الروضة: (والصحيح أن المصلحة المرسلة ليست بحجة) (3) ، ويقول الإمام السبكي: (من استصلح فقد شرع، كما أن من استحسن فقد شرع) (4) ، ويقول القرافي من المالكية: (وأما المصلحة المرسلة فغيرنا يصرح بإنكارها، ولكنهم عند التفريع تجدهم يعللون بمطلق المصلحة، ولا يطالبون أنفسهم عند الفوارق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرد المناسبة وهذا هو المصلحة المرسلة) (5) ،
__________
(1) انظر: الاعتصام للشاطبي (2/112)، والبحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (4/378)، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج (3/381).
(2) الإحكام للآمدي (4/167-168).
(3) روضة الناظر(1/170).
(4) الإبهاج شرح المنهاج (3/185).
(5) الذخيرة للقرافي (1/152)..(8/16)
وقال ابن أمير الحاج من المالكية: (وإمام الحرمين قد عمل في كتابه المسمى بالغياثي أمورا وجوزها وأفتى بها، والمالكية بعيدون عنها وجسر عليها، وقالها للمصلحة المطلقة، وكذلك الغزالي في شفاء الغليل، مع أن الاثنين شديدا الإنكار علينا في المصلحة المرسلة) (1) ، والمنسوب إلى الأحناف أنهم لا يقولون بالمصالح المرسلة، ولا يعتبرونها دليلاً، وقد استظهر عبد الوهاب خلاف من عدة وجوه خلاف ذلك، كما نسب حجية الاستصلاح إلى الإمام أحمد (2) ، وقال ابن دقيق العيد: (الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولايكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال لها على غيرهما) (3) ، وقد غالى الطوفي من الحنابلة في المصلحة المرسلة (4) في شرحه للأربعين النووية عند شرحه لحديث "لاضرر ولا ضرار"، وعرفها بقوله: (هي السبب المؤدي إلى مقصود الشرع عبادة أوعادة)، ثم يقول: (العبادة ما يقصده الشارع لحقه، والعادة ما يقصده الشارع لنفع العباد وانتظام معايشهم وأحوالهم) (5) ، ويقول: (اعلم أن هذه الطريقة التي ذكرناها مستفيدين لها من حديث "لا ضرر ولا ضرار"؛ ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك، بل هي أبلغ من ذلك، وهو التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات، وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام) (6) ،
__________
(1) التقرير والتحبير لابن أمير الحاج (3/381).
(2) انظر: مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ص89-90 .
(3) انظر: إرشاد الفحول للشوكاني(1/403)، البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي(4/378).
(4) انظر: مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ص73.
(5) رسالة الطوفي في رعاية المصلحة: ملحقة بكتاب مصادر التشريع فيما لا نص فيه. ص112 .
(6) المصدر السابق ص138 ..(8/17)
وشذ الطوفي في تقديم المصلحة المرسلة في المعاملات ونحوها على النص والإجماع وباقي أدلة الشرع، فإن اختلفت الأدلة مع المصلحة وتعذر الجمع بينهم يقدم الطوفي المصلحة على غيرها، ويعتبر المصلحة المرسلة في المعاملات ونحوها دون العبادات وشبهها، لأن العبادات حق للشرع خاص به، ولا يمكن معرفة حقه كما وكيفا وزمانا ومكانا إلا من جهته، فيأتي به العبد علي ما رسم له، وهذا خلاف حقوق المكلفين فإن أحكامها سياسة شرعية وضعت لمصالحهم، فكانت هي المعتبرة وعلى تحصيلها المعول، ولا يقال: إن الشرع أعلم بمصالحهم، فتؤخذ من أدلته، لأنه يقرر أن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، بل هي أقواها وأخصها فيقدمها في تحصيل المنافع (1) . ولضعف أدلة الطوفي وشناعة رأيه حمل عليه الفقهاء، يقول عبد الوهاب خلاف: (إن الطوفي الذي يحتج بالمصلحة المرسلة إطلاقا فيما لا نص فيه وفيما فيه نص؛ فتح بابا للقضاء على النصوص، وجعل حكم النص أو الإجماع عرضة للنسخ بالرأي، لأن اعتبار المصلحة ما هو إلا مجرد رأي وتقدير، وربما قدر العقل مصلحة، وبالروية والبحث يقدرها مفسدة، فتعريض النصوص لنسخ أحكامها بالآراء وتقدير العقول خطر على الشرائع). (2)
شروط الاحتجاج بالمصلحة المرسلة: (3)
اشترط المحتجون بالمصلحة المرسلة شروطا حتى لا يكون بابا للتشريع بالهوى والتشهي:
1- أن تكون المصلحة حقيقية بالموازنة بين المصالح والمفاسد، وليست وهمية.
2- أن تكون مصلحة عامة وليست شخصية.
3- أن لا يعارض التشريع لهذه المصلحة حكما أو مبدأ بالنص أو الإجماع.
أدلة المحتجين بالاستصلاح:
__________
(1) انظر: مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ص98 .
(2) المصادر السابق، ص101 .
(3) انظر: علم أصول الفقه ص86-87.(8/18)
1- كل حكم إما أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة أو مفسدة خالية عن المصلحة أو يكون خاليا عن المصلحة والمفسدة بالكلية أو يكون مشتملا عليهما معا، وهذا على ثلاثة أقسام لأنهما إما أن يكونا متعادلين وإما أن تكون المصلحة راجحة وإما أن تكون المفسدة راجحة، فهذه أقسام ستة:
الأول: أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة، وهذا لابد وأن يكون مشروعا لأن المقصود من الشرائع رعاية المصالح.
الثاني: أن يستلزم مصلحة راجحة، وهذا أيضا لابد وأن يكون مشروعا لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير.
الثالث: أن يستوي الأمران، فهذا يكون عبثا فوجب أن لا يشرع.
الرابع: أن يخلو عن الأمرين، وهذا أيضا يكون عبثا، فوجب أن لا يكون مشروعا.
الخامس: أن يكون مفسدة خالصة ولا شك أنها لا تكون مشروعة.
السادس: أن يكون ما فيه من المفسدة راجحا على ما فيه من المصلحة، وهو أيضا غير مشروع لأن المفسدة الراجحة واجبة الدفع بالضرورة.
وهذه الأحكام في الأقسام الستة معلوم بالضرورة أنها دين الأنبياء، وهى المقصود من الكتاب والسنة تارة بالتصريح، وتارة بالأحكام المشروعة على وفقها، وغاية ما في الباب أنا نجد واقعة داخلة تحت قسم من هذه الأقسام ولا يوجد لها في الشرع ما يشهد لها بحسب جنسها القريب، ولكن لا بد أن يشهد لها الشرع بحسب جنسها البعيد على كونه خالص المصلحة أو المفسدة أو غالب المصلحة أو المفسدة، فلا توجد مناسبة إلا ويوجد في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار إما بحسب جنسه القريب أو بحسب جنسه البعيد، فوجب القطع بكون المصلحة المرسلة حجة. (1)
__________
(1) المحصول للرازي (6/222)، وانظر: مقال جلب المصالح ودرء المفاسد في التعاون الإقليمي والدولي، لعبد الله بن بيه وزير العدل الموريتاني سابقا، الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز، جدة، السعودية. انظر موقع المقال على شبكة الإنترنت: http://www.binbayyah.net/Pages/research/Projects/internationalorganiz.htm(8/19)
2ـ أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد، وهذه المصالح التي بنيت عليها أحكام الشريعة معقولة، أي مما يدرك العقل حسنها، كما أنه يدرك قبح ما نهى عنه، فإذا حدثت واقعة لا نص فيها وبنى المجتهد حكمه فيها على ما أدركه عقله من نفع أو ضرر مما لا يشهد له نص أو إجماع باعتبار أوإلغاء؛ كان حكمه على أساس صحيح معتبر من الشارع، ولذلك لم يفتح باب الاستصلاح إلا في المعاملات ونحوها مما تعقل معاني أحكامها، أما العبادات والمقدرات الشرعية كالحدود والأنصبة في المواريث والزكاة وغيرها فلا تشريع فيها بالاستصلاح. ورد هذا الاستدلال بأنه مبني على التسليم بالتحسين والتقبيح العقليين، ولو أدرك العقل المصلحة أوالمفسدة على سبيل الجزم كان حجة قطعاً لكشفه عن حكم الشارع، ولكن الإشكال في جزم العقل بذلك؛ لقصور العقل عن إدراك جميع الأوجه، فربما كان بعضها مما لا يناله إدراك العقول. (1)
__________
(1) انظر: مصادر التشريع فيما لا نص فيه ص90 .(8/20)
3- إن الوقائع والحوادث تتجدد، وإذا لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالاستصلاح لضاقت الشريعة الإسلامية عن مصالح العباد وقصرت عن حاجاتهم، ولم تصلح لمسايرة مختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال، مع أنها الشريعة العامة لكافة الناس وخاتمة الشرائع السماوية كلها. ورد بأن أحكام الشريعة بمفاهيمها الكلية لا تضيق عن مصالح العباد ولا تقصر عن حاجاتهم، فمختلف المفاهيم الشرعية بعناوينها الرئيسة والفرعية لو أُحسن تطبيقها والاستفادة منها؛ كانت مسايرة لمختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال، وتأثير الزمان والمكان والأحوال إنما هو بتبدل أدوات الزمان والمكان لا المفاهيم، فقول الله تعالى: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ] } الأنفال:60[، فالآية أمرت بالاستعداد بالقوة ورباط الخيول لإرهاب أعداء الله، لأنها القوة السائدة في ذلك الزمان، ولكن لما تبدلت أدوات الحرب صار الأمر بالاستعداد بالدبابات والقنابل وما يستطاع من قوة، فتغيرت الأدوات لا المفاهيم الكلية. (1)
__________
(1) انظر: المصدر السابق ص91.(8/21)
4- أن الصحابة عملوا أمورا لمطلق المصلحة لا لتقديم شاهد بالاعتبار، نحو كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وحارب أبو بكر - رضي الله عنه - مانعي الزكاة، ودون عمر - رضي الله عنه - الدواوين واتخذ السجن وأوقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وأوقف تنفيذ حد السرقة في عام المجاعة، وجعل عثمان - رضي الله عنه - أذانا في الجمعة بالسوق وهو الأذان الأول، ثم نقله هشام إلى المسجد، وورث عثمان - رضي الله عنه - زوجة المطلق الفار من إرث زوجته، ودون مصحفا واحدا وجمع المسلمين عليه. ورد بأن تصرفات الصحابة رضي الله عنهم هذه وأمثالها تنزل على القياس تارة والاستحسان أخرى والمصالح ثالثة، وتعتبر على ألسنة الفقهاء أدلة عليها، ولا تتسع الواقعة الواحدة لمختلف هذه الأدلة مع تباينها. (1)
5- حديث "لا ضرر ولا ضرار" نص في نفي الضرر، وهو عين المصلحة، فحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله. ورد بأن الحديث لا يشمل كل ضرر باتفاق، بل فقط ما اعتبره الشارع ضررا كما تقدم.
أدلة من لا يحتج بالاستصلاح:
__________
(1) انظر: التقرير والتحبير لابن أمير الحاج (3/381)، وتيسير التحرير لأمير بادشاه (4/171).(8/22)
1- أن الله لم يترك الناس سدى من غير أن يشرع لهم ما يكفل تحقيق مصالحهم، قال - جل جلاله - : { أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى] } القيامة:36[، فأكمل الله - جل جلاله - للمؤمنين دينهم قال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } ]المائدة:3[، وأمرهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، قال تعالى: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } ]النساء:59[ ، فالشريعة كتاب وسنة وما بني عليهما بناء صحيحا وفق الضوابط الشرعية بالرد عليهما خلافا للاستصلاح، لأنه حكم مبني على مصلحة لم يعتبرها الشارع بوجه من الوجوه، فهو ليس بحكم شرعي . ورُدّ بأن الاستصلاح رَدّ على القواعد العامة للكتاب والسنة (1) ، والقائلون بالمصلحة يقولون بموجب قوله تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } ]المائدة:3[، وفي قوله تعالى: { فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ } ]النساء:59[ المصلحة رد إلى هذين الأصلين.
2- أن المصالح الحقيقية للناس قد راعاها الشارع، إما بتشريع أحكام لها، وإما بالدلالة على اعتبارها أو اعتبار جنسها لبناء التشريع عليها، أما المصالح المرسلة فهي موهومة وغير مشروعة. رد بأن شرط الحكم بالاستصلاح أن تكون المصلحة حقيقية، بمعنى أن يتحقق من تشريع الحكم بالواقعة جلب نفع أو دفع ضر حقيقي، أما مجرد التوهم أن الحكم يجلب نفعا من غير موازنة بين الضرر والنفع، فهذا بناء على مصلحة وهمية، وأن تكون المصلحة عامة لا شخصية. (2)
__________
(1) انظر: مصادر التشريع فيما لا نص فيه. ص94 .
(2) انظر: أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف. ص86-87 .(8/23)
3- أن المصلحة المرسلة مترددة بين الاعتبار والإلغاء، فمن المحتمل أن تلحق بالاعتبار أو بالإلغاء، وفي هذا الاحتمال مجال للأهواء والشهوات، فقد يرى المصلحة مفسدة، والمفسدة مصلحة، فالمصلحة المرسلة عرضة للزلل والتشريع بالهوى. رد بأن المصلحة المرسلة كونها ليست ملغاةً ولا معتبرةً بوجه من وجوه الاعتبار، ليس بمعنى التردد بينهما، بل بعدم الانتماء لأي منهما. (1)
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي (4/167-168)، ومصادر التشريع فيما لا نص فيه. ص95.(8/24)
4- يقول ابن قدامة المقدسي: (ما عرف من الشارع المحافظة على الدماء بكل طريق، ولذلك لم يشرع المثلة وإن كانت أبلغ في الردع والزجر، ولم يشرع القتل في السرقة وشرب الخمر، فإذا أُثبت حكم لمصلحة من هذه المصالح؛ لم يعلم أن الشرع حافظ على تلك المصلحة بإثبات ذلك الحكم؛ كان وضعا للشرع بالرأي؛ وحكما بالعقل المجرد، كما حُكي أن مالكا قال: يجوز قتل الثلث من الخلق لاستصلاح الثلثين. ولا نعلم أن الشرع حافظ على مصلحتهم بهذا الطريق). (1) رد: بأن الفقهاء اشترطوا أن لا يعارض الحكم بالمصلحة المرسلة نصا من الكتاب أو السنة أو الإجماع، لأنها تكون حينئذ ملغاة. (2)
__________
(1) روضة الناظر وجنة المناظر (1/169-170).
(2) انظرأصول الفقه لعبد الوهاب خلاف. ص87 ..(8/25)
يقول ابن تيمية: (والقول الجامع: أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا حدثنا به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، ولكن ما اعتقده العقل مصلحة، وإن كان الشرع لم يرد بها، فأحد أمرين لازم له: إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر، أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة، لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة، وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة، كما قال تعالى: { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا }] سورة البقرة:219]، وكثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف وأهل الرأي وأهل المُلك، حسبوه منفعة أو مصلحة نافعا وحقا وصوابا وليس كذلك، كذلك بل كثير من الخارجين عن الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس يحسب كثير منهم أن ما هم عليه من الاعتقادات والمعاملات والعبادات مصلحة لهم في الدين والدنيا ومنفعة) (1) . رد بأن المصلحة المرسلة في المعاملات ونحوها، لا في العبادات والعقائد ونحوها بالاتفاق. ويقول ابن القيم: (إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد, وهي عدل كلها, ورحمة كلها, ومصالح كلها, وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور, وعن الرحمة إلى ضدها, وعن المصلحة إلى المفسدة, وعن الحكمة إلى العبث; فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل) (2) .
__________
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (11/342 – 345).
(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين(2/3).(8/26)
وذكر ابن القيم السياسة الشرعية؛ فقال في حق نفاتها: (وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد, وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل, وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق, ظنا منهم منافاتَها لقواعد الشرع, والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة، والتطبيق بين الواقع وبينها) ثم يقول: (وأفرط فيها طائفة أخرى، فسوغت منه ما يناقض حكم الله ورسوله, وكلا الطائفتين أُتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط, وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض, فإذا ظهرت أمارات الحق, وقامت أدلة العقل, وأسفر صبحه بأي طريق كان; فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره, والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد؛ وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر). (1)
ويقول عبد الوهاب خلاف: (والظاهر لي: هو ترجيح بناء التشريع على المصلحة المرسلة، لأنه إذا لم يفتح هذا الباب جمد التشريع، ووقف عن مسايرة الأزمنة والبيئات، ومن قال: إن كل جزئية من جزئيات مصالح الناس، في أي زمن وفي أي بيئة قد راعاها الشارع؛ وشرع بنصوصه ومبادئه العامة ما يشهد لها ويلائمها، فقوله لايؤيده الواقع، فإنه مما لا ريب فيه أن بعض المصالح التي تَجِدّ لا يظهر شاهد على اعتبارها ذاتها، ومن خاف العبث والظلم واتباع الهوى باسم المصلحة المطلقة، يُدفع خوفه بأن المصلحة المطلقة لا يبنى عليها تشريع إلا إذا توافرت فيها الشروط الثلاثة، وهي أن تكون مصلحة عامة وحقيقية ولا تخالف نصا شرعيا ولا مبدأ شرعيا) (2) .
__________
(1) المصدر السابق (4/272-273)، وانظر: الطرق الحكمية (1/18-19).
(2) أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف. ص88 .(8/27)
قلت: إن مصلحة تعمد قتل مسلم لا يستحق القتل ملغاة قطعا، بنص القرآن الكريم، قال - جل جلاله - : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ]النساء:93[ ، وقال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا } ]النساء:92[، فلا يمكن أن يَدخلَ تَعمدُ قتلِ مسلم لا يستحق القتلَ ضمن الموازنات الشرعية، مهما كانت المصالح الموهومة، ولاسيما في هذه الأعصار التي رَخُص فيها دم المسلم، وليس حساب عدد الناجين أداة شرعية للترجيح، فالمسلم الواحد قد يساوي أمة، وقتل عمر - رضي الله عنه - الجماعة بالواحد، فعن سَعِيدِ ابن الْمُسَيَّبِ أن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً أو سَبْعَةً بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَة،ٍ وقال عُمَرُ: (لو تَمَالأَ عليه أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جميعا) (1) ،
__________
(1) رواه مالك في الموطأ (كتاب العقول- باب ما جاء في الغيلة والسحر 2/871)، والشافعي في مسنده ص 200، والبيهقي في السنن الكبرى(8/40)، وفي معرفة السنن والآثار (6/162)، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار(8/155)، وقال ابن رشد القرطبي: (وأما قتل الجماعة بالواحد فإن جمهور فقهاء الأمصار قالوا تقتل الجماعة بالواحد، منهم مالك وأبوحنيفة والشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وغيرهم سواء كثرت الجماعة أو قلت وبه قال عمر - رضي الله عنه - ). بداية المجتهد ونهاية المقتصد (2/299)..(8/28)
والمسلمون الكثر قد يكونون غثاء كغثاء السيل، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ" (1) ، فيجب حفظ دم كل مسلم دون تمييز، فليس دم مسلم أولى من دم أخيه المسلم بنص الحديث النبوي الشريف، فعن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ". (2)
القواعد الفقهية و التعديل الوراثي:
إن مصالح التعديل الجيني بجلب نفع أو دفع ضر يمكن أن يكون من المصالح المرسلة التي لا شاهد لها باعتبار أوإلغاء لذاتها في الشرع، والتعديل الجيني ما زال في بدايته على المستوى التطبيقي، ويثير جدلاً واسعًا غير مسبوق في الأوساط العلمية والمجتمعية في شتى أسقاع الأرض، ولا سيما الدول التي تنتج تقنيات الهندسة الوراثية، بسبب اجتماع المصلحة والمفسدة في كثير من تطبيقاتها، فيلزم إجراء القواعد الفقهية عليها لبيان حكمها:
ويمكن تطبيق القواعد الفقهية التالية:
1- قاعدة: لاضرر ولا ضرار.
__________
(1) حيث ثوبان - رضي الله عنه - روه أبوداود في سننه (كتاب الملاحم – باب في تداعي الأمم على الإسلام 4/111)، وأحمد في مسنده(5/278)، وابن أبي شيبة في مصنفه (7/463)، والطيالسي في مسنده (1/133)، والبيهقي في دلائل النبوة (6/534) وفي شعب الإيمان (7/297)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2/647).
(2) رواه أبوداود في سننه (كتاب الجهاد– بَاب في السَّرِيَّةِ تَرُدُّ على أَهْلِ الْعَسْكَرِ 3/80)، وابن ماجة في سننه (كتاب الديات- باب الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ 2/895)، وابن أبي شيبة في مصنفه (5/459)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود(2/525).(8/29)
2- قاعدة: من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته. (1)
تمنع الشريعة قصد الإضرار بالغير وحرمانه من التصرف في ملكه لجلب المصلحة ومثاله:
أ- البذرة الانتحارية وبراءة ملكيتها: تقنية التعديل الوراثي للبذرة الانتحارية (تعقيم البذور) تمنع المزارع من استخدام البذور مرة أخرى عند حصادها بعد الزراعة الأولى، ومنع المزارع المالك للبذور من التصرف في ملكه غير جائز؛ مهما كانت مصلحة شركة مونسانتو المالك الأصلي للبذور. (2)
ب- إسرائيل تسرق أسماك البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر بالهندسة الوراثية:
تمكن الباحثون في الهندسة الوراثية في إسرائيل من تعديل بعض جينات الأسماك داخل مياهها الإقليمية بالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وذلك بغرض الحفاظ على ثروتها السمكية، وحرمان دول الجيران من الاستفادة منها، فتحت عنوان (إسرائيل تتحكم في أسماك البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر)، ذكرت صحيفة "لوبون" الفرنسية في عددها الصادر الثلاثاء 29/5/2007م، أن الإسرائيليين نجحوا في تطوير نظام الاستشعار لدى بعض الأسماك بحيث تشعر بفارق درجات الحرارة والملوحة وثقل وخفة المياه التي تعيش فيها، وقامت بضبط جيناتها بحيث تفضل المياه الإقليمية الإسرائيلية، مما يعني أن تلك الأسماك لو غادرت مياه إسرائيل الإقليمية فإنها ستعود إليها مجددا لأنها تفضلها، وبذلك تتمكن الدولة العبرية من السيطرة على الثروة السمكية الموجودة بالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وهذا قصد إضرار بالغير لتحقيق مصلحة. (3)
__________
(1) انظر: البحر الرائق لابن نجيم(8/54)، تبيين الحقائق للزيلعي(5/158)، (6/31)، مجلة الأحكام العدلية مادة 49(1/22)، درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر(1/48)، شرح القواعد الفقهية القاعدة 48، ص 261.
(2) انظر: ص263-264 من هذا البحث.
(3) انظر: صحيفة "لوبون" الفرنسية الثلاثاء 29/5/2007م.(8/30)
3- قاعدة: إذا اجتمعت المصلحة والمفسدة فالعمل على أرجحهما: (1)
وإذا اجتمعت المصلحة والمفسدة في آن واحد؛ بحيث لا يمكن التعامل مع أي منهما على انفراد، فلا تُحصَّل المصلحة إلا بتحصيل المضرة، ولا تُزال المضرة أو تدفع إلا بإزالة المصلحة ودفعها، فإن كانت المصلحة أرجح من المضرة؛ فإن المصلحة تُحَصَّل، وإن أدى ذلك إلى تحصيل المضرة؛ لأنها تنغمر إلى جانب المصلحة الأكبر، وإن كانت المضرة أرجح فإنها تدفع، وإن أدى ذلك إلى دفع المصلحة المرجوحة. ومن فروع تلك القاعدة فداء أسرى المسلمين بالمال؛ فتحرير الأسارى المسلمين من أيدي الكفار مصلحة، بينما ذهاب جزء من أموال المسلمين إلى الكفار مفسدة، لكن مصلحة تحرير أسرى المسلمين أرجح من مفسدة ذهاب جزء من أموال المسلمين إلى الكفار فترجح. يقول ابن تيمية: (الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصّل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما) (2) . وتنوعت عبارات الفقهاء في التعبير عن معاني هذه القاعدة بالألفاظ التالية: تقديم أوتغليب المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة (3) ـ المفسدة المرجوحة مغتفرة مع المصلحة الراجحة (4) ـ عدم اعتبار المفسدة المرجوحة مع المصلحة الراجحة (5) ـ إلغاء المفسدة المرجوحة بجانب المصلحة الراجحة (6)
__________
(1) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/307)،(29/48).
(2) الاستقامة (1/288).
(3) انظر:أحكام أهل الذمة(1/265)، أضواء البيان للشنقيطي(7/497)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية(3/428)، فتح الباري(1/172) (5/7)، القواعد النورانية لابن تيمية ص 132، حاشية الرملي(1/16)، شرح الزرقاني(4/478)، المنثور للزركشي(1/128).
(4) انظر: الذخيرة للقرافي (13/322).
(5) انظر: التقرير والتحبير (3/194).
(6) انظر: أضواء البيان للشنقبطي (3/23)..(8/31)
ـ درء المفاسد أولى من جلب المصالح (1) ـ دفع الضرر أولى من جلب النفع. (2)
وفي المثال التالي ترجح الدراسات المصلحة على المضرة في التعديل الوراثي:
الأرز الذهبي المضاد للعمى الذي يحتوي على البيتا كاروتين:
بدأت شركة سينجينتا – ثالث أكبر شركة في العالم في تطوير المحاصيل التجارية الرئيسة- في مشروع فك الخريطة الجينية للأرز في عام 1999م، وتم بالفعل اكتشاف الشفرة الجينية للأرز، وتضم 12 كرومسوم و50 ألف جين، والمفاجأة التي يتحدث عنها الباحثون تتمثل في أن معظم جينات الأرز وتسلسلها يكاد يكون متطابقا مع جينات الحبوب الأخرى، مما يعني أن لدى الباحثين الآن شكلا كاملا للخريطة الوراثية للحبوب، ويعتقد الباحثون أن من شأن هذا الاكتشاف أن يؤدي لعلاج مشكلة سوء التغذية في كثير من دول العالم. وتكمن المشكلة الرئيسة في الأرز العادي في افتقاره لعنصر البيتا كاروتين، الذي يعتبر مصدرًا لفيتامين (أ) في أجسادنا، وقد نجح الباحثون في معهد التكنولوجيا بزيوريخ في سويسرا من إنتاج أرز من نوع خاص يسمى (الأرز الذهبي)، وهو نوع من الأرز المهندس وراثيًّا، نُقل إليه الجين المنتج لمادة "بيتا كاروتين"، ويعتبر الأرز الغذاء الرئيس لمعظم شعوب العالم، وخاصة في دول شرق آسيا، ويصنف الأرز عالمياً إلى عدة أصناف، يصل تعدادها في إحدى الدراسات إلى 14 ألف صنف (3) .
__________
(1) انظر: الذخيرة للقرافي (13/322).
(2) انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام للسلمي(1/69).
(3) انظر: مقال الأرز الذهبي" المعدل وراثيا والغني بفيتامين "أ"، بي بي سي أون لاين الإثنين 28 مارس 2005، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_1139000/1139549.stm.(8/32)
تعاني الكثير من الشعوب الفقيرة المعتمدة على الأرز بصفة أساس في غذائها من النقصان الشديد لمادة البيتا كاروتين، ونقصان فيتامين "أ" يسبب وفاة مليون طفل سنويا، وتقدر منظمة الصحة العالمية عدد الأطفال الذين يصابون بالعمى سنويا بسبب نقص فيتامين "أ" بنصف مليون طفل. وتؤكد الإحصائيات أن نقص فيتامين "أ" يؤثر على صحة نحو 250 مليون طفل، ويجعلهم عرضة للإصابة بالعمى وعاهات خطيرة أخرى. وأوضح فريق الباحثين أنه يتم حاليا تطوير الخصائص المميزة للأرز الذهبي، وأن البذور ستكون متوفرة للمزارعين في البلدان النامية قريبا، وقد كان لهذا الإنجاز وقع إيجابي على منظمات المساعدة الإنسانية، التي سبق لها أن أعربت عن انزعاجها من أن أسعار تكنولوجيا الزراعة الجديدة لن تكون في متناول أكثر المزارعين فقرًا في العالم، وصرح البروفيسور "إنجو بوتريكوس" رئيس فريق الباحثين بأن العديد من العلماء لم يكونوا يعتقدون في بداية هذا المشروع بإمكانية تحقيق النتائج التي تم التوصل إليها، وأنه يتم حاليا توزيع التقنية- التي توصل إليها الفريق- على المختبرات في مختلف أنحاء العالم؛ حيث تستعمل أساليب الاستنبات التقليدية لإدماج جينات "البيتا كاروتين" في أنواع محلية مختلفة. وقال "بوتريكوس": إنه لا ضرر من تناول كميات كبيرة من هذا الأرز الجديد، ولا توجد أسباب علمية تمنع تداوله، مضيفًا أن العائق الوحيد أمامه تقبل الجمهور للأرز المهندس وراثيا، وتعودهم عليه. وكشف أن نفس التقنية بدأت تُجرّب على القمح، وأن الشيء نفسه سيطبق على محاصيل أخرى، مثل الشعير، ومن جهة أخرى توصل الفريق ذاته إلى إدخال نوعين من الجينات، تجعل الأرز أكثر غنى بمادة الحديد، مما يعني التحكم بشكل أكبر في معضلة فقر الدم في العالم.(8/33)
يكتسب اكتشاف الأرز الذهبي أهمية أكبر في الدول الآسيوية، التي تنتج نحو 91% من الإنتاج العالمي من الأرز، بالإضافة إلى أن سكان هذه الدول يعتمدون على الأرز في وجباتهم الثلاث، وعلى الرغم من وجود المعهد الدولي لأبحاث الأرز في العاصمة الفلبينية "مانيلا"، والذي تسلم الخريطة الجينية للأرز، ويجري الآن دراسة دولية على الأرز الذهبي لنشرها فيما بعد، فإنه ليس من السهولة حصول المزارعين على تقنية الأرز الذهبي؛ لأن معظمهم من الفقراء، مما يتطلب قيام الشركات والمراكز البحثية بتوفيرها لهؤلاء المزارعين، وإلا فسيظل الأرز الذهبي حلمًا بالنسبة لهم. (1)
__________
(1) انظر: الأرز: القضايا المطروحة، وثيقة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.fao.org/newsroom/ar/focus/2004/36887/article_36967ar.html.(8/34)
الضرر المحتمل: أكدت التجارب الحقلية أن خطر الأرز المعدل وراثيًّا على الحياة البرية محدود، إضافة إلى صلاحيتها للاستهلاك البشري، ويرفض الدكتور أحمد مستجير -أستاذ الهندسة الوراثية بجامعة القاهرة، وهو من أشد المؤيدين لتقنية الأرز الذهبي- مزاعم الجماعات والمنظمات البيئية، التي تحذر من أن تناوله قد يسبب سقوط الشعر أو العجز الجنسي، كما يرفض دعاوى التقليل من القيمة الغذائية لهذا النوع من الأرز، ويقول:(إذا كان "البيتا كاروتين" بلا فاعلية؛ فلماذا لا توقف البرامج الدولية لتزويد الفقراء بهذا الفيتامين؟)، ويقول:(والصحيح أن التقنية التي تم الوصول إليها لا تلبي حاجة الإنسان اليومية من فيتامين "أ" 100%، ولكن صانعي الأرز يطمحون إلي الوصول إلي أرز يحمل ما يكفي من هذا الفيتامين؛ ليكون ذا أثر واضح على من يعانون من نقصه، وإن هذا الأرز يوفر الآن بالفعل ما يتراوح بين 20%- 40% من الفيتامين إذا تناول الفرد 300 جرام يوميا، كما أنهم يعملون على زيادة الفيتامين فيه، وينفي د. مستجير احتمالات احتكار تقنية الأرز الذهبي، مشيرًا إلي أن الباحثَيْن اللذين توصلا إليها، وهما: "إنجو بوتريكوس"، و"بيتر بيار"، قد تمكنا من عقد صفقة مع الشركات الست التي تمتلك براءات وتراخيص التقنيات، والتي يتم بموجبها منح هذه التقنية مجانًا للدول النامية، على أن تحتفظ هذه الشركات بحقوق التسويق في الولايات المتحدة والدول المتقدمة.(8/35)
ويذكر بهذا الصدد أن تمويل بحوث الأرز الذهبي كان من المال العام، ولم يدعمها الاتحاد الأوربي إلا في المرحلة النهائية، وقد أعلنت شركة "مونسانتو" عملاقة التقنيات الحيوية أنها ستفسح المجال أمام الآخرين للحصول على رخص إنتاج الأرز المعدل وراثياً، والذي عن طريقه يمكن المساهمة في وقف انتشار العمى وسوء التغذية، وقالت الشركة: إنها ستوفر رخصًا معفية من الرسوم لتساعد على تطوير الأرز الذهبي وأصناف أخرى متنوعة من الأرز الغني بالبيتا كاروتين، وأوضحت أنها ستتيح بيانات المعلومات الوراثية الخاصة بالأرز المعدل أمام الباحثين في مختلفة أنحاء العالم، وقد قوبلت مبادرة الشركة، التي تقول إنها تخدم الصالح العام، بموافقة مقرونة بالحذر من جانب الجماعات البيئية، التي سبق أن شنّت عليها حملة انتقادات عنيفة لدورها في تطوير الأغذية المعدلة وراثياً المثيرة للجدل. لكن الشركة قالت- خلال إعلانها المبادرة في منتدى التقنيات الحيوية الزراعية، الذي أقيم في الهند-: إنها بمنح رخص معفية من الرسوم عن جميع تقنياتها المستخدمة في تطوير الأرز المعدل وراثياً، ستساعد ملايين الأشخاص الذين يعانون من نقص فيتامين"أ". ووافقت منظمة السلام الأخضر الدولية Greenpeace يوم الجمعة 9/2/2001، في مؤتمر "بيوفيجن" للتّكنولوجيا الحيويّة في ليون، بفرنسا على عدم التعرض للتجارب الحقلية المزمعة لاختبار "الأرز الذهبي"، وأعلنت أنه رغم معارضتها الكاملة للنباتات المهندسة وراثيا، إلا أنها ترى أن الأرز الذهبي الغني بفيتامين "أ" يعتبر استثناء بالنسبة لقانون المنظمة، الذي يقضي بالبحث عن مثل هذه النباتات وتدميرها.(8/36)
وأعربت الوكالة الدولية للتنمية، آكشن إيد، عن مخاوفها من أن تؤدي هذه الخطوة إلى جعل الفلاحين الفقراء في الدول النامية رهينة بأيدي الشركات التي تمتلك هذه المعلومات المتطورة، وطالبت الوكالة شركة سينجينتا بأن تتعهد بإتاحة هذه المعلومات للباحثين في الدول النامية، وبعدم فرض براءات اختراع للشفرة الجينية للأرز أو أي محصول آخر. (1)
ومن الأمثلة التي ترجح الدراسات العلمية المفسدة فيها على المصلحة ما لم يتم تحسين التعديل الوراثي فيها: (2)
أ- النباتات المحورة جينيا المنتجة لمبيد الحشرات : Bacillus Thuringiensis (3)
تنتج الذرة BT المعدلة وراثيا التكسين Bt أو شبيهه بصفة دائمة بما يقارب عشرة آلاف
إلى مائة ألف مرة عن الكمية التي تفرزها البكتيريا الطبيعية، فتولدت مناعة قوية لدى الحشرات الضارة، مما اضطر الفلاحين إلى استعمال كميات أكبر من مبيدات الحشرات.
ب- الذرَة MON810 المعدلة وراثيا: (4)
تفرز مادة سامة لقتل الحشرة التي تتغذى على سيقان الذرَة، وقد ثبت علميا أن هذه المادة السامة لا تتصرف كما رسم لها؛ فتفسد التربة ونسبتها في محصول الذرة غير مقبول. فيترجح المضرة على المصلحة، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ولا مانع من الاستمرار في التجارب المخبرية.
ج- النباتات المحورة جينيا المنيعة تجاه مبيد الأعشاب (المتقبلة لمبيد الأعشاب)
Round up كالسوجا والكولزا (اللفت البري) والقطن واللفت المنيع: (5)
__________
(1) انظر: أرز مضاد للعمى وسوء التغذية، لخالد يونس، 16/6/2001م، المقال على إسلام أون لاين على شبكة
http://www.islamonline.net/Arabic/Science/2001/06/Article8.shtml : الإنترنت
(2) تشير تقارير المؤيدين للهندسة الوراثية إلى أنه قد تم تحسين هذه التقنية. انظر: من هذا البحث ص543، 553.
(3) انظر: ص259 من هذا البحث.
(4) انظر: ص261 من هذا البحث.
(5) انظر: ص260-262 من هذا البحث.(8/37)
النباتات المنيعة تجاه مبيد الأعشاب والتي لايؤثر فيها مبيد الأعشاب، تبين أن جينات المناعة تنتقل إلى الأعشاب الضارة، فأظهرت الأعشاب الضارة مناعة تجاه مبيد الأعشاب، مما اضطر الفلاحين إلى استعمال كميات أكبر من مبيدات الأعشاب. وبحسب قاعدة مراعاة المآل واعتباره في تحصيل المصالح (1) ، ونفي الشريعة للضرر، تُُمنع هذه الأنواع الثلاثة من طرق التعديل الوراثي.
4- قاعدة: الضرر يزال: (2)
وتنوعت ألفاظ الفقهاء في التعبير عن هذه القاعدة بما يلي: الضرر يدفع بقدر الإمكان (3) ـ والضَّرَر لا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (4) ـ والضرر لا يزال بمثله.
وفي الأمثلة التالية يحقق التعديل الوراثي مقاصد الشريعة بإزالة الضرر:
1- تقنية استخدام الكائنات المحورة وراثيا للحام طبقة الأوزون:
__________
(1) انظر: الموافقات للشاطبي (4/197-207-233)، شرح مختصر خليل(4/28)، التمهيد لابن عبد البر(19/193)، شرح الزرقاني (3/270)، أحكام القرآن لابن العربي (1/347).
(2) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص7، 83، التحبير شرح التحرير للمرداوي (8/3846،3859)، غاية الوصول شرح لب الأصول لزكريا الأنصاري ص249، شرح القواعد الفقهية لأحمد بن الشيخ محمد الزرقا ص 179، 195، غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر للحموي الحنفي (1/37).
(3) انظر: مجلة الأحكام العدلية (1/19)، درر الحكام شرح مجلة الأحكام (1/37)، شرح القواعد الفقهية لأحمد بن الشيخ محمد الزرقا ص 207، مجموعة قواعد الفقه للمفتي عميم الإحسان ص88.
(4) انظر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام (3/341)، الأشباه والنظائر للسيوطي ص86، كتاب الكليات لأبي البقاء الكفومي ص578.(8/38)
تمثل طبقة الأوزون في الغلاف الجوي منطقة حماية للحياة على سطح الأرض، وتتكون هذه الطبقة من غاز الأوزون (O3) وبعض الأيونات الأخرى، وتعمل هذه الطبقة على وقاية سطح الأرض من وصول الأشعة فوق البنفسجية، والتي تعمل على إصابة الجلد ببعض أنواع سرطان الجلد، ورغم أهمية هذه الطبقة إلا أنها بدأت تتآكل بسبب الملوثات الكيماوية المتصاعدة من سطح الأرض وعوادم الصواريخ الحاملة للأقمار الصناعية واختراق الطائرات النفاثة لها، وبدأت كمية الأشعة فوق البنفسجية في زيادة مضطردة بعد تعرض طبقة الأوزون للتآكل، وبدأت تأثيرات اختراق الأشعة فوق البنفسجية للغلاف الجوي تزداد حدة، وقد ظهر ذلك في صورة ارتفاع درجة حرارة الأرض، وذوبان بعض ثلوج القطبين الشمالي والجنوبي، وأصبح البحث عن علاج طبقة الأوزون من الأبحاث ذات الأهمية الكبيرة في عديد من مراكز الأبحاث الكيماوية، بل أصبح لطبقة الأوزون مراكز أبحاث خاصة، والتي تركزت أبحاثها على إطلاق صواريخ محملة بمواد كيماوية بهدف ترقيع طبقة الأوزون، وقد حققت تلك الأبحاث بعض النجاح، لكنها لم تنجح في تقديم حلول جذرية لمشكلة الأوزون، ولأهمية طبقة الأوزون بدأ علماء جينوميا الفضاء تركيز أبحاثهم على هذه الطبقة لمحاولة إيجاد حلول جذرية باستخدام تقنية الجينوم، حيث استطاع فريق علمي تحوير جينوم سلالة بكتيرية بحيث تستطيع الحياة الدائمة في طبقة الأوزون، وتعمل على تحليل المواد الكيماوية المسببة لتآكل طبقة الأوزون، ويتم ذلك عن طريق تطعيم ألDNA الخاص بالبكتريا بجينات تمكن البكتريا الحياة في منطقة الأوزون، وجينات أخرى تمكن البكتريا من تكوين المواد المحللة للكيماويات المسببة لتآكل طبقة الأوزون، ويأمل علماء جينوميا الفضاء في تحوير العديد من الكائنات الدقيقة للحياة في طبقة الأوزون، بحيث يمكنها تحليل المواد الكيماوية المسببة لتآكل طبقة الأوزون.(8/39)
(1)
3- اكتشاف وتدمير الألغام بالبكتريا والنباتات المحورة وراثيا: (2)
__________
(1) الهندسة الوراثية وأبحاث البيئة للدكتور عبد الباسط الجمل ص180-181.
(2) انظر: اكتشاف وتدمير الألغام بالبكتريا: التجارب أثبتت تغير لون النبات عند تعرضه لمادة الـ (تي إن تي)، مجلة البيئة، المشرف العام الدكتور خالد بن عبد العزيز أبابطين، الأربعاء 4 رجب 1428- 18 يوليو 2007، وانظر المقال على موقع مجلة البيئة على شبكة الإنترنت:
http://www.beaah.com/home/Env-articles/envNews/2006/4sept-Mines-Plants.html(8/40)
تنتشر المواد المتفجرة في مناطق الصراع في العالم في صورة مفرقعات وديناميت وألغام أرضية تقليدية غير مزودة بآليات التدمير الذاتي، وحوالي 64 دولة في العالم تعاني من مشكلة التلوث العسكري بالألغام الأرضية، حيث يوجد في مصر نحو خُمس ألغام العالم، والمقدرة بنحو 120 مليون لغم، ونصيب مصر منها حوالي 22.7 مليون لغم، 76% منها موجود في حوالي 288 ألف فدان. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الألغام تقتل سنوياً نحو 10 آلاف شخص، وتكلف إزالة الألغام المزروعة حالياً على أقل تقدير 33 مليار دولار، ورغم الجهود الدولية المبذولة لإزالتها فإن ما يتراوح بين 2-5 ملايين لغم جديد يتم زرعها سنوياً، وتوضح الإحصائيات الدولية أن عدد الضحايا من القتلى والجرحى نتيجة الألغام خلال الأعوام الخمسين الماضية أكثر مما تسببت فيه الأسلحة الكيماوية والنووية معاً. ومع تقدم الهندسة الوراثية أمكن تعديل بعض الكائنات وراثيا لمعالجة الأجسام الغريبة الخطرة وغير المرئية مثل المواد المتفجرة، بهدف التخلص منها وتحويلها إلى مواد مفيدة. وتعتمد تكنولوجيا الهندسة الوراثية على جمع نماذج بكتيرية من الأماكن التي توجد فيها مصانع الأسلحة ومستودعات الذخيرة والتربة المتضررة من الأسلحة والأنشطة العسكرية الأخرى، ثم تنميتها في المعمل على أوساط غذائية تحتوي على المواد المتفجرة، ثم عزل البكتريا التي تستطيع أن تعيش فيها وتحللها، ثم يلي ذلك محاولة عزل الجينات المسؤولة عن تحليل المواد المتفجرة، ونقلها إلى كائنات دقيقة يمكنها أن تعيش في الأماكن الملوثة عسكريا.(8/41)
وباستخدام هذا الأسلوب تمكنت الهندسة الوراثية من إنتاج كائنات دقيقة لها القدرة على تحليل المواد المتفجرة، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر بكتريا تحلل الديناميت، إذ تقوم بتحليل النيتروجلسرين "الديناميت" إلى ماء وغاز ثاني أكسيد الكربون، كما تعمل هذه البكتريا على تحليل مادتي (TNT) و (TND) المتفجرتين من خلال تحطيم النيتروجين المركب الموجود في جزيء المادتين، ويتحول النيتروجين الناتج إلى مخصب طبيعي للتربة، ويؤدي هذا النوع من البكتريا إلى إزالة 70% من بقايا المواد المتفجرات الملوثة للتربة، وهناك بكتريا أخرى تدمر المركبات المعقدة (الهيدروكربونات الأروماتية البنزين والطولوين والزيلين) التي يعتمد عليها التركيب الكيماوي للمواد المتفجرة، وتتم تغذية هذه البكتريا في التربة عن طريق شبكة من الأنابيب داخل التربة طوال فترة عملها، وتظل المشكلة في كيفية نشر هذه البكتريا في الأراضي الملغمة، لذا تم الاستعانة بنباتات مهندسة وراثياً يمكنها تحليل الألغام، وغالبا ما تستخدم النباتات التي تنمو في المنطقة الملوثة بالألغام الأرضية، ويتم التعديل الوراثي لهذه النباتات عن طريق عزل الجين المسؤول عن تحليل مركب الـ’‘تي إن تي’‘، وهي جينات معروفة ومتداولة تجارياً، مثل إنزيمات ‘‘التيتروراكديز’‘، وعندما يتم نقل الجين لأي نبات يصبح قادراً علي تحليل مركبات الـ’‘تي إن تي ‘‘، وبمجرد مقابلة جذور النباتات للمادة المتفجرة يمكنها امتصاصها، وقد نجحت المجموعة البحثية في إنتاج هذه النباتات، وأثبتت نجاحاً باهراً. (1)
ثقب اللغم الحديدي:
__________
(1) انظر: الهندسة الوراثية العسكرية وتطبيقاتها السليمة، مجلة الحرس الوطني، العدد 238، تاريخ العدد 1/4/2002م، وانظر المقال على موقع مجلة الحرس الوطني على شبكة الإنترنت:
http://haras.naseej.com/Detail.asp?InNewsItemID=69771(8/42)
يتم الاستعانة ببكتيريا ذات قدرة علي تحليل معدن الحديد وأكله مثل بكتيريا (نيترو فيليك أيرون أوكسيد ايزر) و(أسيدو فيليك أيرون أوكسيد ايزر)، حيث تتغذى على جسم اللغم وتحدث به ثقوباً، فيمكن بعدها استخدام نوع آخر من البكتيريا يتغذي على مادة الـ (تي إن تي)، والتي تعتمد علي النيتروجين كمصدر أساس لغذائها.
اكتشاف مكان اللغم بالهندسة الوراثية: (1)
__________
(1) انظر: إنتاج نباتات مهندسة وراثيا تستطيع الكشف عن وجود الألغام الأرضية ، الأبحاث العلمية المنشورة، معهد بحوث الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية، جامعة المنوفية، بالتعاون مع (معهد الهندسة الوراثية بالسادات وجامعة فلوريدا)، أبحاث الدكتور طارق عبدا لرءوف الأستاذ المساعد، انظر موقع معهد بحوث الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية، جامعة المنوفية على شبكة الإنترنت:
http://195.246.41.242/Research-ar.htm
وانظر: نبات مهندس وراثيا لاكتشاف الألغام، كتبه أحمد محمد يوسف، المقال نشر في جريدة القبس، جريدة كويتية يومية سياسية مستقلة، العدد12524، السبت12إبريل 2008م، انظر الخبر على موقع جريدة القبس على شبكة الإنترنت:
www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperPublic/ArticlePage.aspx?ArticleID=254993 - 78k -
وانظر: نبات معدل وراثياً يكشف عن الألغام، مجلة (محيط)، واشنطن، الثلاثاء, 12 يونيو, 2007م، تمكن فريق بحثي أمريكي من جامعة فلوريدا يشارك فيه باحث مصري من استنباط نبات مهندس وراثياً يدعى " الأرابيدوبسيز " ، قادر علي كشف الألغام بصورة بسيطة. انظر على شبكة الإنترنت:
http://abaalhasan.jeeran.com/archive/2007/6/244853.html(8/43)
إن أماكن الألغام وأنواعها ظلت مشكلة تحير الباحثين، فهناك ألغام مضادة للأفراد وأخري مضادة للدبابات، وعليه يختلف حجم اللغم وشكله وعمقه وبعده عن سطح الأرض، فاللغم المضاد للدبابات يزرع على عمق أكبر، ومع عوامل التعرية يتغير مكان وعمق اللغم ذاته، مما يزيد من صعوبة الأمر. وقد اكتشف الباحثون في جامعة كوبنهاجن بالدانمرك وشركة آريسا الدانمركية صفة تغير أوراق نبات الأرابيدوبسيز ثاليانا Arabidopsis thaliana إلى اللون الأحمر في الخريف، واكتشفوا أن جين أنثوسيانين هو الذي ينتج اللون الأحمر، وعادة ما يكون غير نشط أغلب أوقات السنة، فعزز فريق البحث نبات الأرابيدوبسيز بالجين المُنَشّط لإنتاج اللون الأحمر، وبتعرض النبات لأبخرة الـ T.N.T المكونة من ثاني أكسيد النيتروجين يتحول لونه إلي الأحمر، وبنثر بذور النبات في أماكن وجود اللغم يتلون باللون الأحمر مع هطول الأمطار، وإذا كان اللغم في مناطق عالية الملوحة يمكن نقل الجين الخاص بمقاومة الملوحة لنبات الأرابيدوبسيز، ويمكن الاستفادة من النباتات البرية التي تنمو في المنطقة التي توجد فيها الألغام، ونقل الجين الخاص بتغيير لون النبات إليها عند تعرضه لثاني أكسيد النيتروجين، لذا يجب دراسةُ طبيعةِ المنطقة الملغمة ومناخِها ومصادِر المياه فيها ونباتِاتها البرية. إن الأراضي التي يتم تطهيرها بتفجير الألغام لا يتم استغلالها زراعياً، بسبب بقايا مادة الـ (تي إن تي) التي تفوق كمياتها إمكانيات التنمية الزراعية، وبالتالي هناك حاجة لاستخدام نباتات مهندسة وراثياً لامتصاص هذه المركبات، وتحويلها إلى أسمدة نيتروجينية نافعة للتربة والنبات.
إزالة بقع زيت البترول بالهندسة الوراثية: (1)
__________
(1) انظر: تكنولوجيا الجينات، للدكتور وجدي عبد الفتاح سواحل، مجلة المجتمع الكويتية العدد 1649 30/4/ 2005م، وانظر المقال على موقع مجلة المجتمع على شبكة الإنترنت:
http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InSectionID=1243&InNewsItemID=161811
وانظر: الهندسة الوراثية العسكرية وتطبيقاتها السليمة، مجلة الحرس الوطني، العدد 238، تاريخ العدد 1/4/2002م، وانظر المقال على موقع مجلة الحرس الوطني على شبكة الإنترنت:
http://haras.naseej.com/Detail.asp?InNewsItemID=69771(8/44)
إن تلوث مياه البحار بزيت البترول خطر للغاية، إذ تعمل بقعة الزيت البترولية كمذيب لبعض المواد التي تلقى في البحار مثل المبيدات الحشرية والمنظفات وغيرها، حيث يؤدي ذلك إلى زيادة تركيز هذه المواد في المنطقة الموجود بها بقعة الزيت وبالتالي يزيد التلوث، كما تؤدي المكونات الثقيلة لزيت البترول إلى تكوين كتل متفاوتة الحجم سوداء اللون تعرف بالكرات القارية، فتحملها الأمواج وتيارات المياه وتلقيها على شواطئ البحار، مسببة تلوثا وضررا بالغا، والبعض الآخر يتحول بمضي الزمن إلى رواسب ثقيلة تهبط إلى قاع البحار والمحيطات، والخطورة في ذلك وصول هذه الكرات إلى الكائنات البحرية، كالأسماك حيث تتراكم في أنسجتها، وتتسبب في تسممها وإصابة من يتناولها بأضرار صحية. وقد تمكن الباحثون في الهندسة الوراثية عن طريق تقنية عزل الجينات والتعديل الوراثي لأنواع من البكتريا التي تعيش في مخلفات شحوم البترول ومعدة الحيتان الاستفادة من قدرتها على التهام وتحليل جزيئات المركبات المعقدة في البترول الخام، وتحويلها إلى مواد كبريتية يمكن استخدامها كغذاء للأسماك والحيوانات البحرية. وتتم عملية إزالة بقع الزيت من البحار عن طريق استخدام المنظفات الصناعية أولاً، فتكون مع طبقة الزيت مستحلباً ينتشر تدريجياً في مياه البحر، فإذا خف تركيز الزيت تستطيع البكتريا أن تقوم بتحليل المخلفات البترولية، فتختفي بقعة الزيت في مدة زمنية قصيرة، وقد استُخْدِمَت هذه الطريقة على نطاق واسع في الخليج العربي بعد حرب تحرير دولة الكويت.(8/45)
المبحث الرابع: أخلاقيات عامة لتكنولوجيا التعديل الوراثي
جاءت الشريعة الإسلامية بمحاسن الأخلاق وجمال الأدب وسمو النفوس ورقيها وتقويم السلوك وتطهير القلوب من الأدران والمعايب، بل حصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثته ورسالته على إتمام مكارم الأخلاق في أسلوب بديع، يدل على أنها محور الرسالة والنبوة، فقال - صلى الله عليه وسلم - : "إنما بُعثت لأتممَ مكارمَ الأخلاق" (1) ، ولما أنزل الله عز وجل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } ] الأعراف:199[، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "ما هذا يا جبريل؟"، قال: (إن الله أمرك أن تعفوَ عمن ظلمك، وتعطيَ من حرمك، وتصلَ من قطعك). (2)
__________
(1) رواه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - البيهقي في السنن الكبرى(كتاب الشهادات- باب بيان مكارم الأخلاق 10/191)، والشهاب في مسنده(2/192)، وقال العجلوني:(أورده مالك في الموطأ بلاغاً، قال ابن عبد البر : هو متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة، وغيره مرفوعاً) كشف الخفاء(1/89) وانظر: المقاصد الحسنة للسخاوي ص 180، وقال الهيثمي:( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار إلا أنه قال: "لأتمم مكارم الأخلاق"، ورجاله كذلك غير محمد بن رزق الله الكلوداني وهو ثقة) مجمع الزوائد(9/15).
(2) رواه الصنعاني في تفسيره(2/346)، والطبري في تفسيره(9/155)، وابن أبي حاتم في تفسير(5/1638)، وذكره ابن كثير في تفسيره وعزاه إلى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم الرازي. تفسير ابن كثير(2/278).(9/1)
وعلامات حسن الخلق احتمال الأذى؛ وكظم الغيظ؛ والحياء؛ وكثرة موافقة الحق والصواب؛ والمغفرة؛ والتسامح؛ والعفو؛ والتجافي عن الزلل؛ وبذل المعروف؛ والصدق في النية والقول والعمل؛ وحسن المعاشرة؛ وغض البصر؛ وحفظ الأعراض؛ والكرم، والجود؛ ولين الجانب؛ والتواضع؛ وإطعام الطعام؛ وإفشاء السلام وابتداؤه؛ وعيادة المريض؛ وتشييع الجنائز؛ وحسن الجوار مسلما كان أو كافرا؛ وتوقير ذي الشيبة؛ وإصلاح ذات البين؛ والسماحة؛ واجتناب المحرمات؛ والزنا؛ والخنا؛ والخمر؛ واللهو؛ والباطل؛ والكذب؛ وشهادة الزور؛ والبخل؛ والجفاء؛ والبغضاء؛ والشحناء؛ والبذاءة؛ والمكر؛ والخديعة؛ والغيبة؛ والنميمة؛ وقطيعة الأرحام؛ والكبر؛ والفخر؛ والخيلاء؛ والتطاول على الخلق؛ والعُجب؛ والسَرَف؛ والفحش؛ والتفحش؛ والحقد؛ والحسد؛ والبغي؛ والعدوان؛ والظلم، ولا تكاد تجد حَسَنَ الخُلق إلا ذا مروءة وصبر وصلاح في دينه ودنياه وغنى في نفسه، بل جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مجامع البر كله في حسن الخلق، فعن النَّوَّاسِ بن سِمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الْبِرِّ وَالإِثْمِ، فقال: "الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ ما حَاكَ في صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه الناس" (1) .
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه(كتاب البر والصلة والآداب- بَاب تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ4/1980)، والترمذي في سننه(كتاب الزهد- بَاب ما جاء في الْبِرِّ وَالإِثْمِ 4/597) وقال: حسن صحيح، وأحمد في مسنده(4/182)، والدارمي في سننه(كتاب-السير- باب في الْبِرِّ وَالإِثْمِ 2/415)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين(2/17)، وابن حبان في صحيحه(2/123)، والبيهقي في سننه الكبرى(10/192).(9/2)
الأخلاق لغة: (1)
الخُلُق بسكون اللام وضمها السَّجِيَّةُ، لأنّ صاحبَه قد قُدّرَ عليه؛ والخُلُق: المُرُوءةُ والدِّينُ، وما خُلِقَ عليهِ من الطًّبْع، والجمع أخلاق، والخُلُقُ: العادَةُ، ومنه قَوْلُه تعالى: { إِنْ هذا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ } ]الشعراء:137[، وفلانٌ خَليقٌ بكذا، وَأَخْلِقْ به، أي ما أخْلَقَهُ، أي هو ممَّن يقدَّر فيه ذلك، وهو خليق لكذا، كأنما خلق له وطبع عليه، وهم خُلَقَاءُ لذلك، قال ابن السّكيت (2) : إنه لخليق أن يفعل كذا وكذا، وقد خَلُقَ خَلاقَةً ومَخْلَقةً، وخَلُقَ الرجل صار خليقا، أي حَسُنَ خُلُقُه، وله خُلُقٌ حسن، وخَليقةٌ حسنة، وهي ما خلق عليه من طبيعته وسجيته وجبلته، وخالَقَهُم مُخالَقَةً، إِذا عاشَرَهُم على أَخْلاقِهِم، ويقال: وخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَن، أي: عاشرهم ولا تخالفهم، ويقال: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ، وقالَ الشاعِر: خالِقِ النّاسَ بخُلْقٍ حَسَنٍ ( ولا تَكُنْ كَلْباً على النّاسِ يَهِرّ (3) ،
__________
(1) انظر: لسان العرب (10/87)، تهذيب اللغة للأزهري (7/17)، معجم مقاييس اللغة (2/214)، أساس البلاغة (1/173)، مختار الصحاح (1/78)، المعجم الوسيط (1/252)، القاموس المحيط(1/1137)، تاج العروس(25/257-258).
(2) يعقوب بن إسحاق أبو يوسف بن السكيت، كان عالما بنحو الكوفيين وعلم القرآن واللغة والشعر ، راوية ثقة . أخذ عن البصريين والكوفيين ، كالفراء وأبي عمرو الشيباني والأثرم وابن الأعرابي. وله تصانيف كثيرة في النحو ومعاني الشعر وتفسير دواوين العرب ؛ زاد فيها على من تقدمه. انظر: بغية الوعاة (2/349)، معجم الأدباء(5/642).
(3) هَرّ يَهِرّ بالكسر هَرِيراً، وهَرِيرُ الكَلْبِ: صوتُه دونَ نُبَاحِهِ، من قلة صبره على البرد. مختار الصباح ص550..(9/3)
ويقَال: إنه لخليق لذاك، أي شبيه، وما أخلقه أي ما أشبهه، وقيل: إنه لَخَلِيقٌ بذاك، أي حَرِيٌّ، وَأَخْلِقْ به أن يفعل ذاك، أي أَحْرِ بِهِ، وتخلّق بخُلُقِ كذا، أي استعمله من غير أن يكون مخلوقا في فطرته، وتَخلّق بغير خُلقه أي تكلّفه، وتخلّق مثل تجمّل، أي أظهر جمالا وتصنع وتحسن. وحقيقة الخُلُق أنه لِصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسُه وأوصافُها ومعانيها المختصةُ بها، بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافِها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنةٌ وقبيحةٌ، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حُسن الخلق في غير موضع كقوله - صلى الله عليه وسلم - : "من أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق" (1) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "أَكْمَلُ المُؤمِنينَ إِيمَانا أَحْسَنُهُمْ خُلُقا" (2) ،
__________
(1) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه الترمذي في سننه(كتاب البر والصلة-باب ما جاء في حُسْنِ الْخُلُقِ 4/363) وقال: هذا حديث صحيح غريب، وأحمد في مسنده(2/442)، وابن حبان في صحيحه(2/224)، والبيهقي في شعب الإيمان(4/235) وأيضا رواه في الزهد الكبير(1/347)، والطيالسي في مسنده ص323، والشهاب في مسنده(2/137)، والبغوي في شرح السنة(13/79-80).
(2) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه الترمذي في سننه(كتاب الرضاع- بَاب ما جاء في حَقِّ الْمَرْأَةِ على زَوْجِهَا3/466) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في مستدركه(1/43) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرج في الصحيحين، وابن حبان في صحيحه(2/227)، وأحمد في مسنده(2/250-472-527) قال الهيثمي: رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد(4/303)..(9/4)
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ" (1) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (2) ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن (3) ، أي كان متمسكا به وبآدابه وأوامره ونواهيه وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن، وكذلك جاء في ذم سوء الخلق أحاديث كثيرة.
حسن الخلق في الاصطلاح:
__________
(1) حديث عائشة رضي الله عنها رواه أبو داود في سننه (كتاب الأدب-باب في الحياء 4/252)، وأحمد في مسنده (6/187)، والحاكم في مستدركه على الصحيحين(1/128) وقال: هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وشاهده صحيح على شرط مسلم. ورواه البيهقي في شعب الإيمان(6/236)، وتمام بن محمد الرازي في فوائده(1/372)، وابن عبد البر في التمهيد(24/85)، وذكره الإمام مالك في الموطأ بلاغا(2/904).
(2) تقدم تخريجه ص 274.
(3) رواه مسلم في صحيحه(كتاب صلاة المسافرين- بَاب جَامِعِ صَلاةِ اللَّيْلِ وَمَنْ نَامَ عنه أو مَرِضَ1/513) بلفظ: (قالت فإن خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كان الْقُرْآنَ)، وأبوداود في سننه(باب في صلاة الليل 2/40)، والنسائي في سننه الكبرى(كتاب عمل اليوم والليلة-باب سورة المؤمنون 6/412)، وأحمد في مسنده(6/91-163-216)، والبخاري في الأدب المفرد(باب من دعا الله أن يحسن خلقه ص115)، والحاكم في مستدركه(2/541)، والطبراني في معجمه الأوسط(1/30)، والبيهقي في دلائل النبوة(1/309).(9/5)
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " البر حسن الخلق" (1) ، ويقول عبد الله بن المبارك رحمه الله: (حسن الخلق بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى) (2) ، ويقول سهل بن عبد الله التُّسْتَرِيُّ (3) : (أخلاق الإسلام والإيمان الحياء وكف الأذى وبذل المعروف والنصيحة) (4) ، وعن الحسن البصري قال: (حسن الخلق الكرم والبِذْلة والاحتمال)، وعن الشعبي قال:( حسن الخلق البِذْلة والعطية والبِشر الحسن)، وسئل سلام بن أبي مطيع عن حسن الخلق فأنشد شعرا فقال:
تعوّدَ بسطَ الكف حتى لو أنّه ( ثناهَا لِقبْضٍ لم تُجِبْه أناملهُ
تَراه إذا ما جئتَه متهَللا ( كأنك تعطِيه الذي أنتَ آملُهُ
و لو لم يكن في كفِّه ( غيرُ روحِه لجادَ بها فليتق الله سائلُهُ
هو البحر من أي النواحي أتيتَه ( فلُجَّتُه المعروفُ والجودُ ساحلُهُ (5)
__________
(1) تقدم تخريجه ص275.
(2) رواه الترمذي في سننه(كتاب البر والصلة – باب ما جاء في حسن الخلق 4/362)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/863).
(3) سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع التّسْتَرِيُّ ، وكنيته أبو محمد، أحد أئمة الصوفية وعلمائهم ومن المتكلمين في علوم الإخلاص والرياضيات وعيوب الأفعال، صحب خاله محمد بن سوار، وشاهد ذا النون المصري سنة خروجه إلى الحج، وأسند الحديث وأنسد عنه. شذرات الذهب (2/182-183).
(4) حلية الأولياء (10/206).
(5) نسبه لأبي تمام في تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي(6/211)، وابن الجوزي في المنتظم(11/136).(9/6)
وقال الإمام أحمد: (حسن الخلق أن لا تغضب ولا تحقد)، وعنه أنه قال:( حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس)، وقال إسحاق بن راهويه: (هو بسط الوجه وأن لا تغضب)، وقال بعض أهل العلم: (حسن الخلق كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة والعفو عن الزالين، وكف الأذى) (1) ، ويرى ابن القيم أن حسن الخلق قسمان: أحدهما: مع الله عز وجل، وهو أن يعلم العبد أن كل ما يكون منه يوجب عذرا، وكل ما يكون من الله يوجب شكرا، فلا يزال المؤمن شاكرا لله معتذرا، والقسم الثاني: حسن الخلق مع الناس، وجماعه أمران: بذل المعروف قولا وفعلا، وكف الأذى قولا وفعلا، وهذا إنما يقوم على أركان خمسة: العلم والجود والصبر وطيب العَوْدِ وصحة الإسلام، فبالعلم تعرف عظائم الأخلاق من سفاسافها، فيمكنه الاتصاف بعظيم الأخلاق والتحلي بها، وترك سفاسفها والتخلي عنها، وفي الجود سماحة النفس وسهولة بذلها وانقيادها لنيل الخلق الرفيع، وبالصبر احتمال ما يقتضيه الخلق الحسن، وبطيب العَوْد يكون للعبد طبيعة سهلة سريعة الانقياد والاستجابة لداعي الخيرات، والطبائع ثلاثة: طبيعة حجرية: صلبة قاسية لا تلين ولا تنقاد، وطبيعة مائية هوائية: سريعة الانقياد تستجيب لكل داع، كالغصن يعصفه كل نسيم، وهاتان الطبيعتان منحرفتان، وطبيعة قد جمعت اللين والصلابة والصفاء، فتقبل بلينها كل خير، وتحفظه بصلابتها، وتدرك حقائق الأمور بصفائها، فهذه طبيعة ينشأ عنها كل خُلُقٍ صحيح، وأما صحة الإسلام فجماع ذلك كله، والمصحح لكل خُلُقٍ حسن، فإنه بحسب قوة إيمانه وتصديقه بالجزاء ووعدِ الله وثوابِه؛ يسهل عليه تحمل ذلك والاتصاف به (2) .
مكانة حسن الخلق في الكتاب والسنة:
__________
(1) جامع العلوم والحكم ص182، وتعظيم قدر الصلاة للمروزي (3/863).
(2) انظر: حاشية ابن القيم على سنن أبي داود(13/91-92) بتصرف.(9/7)
أقسم الله جل ثناؤه معظما خلق نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال - جل جلاله - : { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } ]القلم:4[، وأثنى على التسامح والعفو وكظم الغيظ فقال - جل جلاله - : { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ]آل عمران:134[، بل أمر بالدفع بالحسنى ليصبح العدو وليا حميما، فقال تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ - وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ]فصلت:33-36[، وقال - جل جلاله - : { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } ]الشورى:43[ وقال تعالى: { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } ]الحجر:85[، وقال - جل جلاله - : { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ]النور:22[، كما وصف الصحابةُ رضوان الله عليهم الخُلُقَ الرفيعَ للبني - صلى الله عليه وسلم - ، فعن(9/8)
أَنَسٍ - رضي الله عنه - قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أَحْسَنَ الناس خُلُقًا) (1) ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: لم يَكُن فَاحِشاً وَلاَ مُتَفَحِّشاً، وكان يقول: "إن من خِيَارِكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقاً" (2) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الأدب- بَاب الْكُنْيَةِ لِلصَّبِيِّ وَقَبْلَ أَنْ يُولَدَ لِلرَّجُلِ 5/2291)، ومسلم في صحيحه(كتاب المساجد ومواضع الصلاة-بَاب جَوَازِ الْجَمَاعَةِ في النَّافِلَةِ وَالصَّلاةِ على حَصِيرٍ وَخُمْرَةٍ وَثَوْبٍ وَغَيْرِهَا من الطَّاهِرَاتِ1/457)، وفي (كتاب الأدب- بَاب اسْتِحْبَابِ تَحْنِيكِ الْمَوْلُودِ عِنْدَ وِلادَتِهِ3/1689)، وأبوداود في سننه(كتاب الأدب- بَاب في الْحِلْمِ وَأَخْلاقِ النبي - صلى الله عليه وسلم - 4/246)، والترمذي في سننه(كتاب البر والصلة- بَاب في الْحِلْمِ وَأَخْلاقِ النبي - صلى الله عليه وسلم - 4/368) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(2) رواه البخاري في صحيحه(كتاب المناقب- بَاب صِفَةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - 3/1305)، وفي (كتاب فضائل الصحابة- بَاب مَنَاقِبِ عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه3/1372)، وفي(كتاب الأدب- بَاب لم يَكُنْ النبي - صلى الله عليه وسلم - فَاحِشًا ولا مُتَفَحِّشًا5/2243)، ومسلم في صحيحه(كتاب الفضائل- بَاب كَثْرَةِ حَيَائِهِ - صلى الله عليه وسلم - 4/1810)، والترمذي في سننه(كتاب البر والصلة- بَاب ما جاء في الْفُحْشِ وَالتَّفَحُّشِ4/349) وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد في مسنده(2/161)..(9/9)
وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حسن الخلق أثقل ما في ميزان المؤمن يوم القيامة، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما شَيْءٌ أَثْقَلُ في مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يوم الْقِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ" (1) ، والبذيء الذي يتكلم بالفحش ورديء الكلام (2) ، وعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: سُئِلَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن أَكْثَرِ ما يُدْخِلُ الناس الْجَنَّةَ، فقال: "تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ"، وَسُئِلَ عن أَكْثَرِ ما يُدْخِلُ الناس النَّارَ، فقال: "الْفَمُ وَالْفَرْجُ" (3) ،
__________
(1) رواه الترمذي في سننه(كتاب البر والصلة- بَاب ما جاء في حُسْنِ الْخُلُقِ4/362) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه(كتاب الحظر والإباحة-ذكر الزجر عن استعمال الفحش والبذاء للمرء في أسبابه12/506)، والبيهقي في سننه الكبرى(10/193)، والشهاب في مسنده(1/274).
(2) انظر: لسان العرب(1/30)، تهذيب اللغة(15/20)، أساس البلاغة ص33، المعجم الوسيط(1/45).
(3) رواه الترمذي في سننه(كتاب البر والصلة- بَاب ما جاء في حُسْنِ الْخُلُقِ4/363) وقال: هذا حديث صحيح غريب، وابن حبان في صحيحه (كتاب البر والإحسان-ذكر ذكر البيان بأن من أكثر ما يدخل الناس الجنة التقى وحسن الخلق 2/224)، وأحمد في مسنده(2/442)، والشهاب في مسنده(2/137)، وأبوداود الطيالسي في مسنده(1/324)..(9/10)
وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا" (1) ، وعن أبي ذَرٍّ رضي قال: قال لي رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ الناس بِخُلُقٍ حَسَنٍ" (2) ، وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: سمعت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ" (3) ، وعن أبي أُمَامَةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "أنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كان مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كان مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ في أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ".
__________
(1) رواه الترمذي في سننه(كتاب الرضاع- بَاب ما جاء في حَقِّ الْمَرْأَةِ على زَوْجِهَا3/466) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو يعلى في مسنده(10/333)، وابن أبي شيبة في مصنفه(5/210)، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث للهيثمي (2/816).
(2) رواه الترمذي في سننه(كتاب البر والصلة- بَاب ما جاء في معاشرة الناس4/355) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والدارمي في سننه(كتاب السير-باب في حسن الخلق2/415)، وأحمد في مسنده(5/153-158-177).
(3) رواه أبوداود في سننه(كتاب الأدب- باب في حسن الخلق 4/252)، والحاكم في مستدركه على الصحيحين(1/128) وقال: هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وشاهده صحيح على شرط مسلم، ورواه ابن حبان في صحيحه (2/229)، وأحمد في مسنده(6/133-187)، وتمام الرازي في فوائده(1/372).(9/11)
(1) ربض المدينة: ما حولها من العمارة (2) ، وربط النبي - صلى الله عليه وسلم - محبته والقرب منه يوم القيامة بحسن الخلق، فعن جَابِر بن عبد الله رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ من أَحَبِّكُمْ إلي وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يوم الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إلي وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يوم الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ." قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قد عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فما الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قال: "الْمُتَكَبِّرُونَ" (3) ، والمتفيهق أصله من الفَهَق وهو الامتلاء، وتَفَيْهقَ في كلامه إذا توسَّع وتنطَّع، وهو الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسع فيه ويغرب به تكبرا وارتفاعا وإظهارا للفضيلة على غيره. (4)
الهندسة الوراثية قضية أخلاقية كبرى:
__________
(1) رواه أبوداود في سننه(كتاب الأدب- باب في حسن الخلق 4/252)، والبيهقي في سننه(10/249)، والطبراني في معجمه الكبير(8/98)، وفي معجمه الأوسط(5/68)، وتمام الرازي في فوائده(1/150)، قال الإمام النووي: (حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح، والزعيم الضامن) رياض الصالحين ص136.
(2) انظر: لسان العرب(7/152).
(3) رواه الترمذي في سننه(كتاب البر والصلة- بَاب ما جاء في مَعَالِي الأَخْلاقِ4/370) وقال: (هذا حديث حسن غريب، وَالثَّرْثَارُ هو الْكَثِيرُ الْكَلامِ، وَالْمُتَشَدِّقُ الذي يَتَطَاوَلُ على الناس في الْكَلامِ وَيَبْذُو عليهم)، وابن عساكر في تاريخ دمشق(37/397).
(4) انظر: لسان العرب(10/314)، المعجم الوسيط(2/704)، تهذيب اللغة(5/262).(9/12)
إن الهدف الإنساني من الأبحاث العلمية والتكنولوجية خدمة وسعادة البشرية، وحل مشكلات المجتمع، ودفع عجلة الإنجازات العلمية والتكنولوجية قدما للأمام، وتطورات الهندسة الوراثية تطرح العديد من التساؤلات الأخلاقية والاجتماعية حول احتمال إساءة استخدامها. إن التطور في الأبحاث الجينية سيمكن الأطباء من تشخيص وعلاج كثير من الأمراض المستعصية، وصناعة أدوية جديدة فعالة، ومن جانب آخر فهناك مخاوف أخلاقية كثيرة كالتلاعب في الجينات البشرية، وسوء استغلالها للكسب المادي، والاتجار بحياة البشر أو صنع أسلحة جينية لنشر الأمراض وتدمير شعوب بعينها، ومع أنه لا يوجد خلاف يذكر بشأن الكثير من جوانب التكنولوجيا الحيوية وتطبيقاتها الواعدة، فإن هناك قضايا أخلاقية وجدلا عنيفا على مستوى العالم بشأن الكائنات المعدلة وراثيا، فهناك مخاطر محتملة على الإنسان والحيوان والبيئة. (1)
__________
(1) انظر: جريدة الشرق الأوسط –جريدة العرب الدولية- الخميس 18 ربيع الاول 1428 هـ 5 ابريل 2007 العدد 10355 ، وانظر موقع الجريدة على شبكة الإنترنت على العنوان التالي:
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=413632&issue=10355(9/13)
لقد أصبح الاهتمام بمناقشة سلبيات وايجابيات العلم والتكنولوجيا أمرا في غاية الأهمية، وبخاصة ما يتعلق بأخلاقيات العلم، كما أن المجتمع البشري عموما يجب أن يكون حذرا من اتجاه واندفاع بعض الباحثين لإجراء أبحاث معينة، دون تقويم نتائجها النهائية، وتأثيراتها الاجتماعية والأخلاقية على المجتمع مستقبلا. إن تقدم المجتمعات لا يعتمد فقط على العلم والتكنولوجيا، وإنما على الأخلاق التي أصبحت بحاجة ملحة لثورة مماثلة لثورة العلم والتكنولوجيا الحالية، لوقف استغلال العلم وظلم الإنسان للإنسان، كما أن هناك ضرورة لإعادة النظر في قواعد الأبحاث العلمية وتطبيقاتها، حتى يظل العلم في سياقه الملائم، كما يجب أن تخضع الأبحاث العلمية الجديدة المثيرة للجدل لمناقشات دولية بشأن الاستخدام الأمثل والملائم لإنجازات العلم والتكنولوجيا، ووضع معايير وقواعد أخلاقية عامة ودولية لحسن استغلال الأبحاث العلمية والاستفادة من التطورات العلمية والتكنولوجية في تحقيق الخير للبشرية جمعاء.(9/14)
في سنة 1975م أعلن بعض الباحثين عن رغبتهم في إيقاف تجارب الهندسة الوراثية، لإعادة النظر فيها ووضع بعض الضوابط الأخلاقية لتجاربهم، ولم يكونوا يعلمون أنهم فتحوا على أنفسهم الباب أمام مشكلة أخلاقية كبرى، فقد أدى صحوة ضمير الباحثين إلى تنبيه العالم إلى خطورة ما يفعلونه؛ حيث تدخل جمهور الناس في صميم عملهم. وفي السنوات التي سبقت 1975م كان حلم الباحثين استخدام الهندسة الوراثية لإنتاج مورثات بالأنواع التي يريدونها من أجل الدراسة والبحث، وكان ذلك يتطلب إجراء التجارب على الخلايا البشرية والجراثيم، وكانت نتائج هذه التجارب غير معروفة، مما أثار مخاوف وقلق بعض الباحثين، يقول الباحث البيولوجي ستانلي كوين: (انتشر بين مجتمع الباحثين إمكانية زرع الجراثيم في بكتريا Escherichia coli الاشرشيا كولاي ، وكنا نتلقى رسائل من زملائنا الباحثين الذين يريدون استخدام البلازميد في تجاربهم الخاصة، مما كان يثير قلقي لأن أخطار تجاربهم غير معروفة، لذا كنت قبل الموافقة على إرسال أي بلازميد لهم أطالب بتحديد طبيعة تجاربهم، مع التشديد على مراقبة التجارب، مما أعطاني إحساسا مزعجا بأنني كنت أقوم بدور الرقيب أو الشرطي) (1) ، ويقول بول برد: (إنني لست أخاف على نفسي حين أتعرض لمثل هذه التجارب، ولكني أتساءل إن كان من حقي أن أقرر عن الذين يعملون معي ومن حولي للتعرض لهذه التجارب، ولاشك أن ذلك كان يثير قلقي) (2) .
__________
(1) المصدر: برنامج تلفزيوني أمريكي نوفا "Nova'" بعنوان (الهندسة الوراثية بين الاستمرار والمنع). عرض في تلفزيون دولة الكويت بتاريخ 25/9/1985م، وانظر: الهندسة الوراثية والأخلاق لناهدة البقصمي، عالم المعرفة –سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت - رقم الكتاب174، ذو الحجة 1413هـ، يونيو/حزيران 1993م، ص 226.
(2) المصدر السابق ص227.(9/15)
لقد كانت مخاوف الباحثين من نتائج هذه التجارب لأنها غير معروفة أو مضمونة، وكانوا يخشون ظهور جرثومة غريبة أو ميكروب خطر ينتج عن الجراثيم المسالمة التي يجرون عليها التجارب، مما قد يؤدي إلى كارثة وبائية أو تسبب أمراضا وراثية خطيرة للعاملين في هذا المجال، لذلك قرر الباحثون سنة 1975م عقد مؤتمر (أسلومار) في كالفورنيا (أمريكا) في كنيسة صغيرة حضره مائة وثلاثون باحثا بيولوجيا لتقييم الأخطار المحتملة من إجراء تجارب الهندسة الوراثية، وطلبوا من الجميع إيقاف تجاربهم وتأجيلها في رسالة مفتوحة حتى يصلوا إلى حل لهذه المشكلة، وهو ما لم يسبق أن حدث في تاريخ البحث العلمي، فاعتبر حدثا غير عادي. اختلف الباحثون فيما بينهم، إذ أبدى بعضهم مخاوفه وطالب بإيقاف جميع التجارب، بينما لم ير البعض الآخر أي خطر من إجراء مثل هذه التجارب وطالب باستمرارها، مما دفع الباحثين إلى وضع توجيهات عامة (Guidelines) لسلامة وأمن العاملين في المختبر وسلامة المجتمع ككل، فثارت ثائرة جمهور المجتمع الأمريكي، وطالب بإيقاف تجارب الهندسة الوراثية هو الآخر، لأن المجتمع يتساءل: هل هناك عواقب وخيمة إذا حدث خطأ ما في تجارب الهندسة الوراثية؟
تدخل المجتمع في علم الهندسة الوراثية: (1)
إن التطورات الحديثة جعلت المجتمع قادرا على التدخل في شئون الباحثين ومسار البحث العلمي بل من حقه ذلك للأسباب التالية:
1- إن البحث العلمي يتلقى دعما ماديا مباشرا من المجتمع، ولا يساند المجتمع بحوثا علمية إلا إذا عرف نتائجها المتوقعة.
__________
(1) الهندسة الوراثية والأخلاق لناهدة البقصمي، عالم المعرفة –سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت - رقم الكتاب174، ذو الحجة 1413هـ، يونيو/حزيران 1993م، ص227-228.(9/16)
2- أصبح البحث العلمي المعاصر مشروعا اجتماعيا وجماهيريا متكاملا، لا بالمساندة المالية فحسب؛ بل أصبح تأثيره على المجتمع واضحا من خلال التطبيقات التكنولوجية التي يُسَوِّقها، فتؤثر في حياة الناس ورفاهيتهم بشكل مباشر، فلم يعد من الممكن وضع حد فاصل بين التأثير الخاص والمحدود للعلم داخل المختبرات؛ وتأثيره العام وغير المحدود على المجتمع، أي لا يمكن الفصل بين ما يقدمه العلم من نظريات وبين تطبيقاته التي تشمل المجتمع ككل.
3- أثبت تاريخ العلم أن النتائج التي يصل إليها البحث العلمي لا تعد خيرا كلها، أو أنها كلها تهدف إلى خير المجتمع ورفاهية البشرية، ولم يعد من الممكن الاعتقاد أن ثمار العلم دائما مفيدة، فالعلم يمكن أن ينتج الخير والشر معا، لأنه من نتاج عمل الإنسان الذي يملك هذين العنصرين معا. (1)
لقد تداخلت العلاقة بين مؤسسات الأبحاث العلمية والمجتمع، خلافا لما كان عليه الأمر في السابق، إذ كانت نتائج الأبحاث العلمية من شأن الباحث، وإذا نشرت تعرض على لجنة متخصصة.
المقصود بالأخلاقيات العامة لتكنولوجيا التعديل الوراثي:
__________
(1) انظر: Milunsky,A.:''Genetic&the Law2'' Plenum Press, New York, 1980, page21(9/17)
هي الحد الأدنى الذي ينبغي أن يتحلى به الباحثون في مجال الهندسة الوراثية من المسلمين وغير المسلمين من المثل والقيم والمبادئ في عملهم، كي تؤتي الهندسة الوراثية ثمارها المرجوة منها وتتجنب البشرية شرارها، وقد تعلقت تكنولوجيا التعديل الوراثي بالأخلاق من جانب كونها تتعامل مع تعديل عناصر الوراثة في الكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان، بما يؤثر على مستقبل الأجيال والحياة على سطح الأرض سلبا وإيجابا، لذا فسنتعرض في هذا المبحث للقيم الأخلاقية المتعلقة بالحسن والقبح في هذا المجال استنادا إلى التعريف المعاصر لعلم الأخلاق كما جاء في المعجم الوسيط: (علم الأخلاق: علم موضوعه أحكام قيمية، تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح)، والعمل الأخلاقي ما يتفق وقواعد الأخلاق أو قواعد السلوك المقررة في المجتمع، وعكسه لا أخلاقي. (1)
المحاذير الأخلاقية للهندسة الوراثية:
1- تأليه الباحث في الهندسة الوراثية نفسه وتعاليه على الله - جل جلاله - :
__________
(1) المعجم الوسيط (1/252).(9/18)
يقول لايجري دي جي: (لقد كنا خلال تاريخنا البشري نأكل من ثمار المعرفة، ونحن الآن في طريقنا إلى أن نصبح أشباه آلهة، إذ أننا بالمعرفة أصبحنا نملك القوة للسيطرة على حياتنا وحياة الآخرين، فنحن بالفعل تجاوزنا السؤال عما إذا كان من الممكن أن نلعب دور الآلهة، والسؤال المطروح الآن هو كيف نفعل ذلك بحكمة ودون تهور) (1) ، ويقول أيضا: (في اللحظة التي سيطرنا فيها على عالمنا الفيزيائي، تعلمنا كيف نتحكم في عالمنا البيولوجي، فمثلا نصنع أطفال الأنابيب، ونغير تركيبنا الوراثي، ونخترع أعضاء صناعية لأجسادنا، ونحول عقولنا، ونطيل أعمارنا، وربما نكتشف أننا نستطيع تخليق الحياة نفسها، إن الثورة البيولوجية لن تغير ذواتنا الفسيولوجية فقط، وإنما نستطيع تغيير طريقة تفكيرنا في أنفسنا وفي الآخرين) (2) ، قال تعالى: { لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا } ]الفرقان:21[، وقال - جل جلاله - : { إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ } ]غافر:56[، قال القرطبي: ( قال الزجاج: المعنى ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه. قدره على الحذف. وقال غيره: المعنى ما هم ببالغي الكبر، على غير حذف) (3) ، وقال تعالى: { كَلا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ } ]المعارج:39[، واستكبر قارون بعلمه وماله وتعالى على الله، فوعظه قومه لما بغى عليهم؛ فقال: إنما أوتيت الكنوز { عَلَى عِلْمٍ عِندِي } أي في مقابلته، وكان أعلم بني إسرائيل في التوراة بعد موسى وهارون، فخسف الله -عز وجل- به وبداره الأرض لتعاليه على الله (4) ،
__________
(1) انظر: Lygre. D. G. "Life Manipulation" ,Walker & Company, NewYork, 1979. page 56
(2) المصدر السابق page 73.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (15/324)، وانظر: إعراب القرآن للنحاس (4/39)، وتفسير فتح القدير للشوكاني(4/497).
(4) انظر: تفسير الجلالين ص 518..(9/19)
قال تعالى: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ - وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ - قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ - فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ - وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ - فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ - وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } ]القصص:76-82[، وتقنيات الهندسة الوراثية لا تعني –بحال من الأحوال-الخَلْق الذي هو إيجاد الحياة من العدم، كما أنها لا تمس الإيمان والإرادة الإلهية، فالخلق بهذا المعنى من شأن الخالق تبارك وتعالى وحده، وتَضَمَّنُ هذه التقنيات تدخلاً في العوامل الطبيعية للخلق، فهي لا(9/20)
تخرج عن كونها تصرفات بشرية تتعلق بها أحكام تشريعية تدور بين الحظر والإباحة، ولا يتعلق بها كفر أو إيمان إلا إذا اقترنت بما يوجب ذلك من الاعتقاد.
2- معاداة الباحث في الهندسة الوراثية الإيمان والقيم الأخلاقية باسم العلم: (1)
__________
(1) انظر: مقال للدكتور يوسف القرضاوي بعنوان: (هل حققت الحضارة الغربية السعادة؟) على إسلام أون لاين-شرعي-الإسلام والقضايا المعاصرة-ثقافة وفكر، وانظر على شبكة الإنترنت الموقع التالي:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1173695385861&pagename=Zone-Arabic-Shariah%2FSRALayout.(9/21)
يقول الفيلسوف الأمريكي جون ديوي: (إن الحضارة الغربية التي تسمح للعلم بتحطيم القيم المتعارف عليها، ولا تثق بقوة هذا العلم في خلق قيم جديدة، لهي حضارة تدمر نفسها بنفسها) (1) ، ويقول جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الشهير في عهد الرئيس الأميركي أيزنهاور في كتابه "حرب أو سلام" الذي خصص فيه فصلاً بعنوان "حاجتنا الروحية": (إن الأمر لا يتعلق بالماديات، فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية، إن ما ينقصنا هو إيمان صحيح قوي، فبدونه يكون كل ما لدينا قليلاً، وهذا النقص لا يعوضه السياسيون مهما بلغت قدرتهم، أو الدبلوماسيون مهما كانت فطنتهم، أو العلماء مهما كثرت اختراعاتهم، أو القنابل مهما بلغت قوتها) (2) ، ويقول ألكسيس كاريل في كتابه (الإنسان ذلك المجهول) -الذي نقد فيه الحضارة الغربية نقدًا علميًا رصينًا، قائمًا على منطق العلم ومسلماته-: (يجب أن نحرر الإنسان من الكونيات التي صنعها علماء الطبيعة والفلك، تلك الكونيات التي حُبس فيها الإنسان منذ عصر النهضة، فعلى الرغم من ضخامة عالم المادة الهائل إلا أنه أضيق من أن يتسع الإنسان) (3) . إن الغرب استخدم الإنجازات العلمية في الخير والشر، والنفع والضر، والحياة والموت، ولم يبال من جعل منتجات العلم أدوات لتدمير وإبادة البشر، ففي الحربين العالميتين الأولى والثانية أفنى الغرب ملايين البشر بمنتجات العلم، وفي هيروشيما وناجازاكي في اليابان أباد الحرث والنسل بالقنابل النووية.
__________
(1) الطبيعة البشرية والسلوك، لجون ديوي، ترجمة دكتور لبيب النجيحي، مكتبة الخانجي للطباعة، ص 78.
(2) حرب أو سلام، لجون فوستر دلاس، ترجمة ماهر نسيم، مكتبة أنجلو المصرية، ص65.
(3) الإنسان ذلك المجهول، ترجمة شفيق أسعد فريد – مكتبة المعارف- بيروت– لبنان، ط4 ص37.(9/22)
3- احتكار قوت الشعوب وتجويعهم باسم ملكية براءة اختراع الكائنات الحية: (1)
إن المأساة التي حلت بالعراق لم تتمثل فقط باحتلاله وتدمير بنيته؛ بل تشمل أيضاً الإجراءات والقوانين والقرارات التي فرضت على شعب العراق من قبل ممثل الإدارة الأمريكية بول بريمر، الذي لم يدخر وسعاً لربط العراق بالشركات الأمريكية الاحتكارية العملاقة، فالعراق لم يفقد سيادته السياسية لصالح المحتلين فحسب، بل فقد معها كذلك سيادته على إنتاج وزراعة محاصيله الزراعية الضرورية، فقبل انتقال السلطة في كانون الثاني/يناير 2004م؛ قام بريمر بفرض مجموعة من القرارات على العراق يصل عددها إلى 100 قرار، والتي من شأنها ضمان تمكن الولايات المتحدة من التحكم في جميع مفاصل الحياة الاقتصادية للعراق وفقاً لمصلحة السوق الحرة بواشنطن، وكان من أخطر قرارات بريمر تحديد مستقبل الإنتاج الزراعي العراقي بما يتوافق مع مصالح الشركات الاحتكارية العملاقة مثل مونسانتو وسينجينتا وغيرها من شركات المنتجات الزراعية الأمريكية، التي تسعى جاهدة لفرض سيطرتها على إنتاج الغذاء في العالم من خلال البذور والنباتات المعدلة وراثياً. فرض بريمر القرار رقم 81، وأسماه (براءة الاختراعات والتصميم الصناعي وسرية المعلومات والدوائر المتكاملة وتنوع المحاصيل) (2) ،
__________
(1) انظر: مجلة المحرر: العدد 222، السنة الثالثة عشر 2005م- 222 Volume ، مقال: قرار بريمر رقم 81 أحد جرائم العصر بحق الشعب العراقي للدكتور محمد العبيدي.
(2) انظر: قرار بريمر رقم (81) كاملا على مجلة GRAIN (منظمة دولية غير حكومية) ، October 2004، عنوان المقال: (Iraq's new patent law: A declaration of war against farmers) ، وانظر الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.iraqcoalition.org/regulations/20040426_CPAORD_81_Patents_Law.pdf(9/23)
وهو قرار ملزم لكل الحكومات في العراق على مدار الأجيال. لقد كان المُزارع في العراق كأغلب دول العالم يتبع نظاما غير رسمي وغير منسق لتوفير البذور، حيث يقوم بزراعة البذور المثلى والضرورية لمحاصيل الغذاء الأساسية، وعادة ما يقوم المزارع بتوفير جانب من البذور لموسم الزراعة التالي، أما بعد القرار 81 فقد أصبح ذلك ممنوعاً، ويمنح قرار (حماية الأنواع الجديدة من النباتات) شركة مونسانتو وغيرها من شركات البذور العملاقة العالمية حقوق براءة الاختراع لبذور النباتات التي تدعي أنها قامت باختراعها وفقاً لإجراءات الهندسة الحيوية للتعديل الوراثي للجينات، ويتم منح حق براءة الاختراع لأي تعديل مهما كان بسيطاً في الحمض الريبوزي النووي منزوع الأوكسجين DNA أو في سلسلة الجينات الخاصة ببذور أو نباتات موجودة بالفعل، مثل فول الصويا والقطن والأرز والبطاطس، وهناك أدلة قوية تؤكد بأن شركة مونسانتو وغيرها من الشركات الكبرى المنتجة للبذور المعدلة وراثياً قد قامت باستنزاف بنك البذور العراقي سراً، والذي تم إنشاؤه لصالح المزارعين خلال السنوات القليلة التي سبقت احتلال العراق من قبل المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية في مركزها بسوريا، والذي تم إنشاؤه بتمويل كل من مؤسسة روكفلر والبنك الدولي، بهدف نشر استخدام البذور المعدلة وراثياً في الدول النامية. وينص قرار بريمر رقم 81 على إلزام المزارعين العراقيين بأن يدفعوا مبالغ كبيرة للشركات متعددة الجنسيات مثل مونسانتو، للحصول على البذور لزراعتها في كل عام، حيث سيعتبر استخدامهم لبذورهم أمراً مخالفاً للقانون، كما عليهم دفع رسوم حقوق الملكية الفكرية لمونسانتو أو سينجينتا مقابل البذور المعدلة وراثياً بهدف (حماية حقوق الملكية الفكرية).(9/24)
ويدعي القرار أنه (يعمل على ضمان إمداد العراق ببذور عالية الجودة، بما يمهد الطريق بدوره أمام العراق لعضوية منظمة التجارة العالمية) (1) ، إلا أن هذا القرار يفتح الباب على مصراعيه لسيطرة الشركات الأجنبية الكبرى على جميع أراضي العراق، والتي تعد من أخصب الأراضي في العالم، بما يتناسب مع مصالح الشركات العملاقة. إن حق الدول في توفير البذور وادخارها لشعوبها من حقوق الإنسان الأساسية، مثل حق الحياة والوجود، والقرار رقم 81 الذي يعطي الشركات العملاقة حقوق براءات الاختراع للتعديلات الوراثية الطفيفة التي أجروها على البذور؛ يسمح لها باحتكار قوت الشعوب، ويمنع من تداول واستخدام فصائل كاملة من النباتات إلا بإذن من الشركات العملاقة، بما يوسع مفهوم (التسويق) أو ما يسمى (عولمة الاقتصاد العالمي) ليصل إلى جوهر الحياة، وربما في المستقبل القريب يطالبون بحقوق براءة اختراع الهواء الذي نتنفسه، فالبذور ليست أقل شأنا من الهواء للحياة، فهذا الاتجاه في تسويق البذور واحتكارها بملكية براءة الاختراع من أبشع السلوك البشري في تجويع الشعوب. وقد أصيبت منظمات الإغاثة والمنظمات غير الحكومية بالرعب والذعر عند سماعها خبر إصدار بريمر للقرار رقم 81 الذي يضع قطاع الزراعة بأكمله تحت رحمة الشركات متعددة الجنسيات الاحتكارية، علما بأن وزارة الزراعة الأمريكية هي التي ساعدت بريمر في صياغة هذا القرار من خلال أشخاص تربطهم علاقات وثيقة بشركات مثل مونسانتو. (2)
__________
(1) انظر: مجلة المؤتمر: العدد 816، 16 آيار 2005م- قرار بريمر رقم 81. وانظر على شبكة الإنترنت موقع المجلة:http://inciraq.com/Al-Mutamar/Archive/816/050516_816_Reports.htm
(2) انظر: قرار بريمر رقم 81، على موقع كفاية، آيار 2005م. انظر على شبكة الإنترنت موقع كفاية:
http://www.kefaya.org/05znet/050525melebaidi.htm(9/25)
4- الاعتداء على قدسية الحياة البشرية: (1)
هناك ضوابط دينية وأخلاقية وعلمية لاستخدام الهندسة الوراثية في مجال التكاثر البشري، سنتعرض لها بالتفصيل في المباحث القادمة، والجدير بالذكر أن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالتعاون مع المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة الإيسيسكو (2) عقدت ندوة عالمية عن "الوراثة البشرية والتكاثر البشري وانعكاساتها" رؤية الأديان السماوية ووجهة نظر العلمانية، بالقاهرة في الفترة ما بين 6 ـ 9 فبراير2006 م (3) ،
__________
(1) الهندسة الوراثية والأخلاق لناهدة البقصمي، (قدسية الحياة البشرية)، عالم المعرفة –سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت - رقم الكتاب174، ذو الحجة 1413هـ، يونيو/حزيران 1993م، ص103-139.
(2) المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ISESCO، انظر موقع المنظمة على شبكة الإنترنت:
http://www.isesco.org.ma/arabe/index.php
(3) انظر: موقع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت على شبكة الإنترنت:
http://www.islamset.com/arabic/alwrasa/mokdma.html(9/26)
حذر المشاركون فيها من خطورة العبث في الجينات البشرية، وأكدوا على ضرورة إيجاد دور حيوي للدين والقيم الأخلاقية في الهندسة الوراثية لكبح جماح شهوة الباحثين من التعدي على قدسية وحرمة الحياة البشرية، قال الدكتور أحمد رجائي الجندي -الأمين العام المساعد للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية-: (إن الأديان تعتبر الحياة منحة من الله تعالى، وليس لمخلوق أن يهدرها أو أن يتلاعب فيها، فالإنسان من حقه أن يحيا، وإن حياته يجب ألا تهدر إلا بسبب مشروع، وألا تهدر كرامته دون مبرر قوي، وهذا معنى مفهوم “قدسية الحياة”، لكن بعض الباحثين يعانون من انعدام البصيرة، فيغشى قلوبهم حب المعرفة وشهوتها، ويستولي عليهم سلطان العلم ويتحولون إلى خدم لأهوائهم، فما أن يصلوا إلى معلومة إلا ويرحلون إلى أخرى، وهكذا حتى لو كان ذلك على حساب كرامة الإنسان أو خلط الأنساب أو تغيير خلق الله، ماذا يريد الباحث من العلم؟ هل يريد أن يكتشف نوعا من البكتريا لعلاج الإنسان؟ وهذا مشروع، أم يريد أن يحور نوعا من البكتريا لتكون عصية؟ فتصبح سلاحا فتاكا ضد البشرية وهذا محرم، فما أحوج الباحثين إلى التحلي بالأخلاق سواء في أهداف أبحاثهم أو الخطوات اللازمة لإجرائها، ليكون العلم وسيلة رحمة لا سلاحا مدمرا للإنسان وبيئته)، وقال د.(9/27)
بدر الحسن نائب رئيس مجمع الفقه الإسلامي بالهند ورئيس لجنة مراجعة الموسوعة الفقهية بالكويت: (البحث في الهندسة الوراثية بهدف الاطلاع على آيات الله المبثوثة في الكون والكشف عن سننه في الخلق وفهمها ثم تسخيرها واستخدامها فيما ينفع البلاد والعباد مندوب إليه شرعا، ومعالجة أمراض الإنسان والحيوان والنبات، وتكون من التداوي المشروع، فعن أُسَامَةَ بن شَرِيكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "تَدَاوَوْا يا عِبَادَ اللَّهِ، فإن اللَّهَ عز وجل لم يُنَزِّلْ دَاءً إلا أَنْزَلَ معه شِفَاءً إلا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ" (1) ،
__________
(1) رواه أبوداود في سننه(كتاب الطب- باب في الرجل يتداوى4/3)، والترمذي في سننه(كتاب الطب-باب ما جاء في الدواء والحث عليه 4/383) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة في سننه(كتاب الطب-باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء 2/1137)، وأحمد في مسنده(4/278) واللفظ له، والحاكم في مستدركه على الصحيحين (1/208)، (4/220)، (4/441-442)، وقال: هذا حديث صحيح لم يخرجاه، وابن حبان في صحيحه(ذكر الأمر بالتداوي إذ الله جل وعلا لم يخلق داء إلا خلق له دواء خلا شيئين 13/426) وقَالَ سُفْيَانُ: مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ الْيَوْمَ إِسْنَادٌ أَجْوَدُ مِنْ هَذَا، والنسائي في سننه الكبرى(كتاب الطب-باب الأمر بالدواء 4/368)، والبيهقي في سننه الكبرى(كتاب الضحايا-باب ما جاء في إباحة التداوي 9/343)، وفي سننه الصغرى أيضا (كتاب الصيد-باب في التداوي والاكتواء والاسترقاء 8/345-346)، والطبراني في معجمه الكبير(1/179-180)، وفي معجمه الصغير(1/337)، وابن أبي شيبة في مصنفه(5/31)، وفي مسنده أيضا (2/285)، والطيالسي في مسنده(1/171)، والحميدي في مسنده(2/363)، وقال في مصباح الزجاجة: (هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه أبو داود في سننه والترمذي في الجامع والنسائي في الكبرى من طريق زياد بن علاقة مقتصرين على قصة الدواء فقط دون باقيه، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك من طريق زياد بن علاقة أيضا بتمامه، وقال: هذا حديث صحيح، قال الترمذي: وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس) مصباح الزجاجة(4/49).(9/28)
شريطة الأخذ بكل الاحتياطات لمنع حدوث أي ضرر -ولو على المدى البعيد- للإنسان أو الحيوان أو البيئة، ولا يجوز شرعا استخدام أي من أدوات الهندسة الوراثية ووسائلها في الأغراض الشريرة والعدوانية وفي كل ما يحرم شرعا، كالعبث في المورثات بدعوى تحسين السلالة البشرية، كما لا يجوز أن تكون أعضاء الإنسان معروضة للبيع في المعارض المحلية أو العالمية، وجميع تجارب الهندسة الوراثية يجب أن تخضع للضوابط الشرعية، وتكون بعيدة عن الممارسات المحرمة كالتجارب التي تؤدي إلى اختلاط الأنساب، لأن حماية النسب من الكليات الخمس التي تدور عليها أحكام الشريعة، والحفاظ على النسل وصيانة النسب من الاختلاط أو من تطرق الشبهة إليه، من الأمور الأساسية التي شرع الزواج من أجلها وحرم الزنا واعتبر القذف جريمة، غير أن تقليد الغرب الذي لا يؤمن بالقيم والأخلاق، ولا يقيم للحل والحرمة وزنا، ويحاول منذ زمن الخروج على مؤسسة الزواج، سيؤدي إلى تدمير المجتمع، وحرمان الناس من عواطف الأمومة والأبوة وزعزعة الكيان الأسري والإنساني). (1)
__________
(1) انظر: الهندسة الوراثية.. متى تكون مقبولة دينياً وأخلاقياً؟ مجلة صوت العروبة: مجلة أسبوعية تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية تعنى بشئون الوطن العربي والجالية العربية في المهجر. وانظر موقعها على شبكة الإنترنت:
http://www.arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=689(9/29)
والهندسة الوراثية قد تُسفر عن تغيير التركيبة الفطريَّة التي رَكَّبَ الخالقُ عزَّ وجلَّ عليها خلقَه، وكل تشويه للخلقة الفطرية للكائنات الحية مخالف لشرائع الإسلام، قال - جل جلاله - : { ولآمرنَّهُم فليُغَيِّرُنَّ خلقَ اللهِ } ]النساء:119[ ، كأن تستهدف الهندسة الوراثية إنتاج سلالات بشرية متفوِّقة ( Superman )ذات صفات خارقة كما يتخيَّل بعض الباحثين، فإنَّ هذا قد يخلُّ بالتركيبة العضوية والاجتماعية والنفسية لبني البشر، والأخطاء التي قد تنجم عن الهندسة الوراثية غير معكوسة ( Irreversible ) فلا يمكن تصحيحها، مما يستدعي المزيد من الحذر والحيطة في إجراء التجارب في هذا الحقل، وقد تسفر الهندسة الوراثية عن توليد سلالات ( Races ) جديدة من المخلوقات الحية تُشكِّل خطراً على التوازن الحيوي في الأرض، أو تكون سبباً لانتقال بعض الأمراض الخطيرة إلى الإنسان إذا ما زُرعت فيه أعضاء حيوانية معدَّلة وراثياً، كما أن النباتات والأغذية المعدلة وراثياً قد تشكل خطراً على صحة الإنسان والبيئة، وجاء في المؤتمر العاشر لمجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من 28 يونيو إلى 3 يوليو عام 1997م ما نصه: (لا بد أن يحافظ العلم على كرامة الإنسان ومكانته والغاية التي خلقه الله من أجلها، فلا يعتدي على ذاتية الفرد وخصوصيته وتميزه، ولا يؤدي إلى خلخلة الهيكل الاجتماعي المستقر، أو يعصف بأسس القرابات والأنساب وصلات الأرحام والهياكل الأسرية المتعارف عليها على مدى التاريخ الإنساني من خلال شرع الله وعلى أساس وطيد من أحكامه).(9/30)
وأكد مجلس المجمع الفقهي الإسلامي أنه: (لا يجوز استخدامُ أيٍّ من أدوات علم الهندسة الوراثية ووسائله في الأغراض الشِّريرة والعدوانيَّة ، وفي كلِّ ما يَحْرُمُ شرعاً ، ومن ذلك العبث بشخصيَّة الإنسان ومسؤوليته الفردية أو التَّدَخُّل في بنية المورثات بدعوى تحسين السُّلالة البشريَّة) (1) ، وعليه يجب أن يكون التغيير مشروعاً، كالعلاج من الأمراض والتشوهات الخَلْقِية. (2)
5-عدم جدية أبحاث تقويم الكائنات المطورة جينياً وكتمانها وعدم نشرها: (3)
__________
(1) مجلة مجمع الفقه الإسلامي (ع 10، ج ص ) قرار رقم : 94 ( 2/10) بشأن الاستنساخ البشري. وانظر قرارات مجمع الفقه الإسلامي الطبية على شبكة الإنترنت:
http://saaid.net/tabeeb/69.htm
(2) انظر: الهندسة الوراثية ، مقاربة فقهية، د. أحمد محمد كنعان، مركز تعريب العلوم الصحية- جامعة الدول العربية- مجلس وزراء الصحة العرب، http://www.acmls.org . وانظر على شبكة الإنترنت موقع:
http://www.acmls.org/MedicalArabization/10thIssue/mj1072.htm
(3) جريدة الوطن السعودية السبت 4 ذو القعدة 1427هـ الموافق 25 نوفمبر 2006م العدد (2248) السنة السابعة. أوريليان بيرنييه كاتب فرنسي، وانظر موقع الجريدة على شبكة الإنترنت:
http://www.alwatan.com.sa/daily/2006-11-25/writers/writers07.html(9/31)
إن الكائنات المطوّرة جينياً دخلت عالم التغذية رسمياً بالتراخيص التي تُمنح للشركات العملاقة تحت ضغط اللّوبيّات الداعمة للشركات المتعددة الجنسية، وليس هناك آلية مستقلة لتقويم نتائج أبحاث المزروعات المطوّرة جينياً على الصحة العامة والبيئة، وجاء في التقرير الوزاري الخاص بالحكومة الفرنسية والمخصص للكائنات المطورة جينياً تحت عنوان (تقييم الجسم المطوّر جينياً قبل إنزاله إلى الأسواق) الفقرة التالية: (إن تحليل المخاطر المحتملة على الصحة والبيئة هو العنصر الجوهري والمسبَق لأي ترخيص للسماح للجسم المطوّر جينياً أن ينزل إلى الأسواق، وهو قائمٌ على عناصر علمية ثابتة ومتعددة الاختصاصات، وموكلة إلى لجان من الخبراء المستقلين)، إلا أن هذا خلاف الواقع، فهناك تعمية عن حقيقة تقويم الأجسام المطورة جينياً، ففي 26 يونيو عام1986م وقّع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية رونالد ريجان مجموعة من القوانين عُرِفَت باسم (إطار التنسيق لتنظيم السياسة الخاصة بالتقنيات البيولوجية)، والتي فتحت الباب أمام انتشار الكائنات المطورة جينياً بالحكم عليها على أساس مقارنة المنتجات المحورة وراثيا بالطبيعية من ناحية مكوناتها الغذائية، دون الخضوع لدراسة التأثيرات المحتملة على الإنسان والبيئة على المدى القريب والبعيد، فالسلطات الأميركية تتجاهل الطرق المعتمدة في تقويم الأجسام المطورة جينياً، وآلية من هذا النوع كانت من وراء ظهور مرض (التهاب الدماغ الإسفنجي البقري) المعروف باسم مرض جنون البقر، وذلك لتحقيق مصالح الشركات المتعددة الجنسية في مجال التقنيات البيولوجية، واستباقاً في التوسّع العالمي في تطوير الأجسام المطورة جينياً، وشكلت فرنسا "لجنة الهندسة البيوخلويّة"، لتقييم نتائج انتشار الأجسام المطورة جينياً، إلا أن جميع العناصر التي تعتمدها اللجنة تكون بطلب من الشركات المتعدّدة الجنسية التي تريد المتاجرة ببضائعها، ولم يتم أبداً(9/32)
فرض أي كشفٍ مضاد مستقل، وعندما تطلب اللجنة المزيد من المعلومات الضرورية؛ يتمّ التوجّه إلى شركات "مونسانتو" و"بايونير" و"بيوجيما"، وفي مقابلة مع "مارتن هيرش"، المدير السابق لـ"الوكالة الفرنسية لأمن الأغذية الصحي" كشف عن أن الشركات المتعدّدة الجنسية يقدّمون ملفّات غير وافية عمداً، على أمل إحباط الأجهزة المكلّفة بإبداء الرأي، وإضعاف عملية التقييم. والحقيقة أن الأغذية المحورة وراثيا لم تخضع لأيّ تقييمٍ جدّي، على أي من الصعيدين الصحّي أوالبيئي. (1)
6- عدم مصداقية البحث العلمي والغش والتزوير في نتائجه (2) :
استقال رائد الاستنساخ الكوري الجنوبي هوانغ وو سوك Hwang Woo-Suk، وذلك بعدما ذكرت لجنة تحقيق جامعية
هوانج رائد الاستنساخ يقدم اعتذاره
__________
(1) انظر: التَعمِية في تقويم الأجسام المطورة جينياً في ظلّ اهتمام الشركات المتعددة الجنسية، مجلة لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، تشرين / نوفمبر 2006م، وانظر موقع المجلة على شبكة الإنترنت:
http://www.mondiploar.com/article729.html?PHPSESSID=1a5074d2bb052273ed89d1b56791cdf9
(2) انظر: هوانغ وو - سوك.. حكاية عالم خدع العالم، جريدة الرياض السعودية، ثلاثاء 01 محرم 1427هـ - 31 يناير 2006م - العدد 13735، وانظر موقع الجريدة على شبكة الإنترنت:
http://www.alriyadh.com/2006/01/31/article126989.html(9/33)
علمية أن نتائج بحث مهم نشره في مجلة (ساينس)Science العلمية الشهيرة في مايو (أيار) 2004م، عن إنتاج خلايا جذعية جنينية Emberyonic Stem Cells من جنين بشري مستنسخ، مصممة لعلاج مشاكل صحية، قد تم تزويرها عن عمد، ونسب زملاء البروفيسور هوانغ وو سوك أنه زيف 9 خلايا جذعية على الأقل من 11 خلية جذعية مستنسخة (1) ،
__________
(1) بروفيسور الاستنساخ الكوري يصر على انجازه، جريدة بغداد Baghdad Daily News، الأحد 18/12/2005م السنة الرابعة عشرة- العدد 1231، انظر المقال على موقع جريدة بغداد على شبكة الإنترنت:
http://www.baghdad-newspaper.com/ar/05/m12/18/res.html(9/34)
ويعد هوانغ وو سوك أشهر رواد علم الاستنساخ في كوريا الجنوبية، التي منحته لقب «أعظم عالم في البلاد»، بعدما اشتهر في الدوائر العلمية بأبحاث الخلايا الجذعية، واستنسخ أول أجنة بشرية في عام 2005م، واشتهر أيضا بأنه قاد الفريق الذي استنسخ في عام 2005م أول كلب أطلق عليه اسم «سنوبي»Snuppy -اختصار Seoul National University Puppy- وهو من سلالة كلاب الصيد الأفغاني الهاوند Hound، وقد دعمت حكومة كوريا الجنوبية أبحاث هوانغ بقوة، وأنفقت عليها نحو أربعين مليون دولار، وأشارت لجنة التحقيق الجامعية المكونة من تسعة أعضاء من جامعة سيول الوطنية Seoul National University ، التي ينتمي إليها هوانغ، إلى أن النتائج مزورة عمدا، وتمثل سلوك غير أخلاقي يضر بأصول العلم، ويعتبر استنساخ خلايا جذعية متوافقة وراثياً (جينياً) مع مريض محدد اختراقاً عظيماً، لأن جهاز مناعة المريض لن يرفضها، غير أن هوانغ هو الشخص الوحيد الذي زعم أنه نجح في استخراج الخلايا المذكورة من جنين بشري، رغم أن الأبحاث التي يجريها باحثون كثيرون منذ سنوات لم تتوصل إلى ذلك، وقال تقرير الجامعة: (إن ورقة 2004م كتبت على أساس معطيات مفبركة لتظهر أن الخلايا الجذعية تطابقت مع الحمض النووي (DNA) للمتبرع، مع أن الأمر لم يكن كذلك)، وقد جاء رد هوانغ سريعا بقوله: (أقدم استقالتي كأستاذ في جامعة سيول الوطنية اعتذارا من جانبي لما سببته من هزات كبيرة وخيبة أمل) (1) ،
__________
(1) المصدر: ال بي بي سي Arabic BBC ، مقال بعنوان:( فضيحة لرائد علم الاستنساخ في كوريا الجنوبية)، وانظر: الموقع على شبكة الإنترنت: http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/sci_tech/newsid_4466000/4466200..stm(9/35)
ويذكر أيضا أن هوانغ قد تعرض لضغوط للتخلي عن أبحاثه ومناصبه الأكاديمية منذ اعتذاره في نوفمبر (تشرين الثاني) 2005م لتبرع سيدتين من صغار الباحثين في فريقه ببويضات لأبحاثه، وعندما قامت مجلة نيتشر العلمية الشهيرة باستجواب البروفيسور سوك، أنكر أن تكون عضوات فريقه العلمي قد تبرعن بالبويضات، ولكنه عاد واعترف في مؤتمر صحفي عقده في سيول، وأنه لم يقل الحقيقة وأعلن استقالته (1) ، ويعد ذلك مخالفة للأخلاقيات المهنية، مما أثار جدلا حول أخلاقيات منح البويضات لغرض الاستنساخ والبحث في مجال الخلايا الجذعية. وحادثة تزوير هوانغ للبحث العلمي ليست الأولى من نوعها في تاريخ العلم والبحث العلمي، فقد تم ضبط العديد من حالات التلفيق والتزوير العلمي على صفحات المجلات العلمية.(2)
7- الرشوة والخداع والمراوغة للتعمية على أضرار الهندسة الوراثية: (2)
__________
(1) CNN بالعربية، بتاريخ 16/1/2006م، عنوان المقال:( اعتذر الباحث الكوري الجنوبي هوانغ وو سوك علنيا وأقرّ بأنه زور أبحاثا حول الخلايا الجذعية)، وانظر الموقع على شبكة الإنترنت:
http://arabic.cnn.com/2006/scitech/1/12/korea.apology/index.html
(2) مونسانتو تدفع 1.5 مليون دولار غرامة بسبب رشوة، بي بي سي 7/ 1/ 2005م، وانظر الخبر على شبكة الإنترنت:
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_4154000/4154035.stm(9/36)
مونسانتو تدفع 1.5 مليون دولار غرامة بسبب رشوة: عنوان المقال المنشور على موقع بي بي سي، ويشير التقرير إلى أن الرشاوى دخلت دفاتر مونسانتو تحت عنوان (رسوم استشارية)، وقد غُرمت شركة موسانتو عملاق الصناعة الزراعية الأمريكية مبلغ 1.5 مليون دولار بسبب تقديمها رشوة لمسؤول إندونيسي، واعترفت الشركة أن أحد موظفيها دفع رشوة لمسؤول بارز في محاولة لتفادي دراسات عن الأثر البيئي كانت تجرى على القطن المحور وراثيا، وبالإضافة إلى دفع الغرامة تم إخضاع أعمال الشركة للمراقبة عن قرب لمدة ثلاثة أعوام من قبل السلطات الأمريكية. وقال الناطق باسم موسانتو: (إن الشركة تتحمل المسؤولية الكاملة عن الأنشطة غير المناسبة). والحادثة: أن مدير سابق في مونسانتو أوصى مديري شركة استشارات إندونيسية بدفع رشوة تبلغ 50 ألف دولار لمسئول كبير في وزارة البيئة الإندونيسية عام 2002م، على أن تعتبر فاتورة الرشوة نفقات استشارية، حيث كانت مونسانتو تواجه معارضة شديدة من نشطاء ومزارعين يرفضون خططها لطرح قطن معدل وراثيا في إندونيسيا، واعترفت مونسانتو بدفع رشاوى لعدد من المسئولين الإندونيسيين الكبار بين عامي 1997 و2002م، و بدرايتها بالمخالفات لفرع الشركة في جاكرتا في عام 2001م، وتتحمل المسؤولية الكاملة عن تصرفات موظفيها، وأنها اتخذت إجراءات لعلاج أنشطتها في إندونيسيا، وأنها تتعاون بشكل كامل مع التحقيقات الجارية. وقال كريستوفر راي مساعد المدعي العام: (لا يمكن للشركات استخدام الرشاوى للحصول على معاملة تفضيلية من مسئولين أجانب).
8- استخدام الجينات البشرية في الحروب كالطاقة النووية: (1)
__________
(1) انظر: إسلام أون لاين، عنوان المقال: (مخاطر الهندسة الوراثية) السبت، أبريل, 2000، الإسلام وقضايا العصر- علوم وتكنولوجيا . وانظر الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1175008788645&pagename=Zone-Arabic-Shariah%2FSRALayout(9/37)
إن الهندسة الوراثية يمكن استخدامها لحل مشكلات البشرية وتوفير احتياجاتهم الاستهلاكية من كنوز الأرض وثرواتها، وتسهيل فهم كثير من الأمراض الطبية والقضايا العلمية، ولكن هناك تخوف كبير من أن تكون شرارات الحروب القادمة وأدواتها الجديدة وليدة هذا العلم، وتكون الأدوات والأساليب قد شكلتها نظريات واختراعات الهندسة الوراثية غير الأخلاقية، إذ لو استغلت علوم الهندسة الوراثية لغير صالح البشرية فربما تكون أشد وأعتى من القنبلة الذرية، فيمكن تطعيم الجينات في الطاقم الوراثي للبكتيريا، وتحميل هذه البكتيريا في حاملات بكتيرية (كبسولات خاصة) وإطلاقها في مجتمع ما لتخرج البكتيريا وتتكاثر وتغزو جيناتها الممرضة أجسام الكائنات الحية لتفتك بالمجتمع بأكمله، وهذا ما يسمى بأسلحة الدمار الوراثية، ومن الممكن نظريا تطوير الأسلحة البيولوجية بإضافة بعض الجينات إليها واستخدامها لتهاجم جزءاً معيناً من جسد الإنسان، وإذا تمكن الباحثون من تحديد مجموعة الجينات التي تميز جماعة عرقية عن أخرى؛ فمن المحتمل إنتاج أسلحة ذات طابع عرقي لإبادة عرق معين أو إلحاق الضرر بهم، وهذا ما يسمى بالتطهير الوراثي، وهذا يؤكد أننا مقدمون على نوع جديد من الحروب على مستوى الجينات وهو ما يعرف بـ حرب الجينات، مما يستدعي من المجتمع الدولي إلى وقفة لتقنين العمل داخل مراكز بحوث الهندسة الوراثية، للوصول إلى نتائج تفيد الإنسان ولا تضره، ولتكون الحُقبة الجينية أداة لتخليص البشرية من ويلات الأمراض المستعصية، وعلاج الأمراض الوراثية لا أن تكون أداة لتدمير الإنسان وآماله.(9/38)
إن أول استخدام لأسلحة الدمار الشامل البيولوجية وأكثرها فتكًا عبر التاريخ كان نشر الأمريكان ضد سكان أمريكا الأصليين داء الجدري، مما تسبب في قتل الملايين، ومن الفضائح العلمية غير الأخلاقية قيام فريق بحث من جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية بجمع مئات الآلاف من العينات الحيوية لمواطنين صينيين عام 1997م، بعد تواطؤ أحد الباحثين الصينيين مع ذلك الفريق البحثي، حيث عمل على إقناع أولئك المواطنين بأن هذا البحث سوف يسهم في رقي الرعاية الصحية، وبعد افتضاح الأمر عام 2000م اكتفى مدير جامعة هارفارد بالاعتذار لحكومة الصين، بينما بقي مكان تلك العينات مجهولا. ولما ذكر الباحث الصيني د/ يانغ هذه الحادثة في المؤتمر العالمي الثالث للعينات الوراثية في مونتريال بكندا في شهر سبتمبر 2002م بكى، وكانت هذه الحادثة قد ألقت بظلالها وشكوكها حول طبيعة وأسباب تفشي مرض السارس SARS وتأثيره القاتل على شعوب شرق آسيا وخصوصا الصين، فصار لابد من إيجاد مصرف وراثي في كل دولة يكبح جماح الباحثين ويمنع الفاحصين من إرسال العينات إلى المراكز البحثية والتشخيصية خارج حدود بلادهم، إلا في أضيق الحدود، ووفق ضوابط وأنظمة يتم مراقبتها بشكل صارم، كما يوفر البنك معلومات عن كيفية انتقال المادة الوراثية بين الأجيال، وتأثير المواد الكيميائية وغيرها من العوامل على المادة الوراثية (1) ،
__________
(1) انظر: مجلة اللجنة الوطنية للأخلاقيات الحيوية والطبية، المقال بعنوان (أمننا الجيني- هل فات الأوان؟) للدكتور إبراهيم برجس العبد الكريم، مستشفي الملك فهد – الحرس الوطني الرياض، وانظر: الموقع على شبكة الإنترنت:
http://bioethics.kacst.edu.sa/g_s.aspx(9/39)
إلا أن بعض الأبحاث الوراثية التي يتمّ إجراؤها لا يتم التقيد فيها بسرية المعلومات، فقد نشرت بعض المجلات الطبية العلمية أن القبيلة الفلانية في المنطقة كذا، لديها استعداد وراثي للمرض الفلاني، وهذا يعتبر إفشاء للسر الوراثي القومي ووصمة ضد تلك القبيلة.
9-اضطهاد البحث العلمي: (1)
__________
(1) المصدر: إسلام أون لاين: مقال بعنوان (سياسة أخطبوط الأغذية المهندسة وراثيا "اصمت أو تفصل") 08/01/2006م لريم مهنا ، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/arabic/science/2006/01/article02.SHTML(9/40)
إن شركات الهندسة الوراثية الأخطبوطية أرست قواعدها وثبتت أقدامها بمشاركة كبار السياسيين في أعمالها، وطوقت بأذرعها الخانقة كل من يحاول كشف جرائمها، سواء بالرشوة أو التهديد بتشويه السمعة أو تدمير الأبحاث العلمية والتقارير، والفصل من الوظائف. وقد نالت شركات الهندسة الوراثية قوتها المهولة بمشاركة كبار السياسيين، ففي عهد الرئيس السابق للولايات المتحدة بيل كلينتون شاع أن حكومته تدعم شركات الهندسة الوراثية وتروج لها، بدعوى أنها ستجلب أموالا طائلة للولايات المتحدة، علما بأن شركة مونسانتو مولت حملة كلينتون الانتخابية، وظن البعض أن نفوذ الشركة سينحصر بعد ولاية كلينتون، إلا أنها تعاظمت في عهد بوش الابن، فـ"جون أشكروفت" وزير العدل الأمريكي كان من أكثر المؤيدين لترويج الأغذية المعدلة وراثيا في دول العالم الثالث، وكان حريصا على إقناع أوربا بقبول هذه الأغذية، و"آن فنمان" وزيرة الزراعة الأمريكية كانت مديرة شركة الهندسة الوراثية "كالجين" التي اشترتها مونسانتو، وكانت المسئولة عن القيام بمباحثات دولية لمساندة الشركات الأمريكية في تصدير هذه المحاصيل إلى الدولة النامية، ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي كان يرأس شركة "سيرل" للأدوية حين اشترتها مونسانتو، ولا يقتصر الأمر على السياسيين فحسب، بل كل الذين يستفيدون من شركة مونسانتو يساعدونها على تحقيق أهدافها، فمايكل تايلر نائب رئيس شركة مونسانتو، والذي عمل محاميا للشركة خلال الفترة 1984م إلى 1991م، ووضع سياسة الشركة وضوابط تعاملها مع الحكومة، وأعد أوراقها القانونية لمحاربة وضعِ أي علامة تفرق المنتجات المهندسة وراثيا عن غيرها، أنشأت له شركة مونسانتو في منظمة الأغذية والأدوية الأمريكية FDA وظيفة جديدة، ليصبح مسئولا عن وضع سياسات وضوابط تعامل المنظمة مع شركات الأغذية المهندسة وراثيا، والتي تضمنت منع شركات الألبان من اتخاذ أي إجراء للتفريق بين(9/41)
المنتجات المستخدم فيها الهرمون RBGH -المهندس وراثيا لحقن البقر به لزيادة إدرارها اللبن- والمنتجات العادية، ونصت على أن الأغذية المعدلة وراثيا ليس لها أي مخاطر أكثر من الأغذية الطبيعية، وأن منظمة الأغذية والأدوية الأمريكية FDA لا تملك أية أدلة على عكس ذلك، فبذلك استطاعت "مونسانتو" انتزاع شرعية أغذيتها المهندسة وراثيا من منظمة الأغذية والأدوية الأمريكية، بالرغم من أن بعض الباحثين في FDA حذروا من مخاطر الأغذية المهندسة وراثيا، وأوضحوا أنها تؤدي إلى زيادة السموم المعروفة، وتوليد سموم جديدة، وإحداث أمراض جديدة، وتسبب أنواعا مختلفة من الحساسية. إن انتقال مايكل تايلر من مونسانتو إلى منظمة الأغذية والأدوية الأمريكية لم يكن حادثة فردية، فقد احتاجت مونسانتو انتقال إحدى باحثات الشركة مارجريت ميلر إلى FDA للحكم على صلاحية هرمون RBGH، حيث كان على مونسانتو تقديم تقرير علمي عنه، وقد أعدت مارجريت ميلر إحدى باحثات الشركة التقرير، وبعد تقديمه مباشرة؛ تركت ميلر الشركة لتلحق بـ FDA، وكان أول مهمة لها تقييم التقرير العلمي الذي قدمته مونسانتو والذي قامت هي بكتابته.
خولت Health Canada - الجهة الكندية المختصة بالموافقة على العقاقير- ست باحثين (1)
__________
(1) انظر: Consumer Health، Volume 22, Issue 9, September,1999Wolfson, Richard, Ph.D.-
المقال بعنوان: (HOW BOVINE GROWTH HORMONE WAS REJECTED IN CANADA)، الموقع التالي على شبكة الإنترنت على العنوان التالي:
http://www.consumerhealth.org/articles/display.cfm?ID=19991128221446(9/42)
مسئولية تقييم هرمون الـ RBGH، فواجهوا الكثير من الابتزاز و الضغوط والاضطهاد الذي أفضى إلى فصل ثلاثة منهم من وظائفهم، وهم شيف شوبارا ومارجريت هايدون وجيرارد لامبرت، وقد حاولت مونسانتو رشوتهم بمليون دولار للموافقة على ضغط رؤسائهم عليهم لتغيير تقاريرهم، وسرقت ملفات "لامبرت" من مكتبها في أوتاوا عام 1994م، وتحفظ رؤساؤهم على سائر ملفات الهرمون وانتهى الأمر بتدميرها. وقد اكتشف هؤلاء الباحثون أن الهرمون يرفع نسبة بروتين يدعى IGF1 في اللبن، والذي يمكن أن يسبب لشاربيه سرطان الثدي والمثانة (1) ، كما أنهم انتقدوا البحث الذي قدمته مونسانتو، واستنكروا اعتماد الـ FDA له، وتجاهلها للأخطاء العلمية التالية في الدراسة:
1- أن التجربة أجريت على ثلاث أبقار فقط.
2- أن تلك الأبقار لم تحقن بهرمون شركة مونسانتو، بل بهرمون شركة أخرى.
3- أن الأبقار تم حقنها بـ10.6 ملليجرامات من الهرمون، والذي يتم فعليا حقن الأبقار بـ500 ملليجرام من الهرمون، أي 47 ضعف الكمية التي تستخدم بالفعل.
4- أن ألبان تلك الأبقار عقمت بغليها لمدة نصف ساعة، وذلك 120 ضعف المدة المتعارف عليها في التعقيم وهي 15 ثانية فقط.
__________
(1) انظر: دليل موارد الاستثمار الأخلاقي : The Internet's Guide to Ethical Investment Resources
Ethical Investing, rBGH - Breast Cancer and Prostate Cancer,
على العنوان التالي على شبكة الإنترنت:
http://www.ethicalinvesting.com/monsanto/bgh.shtml(9/43)
وفي أوربا يعد آرباد بوزستاي (1) أكبر علماء أبحاث الألبان في بريطانيا، وهو ضمن الفريق الذي يضع برتوكول اختبار الأغذية المهندسة وراثيا لتعتمده بريطانيا ومن ثم الاتحاد الأوربي، وقد ارتبط اسمه بالهندسة الوراثية لكثرة معاناته من شركة مونسانتو عندما قام باختبار البطاطس المعدلة وراثيا على الفئران، وجاءت نتيجة بحثه أن البطاطس تسببت في تدمير الجهاز المناعي للفئران، وتليف الكبد، وتكوين خلايا سرطانية في الأمعاء الدقيقة والغليظة، وصغر حجم الكبد والمخ والخصية في هذه الفئران، فلما أعلن "بوزستاي" عن نتيجة بحثه أشاد مديره -مدير معهد Rowett الإنجليزي الذي يعمل فيه بوزستاي- بكفاءة البحث وعمقه واعتبره نجاحا كبيرا للمعهد، إلا أن هذا الموقف تغير تماما فجأة، وفصل بوزستاي ونحي فريق بحثه بأكمله، ومنع أي شخص من الوصول إلى ملفات الدراسة، وشنت عليه هجمات الاستهزاء، ولم يسمح له بالدفاع عن نفسه، وهدد بأنه في حالة إفصاحه عن نتيجة أبحاثه فسوف يتم رفع دعوى قضائية عليه بتهمة تشويه سمعة المعهد والإضرار به ماديا.
والصحفيان الزوجان الأمريكيان جاين آكر وستيف ويلسون (2)
__________
(1) انظر: مجلة الجسور الثقافية الجامعة، باب العلوم وثورة الاتصالات - العدد (7) - السنة الأولى - أيلول/سبتمبر 2005م. وانظر: جريدة الرياض، الأحد 8 جمادى الأولى 1427هـ - 4 يونيو 2006م - العدد 13859، وانظر: جريدة الشرق الأوسط, العدد 7371, 2/2/1999م. وانظر: HOT POTATO، روح مقاومة الحياة، مجلة زد ماجزين، 23/7 2003م، الموقع على شبكة الإنترنت على العنوان التالي:
http://www.zmag.org/content/showarticle.cfm?SectionID=13&ItemID=3945
(2) انظر: المقال: (Hidden Danger in Your Milk) (الخطر مخبأ في لبنك)Target Television Enterprises Inc Copyright ©2000-2004، على شبكة الإنترنت على العنوان التالي:
http://www.foxbghsuit.com(9/44)
لم تغن شهرتهما عن أن تفتك بهما أيدي شركة مونسانتو، ولم تشفع لهما الجوائز العالمية التي حصداها- مثل جائزة "إمي" التي فاز بها ستيف، وجائزة آسوشيتدبرس التي فازت بها جاين- أن يطعن في صحة تحقيقهما والتشكيك في مصداقيتهما، بل تم طردهما من عملهما عندما أرادا الكشف عن بعض مخططات شركة مونسانتو، فقد تعاقد آكر وويلسون مع المحطة التليفزيونية WTVT في نوفمبر عام 1996م ليعملا بوحدة التحقيقات الإخبارية، وبدءا في تحقيقهما حول المخاطر الصحية المحتملة جراء استخدام اللبن المعالج بالـ RBGH، وقام آكر وويلسون بتصوير التحقيقات التي تضمنت ما حدث بالـ FDA، ومرض بعض قطيع الأبقار بولاية فلوريدا بعد حقنها بالهرمون، ومحاولة رشوة الباحثين الكنديين، وبعد الانتهاء من التحقيق الإخباري وتقديمه للإدارة التي حددت تاريخ بثه 27 فبراير عام 1997م، قامت القناة بحملة دعائية مكثفة لحلقات التحقيق الأربع، ولكن وسط هذه الحملة وصل خطاب إلى رئيس القناة من محامي شركة مونسانتو، واتهم فيه المحققين بتحيزهم، وطالب بإلغاء عرض الحلقات، وبالفعل تم تأجيل إذاعة الحلقات لمدة أسبوع، ليقوم بمراجعتها محامي الشبكة التلفزيونية، إلا أنهم لم يجدوا أي أخطاء قانونية، وتوالت خطابات التهديد على القناة، وتم تأجيل موعد البث ست مرات، وأغلقت القضية بفصلهما من العمل جزاء لوقوفهما أمام أخطبوط الهندسة الوراثية، فلا يجرؤ بعدها أحد للتصدي لهذا الأخطبوط، ويغامر بسمعته ومستقبله من أجل المحافظة على صحة الناس.
10- حرمان الإنسان من حقه في معرفة ما يأكل:(9/45)
قامت غرينبيس (منظمة السلام الأخضر) بتحرك ضد شركة كُنُور لعدم قيامها بوضع ملصقات إيضاحية على منتجاتها المعدلة وراثيا المطروحة في الأسواق، واستطلاعات الرأي تؤيد على النطاق واسع توصيف الأغذية بشكل إلزامي (التصريح عن المكونات المهندسة جينياً على عبوات الأغذية)، وأفادت مجلة "تايمز" أن ما نسبته 81 في المائة من الأميركيين الذين شاركوا في استطلاعات الرأي يريدون أن يتم توصيف الأطعمة المهندسة جينياً ، والمطالبة بتوصيف الأطعمة المهندسة جينياً يتماشى مع
اهتمام الأميركيين المتنامي بسلامة الأغذية، ويتبيّن من
تفضيلات المستهلكين في العالم أنهم لا يؤيدون استخدام
المكوّنات المهندسة جينياً في المنتجات الغذائية، وينبغي الإشارة
إلى أن العديد من شركاء الولايات المتحدة مثل الاتحاد الأوروبي واليابان يؤيدون بشدة توصيف الأطعمة المهندسة جينياً، فالاتحاد الأوروبي يفرض توصيف منتجات الذرة والصويا المهندسة جينياً، بينما تخطط اليابان لوضع مشروع توصيف الأطعمة المهندسة جينياً موضع التنفيذ، أما أستراليا ونيوزيلندا فقد سنا قانوناً تشريعياً بتوصيف هذه الأطعمة، إلا أن قوانين التوصيف ليست فاعلة، فلا يمكن الحكم من خلال الملصق على العبوة إن كان المنتج الغذائي مهندس جينياً أو لا، لكثرة التزوير والتدليس في المنتجات المعدلة وراثيا لتسويقها، إلا أن منظمة السلام الأخضر (غرينبيس) المتتبعة للمنتجات المعدلة وراثيا في العالم وضعت دليلا يساعد المستهلكين على الاستدلال على الأطعمة الخالية فعليا من المكوّنات المهندسة جينياً (1) ،
__________
(1) انظر: دليل منظمة السلام الأخضر greenpeace (غرينبيس) للأطعمة الخالية من المكوّنات المهندسة جينياً على شبكة الإنترنت على العنوان التالي:
www.greenpeace.org/gefreefood(9/46)
وتعتمد 27 شركة بيع بالتجزئة من أصل الشركات الثلاثين الأبرز في أوروبا سياسة مناهضة للهندسة الجينية في أسواقها الرئيسة، والتي تحقق أكثر من 80% من مبيعات الاتحاد الأوربي، وما نسبته 80 في المائة من المحاصيل المهندسة جينياً تُستخدم كعلف للحيوانات، ويتم إنبات 94 في المائة من المحاصيل المهندسة جينياً على نطاق العالم في أربع دول فقط (الولايات المتحدة الأميركية والأرجنتين وكندا والصين). (1)
11- بيع الأسرار الجينية للشعوب:
__________
(1) المصدر: منظمة السلام الأخضر، مقال بعنوان: (الحق بالمعرفة والتصدي للهندسة الوراثية) لسلطان بن محمد بن زهران الحراصي، موقع greenpeace على شبكة الإنترنت:
http://www.greenpeace.org/lebanon/ar/photosvideos/photos/greenpeace-action-against-knor(9/47)
إن معلومات المادة الوراثية (الجينوم البشري) يعتبر ملكًا للأمة، ولا يجوز بيعه للشركات المتخصصة لتقوم باحتكاره وتسويقه، إلا أن هذا يحدث في الولايات المتحدة بصورة خاصة، باعتبار أن ذلك يشجّع الباحثين والشركات في هذا المجال على إيجاد فحوص جديدة للتعرّف على مزيد من المورثات (الجينات) التي تحمل الاستعداد للعديد من الأمراض الوراثية، وقد باعت الحكومة الأيسلندية أسرار شعبها الجينية الوراثية (الذي يبلغ تعداده 270 ألف نسمة) مقابل ثمانية ملايين جنيه إسترليني، حيث منحت رخصة لشركة (دي كود التجارية) تمكنها من دراسة السجلات الطبية والمعلومات الوراثية التي تتعلق بشجرة العائلة الخاصة بكل مواطن أيسلندي. والشعب الأيسلندي الذي يسكن على مسافة قصيرة من القطب الشمالي له ميزة خاصة، حيث يعتبر أكثر المجتمعات تجانسًا على وجه الأرض، فلم يقم المهاجرون بغزو أيسلندا منذ وصول الفايكنغ إليها قبل حوالي ألف عام، وبسبب هذه الحقيقة يتوقع الباحثون نجاحا في تعقب أسباب الأمراض، وسيقوم الباحثون بعد جمع هذه المعلومات بتخزينها في قاعدة بيانات على الحاسوب لاستخدامها مستقبلاً. وبالرغم من أن هذه التجربة قد حصلت على إشارة البدء من الحكومة، فإن صيحات المعارضة لم تهدأ حتى الآن، فليست هناك دولة في العالم أقدمت من قبل على بيع الميراث الجيني لشعبها مثلما فعلت أيسلندا، وقد استهجنت الأوساط الإعلامية ما أقدمت عليه أيسلندا من بيع الجينوم البشري لمواطنيها، فجاء في تقرير للـ بي بي سي في مقال تحت عنوان (بيع أسرار الشعوب-جينات المواطنين أحدث مصدر للدخل القومي في أيسلندا )، وتساءل الكاتب: (هل يمكن لأي حكومة أن تبيع أسرار مواطنيها؟ لا يوجد قانون في أي دولة في العالم يرخص في ذلك).(9/48)
(1)
وتتعرض الحكومة الأيسلندية لهجوم متصاعد، ليس لموافقتها على الاحتكار التجاري لهذه المعلومات فحسب، بل لأسباب أخلاقية تتعلق بالتدخل في خصوصية المواطن، وعدم استئذانه في تداول معلومات تتعلق به، وقد شكل الأطباء والأكاديميون المعارضون للمشروع لجنة تحت اسم (رابطة حماية الإنسان)، وتقول هذه اللجنة: (إن هدفها الوحيد هو وقف هذه التجربة)، ويحذر البروفيسور إينار أرناسون أستاذ الجينات في جامعة ريكيافيك الأيسلندية من أن مصلحة المواطن يجب أن تأتي في المرتبة الأولى، لا مصلحة الشركة التي تحقق الأرباح، إذ لا يصح أخلاقيا الحصول على معلومات طبية خاصة بأي شخص دون موافقة مسبقة منه، كما أنهم يستعدون لرفع دعوى قضائية ضد الحكومة، لكن الدكتور ستيفنسون مهندس المشروع (2) لا يعبأ فيما يبدو بهذه الانتقادات، ويرى أن بيع التراث الجيني لن يكون مفيدا اقتصاديا فحسب، بل سيجعل أيسلندا دولة رائدة في هذا المجال.
__________
(1) انظر: بي بي سي أون لاين Bbc online، 6/2/2000م، عنوان المقال بيع أسرار الشعوب (جينات المواطنين أحدث مصدر للدخل القومي في أيسلندا )، وانظر الموقع على شبكة الإنترنت:
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_632000/632571.stm
(2) انظر: بيع أسرار الشعوب، مقال على موقع بي بي سي أون لاين 6/ 2/ 2000م. الدكتور كاري ستيفنسون مهندس المشروع, ومن السكان الأصليين للبلاد، وشركته (دي كود) ستتولى تنفيذ المشروع الممول أمريكيا، والذي ستحصل الحكومة من ورائه على8 ملايين جنيه إسترليني، إضافة إلى نسبة من الأرباح المستقبلية. انظر على شبكة الإنترنت:
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_632000/632571.stm(9/49)
وجاء في بيان مكة المكرمة للمجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة، المنعقد في العاصمة المقدسة، في الفترة من 21 ـ 26 شوال الموافق 5 ـ 10 يناير (كانون الثاني) 2002م: (لا يجوز بيع الجينوم البشري لجنس، أو لشعب أو لفرد لأي غرض، كما لا تجوز هبته لأي جهة، لما يترتب على بيعه أو هبته من مفاسد). (1)
12- عنصرية التجارب العلمية:
__________
(1) انظر: بيان مكة المكرمة للمجمع الفقهي الإسلامي يصدر قراراته وتوصياته، جريدة الشرق الأوسط –جريدة العرب الدولية- 11/1/2002م.(9/50)
ومن أبشع الأخلاق وأقبحها عنصرية إجراء التجارب على الشعوب المستعمَرة وعلى السكان الأصليين في المناطق التي فتحها الرجل الأوربي واستقر فيها، مثل أستراليا ونيوزيلندة وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية ومستعمراته العديدة في آسيا وإفريقيا، ومن ذلك ما فعله المستعمرون بإجراء تجاربهم على السود واستغلالهم أبشع استغلال، وقد قامت ألمانيا النازية بإجراء التجارب الطبية البشعة على الأسرى من الروس والبولنديين والغجر بالآلاف وبضع مئات من اليهود، وفُضحت هذه الجرائم في محاكمات نورمبرج الشهيرة التي أقيمت بعد الحرب العالمية الثانية (1945 – 1947م) وبدأت معها أول مدونة لأخلاقيات البحث العلمي والطبي والتي عرفت باسم مدونة (دستور) نورمبرج Nuremberg Code.، وصدر إعلان هلسنكي في عام 1964م من الاتحاد الطبي العالمي World Medical Association والذي قام بوضع ضوابط للأطباء العاملين في الأبحاث الحيوية والطبية المتعلقة بالإنسان، وبالرغم من ذلك حدثت حوادث كثيرة منها تجربة في منطقة ريفية تدعى (توسكاجي) في (ألاباما) في الولايات المتحدة لدراسة تطور مرض الزهري على 400 من السود المصابين بالمرض، والذين تُركوا دون علاج حتى مات أكثرهم محاولة من الأطباء لمعرفة سير المرض، واستمرت تلك التجربة البشعة حتى عام 1972م عندما فضحها بعض الأطباء على الجمهور والإعلام واضطرت الإدارة الأمريكية إلى إيقافها عام 1973م.(9/51)
بدأت هذه التجربة سنة 1932م، وتم اختيار المرضى من السود الأميين الفقراء، وتم إيهامهم بأنهم سيعطون علاجًا لمرضهم، واستمر خداع هؤلاء المساكين وإغراؤهم بوجبات ساخنة عند دخولهم للمستشفى, وإجراء جميع الفحوصات عليهم، ولم يعطوا أي دواء بالرغم من ظهور عقار البنسلين واستخدامه على نطاق واسع لمعالجة الزهري منذ عام 1952م، إلا أن الإدارات الطبية المتعاقبة رفضت رفضًا باتًا إعطاءهم العلاج الذي أثبت جدواه ونجاعته، وذلك لمعرفة تطور المرض، بالرغم من أن المعلومات عن تطور مرض الزهري كانت متوفرة من دراسات أخرى مختلفة، واستمرت هذه الجريمة العنصرية البشعة البغيضة، بالرغم من معارضة بعض الأطباء لها باعتبارها جريمة عنصرية ولا تحقق أهدافها، إلى أن قام أحد الأطباء المعارضين بنشر التجربة في الصحافة عام 1972م، مما أثار الرأي العام ضدها، وتم إيقاف هذه التجربة في العام التالي سنة 1973م، وقد مات غالبية من أجريت عليهم هذه التجربة بالرغم من توفر علاجه، واضطر الرئيس كلينتون إلى الاعتذار رسميًا للسود أثناء ولايته الثانية (1) ،
__________
(1) انظر: مقال بعنوان: (تجارب علاجية بلا أخلاق) للدكتور حسان شمسي باشا، على شبكة الإنترنت على العنوان التالي:
http://elksad.com/index.php?showtopic=103100
وانظر: مستقبل التقنية الحيوية ودورها في تطوير القطاعات الاقتصادية صفحة 12، ورقة مقدمة إلى ندوة
الرؤية المستقبلية للاقتصاد السعودي حتى عام 1440، 13-17 شعبان 1423، للدكتور عبدالعزيز بن محمد السويلم.(9/52)
وظهر العجوز الأسود والرئيس كلينتون يحتضنه، ويعتذر له باسم الأمة الأمريكية على ما فُعل به وبزملائه الأربعمائة، وقال كلينتون: (إنها عنصرية، وعنصرية بغيضة، وتجربة بشعة في حق الإنسانية وفي حق المواطنين السود، ومن هذا المنبر باسم الولايات المتحدة أقدم اعتذاري لهؤلاء الضحايا ولأسرهم)، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تدفع لأسر هؤلاء الضحايا أي تعويض مالي.
13- إجراء التجارب على المتخلفين عقليا:(9/53)
يعيش كثير من المتخلّفين عقليًا أو المعاقين جسديًا في معاهد أو نزل خاصة أو ملاجئ، وكثيرا ما يتعرّضون للاستغلال والابتزاز، وبما في ذلك إجراء الأبحاث الطبية البيولوجية عليهم، وقد نصت الدساتير المختصة بأخلاقيات المهنة الطبية على عدم جواز إجراء أي بحث طبي بيولوجي عليهم إلاّ إذا كان في مصلحة هؤلاء الأشخاص، ويؤدي إلى فائدة غالبة لهم. وفي أحد الملاجئ في مدينة نيويورك الذي يستضيف المئات من الأطفال المتخلفين عقليًا قام الباحثون بتعمّد إصابتهم بفيروس الكبد الوبائي من نوع A) ) عام 1956م، ولم يكن له تطعيم آنذاك، بل لم يكن نوع الفيروس معروفًا، وكانت حجة القائمين على هذه التجربة أن هؤلاء الأطفال يتعرّضون للإصابة بهذا المرض، ومن الأفضل تعمّد إصابتهم تحت إشراف طبي يقلّل من حدوث أي مضاعفات، كما تعطيهم هذه الإصابة مناعة ضد العدوى. وقد أُدينت هذه التجربة باعتبارها اعتداء على الأطفال، ومبررات الباحثين غير مقبولة، وكان الواجب رفع المستوى الصحي والنظافة في الملجأ وشدة العناية بهم، لا إصابتهم بالمرض. وبالرغم من ذلك فالحق أن العالم الغربي بدأ يشدد في إجراءات السلامة في التجارب على البشر، وأصبحت هذه الأخلاقيات صارمة جدًا، وبدأ الباحثون الغربيون وشركات الأدوية يغزون العالم الثالث لإجراء تجاربهم. (1)
__________
(1) انظر: مجلة العربي الكويتية (مجلة شهرية ثقافية مصورة تأسست عام 1958 تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت للوطن العربي ولكل قارئ للعربية في العالم)، الخميس 1 فبراير2007م، 14/1/1428هـ / العدد 579، المقال بعنوان: (تجارب علاجية بلا أخلاق) للدكتور حسان شمسي باشا استشاري أمراض القلب في مستشفى الملك فهد للقوات المسلحة بجدة- زميل الكليات الملكية للأطباء في أيرلندا وغلاسجو ولندن- زميل الكلية الأمريكية لأطباء القلب.
وانظر: المقال على موقع مجلة العربي على شبكة الإنترنت على العنوان التالي:
http://www.alarabimag.com/arabi/Data/2007/2/1/Art_77020.XML(9/54)
الفصل الثاني: ضوابط الهندسة الوراثية للإنسان
المبحث الأول: تكريم الشريعة للجنس البشري.
المبحث الثاني: ضوابط معالجة الأمراض بالتعديل الجيني.
المبحث الثالث: مشروع الجينوم البشري.
المبحث الرابع: استنساخ الجنس البشري.(10/)
المبحث الأول: تكريم الشريعة للجنس البشري:
شرف الله - جل جلاله - بني آدم وكرمهم فخلقهم على أحسن الهيئات وأكملها، قال تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } ]التين:4[ ، يمشي قائماً منتصباً على رجليه، وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً يفقه به، وعلمه الأسماء كلها، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، قال الله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } ] الإسراء:70[، أي على سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات، قال ابن كثير: (وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة) (1) ،
__________
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير(3/52)..(10/1)
ومن عناية الله بابن آدم أنه خلقه بيديه، وتقدم بالأمر للملائكة متى فرغ من خلقه وتسويته، أن يسجدوا له جميعا، إكراما وإعظاما واحتراما وامتثالا لأمره - جل جلاله - ، فامتثل الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس قال - جل جلاله - : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ - قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ - قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ - وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } ]ص:75-78 [، فترصد إبليس بابن آدم ليضله ويهلكه لأن الله - جل جلاله - كرمه عليه، قال تعالى: { قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } ]الإسراء:62[، فحذر الله - جل جلاله - آدم وزوجه من عداوة إبليس حبا وكرامة لهما، فقال تعالى: { فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى } ]طه:117[، فلما عصى آدم عليه السلام ربه ما تخلى ربه عنه، بل اجتباه واصطفاه وتاب عليه، قال - جل جلاله - : { وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى } ]طه:122[، ويظهر في سياق الآيات حنو الله - جل جلاله - وعطفه على آدم وزوجه وذريتهما، قال تعالى: { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ - قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ - قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ - قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ(10/2)
وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ - يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ - يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } ]الأعراف:22-27[.
مظاهر تكريم الشريعة الإسلامية للجنس البشري:
1- كرم الله - جل جلاله - الإنسان بالخلافة في الأرض وعمارتها، وهيأه بالعلم والعقل الذي جعله في منزلة فوق الملائكة عليهم السلام (1) ، قال عز وجل: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ - وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ - قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ - قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } [البقرة: 30-33].
__________
(1) انظر: تفسير البيضاوي (1/277).(10/3)
2- خلق الله - جل جلاله - آدم بيديه سبحانه وتعالى، وسواه ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة بالسجود تكريما له، وأضاف الله - جل جلاله - روح آدم عليه السلام المخلوقة إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم (1) ، قال عز وجل: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ - فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ - فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ - إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } ]الحجر:28-31[ ، وقال جل ذكره: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ - فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ - فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ - إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ - قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ - قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ - قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } [ص: 71-78]، وقال عز وجل: { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ - ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ - ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ } [السجدة: 7-9].
__________
(1) انظر: تفسير البغوي (3/49)، وتفسير القرطبي (18/134).(10/4)
3- خَلَقَ الله عز وجل الإنسان وصوّره في أجمل وأحسن صورة، فكرمه بذلك على غيره من الكائنات والمخلوقات، قال الله - جل جلاله - : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [التين: 4]، وقال عز وجل: { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [غافر: 64].
4- خلق الله - جل جلاله - الكون العظيم مسخرا لآدم الضعيف وذريته تكريما وتفضيلا منه سبحانه وتعالى، لينعم الإنسان بها في الدنيا، ويستعين بها على عبادة ربه، قال عز وجل: { اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ - وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ - وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [إبراهيم: 32-34]، وقال الله - جل جلاله - : { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ } [لقمان: 20].(10/5)
5- جعل الله - جل جلاله - الأنبياء والرسل في بني البشر، وهم خير خلقه وأحبهم إليه سبحانه وتعالى، يقول محمد أمين الشنقيطي: (فذهب قول إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة) (1) ، وختم الله - جل جلاله - الرسالات بسيد الأنبياء والمرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم - وجعله رحمة للعالمين، قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ]الأنبياء:107[، وعظم الله رسالته وكتابه إلى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، قال الله - جل جلاله - : { لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } ]الحشر:21[، وتعظيم الرسالة تكريم للمرسل إليه.
__________
(1) أضواء البيان (9/50).(10/6)
6- لم يجعل الله - جل جلاله - واسطة بينه وبين الإنسان في شريعة الإسلام، فأذن له باللجوء إليه متى أراد تكريما له، فيدعو الإنسان ربه ليقضي حاجته، ويستغفر ذنبه ليغفر له، دون أن يتوسط أحد بينه وبين الله عز وجل، قال الله - جل جلاله - : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } ]البقرة:186[ ، و عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: " يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حين يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقول: من يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ له، من يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، من يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ له" (1) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الكسوف- باب الدعاء والصلاة في آخر الليل1/384)، ومسلم في صحيحه(كتاب صلاة المسافرين وقصرها-بَاب التَّرْغِيبِ في الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ في آخِرِ اللَّيْلِ وَالإِجَابَةِ فيه1/521)، وأبوداود في سننه(أبواب قيام الليل- باب أي الليل أفضل2/34)، وأيضا في (كتاب السنة-باب الرد على الجهمية 4/234)، والترمذي في سننه (كتاب الدعوات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب 79 5/526) وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجة في سننه(كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها-باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل 1/435)..(10/7)
و عن عبدة بن أبي برزة السجستاني عن الصلب بن الحكيم عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي } ]البقرة:186[ ، إي إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجبت لهم. (1)
__________
(1) رواه الطبري في تفسير(2/158)، وابن أبي حاتم في تفسيره (1/314).(10/8)
7- جعل الإسلام كرامة الإنسان وصيانة دمه وماله وعرضه من الضروريات الشرعية الواجب حفظها، قال تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } ]الإسراء:33[، وقال الله - جل جلاله - : { وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ]الأنعام:151[، وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْر أمام حشد عظيم من البشر حرمة الدماء والأموال والأعراض، فعن أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه قال: خَطَبَنَا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النَّحْرِ، قال: "أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هذا؟" قُلْنَا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حتى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قال: "أَلَيْسَ يوم النَّحْرِ؟" قُلْنَا: بَلَى، قال: "أَيُّ شَهْرٍ هذا؟"، قُلْنَا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حتى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فقال: "أَلَيْسَ ذُو الْحَجَّةِ؟" قُلْنَا: بَلَى، قال: "أَيُّ بَلَدٍ هذا؟"، قُلْنَا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حتى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قال: "أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ؟"، قُلْنَا: بَلَى، قال: "فإن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا إلى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، ألا هل بَلَّغْتُ؟" قالوا: نعم، قال: "اللهم اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى من سَامِعٍ، فلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".(10/9)
(1) وعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: جاء رَجُلٌ إلى رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إن جاء رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قال: "فلا تُعْطِهِ مَالَكَ"، قال: أَرَأَيْتَ إن قَاتَلَنِي؟ قال: "قَاتِلْهُ"، قال: أَرَأَيْتَ إن قَتَلَنِي؟ قال: "فَأَنْتَ شَهِيدٌ"، قال: أَرَأَيْتَ إن قَتَلْتُهُ، قال: "هو في النَّارِ". (2)
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الحج-باب الخطبة أيام منى 2/619)، وفي (كتاب العلم-باب ليبلغ العلم الغائب الشاهد 1/51)، وأيضا في(كتاب الأضاحي-باب من قال الأضحى يوم النحر 5/2110)، وفي(كتاب الفتن-باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ترجعوا بعدي كفارا 6/2592-2593)، وفي(كتاب الاعتصام بالسنة-بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ] } القيامة:22-23[ 6/2710)، ومسلم في صحيحه(كتاب القسامة-بَاب تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالأَعْرَاضِ وَالأَمْوَالِ3/1305)، وأحمد في مسنده(5/37-39-49)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب بن بلبان(13/314).
(2) رواه مسلم في صحيحه(كتاب الإيمان-باب بَاب الدَّلِيلِ على أَنَّ من قَصَدَ أَخْذَ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ كان الْقَاصِدُ مُهْدَرَ الدَّمِ في حَقِّهِ وَإِنْ قُتِلَ كان في النَّارِ وَأَنَّ من قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ1/124)، وأبو نعيم الأصبهاني في المسند المستخرج على صحيح مسلم (باب فيمن قتل دون ماله فهو شهيد1/207)، والبيهقي في سننه الكبرى(باب من له أن يصلي صلاة الخوف 3/265)..(10/10)
كما شرع الله - جل جلاله - القصاص لحفظ النفوس والكرامة الإنسانية، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ - وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ]البقرة:179[، وعن أَنَسِ بن مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قد رُضَّ بين حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا من صَنَعَ هذا بِكِ؟ فُلانٌ؟ فُلانٌ؟ حتى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. (1)
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه(كتاب القسامة-بَاب ثُبُوتِ الْقِصَاصِ في الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ وَغَيْرِهِ من الْمُحَدَّدَاتِ وَالْمُثَقَّلَاتِ وَقَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ 3/1299)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان(13/334)، وأبو يعلى في مسنده(5/249)..(10/11)
وقال تعالى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ]المائدة:45[، فمن قتل إنساناً قُتل، ومَن فقأ عيناً فقئت عينه، ومَن جدع أنفاً جدع أنفه، ومَن كسر سناً لآخر كُسر سنه، وعن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ وَمَنْ أَخْصَاهُ أَخْصَيْنَاهُ" (1) .
__________
(1) رواه النسائي في سننه(كتاب القسامة-باب القود من السيد للمولى 8/20) واللفظ له، وأبوداود في سننه (كتاب الديات- باب من قتل عبده أو مثل به 4/176)، والترمذي في سننه(كتاب الديات-باب ما جاء في الرجل يقتل عبده 4/26) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه ابن ماجة في سننه(كتاب الديات-باب هل يقتل الحر بالعبد2/888)، وأحمد في مسنده(5/10-18)، والحاكم في مستدركه(4/408) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه وله شاهد من حديث أبي هريرة.(10/12)
8- نحت الشريعة الإسلامية منحى متميزا عن الشرائع الأخرى فسوت القيمة الإنسانية للفرد بالأمة بل بالبشرية كلها إذا ما اعتدي على حرمته أو دمه، قال تعالى: { مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } ]المائدة:32[، وعن سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ أن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً أو سَبْعَةً بِرَجُلٍ وَاحِدٍ، قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ، وقال عُمَرُ - رضي الله عنه - : (لو تَمَالأَ عليه أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جميعا) (1) .
__________
(1) رواه مالك في الموطأ(كتاب العقول-باب ما جاء في الْغِيلَةِ وَالسِّحْرِ2/871)، والشافعي في مسنده ص 200، والدارقطني في سننه(3/201)، والبيهقي في سننه الكبرى(8/40-41)، وفي سننه الصغرى(7/39)، والبيهقي أيضا في معرفة السنن والآثار(6/162)، وابن أبي شيبة في مصنفه(5/429)، وعبد الرزاق في مصنفه(9/475).(10/13)
9- حرّمت شريعة الإسلام أن يقتل الإنسان نفسه قال تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } ]النساء:29[، وقال تعالى: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ]البقرة:195[، وعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بها في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى من جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا". (1)
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان-بَاب غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ 1/103)، والترمذي في سننه(كتاب الطب-بَاب ما جاء فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ أو غَيْرِهِ 4/386)، والنسائي في سننه(كتاب الجنائز-باب ترك الصلاة على من قتل نفسه4/66)، والدارمي في سننه(كتاب النذور والأيمان-باب التشديد على من قتل نفسه2/252).(10/14)
10- حفظت الشريعة الإسلامية كرامة الإنسان مهما كان دينه، فعن أنس - رضي الله عنه - أن رجلا من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، فقال: يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر - رضي الله عنه - إلى عمرو - رضي الله عنه - يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر - رضي الله عنه - : أين المصري؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر - رضي الله عنه - : اضرب ابن الأكرمين. قال أنس - رضي الله عنه - : فضرب، فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع السوط على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني، وقد استقدت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم، ولم يأتني (1) ، وعن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قَتَلَ مُعَاهَدًا لم يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ من مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا". (2)
__________
(1) رواه أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في فتوح مصر وأخبارها ص48، وعزاه إليه الهندي في كنز العمال (12/294)، والسيوطي في جامع الأحاديث(13/342)،
(2) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الجهاد والسير-باب إثم من قتل معاهدا3/1155)، وابن ماجة في سننه(كتاب الديات-باب من قتل معاهدا 2/896)، والبزار في مسنده(6/368)، والبيهقي في سننه الكبرى(8/133).(10/15)
11- ساوت الشريعة الإسلامية بين الرجال والنساء في أصل الحقوق والميراث، وكان العرب في الجاهلية لا يملكونها مالا ولا ميراثا، فجاءت شريعة الإسلام لتخرجها من عبودية الرجال إلى عبودية الله - جل جلاله - ، وملكتها حقوقها كاملة، قال الله تعالى: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } ]البقرة:228[، وقال تعالى: { لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا } ]النساء:7[ وقال الله - جل جلاله - : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } ]النساء:1[.(10/16)
12- أكدت الشريعة الإسلامية على حقوق الأطفال والأجنة، فحفظت حق الرضيع منذ نعومة أظفاره، قال الله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ]البقرة:233[، كما احترم الشارع الحنيف آدمية الجنين في بطن أمه، وألزم العقوبة من اعتدى عليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ من هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وما في بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أو وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ على عَاقِلَتِهَا (1) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الديات-باب جنين المرأة 6/2532)، ومسلم في صحيحه(كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات 3/1309)، وأبوداود في سننه(كتاب الديات-باب دية الجنين4/192)، والنسائي في سننه(كتاب القسامة-باب دية جنين المرأة 8/48)، وأحمد في مسنده(2/274)..(10/17)
وفيه دليل على أن الجنين إذا مات بسبب الجناية وجبت فيه الغرة مطلقاً سواء انفصل عن أمه وخرج ميتاً أو مات في بطنها، أما إذا خرج حيا ثم مات ففيه الدية كاملة، إلا أنه لابد أن يعلم أنه جنين كأن تخرج منه يد أو رجل، وإلا فالأصل براءة الذمة وعدم وجوب الغرة، وقد فسر الغرة في الحديث بعبد أو وليدة وهي الأمة (1) . وحرمت الشريعة الإجهاض بإلقاء الحمل ناقص الخلق أو المدّة، ويعبر الفقهاء عنه بمرادفات، كالإسقاط والإلقاء والطّرح والإملاص. (2)
الحكم التّكليفيّ للإجهاض:
__________
(1) سبل السلام للصنعاني (3/238).
(2) انظر: نيل الأوطار للشوكاني (7/229-230).(10/18)
أ – اتفق الفقهاء على تحريم الإجهاض بعد نفخ الرّوح، أي بعد مائة وعشرين يوماً من الحمل (1) ، بل قال أحمد الدردير: (وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعا) (2) ، وعن عبد اللَّهِ بن مسعود - رضي الله عنه - قال: حدثنا رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قال: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلك، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلك، ثُمَّ يَبْعَثُ الله مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ له: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ" (3) . ونص ابن عابدين على تحريم الإجهاض بعد نفخ الرّوح ولو كان في بقائه خطر على حياة الأمّ، فقال رحمه الله: (لو كان الجنين حيّاً، ويخشى على حياة الأمّ من بقائه، فإنّه لا يجوز تقطيعه؛ لأنّ موت الأمّ به موهوم، فلا يجوز قتل آدميّ لأمر موهوم) (4) .
ب - تعددت أقوال الفقهاء في حكم الإجهاض قبل نفخ الرّوح، حتّى في المذهب الواحد:
__________
(1) انظر:إعانة الطالبين للدمياطي(3/256)، حاشية الجمل(5/491)، حاشية ابن عابدين (3/176)، بلغة السالك(2/271).
(2) الشرح الكبير(2/267).
(3) رواه البخاري في صحيحه(كتاب بدء الخلق-بَاب ذكر الملائكة 3/1174)، ومسلم في صحيحه(كتاب القدر-بَاب كَيْفِيَّةِ الخلق الآدَمِيِّ في بَطْنِ أُمِّهِ وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقَاوَتِهِ وَسَعَادَتِهِ 4/2036)، والترمذي في سننه(كتاب القدر-بَاب ما جاء أَنَّ الأَعْمَالَ بِالْخَوَاتِيمِ 4/446) وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه أحمد في مسنده(1/382-430).
(4) حاشية ابن عابدين (2/238).(10/19)
1- فمنهم من قال بالإباحة مطلقاً: وهو ما ذكره بعض الحنفيّة، فقد ذكروا أنّه يباح الإسقاط بعد الحمل، ما لم يتخلّق شيء منه أي لم تنفخ فيه الرّوح (1) ، وانفرد من المالكيّة اللّخميّ بجواز الإجهاض قبل أربعين يوماً من الحمل (2) ، وبه قال أبو إسحاق المروزيّ من الشّافعيّة (3) ، وقال الرّمليّ: (لو كانت النّطفة من زناً فقد يتخيّل الجواز قبل نفخ الرّوح) (4) ، وقال القليوبي: (يجوز إلقاؤه ولو بدواء قبل نفخ الروح فيه خلافا للغزالي) (5) ، والإباحة قول عند الحنابلة في أوّل مراحل الحمل قبل أربعين يوما (6) ، إذ أجازوا للمرأة شرب الدّواء المباح لإلقاء نطفة لا علقة، وقال ابن عقيل: (ما لم تحلّه الرّوح لا يبعث، فيؤخذ منه أنّه لا يحرم إسقاطه)، وقال صاحب الفروع: (ولكلام ابن عقيل وجه) (7) .
2- ومن الفقهاء من قال بالإباحة لعذر فقط: وهو مذهب الحنفيّة، ونقل ابن عابدين عن ابن وهبان أنّ من الأعذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل، وليس لأبي الصّبيّ ما يستأجر به الظّئر (المرضع) ويخاف هلاكه، وقال ابن وهبان: (إنّ إباحة الإسقاط محمولة على حالة العذر) (8) . وقد نقل الخطيب الشّربينيّ عن الزّركشيّ : (أنّ المرأة لو دعتها ضرورة لشرب دواء مباح يترتّب عليه الإجهاض فينبغي أنّها لا تضمن بسببه) (9) .
__________
(1) انظر: مرقاة المفاتيح لعلي القاري(6/318)، البحر الرائق لابن نجيم (3/215)، حاشية ابن عابدين(3/176)، شرح فتح القدير لكمال الدين(3/401).
(2) انظر: مواهب الجليل للمغربي (3/477)، الذخيرة للقرافي(12/84).
(3) انظر: إعانة الطالبين للدمياطي(3/256).
(4) نهاية المحتاج(8/442).
(5) حاشية القليوبي(4/160).
(6) انظر: الروض المربع (3/207)، زاد المستقنع ص 203.
(7) الفروع لابن مفلح (1/244)، كشاف القناع للبهوتي(1/220).
(8) حاشية ابن عابدين (3/176).
(9) الإقناع للشربيني(2/513)، مغني المحتاج للشربيني(4/103)..(10/20)
3- ومنهم من قال بالكراهة مطلقاً:
وهو ما قال به عليّ بن موسى من فقهاء الحنفيّة، فنقل ابن عابدين عنه أنّه يكره الإلقاء قبل مضيّ زمن تنفخ فيه الرّوح؛ لأنّ الماء بعدما وقع في الرّحم مآله الحياة، فيكون له حكم الحياة (1) ، وهو رأي عند المالكيّة فيما قبل الأربعين يوماً (2) ، وقول محتمل عند الشّافعيّة، يقول الإمام الرّمليّ : (لا يقال في الإجهاض قبل نفخ الرّوح إنّه خلاف الأولى، بل محتمل للتّنزيه والتّحريم، ويقوى التّحريم فيما قرب من زمن النّفخ لأنّه حريمه) (3) .
4- ومنهم من قال بالتّحريم:
__________
(1) انظر: حاشية ابن عابدين (3/176).
(2) حاشية الدسوقي (2/267).
(3) نهاية المحتاج(8/442)، وانظر: حاشية الجمل على شرح المنهاج (5/491).(10/21)
وهو المعتمد عند المالكيّة، يقول أحمد الدّردير: (لا يجوز إخراج المنيّ المتكوّن في الرّحم ولو قبل الأربعين يوماً) (1) ، وعلّق الدّسوقيّ على ذلك بقوله: (هذا هو المعتمد، وقيل يكره) (2) ، ونقل القرطبي أنّ مالكاً قال: (كلّ ما طرحته المرأة جناية، من مضغة أو علقة، ممّا يعلم أنّه ولد، ففيه الغرّة) (3) وقال ابن عبد البر: (واستحسن مالك الكفارة هنا ولم يوجبها) (4) . والقول بالتّحريم هو الأوجه عند الشّافعيّة (5) ؛ لأنّ النّطفة بعد الاستقرار آيلة إلى التّخلّق ومهيّأة لنفخ الرّوح، وهو مذهب الحنابلة مطلقاً كما ذكره ابن الجوزيّ (6) ، وهو ظاهر كلام ابن قدامة المقدسي (7) ، ورتّبوا الكفّارة والغرّة على من ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً، وعلى الحامل إذا شربت دواءً فألقت جنيناً. وقال الدّسوقيّ: (فإذا شمت الحامل رائحة مسك أو سمك أو جبن مقلي من الجيران مثلا فعليها الطلب، فإن لم تطلب ولم يعلموا بحملها حتى ألقته فعليها الغرة لتقصيرها وتسببها، فإذا طلبت ولم يعطوها ضمنوا علموا بحملها أم لا) (8) ،
__________
(1) الشرح الكبير(2/266-267).
(2) حاشية الدسوقي (2/267).
(3) تفسير القرطبي (12/10).
(4) الاستذكار لابن عبد البر ((8/76).
(5) انظر: إعانة الطالبين للدمياطي(3/256)، وتحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب)(4/83).
(6) أحكام النساء لابن الجوزي ص 376، وانظر: مختصر الخرقي 119، المبدع لابن مفلح (8/361)، المحرر في الفقه لعبد السلام بن تيمية الحراني (2/138)، كشاف القناع للبهوتي (6/30)، منار السبيل لإبراهيم بن ضويان (2/307).
(7) انظر: المغني (8/327)، الكافي لابن قدامة المقدسي (4/87)، عمدة الفقه ص139.
(8) حاشية الدسوقي (4/268)..(10/22)
وقال الصنعاني: (معالجة المرأة لإسقاط النطفة قبل نفخ الروح يتفرع جوازه وعدمه على الخلاف في العزل، فمن أجازه أجاز المعالجة، ومن حرمه حرم هذا بالأولى) (1) .
عقوبة الإجهاض: اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب في الجناية على جنين الحرّة هو غرّة، واتّفق فقهاء المذاهب على أنّ مقدار الغرّة في ذلك هو نصف عشر الدّية الكاملة (2) ، وأنّ الموجب للغرّة كلّ جناية ترتّب عليها انفصال الجنين عن أمّه ميّتاً، سواء أكانت الجناية نتيجة فعل أم قول أم ترك، ولو من الحامل نفسها أو زوجها، عمداً كان أو خطأً. واختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة (عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) مع الغرّة، فالحنفيّة والمالكيّة يرون أنّها مندوبة وليست واجبةً، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقض إلاّ بالغرّة، كما أنّ الكفّارة فيها معنى العقوبة لأنّها شرعت زاجرةً، وفيها معنى العبادة لأنّها تتأدّى بالصّوم، ووجوبها في النّفوس المطلقة فلا يتعدّاها، ولأنّ العقوبة لا يجري فيها القياس، والجنين يعتبر نفساً من وجه دون وجه لا مطلقاً، ولهذا لم يجب فيه كلّ البدل، فكذا لا تجب فيه الكفّارة لأنّ الأعضاء لا كفّارة فيها، وإذا تقرّب بها إلى اللّه كان أفضل، وعلى هذا فإنّها غير واجبة (3) .
__________
(1) سبل السلام للصنعاني(3/146).
(2) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (8/75)، مختصر المزني ص250، الإقناع للشربيني (2/514)، المغني (8/316)، كشاف القناع للبهوتي (6/23)، مشكل الآثار للطحاوي (11/414)، معتصر المختصر لأبي المحاسن الحنفي (2/111).
(3) انظر: تبيين الحقائق للزيلعي الحنفي(6/140)، البحر الرائق لابن نجيم الحنفي (8/390)، الاستذكار لابن عبد البر (8/76)، التاج والإكليل لأبي قاسم العبدري(6/268).(10/23)
أما الشّافعيّة والحنابلة فيرون وجوب الكفّارة مع الغرّة، لأنّها إنّما تجب حقّاً للّه تعالى لا لحقّ الآدميّ، ولأنّها نفس مضمونة بالدّية، فوجبت فيها الكفّارة، وترك ذكر الكفّارة لا يمنع وجوبها، فقد ذكر الرّسول صلى الله عليه وسلم في موضع آخر الدّية، ولم يذكر الكفّارة (1) . قال الإمام النووي رحمه الله: (ومتى وجبت الغرة فهي على العاقلة لا على الجاني، هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين رضي الله عنهم، وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني، وقال الشافعي وآخرون: يلزم الجاني الكفارة، وقال بعضهم: لا كفارة عليه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما والله أعلم) (2) ، ونصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه إذا اشترك أكثر من واحد في جناية الإجهاض لزم كلّ شريك كفّارة (3) ، لأنّ الغاية من الكفّارة الزّجر، أمّا الغرّة فواحدة لأنّها للبدليّة. ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ المرأة إن ألقت بسبب الجناية جنينين أو أكثر تعدّد الواجب بتعدّدهم، والقائلون بوجوب الكفّارة مع الغرّة يرون تعدّدها بتعدّد الجنين (4) .
__________
(1) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (12/405)، المهذب لأبي إسحاق الشيرازي (2/217)، مغني المحتاج للشربيني (4/108)، المغني لابن قدامة (8/326)، المبدع لابن مفلح(8/361)، الإنصاف للمرداوي(10/135).
(2) شرح النووي على صحيح مسلم (11/176).
(3) انظر: مغني المحتاج للشربيني (4/108)، المهذب لأبي إسحاق الشيرازي (2/217)، الكافي لابن قدامة (4/144)، المحرر في الفقه لعبد السلام بن تيمية الحراني (2/152).
(4) انظر: الأم للشافعي (6/108)، كشاف القناع للبهوتي (6/25)، وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (2/42-48)(10/24)
قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي بمكة المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان 1410هـ الموافق 14-0 2 آزار (مارس)1990م، بعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة باستخدام الأجنة مصدراً لزراعة الأعضاء، الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من 23 – 26 ربيع الأول 1410 هـ الموافق 23-26/10/1990م ، بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ما يلي :
أولاً : لا يجوز استخدام الأجنة مصدراً للأعضاء المطلوب زرعها في إنسان آخر إلا في حالات بضوابط لا بد من توافرها:
أ - لا يجوز إحداث إجهاض من أجل استخدام الجنين لزرع أعضائه في إنسان آخر، بل يقتصر الإجهاض على الإجهاض الطبعي غير المتعمد والإجهاض للعذر الشرعي، ولا يلجأ لإجراء العملية الجراحية لاستخراج الجنين إلا إذا تعينت لإنقاذ حياة الأم .
ب - إذا كان الجنين قابلاً لاستمرار الحياة فيجب أن يتجه العلاج الطبي إلى استبقاء حياته والمحافظة عليها، لا إلى استثماره لزراعة الأعضاء، وإذا كان غير قابل لاستمرار الحياة فلا يجوز الاستفادة منه إلا بعد موته.
ثانياً : لا يجوز أن تخضع عمليات زرع الأعضاء للأغراض التجارية على الإطلاق.
ثالثاً : لا بد أن يسند الإشراف على عمليات زراعة الأعضاء إلى هيئة متخصصة موثوقة. (1)
__________
(1) قرار رقم : 56 ( 7/6)، بشأن استخدام الأجنة مصدراً لزراعة الأعضاء، مجلة المجمع (ع 6، ج3 ص 1791).(10/25)
13- أولت الشريعة الإسلامية اليتيم اهتماماً عظيما، وجعلت كفالته من أعظم القربات، قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ } ]البقرة:220[، وقال - جل جلاله - : { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ } ]الضحى:9[، وقال: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى } ]البقرة:215[، وعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "كَافِلُ الْيَتِيمِ له أو لِغَيْرِهِ أنا وهو كَهَاتَيْنِ في الْجَنَّةِ وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى" (1) ، وحذر الشارع الحنيف من الاعتداء على أموال اليتامى قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } ]النساء:10[.
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه(كتاب الزهد والرقائق-باب فضل بناء المساجد4/2287)، وأحمد في مسنده(2/375)،(10/26)
14- عظمت الشريعة الإسلامية مكانة الشيوخ والعجائز والضعفة، وجعلت العناية بهم ورعايتهم من الواجبات الشرعية، فعن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ويبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا" (1) ، ولما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة بدر جمع الضعفاء وطلب منهم الدعاء، فعن أبي الدَّرْدَاءِ - رضي الله عنه - قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ابْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ" (2) ، وأكد فقهاء الشريعة الإسلامية أن رعاية الشيوخ والعجزة والعناية بهم حق واجب لهم على أقاربهم، وحين لا يوجد لهم أقارب يقع واجب الإنفاق عليهم ورعايتهم على الدولة من بيت المال، تحقيقا للتكافل الاجتماعي في المجتمع الإسلامي (3) .
__________
(1) رواه الترمذي في سننه(كتاب البر والصلة-باب ما جاء في رحمة الصبيان 4/322)، والحاكم في مستدركه على الصحيحين(1/131) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وأحمد في مسنده(2/185)، والطبراني في معجمه الكبير(11/449)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار(7/573).
(2) رواه الترمذي في سننه(كتاب الجهاد-باب بَاب ما جاء في الاسْتِفْتَاحِ بِصَعَالِيكِ الْمُسْلِمِينَ4/206)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في مسنده(5/198)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان (ذكر استحباب الانتصار بضعفاء المسلمين عند قيام الحرب على ساق11/85).
(3) انظر: الإنصاف للمرداوي(9/392)، الروض المربع(3/235)، المهذب(2/165)، روضة الطالبين(9/83)، حاشية ابن عابدين(3/613)، الفواكه الدواني للنفراوي المالكي (2/70)، سبل السلام للصنعاني(3/220)، نيل الأوطار(7/128).(10/27)
15- حذرت الشريعة الإسلامية من انتقاص القيمة الإنسانية، وازدراء مشاعر وأحاسيس الآخرين، وحرمت تتبع العورات وهتك الستر والتجسس، قال تعالى - جل جلاله - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } ]الحجرات:11-12[.
16- قررت الشريعة الإسلامية حرمة المساكن، فلا يجوز الاعتداء عليها أو دخولها إلا بإذن من صاحبها، قال تعالى الله - جل جلاله - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ - فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } ]النور:27-28[.(10/28)
17- عظمت الشريعة حرمة أعضاء الإنسان في حياته وبعد مماته، فعن عائشة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا" (1) ، وقرر الفقهاء أن الآدمي محترم حيا وميتا (2) ، قال الإمام المناوي: (يدفن الشعر المبان بنحو قص أو حلق أو نتف والأظفار المبانة بقص أو قطع أو غيرهما لأن الآدمي محترم، ولجزئه حرمة كله، فأمر بدفنه) (3) ، وقال ابن قدامة المقدسي: (وحكم أجزاء الآدمي وأبعاضه حكم جملته، سواء انفصلت في حياته أو بعد موته، لأنها أجزاء من جملته) (4) ، وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره، أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه. قيل: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما يدفنه. (5)
__________
(1) رواه أبوداود في سننه (أول كتاب الجنائز- بَاب في الْحَفَّارِ يَجِدُ الْعَظْمَ هل يَتَنَكَّبُ ذلك الْمَكَانَ3/212)، وابن ماجة في سننه (كتاب الجنائز-باب النهي عن كسر عظام الميت 1/516)، والدارقطني في سننه(3/188)، ومالك في الموطأ بلاغا(كتاب الجنائز-باب ما جاء في الاختفاء 1/238)، وأحمد في مسنده(6/58-100-105-168-200-264)، قال ابن حجر:(وذكر القشيري أنه على شرط مسلم) تلخيص الحبير (3/54).
(2) انظر: البحر الرائق(8/557)، المبسوط للسرخسي(2/59)،(9/159)، بدائع الصنائع(1/300)،تبيين الحقائق(6/230).
(3) فيض القدير(5/198). وانظر: المغني لابن قدامة (1/64-65)، كشاف القناع (2/96)، أسنى المطالب للأنصاري الشافعي (1/492)، تحفة المولود ص 105.
(4) المغني لابن قدامة (1/42).
(5) المغني لابن قدامة (1/64-65)، مطالب أولي النهى(1/87)، كشاف القناع(1/76)، الآداب الشرعية لابن مفلح المقدسي (3/330).(10/29)
التعاقد على أجزاء الآدمي (1) : لا يحل لإنسان الانتفاع بشيء مملوك لإنسان آخر إلا من خلال أحد الأطر الشرعية التي حدد الفقهاء شروط صحتها، ومن بين هذه الأطر العقود، ويشترط لصحة العقد أن يكون محله قابلاً للتعاقد شرعاً، ولا يكون كذلك عند الفقهاء إلا إذا كان مالا متقوماً يجوز الانتفاع به، وكان مملوكا للعاقد، فإذا وقع العقد على شيء لم يستوف هذه الشروط فلا أثر في نقل المِلك أو الانتفاع، وقد تعرض الفقهاء للعقد الذي محله جزء من أجزاء الإنسان كلبن الآدميات، واختلفوا في مدى جوازه، وكان خلافهم متفرعا على اختلافهم في استيفاء محل العقد لشروط صحته.
__________
(1) انظر: بحث الإجراءات الطبية الحديثة وحكمها في ضوء قواعد الفقه الإسلامي، للدكتور/ أحمد شرف الدين الكويت، مجلة المسلم المعاصر، العدد 31، 1982، ص139-167. البحث منشور على شبكة الإنترنت على موقع ببليوإسلام.نت، جميع حقوق الملكية محفوظة لشركة ميديا إنترناشيونال - قطر 2004 – 2008م:
http://biblioislam.net/Elibrary/Arabic/e_text/textCard.asp?page=&tID=2&ID=605(10/30)
أولا: حكم الانتفاع بأجزاء الآدمي في حال السعة والاختيار: لا يصح من الناحية الفقهية أن يكون الشيء محلا للعقد إلا إذا كان مالا متقوما، يجوز الانتفاع به في حال السعة، أي في غير حالات الاضطرار الاستثنائية، وللفقهاء تعريفات متعددة للمال المتقوم تدور كلها حول ذلك الشيء الذي يحل الانتفاع به وقت السعة، ويقع تحت الحيازة، ويتموله الناس، بأن تكون له قيمة في السوق يضمنها متلفه، ومقاييس اعتبار الشيء مالا متقوما لا تنطبق على جسم الإنسان، لذلك ذهب الفقهاء إلى أن الإنسان حيا أو ميتا لا يمكن أن يكون محلا ممكنا ومشروعا للمعاملات (1) ، فالإنسان ليس مالا، لا في الشرع ولا في الطبع، والشرع يأبى أن يعامل أجزاء الإنسان الذي كرمه الله معاملة الأموال، ولا يعتبر الشيء مالا في الطبع أو في العرف إلا إذا كانت له قيمة في الأسواق، وهذا لا يصدق على أجزاء الإنسان، ويشترط في محل العقد أن يكون طاهرا منتفعا به في الطبع والشرع، والراجح من أقوال الفقهاء أن المنفصل من جسم الإنسان طاهر، إلا أنه لا يجوز الانتفاع به لأنه يتعارض مع كرامة الإنسان وحرمته (2) ، وكذلك أجزاء الجثة التي يتعين دفن ما انفصل منها اقتضاء لحرمة الميت في الشرع، قال السرخسي: (قد بينا أن الآدمي في الأصل ليس بمال متقوم) (3) ،
__________
(1) انظر: المبسوط للسرخسي (15/126).
(2) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (1/173)، حاشية الجمل على شرح المنهاج (1/119)، حاشية قليوبي(1/208)، حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح(1/343)، غمز عيون البصائر للحموي الحنفي(4/214).
(3) المبسوط للسرخسي (15/126)..(10/31)
ولكن هذا الأصل لا يمنع الإنسان الذي انفصلت من جسده أن ينتفع بها كدواء إذا كان لا يوجد شيء آخر يقوم مقامها في التداوي، ذلك أن هناك أصلا آخر يقضى بإباحة التداوي بالمحرمات عند الضرورة، إذا كان لا يوجد في الأشياء المباحة ما يقوم مقامها، فإذا تعين الشيء المحرم دواء وحيدا للمريض واضطر إليه فإنه يحل الانتفاع به، وتكون الحرمة ساقطة عند الاستشفاء كما تقول الحنفية (1) ، قال الإمام البزدوي: (المضطر إلى الميتة والخمر رخصة مجازا، لأن الحرمة ساقطة حتى إذا صبر صار آثما) (2) ، وهذه قاعدة من القواعد الكلية في المجال الطبي والجراحي، ففي حالة الضرورة يجوز للإنسان أن ينتفع بجزء من أجزائه للأكل (3) أو للتداوي، بشرط أن تكون المصلحة في ذلك أعظم من ترك الجزء في مكانه، أما تداوي إنسان بأجزاء إنسان آخر إذا لم يوجد شيء آخر يقوم مقامها، فالرأي الغالب في الفقه حرمة ذلك، إما لكرامة الإنسان وإما مخافة هلاك الإنسان المأخوذ منه الجزء. إن المقدمات التي يرتكز عليها الفقه تقضي بأن الجزء المنفصل- وإن ظل مما ينتفع به بالمحافظة على حياة خلاياه- فإنه يمتنع في الشرع نقل الانتفاع به إلى إنسان آخر، لأنه يفترض أن ذلك لا يتم إلا بما يتعارض مع كرامة الإنسان، الذي يعتبره الفقهاء تعاملا ماليا.
__________
(1) البحر الرائق (1/122)، حاشية ابن عابدين(1/210)، أصول البزدوي(1/141)، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي لعلاء الدين البخاري(2/469).
(2) أصول البزدوي(1/141).
(3) المهذب (1/251)، المجموع(9/37-48)، حلية العلماء للشاشي القفال(3/361).(10/32)
فالعقبة من انتفاع إنسان بأجزاء جسم إنسان آخر؛ تحليل فقهي لا يعرف إلا العقود في التعامل المالي، ولكن الفقه الإسلامي فقه عملي يحرص على حاجات الناس المشروعة، فلا تقف الشريعة أمام الانتفاع بأجزاء الآدمي باعتبارها حاجة إنسانية تتفق مع المقاصد العامة للشرع، ولاسيما إذا كان هذا الانتفاع لا يتعارض مع الكرامة الإنسانية، وقد تغلب بعض الفقهاء على هذه صعوبة وهم بصدد بحث التعاقد على لبن الآدميات:
1- اتفق الفقهاء على أن لبن الآدميات - باعتباره جزءا منفصلا عن جسم آدمي- يمكن الانتفاع به في الشرع لقوله تعالى: { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ]الطلاق:6[، لأنه مخصص بطبيعته للخروج من جسم المرأة لينتفع به غيرها، إلا أن الفقهاء اختلفوا في العقود التي يمكن أن يتعلق محلها بلبن الآدميات، أما مسألة الانتفاع بأجزاء الآدمي مما لم يرد به نص شرعي، فهي مسألة اجتهادية يختلف الرأي فيها بحسب الاعتبارات، وتغليب اعتبار على آخر.(10/33)
2- اتفق الفقهاء على أنه يجوز الانتفاع بلبن الآدميات بعقد إجارة الظئر (1) ، فللمرأة أن تلتزم بإرضاع طفل مقابل أجر، وروعي في إجازة هذا العقد أن لا يؤثر على سلامة المرأة، لأن لبنها مخصص بطبيعته للخروج منها، كما أنه متجدد شأنه في ذلك شأن النشاط العضلي في عقد إجارة الآدمي على عقد العمل، واختلف الفقهاء في تحديد ما ترد عليه إجارة الظئر، فقال البعض: إنه يرد على اللبن ذاته، وذهب البعض الآخر إلى أن العقد يرد على خدمة المرأة، أي على منافعها وليس على ذات اللبن. إن عقد الإرضاع لا يعد محلا ممكنا ومشروعا في القياس عند الحنفية، قال الإمام السرخسي: (لا يجوز بيع لبن الآدمية) (2) ، إلا أنهم أجازوا عقد الرضاعة استحسانا (3) ، لقوله تعالى: { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ]الطلاق:6[ وللإجماع، وتبرره ضرورة المحافظة على حياة الطفل. فالمبدأ الشرعي عدم جواز التصرف في أجزاء الآدمي حفاظا على كرامته الإنسانية، والاستثناء تبرره الضرورة فليس الحكم مطلقا، وإذن الشارع بالتعاقد على لبن المرضع يرجح مصلحة الإرضاع على كرامة الإنسان.
__________
(1) الروض المربع(2/298)، الهداية شرح البداية(3/241)، الاختيار تعليل المختار(2/61)، الذخيرة للزركشي(5/408).
(2) المبسوط للسرخسي (23/170).
(3) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم الحنفي(8/24)،(10/34)
ثانيا: حكم الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار: أباح الشارع الحنيف أكل المحرمات في حالة الاضطرار، فأباح بذلك العلاج بها عند الضرورة، إذ أن ضرورة الغذاء كضرورة العلاج تبيح المحظورات، لأن الهلاك أو التلف الذي يعود على الإنسان من عدم التغذي يمكن أن يصيبه من عدم التداوي، والأصل في أجزاء الآدمي حرمتها على بني جنسه، والفقهاء لا يتعرضون للانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار إلا بصفتها غذاء، ويقاس عليه استعمال أجزاء الآدمي للعلاج. ذهب غالبية الفقهاء إلى أن الضرورة لا تبرر انتفاع الإنسان بأجزاء آدمي آخر ولو كان ميتا، وسبب ذلك عند بعضهم كرامة ابن آدم وخشية تلف الإنسان الحي منه، ويري البعض الآخر أن السبب تعبدي لا تدرك علته، فتحريم أجزاء بني آدم مثقل لا يباح حتى للضرورة. وتجيز الشافعية (1) للمضطر الانتفاع بأجزاء الآدمي المهدر أو المعصوم الدم وفقا للتفصيل الآتي:-
1- يجوز للمضطر أن يستعمل جسم إنسان مهدور الدم كالحربي والزاني المحصن أو جثته في الغذاء، أما المعصوم الميت فيجوز للمضطر أن ينتفع بجثته كغذاء إن لم يجد غيره، لأن حرمة الحي آكد من حرمة الميت، ولأن مفسدة أكل لحم الإنسان الميت أقل من مفسدة فوات حياة إنسان.
__________
(1) المهذب في فقه الإمام الشافعي (1/251)، المجموع (9/37).(10/35)
2- أما إذا كان المعصوم حيا فيجوز للمضطر، عند الشافعية، أن يقطع جزءا من جسمه كغذاء، ولا يجوز لمعصوم الدم أن يقطع جزءاً من نفسه ليقدمه للمضطر، لأن الضرر لا يزال يمثله، ولكن يجوز للمضطر أن يقطع جزءا من جسمه ليأكله إن لم يجد غيره، لأنه إحياء للنفس بإتلاف عضو، وهذا من باب استبقاء الكل بزوال الجزء، ومؤدى هذا الحكم أنه يجوز استقطاع جزء من جسم شخص تحقيقا لمصلحته هو، كما لو استقطع جزءا من جلده لترقيع جرح في جسمه. ويشترط لإباحة الانتفاع بأجزاء الآدمي الميت في حالة الضرورة؛ ألا يجد المضطر غيره، وأن يكون الضرر المترتب على عدم الانتفاع أعظم من الضرر المترتب على عدم مراعاة المحظور، أي أن تكون المصلحة في الاستقطاع أعظم من المفسدة التي اقتضت حظره. فالضرورة لا تبيح الانتفاع بأجزاء الآدمي المعصوم الحي بالاستقطاع من جسمه، لشرفه وكرامته أو خشية أن يفضي ذلك إلى هلاكه أو إتلافه، والضرر لا يزال يمثله، فإذا كان الهدف من الاستقطاع لا يتعارض مع الكرامة الإنسانية وكانت المصلحة المترتبة عليه أعظم من ضرره ينقلب الحظر إلى إباحة في حالة الضرورة.
الترجيح في انتفاع آدمي بأجزاء آدمي آخر: (1)
__________
(1) انظر: حكم الإسلام في القضايا الطبية، مؤتمر الحكم الشرعي لزراعة الأعضاء، د/ محمد البار، د/ يوسف القرضاوي، د/ ياسين الشحات، 21/ 2/ 1998م، أهم القضايا التي طُرحت في المؤتمر: دليل جواز التبرع، الموت الدماغي، متى يُحكم على الشخص أنه توفي شرعاً؟ انظر حوار المؤتمر على موقع حكم الإسلام في القضايا الطبية على شبكة الإنترنت:
http://www.islamicmedicine.org/qaorgandonar.htm(10/36)
1- إن حرمة انتفاع آدمي بأجزاء آدمي آخر ترجع إلى سببين: الأول: الكرامة الإنسانية وحرمة الإنسان وشرفه حيا وميتا، والثاني: الضرر الذي يعود على الإنسان المنقول منه جزء من أجزائه. والمناط في الحكم يرجع إلى تحصيل أعظم المصلحتين ودرء أعظم المفسدتين عند التزاحم، وبناء عليه فإنه يجوز شرعاً الانتفاع بأجزاء الآدمي حياً أو ميتاً، لعلاج آدمي آخر متى كان هذا الانتفاع ضروريا، ولن يكون عدم استيفاء أجزاء الآدمي شروط محل العقود على الأموال عقبة، لأننا لسنا بصدد الانتفاع بالأموال، وإذا ثبت أن هذا الانتفاع ضروري وهدفه نبيل فإنه لن يخل بالكرامة الإنسانية.(10/37)
2- إذن الشرع وإذن المعطي في استقطاع الأعضاء البشرية: أذن الشرع بنقل جزء من جسم المعطي إلى جسم المريض المتلقي إذا كانت المصلحةُ المترتبة على ذلك أعظمَ من المحافظة على حق الله تعالى في جسم المعطي، يقول ابن عبد البر:(ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة) (1) ، وهذا الواجب يقع في ذمة الجماعة فرض كفاية، فإذا لم يكن إلا شخصا واحدا بيده إخراج المضطر من حالته؛ كان إنقاذه فرض عين عليه، ويقع على الجماعة أو على الشخص المعين إثم عدم إنقاذ المضطر وعليهم الضمان، فالشرع يطلب من الإنسان التضحية ببعض من حقوقه لإنقاذ المضطر إذا كان ذلك لا يعود عليه بضرر أعظم من الضرر العائد على المضطر، بل يعد الشارع إنقاذ نفس واحدة بمثابة إحياء للناس جميعا، قال تعالى: { مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } ]المائدة:32[، فإعطاء إنسان عضوا من أعضائه لإنسان مريض لإنقاذه من الهلاك؛ دون هلاك المعطي يعد عملا متميزا في الشريعة الإسلامية، وهو اختيار لأهون الضررين وترجيح لأعلى المصلحتين، ويعبر عن معاني الرحمة والمودة، ويتفق مع الكرامة الإنسانية، وجدير بثناء الشرع عليه، أما إذا أفضى إلى هلاك المعطي فلا يجوز ذلك شرعا، لقوله تعالى: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ]البقرة:195[.
__________
(1) التمهيد لابن عبد البر(14/210).(10/38)
أما المصلحة الموهومة في العلوم الطبية والجراحية، والتي لم يثبت نجاحها لا تُجَوّز الاستقطاع من جسم الإنسان أو الجثة، لأنه يكون مساساً بحرمتها دون مبرر شرعي، أما إن تحول الموهوم إلى مضمون أو مظنون مع تقدم الطب والجراحة يتغير الحكم، لأن الأحكام تتغير بتغير الزمان، وحيثما توجد المصلحة فثم شرع الله، يقول الإمام الشاطبي: (استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد) (1) . إن الاستقطاع من الجثة حيث تتنازع مصلحة إنقاذ الحي مع مصلحة دفن الميت مبرر شرعا حال الضرورة، لأن مصلحة المحافظة على حياة إنسان وصحته أعظم من المفسدة المترتبة على المساس بالجثة، إذ أن حرمة الموتى يقصد بها كرامة الميت والقيم المعنوية لأهل المتوفى، ولاحترام هذه القيم لابد أن يأذن الميت قبل موته بالاستقطاع أو يأذن به أهله بعد موته، ولو سلمنا أن أعضاء الإنسان من المحرمات لكرامته، فإنه يجوز التداوي بالمحرم في حال الضرورة حفاظا على الحياة، كما يجوز التغذي بالمحرمات في حال الضرورة، لأن الشرع أجاز ترك الواجب وفعل المحرم للمضطر، ولا يوجد نص يمنع التداوي بأجزاء الإنسان حياً أو ميتاً عند الضرورة، فيجوز شرعا زرع عضو في جسم المريض رعاية لمصلحته ولسلامة جسمه شريطة موافقة ذوي الشأن، وعدم حصول ضرر فاحش لمن نقل منه العضو، استنادا إلى قواعد الضرورة حين يترتب على العمل الضروري مصالح أعظم من المفسدة التي تقابلها. (2)
__________
(1) الموافقات للشاطبي (1/6)، (2/318).
(2) انظر: المصدر السابق (2/372).(10/39)
3- شروط إباحة استقطاع الأعضاء للزرع: لما كان استقطاع العضو من المعطي لزرعه في جسم المتلقي عملا مركبا يتعلق به حق العبد وحق الرب فلابد من مراعاة هذه الحقوق؛ برضى المعطي أو وليه، وتوافر حالة الضرورة في حق الله، فيدخل استقطاع الأعضاء للزرع في جسم مريض في إطار الكرامة الإنسانية إذا استهدف العلاج مقابل مال، لأن أجزاء الإنسان لا يجوز بيعها أو شراؤها، والشرع لم يقم بتقدير أعضاء جسم الإنسان ماليا إلا في حالة الاعتداء عليها، والحق أن الدية ليست في مقابل الأعضاء ولكنها عوض للمجني عليه، يقول الإمام السرخسي: (قد بينا أن الآدمي في الأصل ليس بمال متقوم) (1) ، فلا يجوز للمعطي أن يعلق تبرعه على قبض ثمن العضو المستقطع، كما ينافي الكرامة الإنسانية أخذ العضو المستقطع رغما عن المعطي أو دون علمه، أو إن لم يكن ضروريا للمريض، والضرورة تقدر بقدرها، ويجب أن تكون المصلحة المترتبة على استقطاع العضو لزرعه في جسم المريض راجحة وأعظم من المفسدة المترتبة على ذلك عند المعطي، لأن الضرر لا يزال بمثله. (2)
قيود الموازنة بين المصالح والمفاسد:
__________
(1) المبسوط للسرخسي (15/126).
(2) انظر: غمز عيون البصائر للحموي الحنفي (1/280)، درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر(3/340)، قواعد الفقه ص88، شرح القواعد الفقهية لأحمد ابن الشيخ محمد الزرقا(1/195).(10/40)
أ- قيود تقتضيها مصلحة المعطي: لا يجوز أن يترتب على الاستقطاع ضرر فاحش بالمعطي، ولا يجوز مطلقا استقطاع عضو يترتب عليه موت المعطي كالقلب مثلا، فيجوز استقطاع الأنسجة المتجددة، كالجلد والدم، أما العضو المنفرد في الجسم فلا يجوز استقطاعه لأنه يحرم المعطي من وظيفته، وهنا تظهر أهمية الجثة كمصدر لهذه الأعضاء. أما بالنسبة للأعضاء المزدوجة، كالكلى مثلا، فإنه يشترط لإباحة استقطاع إحداها أن يكون العضو المتبقي قادرا على القيام بالوظيفة التشريحية للعضو المستقطع، أما إذا كان استقطاع أحد العضوين يؤثر في هذه الوظيفة، بالرغم من وجود العضو الآخر في جسم المعطي فلا يباح الاستقطاع، والأساس في ذلك أن حماية الشرع للجسم لا تتعلق بالأعضاء في ذاتها ولكن باعتبارها محلا للمنافع.
ب- قيود تقتضيها مصلحة المتلقي: يجب أن تكون المصلحة المترتبة على الزرع لدى المتلقي ضرورية وراجحة، كما يجب أن تكون مزايا الزرع أعظم من مخاطره عند المتلقي، تطبيقا لقاعدة ترجيح المصلحة إذا كانت أعظم من المفسدة التي تقابلها، بحيث ترقى نتيجة العملية إلى المستوى الذي يجعل منها مصلحة اجتماعية محترمة تبرر تضحية المعطي ببعض حقوقه. (1)
__________
(1) انظر: بحث الإجراءات الطبية الحديثة وحكمها في ضوء قواعد الفقه الإسلامي، للدكتور/ أحمد شرف الدين الكويت، المجلة العلمية: المسلم المعاصر، العدد 31، 1982، ص139-167. البحث منشور على شبكة الإنترنت على مواقع:
1- ببليوإسلام.نت، جميع حقوق الملكية محفوظة لشركة ميديا إنترناشيونال - قطر 2004 – 2008م:
http://biblioislam.net/Elibrary/Arabic/e_text/textCard.asp?page=&tID=2&ID=605
2- منظمة العلوم الطبية الإسلامية – دولة الكويت- إسلام ست – الأخلاقيات الحيوية:
http://www.islamset.com/arabic/aethics/procedure.html(10/41)
قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 صفر 1408هـ الموافق6-11 شباط (فبراير)1988م، بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً، وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أنَّ هذا الموضوع أمر واقع فرضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسته من دون الضوابط والقيود الشرعية التي تصان بها كرامة الإنسان، مع إعمال مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار، وبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث، وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي يختلف الحكم تبعاً لها، قرر ما يلي:
من حيث التعريف والتقسيم :
أولاً : يقصد هنا بالعضو أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها كقرنية
العين، سواء أكان متصلاً به ، أم انفصلا عنه .
ثانياً : الانتفاع الذي هو محل البحث، هو استفادة دعت إليها ضرورة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه، على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعاً.
ثالثاً : تنقسم صور الانتفاع إلى الأقسام التالية : (1)
1- نقل العضو من حي. 2- نقل العضو من ميت. 3- النقل من الأجنة.
الصورة الأولى : وهي نقل العضو من حي ، تشمل الحالات التالية :
__________
(1) انظر: كتاب قضايا فقهية معاصرة، انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً، حكم الإسلام في القضايا الطبية، مجلس مجمع الفقه الإسلامي:
http://www.islampedia.com/MIE2/fatawa/zakat2.htm#organs(10/42)
- نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه، كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة والدم ونحوها.
- نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان آخر، وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة وما لا تتوقف عليه، أما ما تتوقف عليه الحياة، فقد يكون فردياً ، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكبد، والثاني كالكلية والرئتين، وأما ما لا تتوقف عليه الحياة، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم ومنه مالا يقوم بها، ومنه ما يتجدد تلقائياً كالدم، ومنه ما لا يتجدد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والموروثات والشخصية العامة، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك.
الصورة الثانية : وهي نقل العضو من ميت: ويلاحظ أن الموت يشمل حالتين:
الحالة الأولى : موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلاً نهائياً لا رجعة فيه طبياً.
الحالة الثانية : توقف القلب والتنفس توقفاً تاماً لا رجعة فيه طبياً.
الصورة الثالثة : النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات :
حالة الأجنة التي تسقط تلقائياً - حالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي- حالة اللقائح
المستنبتة خارج الرحم.
من حيث الأحكام الشرعية:
أولاً : يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه ، مع مراعاة
التأكد من أنَّ النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهود له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً.
ثانياً : يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر ، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائياً ، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية.
ثالثاً : تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية .(10/43)
رابعاً : يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.
خامساً : يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته، وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها كنقل قرنية العين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر.
سادساً : يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك، بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة ولي أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له .
سابعاً : وينبغي ملاحظة : أنَّ الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها ، مشروط بأن لا يتم ذلك بواسطة بيع العضو، إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما، أما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريماً، فمحل اجتهاد ونظر.
ثامنا: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية. (1)
__________
(1) قرار رقم : 26 ( 1/4) بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً كان أو ميتاً. مجلة المجمع (ع 4، ج1 ص 89)(10/44)
18- ألغت شريعة الإسلام التمييز العنصري على أساس العرق أو اللون أو الجنس، فلا فرق بين أبيض وأسود، ولا بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح، قال عز وجل: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات: 13]، وعن أبي نَضْرَةَ - رضي الله عنه - قال: حدثني من سمع خُطْبَةَ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فقال: "يا أَيُّهَا الناس أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، إلا لاَ فَضْلَ لعربي على أعجمي، وَلاَ لعجمي على عربي، وَلاَ لأَحْمَرَ على أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ على أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟" قالوا: بَلَّغَ رسول اللَّهِ. - صلى الله عليه وسلم - (1) وعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لم يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" (2) .
الهندسة الوراثية وتغيير خلق الله:
__________
(1) رواه أحمد في مسنده(5/411)، والطبراني في معجمه الأوسط(5/86)، وابن المبارك في مسنده ص146-147، قال الهيثمي:(رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح) مجمع الزوائد(3/266).
(2) رواه مسلم في صحيحه(كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار- بَاب فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ على تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الذِّكْرِ4/2074)، وابن ماجة في سننه(باب فضل العلماء والحث على طلب العلم 1/82)، والترمذي في سننه(كتاب القراءات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 5/195)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان(3/45).(10/45)
إن الهندسة الوراثية يمكن أن تُغيِّر التركيبةَ الفطريَّةَ التي رَكَّبَ الخالقُ عزَّ وجلَّ عليها خَلْقَه, فلابد من تجنب استهداف الهندسة الوراثية تغيير أصل الفطرة التي خلق الله الخلق عليها، كإنتاج سلالات بشرية متفوِّقة (Supermen) ذات صفات خارقة للعادة، كما يتخيَّل بعض الباحثين, فإنَّ هذا يُخِلُّ بالتركيبة العضوية والاجتماعية والنفسية لبني البشر، وكذلك تجنب إجراء التجارب التي تؤدي إلى اختلاط الأنساب والعبث بشخصية الإنسان وجيناته الوراثية لتغيير جنسه أو لونه أوشكله، أو الخروج بجسم الإنسان أو عضو من أعضائه عن الخلقة السوية التي فطرها الله - جل جلاله - عليها.
تحريم تغيير خلق الله:(10/46)
أولا: الأدلة من الكتاب: قال - جل جلاله - : { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا - لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا - وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا - يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا - أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا } ]النساء:117-121[، توعد إبليس بني آدم بإضلالهم عن الحق وتزيين التسويف والأماني في صدورهم، بل أقسم أن أمره نافذ فيهم بتبتيك آذان الأنعام، قال قتادة والسدي: (يعني تشقيقها وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة)، وأقسم إبليس أنه سيأمر بني البشر فيغيرون خلق الله، قال ابن عباس: (يعني بذلك خصي الدواب)، وكذا روى عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وقتادة وأبي صالح والثوري وقال الحسن البصري: (يعني بذلك الوشم) (1) ، وقال الله - جل جلاله - : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } ]الروم:30[، فأقم وجهك لله وحده غير مائل ولا ملتفت عنه، وهو تمثيل للإقبال على الدين والاستقامة عليه والاهتمام بأسبابه (2) ، قال الزجاج: (فطرة منصوب، بمعنى اتبع فطرة الله، لأن معنى فأقم وجهك للدين اتبع الدين الحنيف واتبع فطرة الله) (3) ،
__________
(1) انظر: تفسير ابن كثير(1/557)، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (2/115).
(2) تفسيرالنسفي (3/273).
(3) تفسير القرطبي (14/24)..(10/47)
لا تبديل لخلق الله نفي معناه النهي، والتقدير لا تبدلوا خلق الله، وفيه قولان: أحدهما أنه خصاء البهائم قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والثاني: دين الله، قاله مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي، وعن ابن عباس وعكرمة كالقولين (1) ، قال ابن كثير: (قوله تعالى: { لا تبديل لخلق الله } قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها فيكون خبرا بمعنى الطلب، وهو معنى حسن صحيح، وقال آخرون: هو خبر على بابه، ومعناه أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة لا يولد أحد إلا على ذلك ولا تفاوت بين الناس في ذلك (2) ،
__________
(1) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (6/302).
(2) تفسير ابن كثير(3/433)..(10/48)
وقال الإمام الرازي: (وللمفسرين ههنا : قولان: الأول: أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله ، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة، وفي تقرير هذا القول وجهان: الأول: أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "ما من مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ على الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أو ينصرانه أو يُمَجِّسَانِهِ كما تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هل تُحِسُّونَ فيها من جَدْعَاءَ"، ثُمَّ يقول: أبو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } ]الروم:30[ (1) . والوجه الثاني: في تقرير هذا القول: أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراماً أو الحرام حلالا.
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الجنائز-بَاب إذا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ هل يُصَلَّى عليه وَهَلْ يُعْرَضُ على الصَّبِيِّ الإِسْلامُ 1/456)، وفي (كتاب الجنائز-باب ما قيل في أولاد المشركين1/465)، وفي (كتاب التفسير-بَاب { لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } لِدِينِ اللَّهِ خُلُقُ الأَوَّلِينَ دِينُ الأَوَّلِينَ وَالْفِطْرَةُ الإِسْلامُ 4/1792)، وفي (كتاب القدر- الله أعلم بما كانوا عاملين 6/2434)، ورواه مسلم في صحيحه(كتاب القدر-بَاب مَعْنَى كل مَوْلُودٍ يُولَدُ على الْفِطْرَةِ 4/2047)، وأبوداود في سننه(كتاب السنة-بَاب مَعْنَى كل مَوْلُودٍ يُولَدُ على الْفِطْرَةِ4/229)، والترمذي في سننه(كتاب القدر-بَاب ما جاء كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الْفِطْرَةِ4/447) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.(10/49)
والقول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال تتعلق بالظاهر، وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الحسن: المراد ما روى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لعن الله الواصلات والواشمات"، قال: وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا. الثاني: روي عن أنس - رضي الله عنه - وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق الله ههنا هو الإخصاء وقطع الآذان وفقء العيون، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً عوروا عين فحلها. الثالث : قال أبو زيد هو التخنث، وأقول: يجب إدخال الساحقات في هذه الآية على هذا القول، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر، الرابع : حكى الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب). (1)
ثانيا: الأدلة من السنة:
__________
(1) التفسير الكبير (11/39).(10/50)
1- عن عَلْقَمَةَ عن عبد اللَّهِ بن مسعود - رضي الله عنه - قال: لَعَنَ الله الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ. فَبَلَغَ ذلك امْرَأَةً من بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لها أُمُّ يَعْقُوبَ فَجَاءَتْ، فقالت: إنه بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فقال: ومالي لا أَلْعَنُ من لَعَنَ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَنْ هو في كِتَابِ اللَّهِ، فقالت: لقد قرأت ما بين اللَّوْحَيْنِ فما وَجَدْتُ فيه ما تَقُولُ، قال: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لقد وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ { وما آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهَاكُمْ عنه فَانْتَهُوا } ]الحشر:7[، قالت: بَلَى، قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فَإِنِّي أَرَى أَهْلَكَ يَفْعَلُونَهُ، قال: فَاذْهَبِي فَانْظُرِي، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ، فلم تَرَ من حَاجَتِهَا شيئا، فقال: لو كانت كَذَلِكَ ما جامعتنا. (1)
2- وعن أَسْمَاءَ رضي الله عنها قالت: سَأَلَتْ امْرَأَةٌ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب التفسير- بَاب { وما آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } 4/1853)، وفي (كتاب اللباس- باب المتفلجات للحسن 5/2216)، ومسلم في صحيحه(كتاب اللباس والزينة- بَاب تَحْرِيمِ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ وَالْمُسْتَوْصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ وَالنَّامِصَةِ وَالْمُتَنَمِّصَةِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ وَالْمُغَيِّرَاتِ خَلْقِ اللَّهِ3/1676)، وأبوداود في سننه(كتاب الترجل-باب في صلة الشعر 4/77)، وأحمد في مسنده(1/433-443)،(10/51)
أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ فَامَّرَقَ شَعَرُهَا، وَإِنِّي زَوَّجْتُهَا أَفَأَصِلُ فيه؟ فقال: "لَعَنَ الله الْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ". (1)
3- وعن حُمَيْدِ بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ أَنَّهُ سمع مُعَاوِيَةَ بن أبي سُفْيَانَ - رضي الله عنه - عَامَ حَجَّ وهو على الْمِنْبَرِ، وهو يقول وَتَنَاوَلَ قُصَّةً من شَعَرٍ كانت بِيَدِ حَرَسِيٍّ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سمعت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَنْهَى عن مِثْلِ هذه، وَيَقُولُ: "إنما هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حين اتَّخَذَ هذه نِسَاؤُهُمْ". (2)
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب اللباس- باب الموصولة 5/2217)، وابن ماجة في سننه(كتاب النكاح-باب الواصلة والواشمة 1/639)، والشافعي في مسنده ص22، والحميدي في مسنده(1/153)، وابن أبي شيبة في مصنفه(5/201)، وامَّرق شعرها أي انتثر وتساقط من مرض أَو غيره. لسان العرب ( 10/ 340).
(2) رواه البخاري في صحيحه(كتاب اللباس- باب الوصل في الشعر 5/2216)، ومسلم في صحيحه(كتاب اللباس والزينة- بَاب تَحْرِيمِ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ وَالْمُسْتَوْصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ وَالنَّامِصَةِ وَالْمُتَنَمِّصَةِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ وَالْمُغَيِّرَاتِ خَلْقِ اللَّهِ 3/1676)، وأبوداود في سننه(كتاب اللباس-باب في صلة الشعر 4/77)، ومالك في الموطأ (كتاب الشعر-باب السنة في الشعر 2/947).(10/52)
4- وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. (1)
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه(كتاب اللباس والزينة- بَاب تَحْرِيمِ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ وَالْمُسْتَوْصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ وَالنَّامِصَةِ وَالْمُتَنَمِّصَةِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ وَالْمُغَيِّرَاتِ خَلْقِ اللَّهِ 3/1676)، والنسائي في سننه( كتاب الزينة-باب المستوصلة 8/145)، وابن ماجة في سننه(كتاب النكاح-باب الواصلة والواشمة 1/639)، وابن أبي شيبة في مصنفه( 5/201)، وبيبي بنت عبد الصمد الهروية في جزئها ص52.(10/53)
ثالثا: الحكم التكليفي: اتّفق الفقهاء على أنّ تفليج الأسنان وتفريقها لأجل الحسن حرام، سواء في ذلك طالبة التّفليج وفاعلته، لما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم، ثمّ إنّ هذه الحرمة ليست مطلقة، وإنّما هي مقصورة على من تفعل ذلك للحسن، لأنّ اللام في قوله: « للحسن » للتّعليل، أمّا لو احتيج إليه لعلاج أو عيب في السّنّ ونحوه فلا بأس به. والتّفليج عادة يكون ما بين الثّنايا والرّباعيّات من الأسنان. قال العيني: (المتلفجات جمع متفلجة بالفاء والجيم من التفلج، وهو برد الأسنان الثنايا والرباعيات، مأخوذ من الفلج بفتح الفاء واللام، وهي فرجة بين الثنايا والرباعيات، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "للحسن" يتعلق بالمتفلجات، أي لأجل الحسن قيد به، لأن الحرام منه هو المفعول لطلب الحسن، أما إذا احتيج إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلا بأس به) (1) . وكان التّفليج يستحسن في المرأة، فربّما صنعته المرأة الّتي أسنانها متلاصقة لتصير متفلّجة. قال النّوويّ : (وتفعل ذلك العجوز ومن قاربتها في السن إظهارا للصغر وحسن الأسنان، لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغار، فإذا عجزت المرأة كبرت سنها وتوحشت؛ فتبردها بالمبرد لتصير لطيفة حسنة المنظر وتوهم كونها صغيرة) (2) ، ومن أنواع الجراحة من أجل التّزيّن ما اعتاده بعض النّاس من الوشم، قال الخطيب الشربيني: (الوشم غرز الجلد بالإبرة حتى يخرج الدم، ثم يذر عليه نحو نيلة ليزرق أو يخضر بسبب الدم الحاصل بغرز الجلد بالإبرة، حرام للنهي عنه فتجب إزالته إن لم يخف ضررا، فإن خاف لم تجب إزالته ولا إثم عليه بعد التوبة) (3) ،
__________
(1) عمدة القاري للعيني(19/225).
(2) شرح صحيح مسلم للنووي(14/106-107).
(3) الإقناع (1/151)، وانظر: إعانة الطالبين للدمياطي (1/107)..(10/54)
وقال الإمام النووي: (وأما النامصة بالصاد المهملة فهي التي تزيل الشعر من الوجه، والمتنمصة التي تطلب فعل ذلك بها، وهذا الفعل حرام، إلا إذا نبتت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إزالتها، بل يستحب عندنا، وقال ابن جرير: لا يجوز حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص، ومذهبنا ما قدمناه من استحباب إزالة اللحية والشارب والعنفقة، وأن النهى إنما هو في الحواجب وما في أطراف الوجه) (1) ، قال ابن عابدين : (إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إزالته بل تستحبّ) (2) ، وصرّح المالكيّة بأنّه لا بأس بإزالة شعر الجسد في حقّ الرّجال، أمّا النّساء فيجب عليهنّ إزالة ما في إزالته جمال لها - ولو شعر اللّحية إن كان لها لحية - وإبقاء ما في بقائه جمال (3) ، وقال ابن قدامة: (فأمّا حفّ الوجه، فقال مهنّا : سألت أبا عبد اللّه عن الحفّ ؟ فقال : ليس به بأس للنّساء ، وأكرهه للرّجال) (4) .
__________
(1) المصدر السابق (14/106)، ونقل كلام ابن جرير الطبري أيضا الشوكاني في نيل الأوطار (6/343)، وابن حجر في فتح الباري(10/377)، والمباركفوري في تحفة الأحوذي(8/55)، والمناوي في فيض القدير(5/273).
(2) حاشية ابن عابدين (6/373).
(3) مواهب الجليل للمغربي(1/217)، كفاية الطالب(2/579-580)، رسالة القيرواني ص156، حاشية العدوي(2/579-
(4) المغني لابن قدامة (1/66).(10/55)
ونقل القرطبيّ عن القاضي عياض في قطع الأعضاء الزّائدة: (أنّ من خلق بإصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه، لأنّه من تغيير خلق اللّه تعالى، إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعها) (1) . نقل ابن حجر عن الطّبريّ قوله: (لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها الّتي خلقها اللّه عليها بزيادة أو نقص التماساً للحسن، لا للزّوج ولا لغيره، كمن تكون مقرونة الحاجبين، فتزيل ما بينهما توهم البلج (2) أو عكسه ، ومن تكون لها سنّ زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنّتف، ومن يكون شعرها قصيراً أو حقيراً فتطوّله أو تغزره بشعر غيرها، فكلّ ذلك داخل في النّهي وهو من تغيير خلق اللّه تعالى، قال: ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية، كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعيقها في الأكل، أو إصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها فيجوز ذلك). (3)
وجاء في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثامنة عشرة المنعقد في بوتراجايا-ماليزيا، من 24 إلى 29 جمادى الآخرة 1428هـ ،الموافق 9– 14تموز/ يوليو 2007م :
1- يجوز شرعا إجراء الجراحة التجميلية الضرورية والحاجية التي يقصد منها :
أ- إعادة شكل أعضاء الجسم إلى الحالة التي خلق الإنسان عليها لقوله سبحانه: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } ]العلق:4[.
ب-إعادة الوظيفة المعهودة لأعضاء الجسم .
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/393).
(2) البُلْجَةُ بالضم الضَّوْءُ، ويُفْتَحُ، وهو نَقاوَةُ ما بينَ الحاجِبَيْنِ، وهو أبْلَجُ بَيِّنُ البَلَجِ. القاموس المحيط( 1/231 ).
(3) فتح الباري(10/377)، ونُقل كلام الطبري أيضا في كل من: نيل الأوطار للشوكاني (6/343)، تحفة الأحوذي(8/55)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/393)، فيض القدير(5/273).(10/56)
ج-إصلاح العيوب الخلقية مثل: الشفة المشقوقة (الأرنبية) واعوجاج الأنف الشديد والوحمات، والزائد من الأصابع والأسنان، والتصاق الأصابع إذا أدى وجودها إلى أذى مادي أو معنوي مؤثر.
د-إصلاح العيوب الطارئة (المكتسبة) من آثار الحروق والحوادث والأمراض وغيرها مثل: زراعة الجلد وترقيعه، وإعادة تشكيل الثدي حالة استئصاله كلياً، أو جزئياً إذا كان حجمه من الكبر أو الصغر يؤدي إلى حالة مرضية، وزراعة الشعر حالة سقوطه خاصة للمرأة.
هـ -إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً .
2- لا يجوز إجراء جراحة التجميل التحسينية، التي لا تدخل في العلاج الطبي، ويقصد منها تغيير خلقة الإنسان السوية تبعا للهوى والرغبات بالتقليد للآخرين، مثل عمليات تغيير شكل الوجه للظهور بمظهر معين، أو بقصد التدليس وتضليل العدالة، وتغيير شكل الأنف وتكبير أو تصغير الشفاه، وتغيير شكل العينين وتكبير الوجنات.
3- يجوز تقليل الوزن (التنحيف) بالوسائل العلمية المعتمدة، ومنها الجراحة (شفط الدهون)، إذا كان الوزن يشكل حالة مرضية، ولم تكن هناك وسيلة غير الجراحة، بشرط أمن الضرر.
4-لا يجوز إزالة التجاعيد بالجراحة أو الحقن ما لم تكن حالة مرضية شريطة أمن الضرر.
5-يجوز رتق غشاء البكارة الذي تمزق بسبب حادث أو اغتصاب أو إكراه، ولا يجوز شرعاً رتق الغشاء المتمزق بسبب ارتكاب الفاحشة، سداً لذريعة الفساد والتدليس، والأولى أن يتولى ذلك الطبيبات . (1)
__________
(1) انظر قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثامنة عشرة، 9– 14تموز/ يوليو 2007م على موقع إسلام أون لاين:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1184649418254(10/57)
المبحث الثاني: ضوابط معالجة الأمراض بالتعديل الجيني:
إن الهندسة الوراثية علم حديث يبني عليه الباحثون كثير من الآمال, ولكنه ينطوي على كثير من المحاذير الفادحة, لذا يحتاج هذا العلم إلى الكثير من التروي والتأمل قبل إصدار الأحكام الشرعية بالحِلِّ أو الحُرْمَة, فكثير من دول العالم حظرت إجراء بعض تجارب الهندسة الوراثية التي يتخوف الباحثون من نتائجها على بني البشر, بل على مستقبل الحياة على سطح الأرض. إن علم الهندسة الوراثية علم متطور جدا، ويسير بقفزات سريعة، ويبشر بخير كثير في مجال تشخيص وعلاج الأمراض البشرية، ويفتح الباب واسعاً أمام الأطباء لتخفيف آلام المرضى من أصحاب العلل المزمنة سواء الجسمية أوالعقلية أوالنفسية. إن نسبة الأمراض الوراثية تشكل ما لا يقل عن 25% من مجموع الأمراض المعروفة حتى الآن، وينتظر أن تزداد هذه النسبة مع تطور علم الهندسة الوراثية حينما تكتشف باقي مورثات الصفات الجسدية والعقلية والسلوكية المحمولة على الصبغات الوراثية، ويعقد الباحثون على هذا العلم أملا كبيرا لمعرفة أسباب كثير من الأمراض التي ما زالت مجهولة حتى الآن، والتي تقدر بـ50% من سائر الأمراض (1) ، ولا مفر للعالم الإسلامي من اللحوق بالركب واستخدام الهندسة الوراثية لتشخيص وعلاج الأمراض عاجلاً أو أجلاً.
__________
(1) انظر: المداخل للهندسة الوراثية البشرية، العلاج بالمورثات مستقبل واعد للبشرية، للأستاذ الدكتور/ سالم نجم، http://www.nooran.org/O/Oimages/4/10-1.jpgموقف الشريعة من تطبيقات الهندسة الوراثية، انظر: موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة - مكة
http://www.nooran.org/O/4/4O10.htm المكرمة على شبكة الإنترنت:(11/1)
مشروعية التداوي: إن التداوي مشروع من حيث الجملة، لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أَنْزَلَ الله دَاءً إلا أَنْزَلَ له شِفَاءً" (1) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الطب-باب ماأنزل الله داء إلا أنزل له شفاء5/2151)، وابن ماجة في سننه(كتاب الطب-باب ماأنزل الله داء إلا أنزل له شفاء2/1137)، والنسائي في الكبرى(4/369)، وابن أبي شيبة في مصنفه(5/31)..(11/2)
وعن أُسَامَةَ بن شَرِيكٍ - رضي الله عنه - قال: قالت الأَعْرَابُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَتَدَاوَى؟ قال: "نعم يا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فإن اللَّهَ لم يَضَعْ دَاءً إلا وَضَعَ له شِفَاءً، أو قال: دَوَاءً إلا دَاءً وَاحِدًا"، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما هو؟ قال: "الْهَرَمُ" (1) ،
__________
(1) رواه الترمذي في سننه(كتاب الطب- بَاب ما جاء في الدَّوَاءِ وَالْحَثِّ عليه 4/383) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبوداود في سننه(كتاب الطب-باب في الرجل يتداوى 4/3)، وابن ماجة في سننه(كتاب الطب- بَاب ما أَنْزَلَ الله دَاءً إلا أَنْزَلَ له شِفَاءً 2/1137)، والحاكم في مستدركه على الصحيحين(4/220) وقال: هذا حديث أسانيده صحيحة كلها على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وابن حبان في صحيحه(13/428)، والنسائي في سننه الكبرى(4/368)، وابن أبي شيبة في مصنفه(كتاب الطب- من رخص في الدواء والطب 5/31)، والحميدي في مسنده(2/363)، والطبراني في معجمه الكبير(1/180)، وفي معجمه الصغير(الروض الداني)(1/337)، وأبوبكر بن الضحاك الشيباني في الآحاد والمثاني(3/140)، وابن الجعد في مسنده(1/178)، قال الكناني: (هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه أبو داود في سننه والترمذي في الجامع والنسائي في الكبرى من طريق زياد بن علاقة مقتصرين على قصة الدواء فقط دون باقيه، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك من طريق زياد بن علاقة أيضا بتمامه، وقال: هذا حديث صحيح، وقال الترمذي: وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس) مصباح الزجاجة (4/49)..(11/3)
وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله" (1) ، وعن أبي خزامة - رضي الله عنه - قال: قال سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هل تَرُدُّ من قَدَرِ اللَّهِ شيئا؟ قال: "هِيَ من قَدَرِ اللَّهِ" (2) ، وعن جَابِرٍ - رضي الله عنه - عن رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: "لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فإذا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عز وجل" (3) .
__________
(1) رواه الحاكم في مستدركه على الصحيحين(4/218-441) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والطبراني في معجمه الكبير(10/163)، وأحمد في مسنده(1/173-443-453)، (4/278)، وأبو يعلى في مسنده(9/113).
(2) رواه الترمذي في سننه(كتاب الطب- بَاب ما جاء في الدَّوَاءِ وَالْحَثِّ عليه 4/383) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبوداود في سننه(كتاب الطب-باب ما جاء في الرقى والأدوية 4/339-453)، وابن ماجة في سننه(كتاب الطب- بَاب ما أَنْزَلَ الله دَاءً إلا أَنْزَلَ له شِفَاءً 2/1137)، والطبراني في معجمه الكبير(6/47).
(3) رواه مسلم في صحيحه(كتاب الطب-باب لكل داء دواء واستحباب التداوي 4/1729)، والحاكم في مستدركه (4/222) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، قلت: بل أخرجه مسلم بهذا السند، والنسائي في سننه الكبرى(كتاب الطب-باب الأمر بالدواء4/369)، وابن حبان في صحيحه(13/428)، والبيهقي في سننه الكبرى(9/343)، وفي سننه الصغرى(8/345)، وأحمد في مسنده(3/335)، وأبو يعلى في مسنده(4/32).(11/4)
واختلف العلماء في حكم التداوي، هل هو مباح وتركه أفضل، أم مستحب أم واجب؟ قال المرغياني من الحنفية: (التداوي مباح بالإجماع) (1) ، وقال ابن عابدين: (فإن العطشان لو ترك شرب الماء يأثم، ولو ترك المريض التداوي لا يأثم) (2) ، وجاء في الفتاوى الهندية:(الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع، وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب المسهل وسائر أبواب الطب، أعني معالجة البرودة بالحرارة ومعالجة الحرارة بالبرودة وهي الأسباب الظاهرة في الطب، وإلى موهوم كالكي والرقية، أما المقطوع به فليس تركه من التوكل بل تركه حرام عند خوف الموت، وأما الموهوم فشرط التوكل تركه، إذ به وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله المتوكلين، وأما الدرجة المتوسطة وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء ففعله ليس مناقضا للتوكل، بخلاف الموهوم، وتركه ليس محظورا) (3) ، وقال الإمام النووي: (حديث جابر - رضي الله عنه - إشارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا وجمهور السلف وعامة الخلف)، وقال: (وفيها رد على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية، وقال كل شيء بقضاء وقدر فلا حاجة إلى التداوي) (4) ، والمشهور عند الشافعية استحباب التداوي (5) ، والمشهور عن أحمد بن حنبل أن التداوي مباح وتركه أفضل (6) ،
__________
(1) الهداية شرح البداية(4/97).
(2) حاشية ابن عابدين (4/399).
(3) الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان(5/355).
(4) شرح النووي على صحيح مسلم (14/191).
(5) انظر: المجموع(5/96)، الإقناع للشربيني(1/209)، حاشية البجيرمي (1/581)، السراج الوهاج للغمراوي(1/112).
(6) انظر: الروض المربع (1/321)، المبدع لابن مفلح (2/213)، شرح منتهى الإرادات للبهوتي(1/341)، كشاف القناع للبهوتي (2/76)، مطالب أولي النهى للرحيباني(1/834)..(11/5)
ومذهب مالك أنه لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه (1) ، وقال الإمام أبو عبد الله المازري: (احتج بعض الناس بحديث عِمْرَان - رضي الله عنه - قال: قال نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ من أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ" قالوا: وَمَنْ هُمْ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: "هُمْ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" (2) على أن التداوي مكروه، ومعظم العلماء على خلاف ذلك) (3) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد) (4) ،
__________
(1) انظر: التاج والإكليل للعبدري(1/6)، الفواكه الدواني للنفراوي(2/339)، مواهب الجليل (2/425).
(2) رواه مسلم في صحيحه(كتاب الإيمان- بَاب الدَّلِيلِ على دُخُولِ طَوَائِفَ من الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ولاعذاب1/198)، وابن حبان في صحيحه(13/454-455)، وأبو عوانة في مسنده (1/83)، وابن أبي شيبة في مصنفه(5/53)، وعبد الرزاق في مصنفه(10/408-409)، والطبراني في معجمه الكبير(10/6)، (18/169-182-183-202-241)، وفي معجمه الأوسط(1/293)،(2/50)، (7/131)، وأحمد في مسنده(1/401)، (4/436)، وأبويعلى في مسنده(9/231)، والبزار في مسنده(9/45)، والروياني في مسنده(1/100-101)، والطيالسي في مسنده(1/53).
(3) شرح صحيح مسلم للنووي (3/90).
(4) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص88..(11/6)
وقال ابن القيم: (فقد تضمنت الأحاديث إثباتَ الأسباب والمسببات، وإبطالَ قولِ من أنكرها والأمرَ بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقةُ التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نَصبَها الله مقتضِياتٍ لمسبباتِها قدراً وشرعاً)، وقال أيضا: (وإن قيل: إن كان الشفاء قد قُدِّر فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قد قُدِّر فكذلك أيضا، فإن المرض حصل بقدر الله، وقدر الله لا يدفع ولا يرد، هذا السؤال هو الذي أو رده الأعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أما أفاضل الصحابة فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا، وقد أجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما شفى وكفى، فقال: هذه الأدوية والرقي والتقى هي من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، وكلٌّ من قدر الله الدافع والمدفوع والدفع). (1)
وقد قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 7-12 ذي القعدة 1412هـ الموافق 9 – 14 أيار (مايو) 1992 م ، وبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع العلاج الطبي، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي :
أولاً : التداوي :
الأصل في حكم التداوي أنه مشروع، لما ورد في شأنه في القرآن الكريم والسنة القولية والفعلية، ولما فيه من "حفظ النفس" الذي هو أحد المقاصد الكلية من التشريع، وتختلف أحكام التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص :
1 - فيكون واجباً على الشخص إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه أو أحد أعضائه أو عجزه، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره كالأمراض المعدية .
__________
(1) زاد المعاد (4/15-16)، الطب النبوي ص 10-11.(11/7)
2- ويكون مندوباً إذا كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن، ولا يترتب عليه ما سبق في الحالة الأولى .
3 - ويكون مباحاً إذا لم يندرج في الحالتين السابقتين .
4 - ويكون مكروهاً إذا كان بفعلٍ يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها.
ثانياً : علاج الحالات الميؤوس منها :
مما تقتضيه عقيدة المسلم أن المرض والشفاء بيد الله عز وجل، وأن التداوي والعلاج أخذٌ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون، وأنه لا يجوز اليأس من روح الله أو القنوط من رحمته، بل ينبغي بقاء الأمل في الشفاء بإذن الله، وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض، والدأب في رعايته وتخفيف آلامه النفسية والبدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه ، وإن ما يعتبر حالة ميؤوساً من علاجها هو بحسب تقدير الأطباء وإمكانات الطب المتاحة في كل زمان ومكان وتبعاً لظروف المرضى. (1)
يقول ابن تيمية رحمه الله: (فإن الناس قد تنازعوا في التداوي، هل هو مباح أو مستحب أو واجب، والتحقيق أن منه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، وقد يكون منه ما هو واجب، وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره) (2) . فإذا كان العلاج تعتريه الأحكام الخمسة فإن ذلك يرجع إلى اعتبارين: خطورة المرض وأثر الدواء، أما الدواء والعلاج فيمكن تقسيمهما من حيث قوة الأثر إلى: أسباب مقطوع بحصول ثمرتها، وأسباب مظنون بحصول ثمرتها، وأسباب موهوم بحصول ثمرتها.
والأمراض من حيث خطورتها قسمان:
__________
(1) مجلة مجمع الفقه الإسلامي (ع 7، ج3 ص 563) ، قرار رقم : 67 ( 5/7).
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية(18/12).(11/8)
أ- أمراض يغلب على الظن أنها تؤدي إلى الهلاك وتذهب النفس أو بمنفعة عضو من الأعضاء، ويمكن أن تطال الآخرين بالعدوى، أو يطول المرض بعدم التداوي فيضعف البدن، فإن كان الدواء مقطوع بحصول ثمرته وجب التداوي، ويحرم تركه للضرر، أما إن كان الدواء مظنون بحصول ثمرته فيكون مستحبا أو مباحا بحسب قوة الظن، أما إن كان موهوما فيكره التداوي، وتركه أفضل توكلا، يقول الإمام الغزالي: (أما الموهوم فشرط التوكل تركه، إذ به وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - المتوكلين) (1) ، وعليه يحمل ما نص عليه أحمد بأفضلية ترك التداوي توكلا، وعليه يحمل حديث "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ من أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ" قالوا: وَمَنْ هُمْ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: "هُمْ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" (2) .
ب-أمراض تسبب حرجا وألما ومشقة، ولكنها لا تؤدي إلى الهلاك بذاتها، فإن كان الدواء مقطوع بحصول ثمرته يستحب التداوي ويكره تركه للحرج، أما إن كان الدواء مظنون بحصول ثمرته فيكون كذلك مستحبا أو مباحا بحسب قوة الظن، أما إن كان موهوما فيكره التداوي، وتركه أفضل توكلا. أما إن كان في العلاج ضرر أشد من النفع المرجو فيحرم التداوي، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويجب احتمال أهون الضررين دفعا لأعظمهما، وبالتقدم الطبي المعاصر لا يطرح الدواء في الأسواق إلا إذا تقين أو غلب على الظن نفعه بعد التجريب على الحيوانات (3) .
التعريف بالعلاج بالتعديل الجيني: Gene Therapy
__________
(1) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي(4/100).
(2) تقدم تخريجه ص 367.
(3) الأحكام الشرعية والقانونية للتدخل في عوامل الوراثة والتكاثر، للدكتور: محمود عبد الرحيم مهران، ص89.(11/9)
يمكن تعريف العلاج الجيني على أنه علاج الأمراض عن طريق استبدال الجين المعطوب بآخر سليم (Gene replacement) أو إمداد خلايا المريض بعدد كاف من الجينات السليمة (Gene transfer) لتقوم هذه الجينات بالعمل اللازم، وتعويض المريض عن النقص في عمل جيناته المعطوبة، ويمكن أن تكون الأمراض الجينية المراد علاجها وراثية يمكن أن تنتقل من الأباء إلى الأبناء عبر الخلايا الجنسية (الحيوان المنوي أو البويضة) الحاملة للجين المعطوب أو غير وراثية نشأت في المريض بعد ولادته بسبب طفرات جينية أعطبت عمل الجينات (1) ، وأوضحت النتائج الأخيرة لمشروع الجينوم البشري (Genome Human) التي أعلن عنها في الخامس عشر من شهر فبراير عام 2001م أن عدد الجينات في الإنسان أربعون ألف جين، خلافا لما كان يعتقد أنها مائة ألف جين، وهذه الجينات مجتمعة تحمل المعلومات الكفيلة لإنماء البويضة الملقحة إلى إنسان بالغ، كما أنها مسؤولة عن خصائصه الجسدية كلون الجلد والشعر والعيون وطول القامة، وخصائصه الوظيفية اللازمة لعمل الجسم وبقائه. والمورثة gene عبارة عن جزء من الصبغي (الكروموسوم) الذي يتكون منه خيطي الحمض النووي DNA على شكل لولب مزدوج، مكون من سلسة النيوكليوتيدات (القواعد النيتروجينية)، وهي أربعة أنواع (أدينين وسايتوسين وجوانين وثايمين) يبلغ عددها 3 مليار زوج في الخلية الجنسية، ويصل طولها إلى حوالي مترين موزعة على 23 زوج من الصبغيات، ومجموع الدنا في الخلية يعرف بمجين الخلية، وهذه النيوكليوتيدات مرتبة ترتيباً دقيقاً، وأي خلل في هذا الترتيب يتولد عنه طفرة، يمكن أن تكون ممرضة، ولاسيما إذا حدثت في موقع حساس في الجين، وقد لا يكون لها أي أثر.
__________
(1) انظر: العلاج بالجينات: آفاق مستقبلية في عالم الطب، د/ موسى خلف، مجلة عالم المعرفة، عدد آب 2006م، صفحة3 وصفحة 35.(11/10)
وفي كثير من الأحيان يتم إصلاح هذه الطفرات ذاتيا، حيث يوجد في كل خلية جهاز لإصلاح أعطاب الطفرات التي تحدث في أل(DNA) تسمى Repair system DNA. يمثل الترتيب الدقيق لتسلسل النيوكليوتيدات في كل صبغي النمط الجيني للشخص، وهذا يحدد صفاته الجسدية كالطول ولون الشعر والجلد والعيون وخواصه الوظيفية الفسيولوجية اللازمة لقيام الجسم بعملياته الحيوية المختلفة، لكن كيف لأربع أنواع فقط من النيوكليوتيدات التي يتكون منها صبغيات البشر؛ أن تعطي هذا الكم الهائل من التمايز بين الناس؟ ويمكن تمثيل ذلك بحروف اللغة العربية وعددها ثمانية وعشرون حرفا، ومنها يتشكل عدد لا محدود من الكلمات والجمل والكتب، فكل كتاب يختلف عن الآخر مع أنها جميعاً تتكون من الحروف الثمانية والعشرين حرفا فقط. (1) ويتم ترجمة المعلومات التي تحملها الجينات بعملية معقدة إلى بروتينات، فيتم فك شيفرة الجينات من لغة النيوكليوتيدات إلى لغة الأحماض الأمينية (الوحدة الأساسية للبروتينات) أو لغة البروتين أو تسلسل النيوكليوتيدات في الجين، وتكوِّن هذه البروتينيات البنية الأساس لخلايا الجسم، والهرمونات والإنزيمات والعوامل المنظمة لجميع نشاطات الجسم الحيوية.
__________
(1) انظر: الحياة وعلم الوراثة، للدكتور غازي تدمري ونسرين بيسار تدمري، أكاديميا إنترناشيونال، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى 1997م، صفحة 29.(11/11)
إن أي عطب أوطفرة في الجين قد ينتج عنه بروتين معطوب وغير فعال أوعدم إنتاج البروتين أصلا، ويقدر عدد الأمراض المعروفة التي تسببها الطفرات الجينية بـ 1500 مرض، وتتراوح بين مرض السكري والربو والأزمة القلبية إلى السرطان، ويقدر عدد الذين يعانون من عيوب خلقية عند الميلاد في أمريكا خمسة عشر مليون شخص، 80% من هذه الحالات سببها تغيرات وراثية، كما وجد أن 50% من حالات الإجهاض و 40% من حالات وفيات الأطفال سببها العوامل الوراثية، كما وجد أن 30% من عدد الأسرة في مستشفيات أمريكا شُغلت بمرضى الأمراض الوراثية، فالأمراض الوراثية وغير الوراثية الناتجة عن الخلل الجيني من كُبريات المشاكل التي تواجه الإنسانية، وكثيرا ما يكون التغير في (المورثات) genes لأسباب بيئية، فالصحة توازن في التفاعل بين المورثات والبيئة، وليس كل طفرة وراثية تحدث في مجين الإنسان (Genome Human) تسبب مرضاً، فكثير من الطفرات الجينية لا تؤدي إلى تغيير في وظيفة البروتين المنتج، حيث يكون التغيير في أطراف البروتين المنتج وليس في مركز البروتين الفعال، وقد تسبب الطفرة نقصاً في كمية البروتين المنتج أو نقصاً في نشاطه. (1)
أساسيات العلاج الجيني:
يمكن تحديد الأساسيات في العلاج على النحو التالي:
(1) التعرف على الموقع الجيني المعطوب والذي يراد التعويض عنه، بالإضافة (transfer gene) أو بالإحلال (gene replacement).
(
__________
(1) انظر: العلاج بالجينات، للدكتور سفيان محمد العسولي، على موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة – مكة المكرمة، انظر الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.nooran.org/O/9/9-3.htm(11/12)
2) ضرورة توفر الجين السليم المراد إعطاؤه للمريض، وأصبح ذلك متوفرا مع التقدم العلمي في تقنية (DNA Technology recombinant) (تَأَشُّب (1) الدنا)، وتوجد هذه الجينات محمولة على ناقلات (vectors) ومنسوخة (cloned)، وبعد الانتهاء من مشروع الجينوم البشري أصبح ميسوراً الحصول على أي جين مطلوب.
(3) توفر آلية إيصال الجين إلى الخلايا المستهدفة، مع إمكانية الوصول إلى الخلايا المستهدفة.
(4) ضرورة أن لا يسبب العلاج أي ضرر للمريض، كأن يسبب في حصول طفرة جينية جديدة نتيجة دخول الجين الجديد (Insertional Mutagenesis)، ينتج عنه تعطيل الجين الفعال أو تنشيط الجين السرطاني (Proto – oncogene) ليصبح جينياً ورمياً (oncogene) أو يسبب تعطيل الجين المثبط للسرطان (Tumor Suppressor Gene) فيطلق الجين الورمي، والضرر الأخير أكثر احتمالاً من الأول، كما يخشى من أن يعمل الجين الجديد في غير الخلايا المستهدفة، مما قد ينتجه عنه آثار سيئة، كأن يعمل جين بيتا غلوبين في خلايا الدم البيضاء، عندما ينقل إلى خلايا نخاع مرضى البيتا ـ الثلاسيميا (B- thalassemia)، في الوقت الذي يجب أن يعمل فقط في الخلايا الحمراء.
(5) أن ينتج عنه تحسن في حالة المريض بوصول أعداد الجين السليم إلى قدر كاف في الخلايا المستهدفة، ليستقر فيها ويعبر عن نفسه (Expressed) فيعطي النتيجة المطلوبة. (2)
طريقة إيصال الجين السليم إلى الخلايا المستهدفة:
__________
(1) تَأَشَّبَ القومُ: اخْتَلَطُوا، وأَشَبَ الشيءَ يَأْشِبُه أَشْباً: خَلَطَه، والأُشابة من الناس: الأَخْلاطُ، والجمع الأَشائِب، والتَّأَشُّب التجمع من ههنا وهنا. انظر: لسان العرب(1/214)، والعين (6/292).
(2) انظر: العصر الجينومي "استراتيجيات المستقبل البشري": د/موسى الخلف، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الطبعة الأولى، الكويت، مطابع السياسة، يوليو 2003، صفحة 113-124.(11/13)
من أهم المشاكل التقنية التي تواجه العلاج الجيني وتعوق نجاحه هو كيفية إيصال الجين السليم إلى الخلايا المستهدفة، ووصوله بأعداد كافية إلى الخلايا المريضة، كما يجب أن يكون الجين الجديد في حالة استقرار، وأن لا يتحطم، ليتمكن من التعبير عن نفسه في إنتاج البروتين المطلوب، ويتم إيصال الجين إلى الخلايا المستهدفة بواسطة حامل الجينات، أوالناقل (vehicle or vector) الذي له الخاصية الطبيعية في دخول الخلايا وهو الفيروس (virus)، وتعتبر الفيروسات (Biological vectors) من أفضل الناقلات الحيوية، والنوع المستخدم منها هو الفيروسات التراجعية (Retroviruses) لما لهذه الفيروسات من خاصية الوصول إلى خلايا الجسم والانغراس (insertion) في صبغيات الإنسان، لتصبح جزءاً من جينات الشخص المعالج، كما أن الحمض النووي لهذه الفيروسات هو أل RNA بدلاً من أل DNA، وعندما تدخل هذه الفيروسات الخلاية يتحول أل (RNA) إلى أل (DNA) وينغرس في (DNA) صبغيات الإنسان المستقبل للجين، فيصبح جزءاً من تكوينه الطبيعي، إلا أنه قبل إدخال هذه الفيروسات الحاملة للجين يتم شلها أو تعطيلها لتصبح عاجزة عن قتل الخلايا المستقبلة أو إحداث المرض، ويتم ذلك عن طريق تقنية الهندسة الوراثية (DNA Technology recombinant) "تَأَشُّبَات الدنا"، حيث يزال من الفيروس الجين الممرض، فلا يتمكن الفيروس الذي أدخل إلى خلايا الإنسان من إعادة إنتاج فيروسات متكاملة وناضجة، ولكن الفيروسات الناتجة تظل تحمل نفس الجين المطلوب غرسه، فبذلك يصل الجين السليم المحمول على الفيروس المعطل إلى الخلايا المستهدفة.(11/14)
إلا أنه من عيوب هذه الطريقة أن الفيروسات التراجعية لا تدخل إلى نوع واحد من الخلايا، بل تدخل إلى جميع أنواع الخلايا، وهذا يقلل من كفاءة نقل الجين وغرسه، وإمكانية أن يعمل الجين في خلايا غير الخلايا المقصودة، مما قد يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة، لذلك يفضل استخدام طريقة العلاج خارج الكائن الحي ـexvivo therapy ـ حيث يتم غرس الجينات المطلوبة خارج الجسم، ومن ثم تعاد الخلايا المعالجة إلى الجسم. (1)
أنواع العلاج الجيني: ينقسم العلاج الجيني بناءاً على الخلايا المستهدفة إلى قسمين:
الأول: علاج الخلايا الجسدية (somatic gene therapy):
وذلك بإصلاح الخلل الجيني على مستوى جميع خلايا الجسم لا الخلايا الجنسية (الحيوان المنوي في الذكر والبويضة في الأنثى أو البويضة الملقحة "الزيجوت").
الثاني: علاج الخلايا الجنسية المشيجية (germline gene therapy):
حيث يتم علاج بويضة الأنثى أو الحيوان المنوي للذكر أو البويضة الملقحة (الزيحوث) في مراحل نموها الأولى وذلك قبل أن تتمايز إلى خلايا متخصصة.
وتختلف الطريقتان في الآثار المترتبة عليها بعد العلاج، فالعلاج الجيني للخلايا الجنسية والزيجوت ينتج عنه تغيراً في النمط الجيني للذرية، فتظل آثاره السلبية في الأجيال المتعابقة، وهذه الطريقة لها محاذير أخلاقية كبرى، إذ يفكر الباحثون ملياّ قبل الإقدام على مثل هذه الطريقة، أما في العلاج الجيني الجسدي فإن أي تغيير سلبي سينتهي
بموت المريض، ولا يتم أي تغيير في خلاياه الجنسية. (2)
__________
(1) انظر: الحياة وعلم الوراثة، للدكتور غازي تدمري ونسرين بيسار تدمري، أكاديميا إنترناشيونال، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى 1997م، صفحة 68.
(2) انظر: العلاج بالجينات: آفاق مستقبلية في عالم الطب، د/ موسى خلف، مجلة عالم المعرفة، عدد آب 2006م، صفحة 26-27.(11/15)
تقسيم آخر العلاج الجيني: (1)
تقسيم العلاج الجيني بحسب الطريقة التي يتم فيها إيصال الجين السليم إلى الخلايا المستهدفة للعلاج:
الطريقة الأولى: العلاج الجيني في داخل الكائن الحي (lnvivo gene therapy): حيث يتم إدخال الجين السليم إلى جسم المريض أو إلى نسيج الكائن الحي المستهدف.
__________
(1) انظر على شبكة الإنترنت: العلاج بالجينات، للدكتور سفيان محمد العسولي، على موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة – مكة المكرمة:
http://www.nooran.org/O/9/9-3.htm(11/16)
الطريقة الثانية: العلاج الجيني خارج الكائن الحي (exvivo gene therapy): حيث يتم إخراج الخلايا المراد معالجتها خارج جسم الإنسان، كأن تسحب خلايا الدم أو النخاع مثلاً وتنمى في مزرعة خلوية، ثم يضاف إليها الجين السليم، ثم يعاد إدخال الخلايا المعالجة خارجياً إلى جسم المريض. ويعتمد اختيار الطريقة المستخدمة (داخل أو خارج جسم الكائن الحي) بحسب نوع الخلايا المراد علاجها، فالعلاج خارج الجسم يتناسب تماماً مع أمراض الدم الوراثية، حيث إن جميع خلايا الدم تنشأ من خلايا جذعية في نخاع العظام، فيمكن أن تؤخذ إلى خارج الجسم، وتنمَّى في مزرعة خلوية، ويضاف إليها الجين السليم، وليس بالضرورة أن يحل الجين المنقول محل الجين المعطوب (replacement gene)، بل في حالة العلاج الجيني الجسدي يغرس الجين الفعال في أي مكان على الصبغي ويعمل إلى جانب الجين المعطوب وهذا ما يعرف بإضافة الجين (gene addition)، وهناك محاولات عديدة للعلاج الجيني خارج الجسم للأمراض التي تؤثر على خلايا الدم مثل الثلاسيميا (thalassemia) ومرض فقر الدم المنجلي (Sickle cell anemia) وفقر الدم فانكوني (Fanconi's anaemia) والعوز المناعي الشديد المركب (severe combined immune deficiency)، وكان من أول الأمراض التي تمت معالجتها جينياً خارج الجسم، وهو ناتج عن نقص (Adenosine deaminase deficiency) (ADA) نازعة أمينو الأدينوسين، حيث سمح المعهد القومي الأمريكي للصحة (NIH) عام 1990م بعلاج هذا المرض جينيا،ً وهو مرض نادر، والمصابون به يحملون جنيناً معطوبا لإنزيم ADA، فلا يكون الإنزيم الذي ينتجه هذا الجين فعالا، وفي 14 سبتمبر عام 1990م أصبح الحلم حقيقة عندما أجريت أول تجربة للعلاج الجيني على الطفلة (أشانتي ديسيلفيا )، والتي قام بها فريق من الباحثين الأمريكيين بقيادة (فرنش أندرسون) (1) ،
__________
(1) انظر: العصر الجينومي "استراتيجيات المستقبل البشري": د/موسى الخلف، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الطبعة الأولى، الكويت، مطابع السياسة، يوليو 2003، صفحة 114.
وانظر: مشروعية استخدام الخلايا الجذعية الجنينية من الوجهة الشرعية والأخلاقية والإنسانية، للدكتور بلحاج العربي بن أحمد، مجلة الوعي الإسلامي الكويتية 23/12/2006، العدد493، وانظر البحث على موقع المجلة على شبكة الإنترنت:
http://alwaei.com/topics/view/article.php?sdd=81&issue=448(11/17)
حيث كانت الطفلة تعاني من نقص جين في إنزيم ADA، و هو أحد الإنزيمات المهمة لعمل الجهاز المناعي، والذي يؤدي غيابه إلى عدم قدرة الجهاز المناعي على العمل، فتفقد الطفلة مناعتها وتتعرض للموت قبل أن تبلغ الخامسة من عمرها، فتمت المعالجة الجينية من خلال إصلاح الجين المعطوب، وذلك بإدخال الجين السليم المحمول على الناقل الفيروسي التراجعي إلى خلايا الدم اللمفاوية خارج جسم الطفلة، ثم تم حقنها في خلايا النخاع STEM CELLS ، فتحسنت حالتها بتكرار هذه العملية كل ستة أسابيع، لأن الخلايا اللمفاوية لا يزيد عمرها عن شهرين في الدورة الدموية، وعاد الجهاز المناعي ينتج الإنزيم ADA، وحتى عام 1995م تم إجراء أكثر من مائة عملية لعلاج الأمراض الموروثة عن طريق هذا العلاج الجيني، وهناك حالات مرضية كثيرة يمكن أن يستفيد أصحابها من هذا النوع من العلاج، ولعل أهمها أمراض السرطان، وخاصة سرطان الجلد والمثانة والكبد والثدي واللوكيميا، وبعض أمراض المناعة كنقص المناعة الموروثة والإيدز وتصلب الشرايين والهيموفيليا والروماتويد، ويعتقد الباحثون أنه بحلول عام 2015م سيصبح علم الوراثه قادرا على رسم خريطة كروموسوميه لكل إنسان مع بلوغه سن الثامنة عشر، كما تستخدم طريقة العلاج الجيني خارج الجسم لعلاج (Inborn error of metabolism) الأمراض الأيضية، والتي غالباً ما تنتج عن نقص إنزيم معين، لخلل في جين هذا الإنزيم، فيتم إضافة الجين السليم المحمول على الناقل الفيروسي إلى خلايا النخاع خارج الجسم، ثم يحقن بها المريض، كما تم معالجة مرضى الفنيل كيتون يوريا (phenyl Ketonuria) بهذه الطريقة.(11/18)
أما العلاج الجيني داخل الجسم فإنه يستخدم للأمراض التي يصعب فيها الحصول على الخلايا المستهدفة، أو أنها ليست سريعة الانقسام، أو التي ليس لها خلايا جذعية، فإنه يتم إيصال الجين السليم والمحمول مباشرة إلى الأنسجة المتأثرة، ومثال ذلك علاج مرضى التليف الرئوي الكيسي (lung cystic fibrosis) ومرض التهتك العضلي (Muscular dystrophy) حيث يُدخل الجين السليم المحمول على فيروس تراجعي إلى خلايا الممرات الهوائية في المرض الأول، ويحقن الجين العضلي (dystrophine) المحمول في خلايا العضلات في المرض الثاني، وقد تمت هذه المحاولات عام 1990م (1) ، إلا أن هذه الطريقة ما زالت تواجه الكثير من الصعوبات في الوصول إلى العدد كافي من الخلايا المستهدفة، ويكفي أن نتصور أنه لعلاج مرض مثل الفنيل كيتون يوريا نحتاج لإدخال الجين في 5% من خلايا الكبد أي إلى ما يساوي عشرة بلايين خلية تقريبا، ويوجد في العالم عدد كبير من الطرق (protocol) المعتمدة في العلاج الجيني، ففي الولايات المتحدة الأمريكية يوجد حوالي خمسةٌ وعشرون ومائة بروتوكول، و في أوروبا ثمانيةٌ وأربعون بروتوكولا، و بروتوكول واحد في الصين وآخر في اليابان، ومعظم هذه البرامج تركز على علاج مرضى السرطان ونقص المناعة المكتسب، وهناك أحد عشر برنامجاً لعلاج تسعة أمراض وراثية، وثلاثةُ برامج لعلاج أمراض الأوعية الدموية الطرفية (peripheral vascular diseases) والتهاب المفاصل (Rheumatoid arthritis) والضيق الشرياني (arterial stenosis). (2)
العلاج الجيني للأمراض غير الوراثية:
__________
(1) انظر: العلاج بالجينات: آفاق مستقبلية في عالم الطب، د/ موسى خلف، مجلة عالم المعرفة، عدد آب 2006م، صفحة21.
(2) انظر على شبكة الإنترنت: العلاج بالجينات، للدكتور سفيان محمد العسولي، على موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة – مكة المكرمة:
http://www.nooran.org/O/9/9-3.htm(11/19)
إن العلاج بالجينات لم يقتصر على الأمراض الوراثية، بل تعداه إلى الأمراض غير
الوراثية، والتي تؤثر في شريحة كبيرة من البشر، وهناك كثير من الطرق المعتمدة للتعامل مع بعض الأمراض غير الوراثية، وأهمها السرطان الذي يعتبر مرضا مناعيا، لفشل جهاز المناعة في الإنسان من التعرف على الخلية المحولة (Transformed cell) أو السرطانية للقضاء عليها، فتنمو هذه الخلايا وتنقسم لتولد ورما سرطانيا: (1)
1- وتعتمد طريقة المعالجة الجينية تنشيط جهاز المناعة في الإنسان، بإدخال جين مضاد للتوافق النسيجي (Histocompatibility Lymphocyte antigen) من شخص غريب إلى الخلايا السرطانية للمريض، فتنتج الخلايا السرطانية مضادات (Antigen) على سطحها، يستطيع جهاز المناعة للمريض التعرف عليها بسهولة، فيقضي على هذه الخلايا. وقد استخدمت هذه الطريقة لعلاج الملانوما (malignant melanoma)، حيث تم إدخال جين (HLA) من شخص غريب إلى المريض، وكان هذا الجين محمولاً في جسم شحمي (liposome)، فانحسر السرطان واختفى الورم في ثلث المريض.
__________
(1) انظر: العصر الجينومي "استراتيجيات المستقبل البشري": د/موسى الخلف، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الطبعة الأولى، الكويت، مطابع السياسة، يوليو 2003، صفحة 119-122.(11/20)
2- ومن الإستراتيجيات الأخرى المعقدة لعلاج السرطان إيقاف نشاط الجين المسبب للسرطان أو الجين المسرطن (oncogene)، وبالتالي إيقاف البروتين الذي ينتجه، والذي يحول الخلية العادية إلى خلية سرطانية، حيث يقحم خيط من أل DNA قصير جداً يبلغ طوله حوالي 12 ـ 25 نيوكليوتد (nucleotides) ليتمم سياق الجين المسرطن، فيتحد مع الجين المسرطن في لولب أل DNA مزدوج الخيوط، فيصبح الجين المسرطن ثلاثي الخيوط، مما يؤدي إلى إيقاف نشاط الجين المسرطن، ولا يسمح له بإنتاج البروتين المسرطن، كما يمكن أيضاً إقحام خيط لـ RNA ليتحد مع RNA الرسول، فيمنعه من ترجمة الشيفرة وتكوين البروتين المسرطن، وكلا الطريقتين تؤدي نفس النتيجة بمنع إنتاج البروتين الذي يحول الخلايا مسرطنة، ويمكن توصيل خيطي أل DNA أو أل RNA بعلاج جيني خارجي أو داخلي.
3- كما أن هناك طريقة أخرى لمكافحة الخلايا السرطانية، وذلك بحقنها بجين منشط للدواء المستخدم لعلاج الورم، حيث يعطى الدواء في صورته غير النشطة (protodrug)، فلا ينشط إلا في النسيج السرطاني الذي يحمل الجين المنشط للدواء، وهذا يساعد على إعطاء جرعات عالية من الدواء تقضي على الخلايا السرطانية ولا تسبب ضرراً للخلايا السليمة، لأن الدواء لا يعمل إلا في الخلايا السرطانية، وميزة هذه الطريقة أنه يتم قتل الخلايا السرطانية والمجاورة لها فقط، والتي ربما تأثرت بها.
معوقات العلاج بالتعديل الجيني: (1)
__________
(1) انظر: سلبيات العلاج الجيني وأخطاره، العلاج الجيني من منظور إسلامي، للدكتور علي محيي الدين القرة داغي، إسلام أون لاين-قضايا معاصرة27/7/2002م، على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/arabic/contemporary/2002/07/article03.shtml(11/21)
على الرغم من التقدم الهائل في الهندسة الوراثية نظرياً وتقنيا،ً والتطور الكبير الذي أدى إلى تشخيص العديد من الأمراض الوراثية والخَلْقية والسرطانية، وتحقيق نجاح باهر في علاج هذه الأمراض، فلا زالت هناك مخاطر تحيط بالتطبيقات الجينية:
1- يواجه الباحثون في العلاج الجيني على مستوى الخلايا الجنسية (الحيوان المنوي أو البويضة أو البويضة الملقحة "الزيجوت") تغيير النمط الجيني للأجيال المتعاقبة وإلى الأبد، فوقوع أي خطأ ليس في الحسبان ستكون عواقبه وخيمة، وهذا العلاج تمنعه كثير من دول العالم.
2- ومن محاذير النقل الجيني (gene transfer) حدوث تعزيز أوتحسين جيني للقدرات (gene enhancement) لا تكون إلا في متناول الأغنياء ويحرم منها الفقراء، وينتهي ما يعرف بالذكاء الطبيعي أو القدرات الطبيعية، وتعمد هذه التقنية إلى تحسين السلالة البشرية ولاسيما مع تعرف الإنسان على كامل المجين البشري وتسلسل النيوكليوتيدات البشرية، لذا أنشأت كثير من دول العالم لجانا للتعامل مع المشاكل الاجتماعية والأخلاقية والقانونية للتعديل الجني، لتتعرف على المشاكل التي يمكن أن تنجم عن هذه التقنية وتحللها وتضع الحلول المناسبة لها، قبل أن تتوسع هذه الأبحاث و العلاجات وتصبح موضع تطبيق شامل. (1)
__________
(1) انظر: المدخل للهندسة الوراثية البشرية، العلاج بالمورثات مستقبل واعد للبشرية، للأستاذ الدكتور/ سالم نجم، http://www.nooran.org/O/Oimages/4/10-1.jpgموقف الشريعة من تطبيقات الهندسة الوراثية، انظر: موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة – مكة
http://www.nooran.org/O/4/4O10.htm المكرمة على شبكة الإنترنت:(11/22)
3- ومما يشغل الباحثين إمكانية أن يكون للعلاج الجيني آثار غير متوقعة لا يحمد عقباها، كإمكانية أن ينغرس الجين الجديد في المكان الخاطئ، أو في جين سليم فيعطله عن عمله، ومن أخطر المحاذير أن ينغرس الجين المحمول في الجين المثبط للسرطان (tumor suppressor gene) فيوقفه عن العمل، فتنطلق الخلايا من عقلها وتنمو نمواً سرطانياً، أو أن يسبب هذا الانغراس الخاطئ في تنشيط الجين المسرطن غير الفعال (pro-oncogene) فيتحول إلى جين مسرطن (oncogene).
4- احتمال أن تفقد المورثة المزروعة خواصها الوظيفية أو الطبيعية أثناء عملية الزرع، مما قد يسبب أمراضا أخرى غير متوقعة.
5- إحداث تهتك في أنسجة الجنين أو الأم أثناء عملية زرع الجينات الأجنبية في الجنين أثناء الحمل في الأسابيع الأولى، أو التسبب في عدوى فيروسية أو بكتيرية أو فطرية، وهناك مضاعفات عديدة للأم أو الجنين عند استعمال المنظار الجنيني قد تصل إلى الإجهاض أو وفاة الأم، فلا يستخدم المنظار إلا نادراً.
6- قد يكون العلاج الجيني ممكنا في الأمراض التي يتحكم فيها جين واحد، إلا أن معظم أمراض الإنسان الوراثية يعبر عنها جينات متعددة، فعدد قليل منها سيكون قابلا للعلاج الجيني.
7- يجب أن يكون التعديل الجيني في علاج الأمراض بإدخال المعلومات الوراثية المنقولة بالجين شاملة لجميع الخلايا المعيبة، مع مراعاة التوازن الأيضي الدقيق للخلية، بحيث يرتبط الجين المضاف بوجود جين آخر ينظم عمله، يعرف بالجين المنظم، لأن الجين الذي لايمكن التحكم فيه قد تنشأ عنه آثر جانبية خطيرة.(11/23)
جاء في كتاب مستقبلنا الوراثي البريطاني: (والفوائد المباشرة للعلاج الجيني الناجح للخلايا الجسدية قد تكون أمراً واضحاً، أما التأثيرات المستقبلية وعلى المدى الطويل فهي مما قد يصعب التكهن به، فمن الممكن مثلاً أن يحدث خطأ في إيلاج الجينات يؤدي إلى تحول الخلية إلى خلية سرطانية مع عدم ظهور السرطان إلا بعد سنين تالية لذلك). (1)
الضوابط الشرعية لعلاج الأمراض بالتعديل الجيني:
__________
(1) مستقبلنا الوراثي: علم التكنولوجيا الوراثية وأخلاقياته-الجمعية الطبية البريطانية، لمصطفى إبراهيم فهمي، المكتبة الأكاديمية الأستاذ/أحمد أمين، سنة 1995م، مركز التميز لعلوم الإدارة والحاسب-القاهرة، ص135.(11/24)
1- لابد من مراعاة مقاصد الشريعة في رعاية المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية، والموازنة بين المصالح والمفاسد، والقواعد المتفرعة عنها، كدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وتحمل الضرر الأخف لدرء الضرر الأكبر، وأن الضرر يُزال، وأن الضرر لا يُزال بمثله، وأن الضرورات تبيح المحظورات، وأن الضرورات تُقدَّر بقدِرها، وأنه ينبغي تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، وأنه إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضرراً، وأنه يختار أهون الشريّن، وأن الضرر يدفع بقدر الإمكان، وأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، وأن الاضطرار لا يبطل حق الغير، وأن المشقة تجلب التيسير، وأنه إذا ضاق الأمر اتسع، وأنه لا ضرر ولا ضرار .فقد أوقفت فرنسا –مؤخرا-تجارب جديدة للعلاج الجيني كانت تجرى على أطفال يعانون من خلل نادر في النظام المناعي، وجاء القرار الفرنسي بعد إصابة أحد الأطفال أثناء العلاج بمرض سرطان الدم «اللوكيميا»، وكان برنامج العلاج يتضمن تعديلا جينيا قد يؤدى إلى إيقاف النظام المناعي عن العمل، فتم وضع الصغار داخل كرات بلاستيكية ضخمة لتفادي انتشار العدوى وانهيار المناعة، وقال المراقبون: إن القرار الفرنسي الأخير بمثابة صفعة لمصداقية علم العلاج بالجينات، بالرغم من أن الأطفال الآخرين الذين يتلقون نفس العلاج في صحة جيدة. (1)
2- العلاجي الجيني للخلايا الجسدية:
__________
(1) انظر مقال: فرنسا أوقفت أبحاثا جينية بعد إصابة طفل باللوكيميا، كتبه: شريف صالح: القاهرة مكتب الجزيرة، مجلة الجزيرة، العدد11، الثلاثاء 26/11/2002م، انظر موقع الجزيرة على شبكة الإنترنت:
http://www.al-jazirah.com.sa/magazine/26112002/alm31.htm(11/25)
ويقصد بالعلاج الجيني للخلايا الجسدية إدخال جين سليم مكان جين معطوب إلى خلايا المريض الجسدية (غير المشيجية)، ويعتبر العلاج الجيني نوعا من العلاج الجراحي على مستوى الخلية باستعمال تقنية الهندسة الوراثية، والأصل في حكم الهندسة الوراثية الإباحة، والحكم المجرد للمساس بسلامة خلايا الإنسان الجسدية الحرمة باعتبارها جزءا منه، والعلاج المجرد عن وسائله ومجاله حكمه الإباحة، وقد يعتريه غير ذلك من الأحكام تبعا لما يقترن به، وعلاج الخلايا الجسدية بتقنيات الهندسة الوراثية يختلف حكمه كما يختلف حكم العلاج الجسدي؛ تبعا لمدى توافر الدواعي إليه، ومدى رجحان الفائدة المرجوة منه على المخاطر المحتملة في كل حالة أو علاج معين تطرد نتائجه وتتشابه، والعلاج الجيني للخلايا الجسدية لا يثير ما يثيره علاج الخلايا التناسلية من مشكلة اختلاط الأنساب، لأن علاج الخلايا الجسدية بنقل الجينات لا يؤثر إلا في الشخص نفسه ولا ينتقل إلى نسله، كما أن نقل جين من شخص إلى آخر لا يثير ما يثيره نقل عضو كامل من أعضاء الجسم من مشاكل شرعية، لأن نقل الجين لا يؤثر سلبا على الإطلاق في قوة المعطي أو وظائف جسمه الحيوية، والجسم يجدد خلاياه ويعوضها بسهولة، كما أن نقل الجين لا ينشر الحرمة كالإرضاع، وهو أشبه ما يكون إلى نقل الدم الذي حكمه الإباحة، لأن كليهما نقل لبنية عضوية تؤدي وظيفة حيوية لا تؤثر سلبا في الشخص المأخوذ منه، بل تُجدد تلقائيا في الجسم، فالعلاج الجيني للخلايا الجسدية لا يثير إلا القلق النمطي التقليدي للتجريب في البشر، وخصوصا معدل المخاطرة مقابل المنفعة بالنسبة للفرد، وأبرز ما يميز العلاج الجيني عن العلاج بالعقاقير أن تأثير العلاج الجيني دائم ومستمر وأعمق، فزرع الجين المسئول عن إنتاج الإنسولين لمريض السكر-مثلا- سيمكن جسمه من إنتاج الإنسولين اللازم له بصفة مستمرة، بخلاف العلاج بالعقاقير الذي لا يكون تأثيره إلا وقتيا.(11/26)
فحكم العلاج الجيني للخلايا الجسدية يناط بالوقائع المفردة لكل حالة، كما يمكن أن يناط بتقنية علاجية معينة قد تأكد أهل الاختصاص من جدواها ورجحان فوائدها على مخاطرها، وفاعليتها في علاج مرض معين، وحينئذ يمكن القول بجواز التداوي بها، وإن لم يتأكد ذلك فلا يجوز تطبيق هذه الوسائل، لأن عدم إفضاء الوسيلة إلى المقصد يبطل اعتبارها (1) ، وقول أهل الاختصاص في ذلك هو مناط الحكم، بحيث لا يقع العلاج الجيني على سبيل التجريب والمغامرة بما تبقى من صحة المريض، لأن حفظ الموجود أولى من تحصيل المفقود (2) ، ودفع المفاسد مشروط بأن لا يؤدي إلى مثله أو أعظم. (3)
3- التعديل الجيني غير العلاجي على الخلايا الجسدية:
__________
(1) انظر: الذخيرة للقرافي (2/129).
(2) انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام لأبي محمد عز الدين السلمي(1/69).
(3) القواعد الفقهية لعلي أحمد الندوي ص202.(11/27)
ويقصد به حذف أو إضافة جينات مسئولة عن صفات أو خصائص معينة إلى الخلايا الجسدية لشخص ما، لا بقصد التداوي والعلاج وإنما لأغراض تجميلية، وقد سبق البيان أن نقل جين من خلية جسدية لشخص إلى خلية جسدية لشخص آخر لا يثير مشاكل زراعة الأعضاء، ولا ينشر حرمة الرضاع، وإنما هو في حكم نقل الدم وهو جائز، والأصل في تقنيات الهندسة الوراثية الإباحة، والأصل في الخلايا الجسدية حرمة المساس بسلامتها كالجسد باعتبارها جزءا منه، والأصل في التجمل الإباحة لقوله تعالى: { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ } ]الأعراف:31[، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ" (1) ، أما تطبيق تقنيات الهندسة الوراثية على الخلايا الجسدية بهدف التجميل يقتضي التفصيل، لأن الأغراض التجميلية تدخل في مفهوم التداوي بمعناه الواسع للعلاج، كإزالة التشوهات الخلقية التي تسبب ألما نفسيا ومشاكل اجتماعية، وتزيد آثارها على الألم الحسي، مما يدعو إلى إباحة علاجها اعتبارا للحاجة المنزلة منزلة الضرورة، وإذا جاز التداوي من هذه التشوهات بالعلاج والعقاقير والجراحة العادية فإنه يجوز أيضا التداوي منها بطريق العلاج الجيني متى أمنت مخاطرها وغلب على الظن جدواها، فيباح للحاجة المنزلة منزلة الضرورة أيضا، ولاسيما لوكانت التشوهات ناتجة عن خلل جيني كحالات الشذوذ الكرموسومي ومنها:
__________
(1) حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - رواه مسلم في صحيحه(كتاب الإيمان-باب تحريم الكبر وبيانه1/93)، والترمذي في سننه(كتاب البر والصلة-باب ما جاء في الكبر4/360) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، والحاكم في مستدركه(4/201)، وابن حبان في صحيحه(12/180)، وأحمد في مسنده(1/400)، وأبوعوانة في مسنده(1/39).(11/28)
1- حالة (ترنر) في النساء وبنيتها الكروموسومية تنقص كروموسوم الجنس X حيث البنية الطبيعية للأنثى XX ، وتؤدي هذه الحالة إلى عدم اكتمال نمو الرحم والمبيض، وعدم الحيض، ومن ثم العقم الدائم.
2- حالة (كلاينفلتر) في الرجال وبنيتها الكروموسومية XXY بزيادة كرموسوم الجنسX حيث البنية الطبيعية للذكر XY، وتؤدي هذه الحالة إلى صغر حجم الخصيتين، وعجزهما عن إنتاج الحيوانات المنوية، ومن ثم العقم الدائم.(11/29)
أما الأغراض التجميلية التي لا تدعو إليها الحاجة، فليست من قبيل التحسين ولا تدخل في محاسن العادات ومكارم الأخلاق، كاستخدام وسائل وتقنيات الهندسة الوراثية التماسا للحسن بإضافة الصفات المطلوبة أو حذف صفات غير مرغوبة عن طريق الجينات المسئولة عن هذه الصفات والخصائص في الخلايا الجسدية، فإن ذلك فضل وتزين، لا يدخل في مقاصد الشرع، ولا يرقى لمواجهة مخاطر هذه التقنيات لاعتباره هدفا مشروعا يبيح المساس بسلامة الجسد وخلاياه، بل هو من قبيل تغيير خلق الله وطاعة أمر إبليس كما جاء في قوله تعالى: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا - لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا - وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا - يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا - أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا } النساء:]117-121[، فلا يجوز السعي إليه أو تحقيقه ولو بوسائل مباحة، لأن رعاية المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل (1) ، وكلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة (2) ، ولا يقدح في عدم اعتبار الشرع مقصد التماس الحسن بالهندسة الوراثية ظهور مصلحة ملتمس الحسن، لأن المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية (3) ،
__________
(1) الذخيرة للقرافي(2/107-122).
(2) الفروق وهوامشه للقرافي(2/61)، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي(3/282)، الذخيرة للقرافي(1/153).
(3) الموافقات للشاطبي (2/37)..(11/30)
لأن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله، وهذا لا يجتمع مع وضع الشريعة وفقا لأهواء النفوس وطلب منافعها العاجلة كيفما كانت، فاختيار المكلف لا يؤثر في الحقائق الشرعية (1) ، والصفات الجسدية التي خلق الله الإنسان عليها لا يكلف بإزالتها أو تحسين ما قبح من خلقة جسمه، ولا تكميل ما نقص منها، فإن ذلك غير مقدور للإنسان، وتكليف بما لا يطاق (2) ، ولا شك أن التحكم في الصفات الوراثية لا زال خارج قدرة الإنسان، وما تَعِد به هندسة الوراثة والجينات من القدرة على ذلك لو تحقق فسيظل في إطار القدرة غير المأمونة، بمعنى أنها قد تجر على الإنسان من المفاسد أعظم مما يسعى إلى دفعه عن نفسه، ولو انتقلت قدرة الإنسان في التحكم في الجينات إلى دائرة الأمان، فسيظل التحكم في الجينات والتدخل في عوامل الوراثة التماسا للحسن خارج دائرة الاعتبار الشرعي لعدم رقيها إلى مستوى المصالح المعتبرة شرعا، ولأن كمال الأجسام والعقول دائر بين حق الله وحق العبد، ولا يصح للعبد إسقاط حق الله تعالى، والسعي لتحقيق شيء من ذلك مشروط بأن يكون مأذونا فيه شرعا، وهو ما لم يتوفر.
4- العلاج الجيني للخلايا التناسلية: (3)
__________
(1) انظر: المصدر السابق (1/153).
(2) انظر: المصدر السابق (2/27-77).
(3) انظر: الأحكام الشرعية والقانونية للتدخل في عوامل الوراثة والتكاثر، للدكتور: محمود عبد الرحيم مهران، ص260-263.
وانظر: طب أساسه الدنا: (الشيفرة الوراثية للإنسان) س.توماس كاسكي، تحرير دانييل كلفس وليروى هود، ترجمة د/أحمد مستجير، سلسلة عالم المعرفة، عدد217، ص 152.(11/31)
إذا كان في الخلايا التناسلية علل تمنع تلاقحها وإخصابها وتعوق الإنجاب- والإنجاب مقصد شرعي، بل هو مقصد الشرع الأصلي من النكاح- وكذلك إذا كان في الخلايا التناسلية علة وراثية تؤدي إلى هلاك النسل بعد حصوله، وأمكن تحديد الجين المسئول عن العلة في الخلية، وأمكن عزل الجين لعلاجه دون مضاعفات بتطبيق بوسائل الهندسة الوراثية على الخلايا التناسلية فالحكم كما يلي: أما العلاج فحكمه المجرد عن تطبيق وسائل الهندسة الوراثية على الخلايا التناسلية الإباحة، وقد يعتريه غير ذلك من الأحكام تبعا لمدى الضرورة أو الحاجة الداعية إليه أو تبعا لما يضاف إليه من المفردات والملابسات-كما تقدم-، أما اقتران العلاج بتطبيق تقنيات الهندسة الوراثية على الخلايا التناسلية، فلا تستقيم به الفتوى العامة، بل لابد أن يناط الحكم بأوصاف ظاهرة وواضحة المعالم، إذ لا يناط الحكم الشرعي إلا بالوصف الظاهر المنضبط من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الخلايا التناسلية توابع الأبضاع والأصل فيها الحظر والتحريم، والشرع يحتاط في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من الخروج من الإباحة إلى الحرمة، وهذا الاحتياط يقتضي أن يلحق الحكم بكل صورة مستقلة وبخصوصها، ويتقرر في ضوء الموازنة بين أضرارها ومنافعها، ومع مراعاة أن المنافع والمضار عامة ما تكون إضافية لا حقيقية، أي في حال دون حال وشخص دون شخص ووقت دون وقت. فحكم التطبيقات الوراثية العلاجية الواقعة على الخلايا التناسلية لا يصح أن يناط بالعموم أو الافتراض، بل لابد أن تكون الصورة التي يناط بها الحكم واقعية من حيث وضوح معالمها التي يتقرر لها الحكم بمقتضاها. وتطبيقات الوراثة العلاجية بحذف جين مسئول عن صفة مرضية من الخلايا التناسلية موضع تشديد الشارع لتعلقها بالأبضاع، وتأثيرها في الأنساب، وكونها كلية شرعية، صونها واجب، والاحتياط فيها أوجب، فتناط الأحكام فيها بالخصوص.(11/32)
أما إضافة جين بشري إلى خلية تناسلية لشخص آخر لأسباب علاجية، وتوريث الذرية صفات أجنبية ليست في الأصول، يمتنع النظر فيه بالكلية، لأن ذلك عين خلط الأنساب، وهو ليس محل نظر شرعي بحال، لأن حرمته معلومة من الدين بالضرورة، ومن منطلق أخلاقي ذهب جمهور علماء الوراثة والطب الوراثي إلى رفض العلاج الجيني للخلايا الجرثومية في البشر مهما بلغت درجة العلة المتوقعة في النسل.
5- تحسين النسل البشري بالعلاج الجيني:(11/33)
ويقصد به التدخل في العوامل الوراثية بحذف جينات الصفات غير المرغوبة، أو إضافة جينات الصفات المرغوبة إلى الخلايا التناسلية أو الجرثومية المعدة للإخصاب والتلقيح، لا لأسباب مرضية أو غرض علاجي ولكن بغرض تحسين النسل، ويتم ذلك من خلال تطبيق تقنيات الهندسة الوراثية على الخلايا التناسلية، والحكم الشرعي المجرد لتقنية الهندسة الوراثية الإباحة الأصلية، أما الخلايا التناسلية فحكمها المجرد حظر المساس بها للحرمة الأصلية للأبضاع، وهي من توابعها، ولتعلقها بالذرية والأنساب، وهي أحد الضروريات الشرعية التي أوجب الشارع حفظها، قال - جل جلاله - : { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } ]المؤمنون:5[، وتحسين النسل حكمه المجرد عن الاقتران بتطبيق وسائل الهندسة الوراثية على الخلايا التناسلية مباح بالجزء مندوب بالكل، قال الشاطبي: (إن كل مباح ليس بمباح بإطلاق، وإنما هو مباح بالجزء خاصة، وأما بالكل فهو إما مطلوب الفعل أو مطلوب الترك) (1) ، وطلب الفعل إما على وجه الندب أو الوجوب، وطلب الترك إما على وجه الكراهة أو التحريم، وتحسين النسل مطلوب الفعل بالكل لحديث "تخيروا لنطفكم" (2) ، واستحب الفقهاء تخير ذات الدين الولود البكر الحسيبة الأجنبية (3) ،
__________
(1) الموافقات للشاطبي (1/142).
(2) حديث عائشة رضي الله عنها رواه ابن ماجة في سننه(كتاب النكاح-باب الأكفاء1/633) وفيه الحارث بن عمران الجعفري، قال فيه أبو حاتم ليس بالقوي. مصباح الزجاجة(2/115)، ورواه الحاكم في مستدركه(2/176-177) من طريق عكرمة بن إبراهيم متابعا الحارث بن عمران الجعفري، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه الكبرى(7/133)، والدارقطني (3/299)، والشهاب في مسنده(1/390).
(3) غاية البيان شرح زبد ابن رسلان للرملي (1/246)، المبدع لابن مفلح (6/6)، شرح فتح القدير لكمال الدين(3/292)..(11/34)
ويتضمن الأمر تخير الصفات الخَلقية، والانتقاء ليس رعاية لذات النطفة، وإنما رعاية لما يتولد عنها من النسل، وما يناله بالوراثة من خصائص الأم قوة أو ضعفا، ولما كان تخير الزوجة مظنة لتحسين النسل؛ فكل ما أدى مؤداه له حكمه في الجملة، وحُمل طلب الفعل بالكل على الندب لأن مخالفة هذا الأمر من الكل يعني ترك التخير والانتقاء من الجميع، وبذلك يصير الضعف إلى نسل الأمة جميعا، وهي مفسدة مظنونة، فكان الأمر بدفعها بالتخير على وجه الندب، ولو كانت المفسدة محققة لحمل الأمر بدفعها على الوجوب، وتخير الصفات الخَلقية مباح بالجزء للإجماع على أنه يجوز لكل رجل من الأمة الزواج من مطلق النساء-إلا المحرمات منهن- دون تخصيص بمواصفات خَلقية معينة فيمن يتزوجها بلا حرج (1) ، واختار أحمد بن حنبل عوراء على أختها، وكانت أختها جميلة، فسأل من أعقلهما؟ فقيل: العوراء، فقال: زوجوني إياها (2) ، وتحسين النسل المقترن بتطبيق وسائل الهندسة الوراثية على الخلايا التناسلية يكون إما بحذف الجينات المسئولة عن الصفات غير المرغوبة، أو إضافة الجينات المسئولة عن الصفات المرغوبة:
أ- حذف الجينات المسئولة عن الصفات غير المرغوبة:
__________
(1) انظر: الأحكام الشرعية والقانونية للتدخل في عوامل الوراثة والتكاثر، للدكتور: محمود عبد الرحيم مهران، ص260-263.
(2) إحياء علوم الدين(2/39)، قوت القلوب لأبي طالب المكي(2/413).(11/35)
حذف الجين المسئول عن صفة تجعد الشعر، أو لون غير مرغوب في بشرة أو عيون أحد الزوجين من خليته التناسلية قبل إخصابها بخلية الزوج، كي لا تظهر الصفة غير المرغوبة في النسل، لا يرقى للإباحة رعاية لمصالح العباد، لأن مصالح العباد المعتبرة شرعا منحصرة في ثلاث مراتب لا تعدوها، وهي الضرورة والحاجة والتحسين، وما عداها زينة أوفضول، والضرورة ما أدت إلى الهلاك أو قربت منه، والحاجة ما ليست كذلك، ولكنها تؤدي إلى حرج ومشقة، والتحسين الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق، وتجنب ما تأنفه العقول الراجحة، وحذف الأوصاف المذكورة لا يمثل ضرورة ولا حاجة قطعا، بل لا يعتبر تحسينا، لأن حذفها ليس من مكارم الأخلاق ولا من محاسن العادات، بل صنيع تأنفه العقول الراجحة، فلم يبق إلا أن تكون هذه الرغبات من قبيل الزينة والفضول، وصنيع الزينة والفضول بوسائل مباحة الأصل، كوسائل الهندسة الوراثية لا يرقى إلى إباحة المساس بالخلايا التناسلية، لأن الأصل في الأبضاع التحريم، وهي من توابعها، والقاعدة الفقهية: أن الشرع يحتاط في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من الخروج من الإباحة إلى التحريم، لأن التحريم يعتمد المفاسد فيتعين الاحتياط له (1) ، فإباحة ما حرم لا تكون إلا لضرورة أو حاجة تنزل منزلتها (2) ، وتقدر الإباحة بقدر تلك الضرورة (3) ، فحذف الجينات الوراثية غير
المرغوبة من الخلايا التناسلية بغرض تحسين النسل غير جائز والله أعلم.
ب- إضافة الجينات المسئولة عن الصفات المرغوبة:
__________
(1) الذخيرة للقرافي(4/398)، الفروق مع هوامشه للقرافي(3/268).
(2) الأشباه والنظائر للسيوطي(1/88)، شرح القواعد الفقهية لأحمد بن الشيخ محمد الزرقا ص209.
(3) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (1/190-237-279)، أصول الشاشي(1/112-113)، أصول السرخسي(1/281).(11/36)
أما إضافة صفة مطلوبة فيمتنع النظر الشرعي فيه من الأصل، لأنه يعني إضافة جين لصفة غير موجودة في خلايا الزوجين التناسلية مأخوذة من غيرهما وهو عين اختلاط الأنساب، ويبدو جليا ما في هذا المسلك من إضاعة لأحد كليات الشرع الخمس وهي حفظ الأنساب وصيانتها عن الاختلاط، فإذا كان هذا لا يجوز للعلاج فمن باب أولى أن لا يجوز لدواعي تحسين النسل أو توليد إنسان ذي طبيعة أوقدرات خارقة بإضافة جينات من حيوانات قوية إلى الخلايا التناسلية البشرية، ومن ذلك أيضا إضافة جينات نباتية مسئولة عن خصائص التغذية بالتمثيل الضوئي لتوليد ما يسمى نظريا بالإنسان الأخضر أو الكلوروفيلي، وكل ذلك من العبث بالخلايا التناسلية البشرية، وهو من قبيل تغيير خلق الله والإفساد في الأرض الذي يستوجب العقوبة التعزيرية الزاجرة صيانة للنوع البشري، وتحقيقا لما أراد الله عز وجل من تكريم الإنسان قال الله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } ] الإسراء:70[. (1)
__________
(1) انظر: الأحكام الشرعية والقانونية للتدخل في عوامل الوراثة والتكاثر، للدكتور: محمود عبد الرحيم مهران، ص260-263.(11/37)
وجاء في توصيات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الندوة الحادية عشرة والتي عقدت في دولة الكويت تحت عنوان الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني- رؤية إسلامية وذلك بمشاركة مجمع الفقه الإسلامي بجدة والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالإسكندرية والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، وذلك في الفترة من 23 - 25 جمادى الآخرة 1419هـ الذي يوافقه 13 - 15 من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1998م مايلي: تدارست الندوة موضوع الهندسة الوراثية وما اكتنفها منذ ميلادها في السبعينات من هذا القرن من مخاوف مرتقبة إن دخلت حيز التنفيذ بلا ضوابط ، فإنها سلاح ذو حدين قابل للاستعمال في الخير أو في الشر، ورأت الندوة جواز استعمالها في منع المرض أو علاجه أو تخفيف أذاه، سواء بالجراحة الجينية التي تبدل جينا بجين أو تولج جينا في خلايا مريض، وكذلك إيداع جين في كائن آخر للحصول على كميات كبيرة من إفراز هذا الجين لاستعماله دواء لبعض الأمراض، مع منع استخدام الهندسة الوراثية على الخلايا الجنسية germ cells لما فيه من محاذير شرعية. (1)
تقنية التحليل الجنيني :
__________
(1) رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة ثبت كامل لأعمال الندوة الحادية عشرة" الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني- رؤية إسلامية" تحرير د/أحمد رجائي الجندي (2/1048) .(11/38)
تعتمد تقنية التحليل الجنيني على استخدام تقنيات الإخصاب الخارجي للحصول على البويضات من الأم، وتخصيبها بالحيوانات المنوية للزوج في المختبر، وهنا يبدأ التلاعب الدقيق بالخلايا، حيث يتم إزالة خلية أو اثنتين من الجنين النامي بعد الإخصاب بيومين إلى أربعة أيام، لتحليلها والكشف عن طبيعة مورثاتها خلال 12 - 24 ساعة، وبعد التحليل يتم زراعة الجنين الذي يحتوى على الصفات المرغوبة في رحم الأم، ليبدأ نموا طبيعيا في عملية حمل طبيعية.(11/39)
وتتيح هذه التقنية التخلص من الاعتلالات والتشوهات الكروموسومية التي تسبب الاجهاضات عند النساء، حيث تستخدم لفصل الأجنة السليمة عن المريضة ثم زراعة الجنين السليم في الرحم، ومثل هذه التقنية تقدم فوائد كبيرة للأشخاص الذين يحملون أمراضا وراثية، ولكنها تثير جدلا أخلاقيا واسعا إذا ما استخدمت للحصول على أطفال بمواصفات معينة، كلون الشعر والعيون والصفات الجسدية الأخرى، بدلا من استخدامها لمنع مرض أو إعاقة، ويشير الباحثون إلى أن المشكلات الأخلاقية تكمن في إنتاج عدد من الأجنة، ثم اختيار المناسب منها وفقا لجنس معين أو صفات خاصة، والهندسة الوراثية للأجنة البشرية تسبب تكوين عدد كبير من الأجنة للحصول على طفل واحد بالصفات المطلوبة، ويتوقع الأطباء أن يصبح اختيار جنس المولود مقبولاً في جميع أنحاء العالم بعد عشرين سنة من الآن، وأن تلقى هذه الطريقة قبولاً واسعاً في الشرق الأوسط والشرق الأقصى نظراً للتقاليد الاجتماعية والدينية والمادية التي تعطى الأولوية لنسل الذكور، وقد اكتشف طريقة تحديد الجنس بالهندسة الوراثية الدكتور لورد وينستون، رئيس قسم عيادة الإخصاب في مستشفى هامر سميث بغرب لندن، وسُمح بتداولها في بريطانيا في حالات محددة جداً، مثل حمل الأبوين لأمراض وراثية يمكن أن تنتقل إلى أطفالهم بالمورثات الجنسية المحمولة على الكروموسوم الجنسي (X) السادس والأربعين الذي يحدد أن المولود أنثى أو ذكر، ويشير وينستون إلى أن تحديد الجنس ما زال في طور التجربة، ومازالت هذه الطريقة غير آمنة وقد تؤذى الجنين، فلا تجرى إلا في الحالات الضرورية، في حين أكد الدكتور بيتر برنزدين، مدير مركز بورينهيل للإخصاب في بريطانيا، أن مركزه يتلقى كل شهر مجموعة من الرسائل التي تطلب مولودا من جنس محدد، مشيرا إلى عدم إمكانية إجراء ذلك بسبب صرامة القوانين في بريطانيا، وعدم السماح بممارسة مثل هذه الطريقة، وقال: (إن التركيز لابد أن يكون(11/40)
على البحث العلمي، وكيفية الاستفادة من هذه التقنية في تفادي الأمراض الوراثية، خاصة عند الآباء الذين يحملون مورثات مرضية، أما اجتماعياً فلاشك أن هذا الإجراء منافياً للأخلاق), (1) وخلافا لذلك جاء في كتاب مستقبلنا الوراثي للجمعية الطبية البريطانية: (إن التحوير الوراثي يستخدم لعلاج الأمراض الوراثية الخطيرة، أما احتمال أن يستطيع الوالدان في يوم ما طلب أطفال بخصائص معينة فإن هذا
ليس أمراً ممقوتاً فحسب وإنما هو –أيضاً- لا يحتمل قط التوصل إليه). (2)
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407هـ /11 – 16 تشرين الأول (أكتوبر ) 1986م, أن التلقيح الخارجي بين بذرتي زوجين ثم زرع اللقيحة في رحم الزوجة لا حرج من اللجوء إليه عند الحاجة، مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة. (3)
__________
(1) انظر: (تقنيات علم الوراثة تتيح تحديد جنس الجنين وإنجاب أطفال بمواصفات خاصة)، كتبه: قدس برس على موقع بوابة المرأة womengateway – علوم وتكنولوجيا- على شبكة الإنترنت:
http://www.womengateway.com/arwg/3loom+wa+teknolojeya/3loom/alweratha.htm
(2) مستقبلنا الوراثي: علم التكنولوجيا الوراثية وأخلاقياته-الجمعية الطبية البريطانية، لمصطفى إبراهيم فهمي، المكتبة الأكاديمية الأستاذ/أحمد أمين، سنة 1995م، مركز التميز لعلوم الإدارة والحاسب-القاهرة، ص133.
(3) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، قرار رقم: 16 (4/3) بشأن أطفال الأنابيب, (ع 3، ج 1/ص 423).(11/41)
واللجوء إلى تقنية التحليل الجنيني لتفادي الأمراض الوراثية الخطرة في الأبناء حاجة معتبرة شرعا إن أصبحت آمنة، أما استخدام هذه التقنية لاختيار جنس المولود وأوصافه كلون الشعر والعيون والصفات الجسدية الأخرى لا يمثل ضرورة ولا حاجة قطعا، بل لا يعتبر تحسينا، لأنه ليس من مكارم الأخلاق ولا من محاسن العادات الكشف عن الأبضاع وتوابعها من أجل ذلك، بل صنيع تأنفه العقول الراجحة، فلم يبق إلا أن تكون هذه الرغبات من قبيل الزينة والفضول، وصنيع الزينة والفضول بوسائل مباحة الأصل، كوسائل الهندسة الوراثية لا يرقى إلى إباحة المساس بالخلايا التناسلية، لأن الأصل في الأبضاع التحريم، وهي من توابعها.
6- اعتبار الوسائل والذرائع (1) :
إن الوسيلة المحرمة تبقى محرمة ولو كانت الغاية شريفة، فلا يجوز استعمال أية وسيلة محرمة في العلاج الجيني إلاّ للضرورة التي تبيح المحظورات، وتقدر الضرورة بقدرها، ولايجوز التداوي بمحرم عند الحنابلة (2) والمالكية (3) واختلف فيه عند الأحناف قال في البحر الرائق: (هذا وقد وقع الاخْتلافُ بين مشايخنَا في التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ، ففي النِّهَايَة عن الذَّخِيرَةِ الاسْتِشْفَاءُ بالْحَرَام يَجُوزُ إذَا عُلم أَنَّ فيه شِفَاءً ولم يُعْلَمْ دَوَاءٌ آخر) (4) ،
__________
(1) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح(2/431)، الذخيرة للقرافي(1/153).
(2) انظر:المغني(9/337).
(3) الذخيرة (4/112)، الفواكه الدواني للنفراوي(2/340).
(4) البحر الرائق في شرح كنز الحقائق لابن نجيم(1/122).(11/42)
وظاهر المذهب المنع (1) ، وقال الإمام النووي رحمه الله: (فيحرم التداوي بالخمر لأنها ليست بدواء، فكأنه يتناولها بلا سبب، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا أنه يحرم التداوي بها، وكذا يحرم شربها للعطش، وأما إذا غص بلقمة ولم يجد ما يسيغها به إلا خمرا فيلزمه الإساغة بها، لأن حصول الشفاء بها حينئذ مقطوع به بخلاف التداوي) (2) ، وقال الشرواني من الشافعية: (والتداوي بالنجس جائز عند فقد الطاهر الذي يقوم مقامه) (3) ، وسئل ابن تيمية رحمه الله عن المريض إذا قالت له الأطباء : مالك دواء غير أكل لحم الكلب، أو الخنزير فهل يجوز له أكله مع قوله تعالى : { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ } ]الأعراف:157] ؟ الجواب: الحمد لله، لا يجوز التداوي بالخمر وغيرها من الخبائث، لما رواه وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ طَارِقَ بن سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ سَأَلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الْخَمْرِ فَنَهَاهُ أو كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا، فقال: إنما أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فقال: "إنه ليس بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ" (4) ،
__________
(1) انظر:الدر المختار (1/210)، البحر الرائق لابن نجيم(3/239)، تبيين الحقائق للزيلعي(1/28)، حاشية ابن عابدين(3/211)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لشيخي زاده (4/224).
(2) شرح النووي على صحيح مسلم (13/153).
(3) حواشي الشرواني على تحفة المحتاج بشرح المنهاج (1/296)، وانظر: حاشية الجمل على شرح المنهاج(5/158).
(4) رواه مسلم في صحيحه( كتاب الأشربة- باب تحريم التداوي بالخمر 3/1573)، والترمذي في سننه(كتاب الطب-باب ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر 4/387) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبوداود سننه(كتاب الطب-باب في الأدوية المكروهة4/7)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيب ابن بلبان(4/232)، والبيهقي في سننه الكبرى(1/4)..(11/43)
وعن أُمِّ الدَّرْدَاءِ عن أبي الدَّرْدَاءِ - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، ولا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ" (1) ) (2) .
خنزير بجينات بشرية (وسيط السوء في العلاج الجيني):
__________
(1) رواه أبوداود في سننه(كتاب الطب-باب في الأدوية المكروهة4/7)، والبيهقي في سننه الكبرى(10/5)، والطبراني في معجمه الكبير(24/254) دون ذكر أبي الدرداء، وقال الهيثمي: (رواه الطبراني ورجاله ثقات) مجمع الزوائد (5/86).
(2) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/317).(11/44)
نشرت مجلتا Science وNature عدة أبحاث تتصل بما يُسمى بـ xenotransplantation، يعني نقل الأعضاء من الحيوان إلى الإنسان، وكانت الأبحاث المنشورة كلها على الخنزير كمصدر للأعضاء البشرية، وقد نشرت المجلتان بحثين منفصلين، أعلن فيهما تمكن فريقين من الباحثين من إنتاج خنازير مستنسخة، وأهمية هذا الموضوع ترجع إلى التزايد المستمر في أعداد المرضى المحتاجين إلى أعضاء لإنقاذ حياتهم مع صعوبة توفرها، بالإضافة إلى مشاكل رفض الجهاز المناعي لهذه الأعضاء، ويرى الباحثون الحل في إنتاج أعداد كبيرة من الخنازير المستنسخة والمعدلة وراثيا لإنتاج أعضاء وفيرة وخالية من أسباب إثارة الجهاز المناعي للإنسان، ويعتبر الكثير من الباحثين أن أعضاء الخنزير هي أقرب أعضاء الحيوانات إلى أعضاء الإنسان من حيث الحجم والتكوين، فيمكن أن توفر بديلا مناسبا للأعضاء البشرية، أو على الأقل تعطي للمريض فرصة أطول لانتظار عضو بشري باستخدام عضو الخنزير كمرحلة انتقالية، وفي البحث المنشور في مجلة Nature أعلن فريق البحث عن تمكنهم من استنساخ خمسة خنازير بصحة جيدة باستخدام أسلوب النقل النووي لاستنساخ الخنازير، والذي يتضمن نقل المادة الجينية من خلية خنزير بالغ إلى بويضة مفرغة من نواتها، ثم تنشيط البويضة ووضعها في رحم أنثى الخنزير، أما مجلة Science فقامت بنشر بحث لفريق عالمي أعلن فيه تمكنه من استنساخ خنزير بسحب المادة الجينية لعملية النقل النووي من جلد جنين خنزير، ويأمل الباحثون أن يتمكنوا في المرحلة القادمة من تعديل الخنازير المستنسخة وراثيا بحيث يلغى الجين -1,-3, galactosyl transferase والذي يتسبب في تكوين سكر الجالاكتوز على سطح خلايا الخنزير، والذي يسبب إثارة الجهاز المناعي في الإنسان ورفض العضو الجديد، ويأمل الباحثون أن تكون مرحلة نقل الأعضاء من الحيوان إلى الإنسان مجرد مرحلة انتقالية؛ بعد استكمال الأبحاث على الخلايا الجذعية البشرية(11/45)
stem cells human التي بإمكانها أن تتحول إلى أي نسيج من أنسجة الإنسان، بأخذ عينة من خلايا المريض المحتاج للعضو جديد لتنمو الخلايا في المعمل وتنتج العضو المطلوب. (1)
كوريا تلجأ للخنازير لتوفير أعضاء بشرية بديلة:
سيؤول، كوريا الجنوبية (CNN) – : يأمل الكوريون أن يوفر الخنزير مصادر بديلة
لزراعة الأعضاء البشرية، فقد أعلنت كوريا الجنوبية أنّها ستخصّص مبلغا يقارب خمسين
مليون دولار خلال العشر سنوات القادمة لإنتاج أعضاء بديلة يمكن زرعها في البشر من الخنازير، وذلك ضمن مخطط وطني للنهوض بالتكنولوجيا الحيوية، وأنشأت وزارة الزراعة والغابات بالتعاون مع هيئات من وزارات أخرى مجموعة عمل تشمل تسعين باحثا هدفهم الرئيس إنتاج أعضاء من الخنازير معالجة جينيا لتوفير أعضاء بديلة للبشر، وقالت مجموعة العمل المعينة إنها ستبدأ في المرحلة الأولى باستنساخ الخنزير، وتأمل المجموعة أن تنجح في استنساخ خنزير قلبه معالج جينيا فضلا عن بقية أعضائه بحيث يكون قابلا للزراعة في الإنسان، وتأمل المجموعة حتى 2010م أن تكون قادرة على تخصيص بنك من الأعضاء تكون محتوياته جاهزة للاستعمال البشري. (2)
6- رعاية المآلات والغايات والنتائج والآثار المترتبة على العلاج:
__________
(1) انظر: خنزير في ثوب إنسان، خنزير بجينات بشرية، د.نادية العوضي، انظر: على شبكة الإنترنت موقع إسلام أون لاين: واحة الفكر والعلم:
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/scince-33/scince3.asp.
(2) انظر: كوريا تلجأ للخنازير لتوفير أعضاء بشرية بديلة، موقع CNN بالعربية على شبكة الإنترنت 4/6/2001م:
http://arabic.cnn.com/2004/scitech/6/1/korea.transplantation/index.html.(11/46)
يقول الإمام الشاطبي: (النظر في مآلات الأفعال معتبر ومقصود شرعا، سواء كانت الأفعال موافقة أومخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، أنه مشروع لمصلحة فيه تُستجلب أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف مما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوى المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة). (1)
__________
(1) الموافقات للإمام الشاطبي(4/194-195).(11/47)
فيروسات في أنسجة الخنازير: منذ أمد بعيد أُصيب جنس الخنزير بفيروس يُسمى porcine endogenous retrovirus والذي اختلطت جيناته بجينات الخنزير الأصلية لتتوارث بعد ذلك عبر الأجيال، ونشرت مجلة Nature بحثا ذكرت فيه أن فريقا من الباحثين بمعهد سكربس الأمريكي قام بحقن فئران تجارب بخلايا بنكرياس خنزير، فأصيبت أنسجة الفئران بالفيروس، ولكن دون حدوث أية أعراض، ثم عاد الفيروس إلى حالته الساكنة مرة أخرى، وأكدت التجارب أن الخلايا البشرية أصيبت أيضا بالفيروس في المعمل، وهناك غموض كبير حول تأثير هذا الفيروس على الجنس البشري، وهناك مخاوف من إحداثه وباء يشبه وباء مرض الإيدز، خاصة أن إلغاء الجين المسبب لتكوين سكر الجالاكتوز على سطح الخلية الخنزيرية سيلغي رد الفعل المناعي للإنسان ضد هذا الفيروس، والجدير بالذكر أن الكثير من الأوبئة التي أصابت البشرية كانت بسبب نقل فيروسات من الحيوان إلى الإنسان كأمراض الإيدز والإيبولا، ولا يزال الباحثون عاجزين عن القيام باختبارات للتعرف على فيروسات في أنسجة الحيوانات مازالت مجهولة، فتظل فكرة نقل الأعضاء من الحيوان إلى الإنسان فكرة فيها خطورة على البشرية في المآل. (1)
7- الإذن بممارسة العلاج الجيني: http://www.islamonline.net/arabic/contemporary/2002/07/articlecv2.shtml
__________
(1) انظر: فيروسات في أنسجة الخنازير، د.نادية العوضي، انظر على شبكة الإنترنت موقع إسلام أون لاين: واحة الفكر والعلم:
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/scince-33/scince3.asp.(11/48)
تهتم الشريعة الإسلامية بإرادة الإنسان ورضاه في كل أمر يخصه إلاّ ما استُثنِي بدليل، والطبيب ملزم بأخذ إذن المريض البالغ العاقل لإجراء العلاج أو الجراحة أو الاختبار، أوإذن وليّ أمره إن كان قاصراً أو مغمى عليه، سواء الإذن المطلق أو المقيد، ويعبرعن الإذن بإحدى وسائل التعبير من النطق أو الكتابة أو الإشارة الواضحة وإلاّ فيكون الطبيب آثماً، لأنه تصرف فيما يخص غيره دون رضاه، إذ ليس له حق التصرف ببدن إنسان إلاّ بإذنه، فيكون ضامناً لو نتج عنه أي ضرر مهما بذل من جهد، ومهما كان حاذقاً في تخصصه، قال الخطابي: (لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا، والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط القود عنه، لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض) (1) ، وذلك يتفق مع كرامة الإنسان واحترام إرادته، ويتلاءم مع مقاصد الشريعة، ويدل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عاقب كل من فعل اللدود (2)
__________
(1) عون المعبود لمحمد أبادي(12/215)، فيض القدير(6/106)، مرقاة المفاتيح لعلي القاري(7/62)، سبل السلام(3/250)، زاد المعاد(4/139).
(2) اللََّدود بالفتح ما يسقاه المريض من الأدوية في أحد شقي الفم، ولديدَا الفمِ جانباه. النهاية في غريب الحديث(4/245)..(11/49)
به، لأنه لم يأذن به، بل نهاهم عنه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لَدَدْنَاهُ في مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لا تَلُدّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فلما أَفَاقَ، قال: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدّونِي؟" قُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فقال: "لا يَبْقَى أَحَدٌ في الْبَيْتِ إلا لُدَّ -وأنا أَنْظُرُ- إلا الْعَبَّاسَ فإنه لم يَشْهَدْكُمْ" (1) ، والحديث يدل على عدم جواز مخالفة أمر المريض، فمن عالجه دون إذنه استحق العقاب والتعزير، لأن إرادة الإنسان محترمة ولا يجوز إهدارها، يقول ابن القيم: (وفي هذا الحديث من الفقه معاقبة الجاني بمثل ما فعل) (2) ويستثنى من ذلك:
أ- الحالات المرضية التي يتعدى ضررها إلى الآخرين، كالأمراض المعدية والسارية، والأمراض الجنسية المعدية فلا تحتاج إلى موافقة المريض، لأن آثار مرضه تتجاوزه إلى مجتمعه، فيحل الإذن الحكومي المتمثل في قرارات الجهة الحكومية المتخصصة (كوزارة الصحة) محل إذنه.
ب- الحالات النفسية أو العصبية الخطيرة التي قد يضر المريض نفسه أو غيره.
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب المغازي-باب مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفاته 4/1618)، وفي (كتاب الطب-باب اللدود 5/2159)، وفي (كتاب الديات-باب دية الأصابع 6/2527)، وابن حبان في صحيحه(14/554).
(2) زاد المعاد(4/84).(11/50)
ج- حالات الطوارئ والحوادث التي تستدعي تدخلاً طبياً بصفة فورية لإنقاذ حياة المصاب، أو إنقاذ عضو من أعضائه، ويتعذر الحصول على موافقة المريض أو من يمثله في الوقت المناسب، وإضافة إلى إذن المريض لا بدّ من إذن وليّ أمر المسلمين المتمثل في الجهة الصحية المختصة، بأن تأذن للطبيب بمزاولة مهنة الطب، وقد أسماه ابن القيّم إذن الشارع، فذكر أن فعل الطبيب لا بدّ أن يكون مأذوناً فيه من جهة الشارع (1) ، وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بمكة الأول في الدورة الخامسة عشرة ما يلي: (لا يجوز إجراء أي بحث أو القيام بأية معالجة أو تشخيص يتعلق بمورثات إنسان ما إلاّ بعد إجراء تقويم دقيق وسابق للأخطار والفوائد المحتملة المرتبطة بهذه الأنشطة، وبعد الحصول على الموافقة المقبولة شرعاً، مع الحفاظ على السرية الكاملة للنتائج، ورعاية أحكام الشريعة الإسلامية الغراء
القاضية باحترام حقوق الإنسان وكرامته). (2)
__________
(1) المصدر السابق (4/139).
(2) قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة، المنعقدة في مكة المكرمة، 11 رجب 1419هـ الموافق 31 أكتوبر 1998م، وانظر القرار على شبكة الإنترنت على موقع إسلام تو دي:
http://www.islamtoday.net/questions/show_articles_content.cfm?id=24&catid=184&artid=4615(11/51)
8- الجواز الشرعي مرتبط بأخذ كل الاحتياطات المهنية والعلمية والتقنية والفنية والمعملية والاحترازية، لتفادي كل الأضرار التي يمكن أن تترتب على العلاج الجيني، لأن الشريعة الإسلامية مبنية على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، فأينما تكن المصلحة فثَمَّ شرع الله تعالى، وأن يكون القائمون على تجارب العلاج الجيني من ذوي الإخلاص والاختصاص والتجربة والخبرة، وتكون المختبرات الخاصة بالجينات والعلاج بها تحت مراقبة وإشراف ولي الأمر (الدولة)، أو جهات موثوق بها، وذلك لخطورة هذه الاختبارات الجينية وآثارها المدمرة. (1)
9- أن تكون المنفعة المتوخاة من العلاج الجيني محققة في حدود اليقين أو غلبة الظن، أما إذا كانت آثاره الإيجابية مشكوكاً فيها، أو موهومة فلا يشرع إجراؤه على الإنسان.
__________
(1) انظر: العلاج الجيني من منظور إسلامي "الإذن بممارسة العلاج الجيني: للمريض أم الدولة؟ "، للدكتور علي محيي الدين القرة داغي، إسلام أون لاين-قضايا معاصرة، على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/arabic/contemporary/2002/07/article03.shtml(11/52)
المبحث الثالث: مشروع الجينوم البشري:
أعلن الباحثون يوم الإثنين السادس والعشرين من مايو 2000م عن تدشين النسخة الأولية من خريطة الجينات البشرية، والتي تحتوي على 90% من رموزها، وهو ما يعرف بـ "مشروع الجينوم البشري"، وهو حدث علمي فريد دفع كلا من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير للاشتراك في الإعلان، وقد بدأ العمل فيه منذ سنة 1990م، وكان من المفترض أن ينتهي عام 2005م، ويقوم بالمشروع هيئات ومراكز علمية من ثماني عشرة دولة، ومن المنتظر أن يساهم فك الشفرة الوراثية البشرية ومعرفة التتابع الجيني في علاج العديد من الأمراض مثل السرطان والسكر والزهايمر وبعض أمراض القلب، والدليل على ذلك أن الكشف عن 20% فقط من حروف الشريط الوراثي أدى في حينه إلى تصنيع ما يقارب من مائة دواء مختلف لعلاج العديد من الأمراض الناشئة عن خلل في الجينات خلال العشرين سنة الماضية، وبالإضافة إلى التعرف على أسباب الأمراض من الناحية الوراثية، يمكن أيضاً معرفة الجينات المسئولة عن البلوغ والشيخوخة بل أسباب الموت نفسه (1) .
__________
(1) انظر: كلينتون: الجينوم أروع خريطة أنتجها العقل البشري، الخبر موقع بي بي سي أون لاين 26-6-2000م:
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_806000/806506.stm
وانظر: خريطة الجينوم أهم إنجاز علمي لهذا العام، الخبر على موقع بي بي سي أون لاين 22-12-2000م:
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_1082000/1082657.stm(12/1)
يقول الدكتور أرثر كابلان -مدير مركز أخلاق البحث العلمي الحيوية Bioethics بجامعة بنسلفانيا الأمريكية-: (إن كل ما استطاع الباحثون كشفه حتى الآن هو قراءة الشريط الوراثي أو كتاب الحياة على الحمض النووي DNA حرفاً حرفاً وجزءاً جزءاً وتحديد معالمه، وينقص هذه الخريطة ملء الكثير من التفاصيل المفقودة، فلن نجني شيئا على المدى القريب، ولكن الكثير والكثير على المدى البعيد، حين نتعرف على التفاصيل المفقودة في الخريطة الجينية، عندها سنتمكن من صنع العديد من الأدوية لعلاج الكثير من الأمراض التي يرجع سببها إلى خلل في الجينات الوراثية، وهي ما يقارب من أربعة آلاف مرض، ونتوقع أن تخلو هذه العقاقير من الأعراض جانبية، وستحل التحاليل الجينية (البصمة الوراثية) محل بصمات الأصابع التقليدية في المحاكم، وستساهم البصمة الوراثية في حل قضايا المفقودين ومرتكبي الجرائم، ولكن معرفة الشيفرة الوراثية للإنسان لها مخاطر بتعريض خصوصياته للخطر، كما سيهتم أصحاب العمل وشركات التأمين بمعرفة الحالة الصحية للإنسان بناء على معرفة الخريطة الجينية له؛ لتفادي المشاكل الصحية التي ستعوقه عن العمل أو تسبب خسائر مادية لشركات التأمين، مما سيؤدي إلى التفرقة بين أفراد المجتمع بناء على حالتهم الصحية المستقبلية، إننا لسنا مهيئين للتعامل مع اكتشاف الخارطة الجينية، إذ لا يوجد نظام محدد لكيفية التعامل مع هذه المعلومات، فلا يوجد ضوابط أو معايير لاستخدام هذا الكم الهائل من المعلومات بصورة سليمة). (1)
مفهوم الجينوم البشري:
__________
(1) انظر: خريطة الجينات، هل هي بداية النهاية؟ حسام الدين عرفة، الثلاثاء: 21 نوفمبر 2000م، الهندسة الوراثية، على موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت: واحة الفكر والعلم –
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/scince-22/scince3.asp(12/2)
http://www.nooran.org/O/Oimages/7/7 (1).jpgمصطلح جينوم Genome في علم الوراثة يجمع بين جزئي كلمتين إنجليزيتين هما Gen، وهي الأحرف الثلاثة الأولى لكلمة Gene، التي تعني باللغة العربية المورث (الجين)، والجزء الثاني هو الأحرف الثلاثة الأخيرة من كلمة Chromosome وهي ome، وتعني باللغة العربية الصبغيات (الكروموسومات). (1)
الدلالة العلمية للجينوم البشري :
__________
(1) انظر: نظرات فقهية في الجينوم البشري، الهندسة الوراثية والعلاج الجيني، بحث للدكتور عبد الله محمد عبد الله (2/727)، من مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، وقراءة الجينوم البشري، بحث للدكتور حسان حتحوت (1/273)، من مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، وموسوعة العلمية ويكيبيديا الحرة على شبكة الإنترنت:
http://ar.wikipedia.org/wiki/(12/3)
الجينوم البشري مجموع الأطقم الوراثية أو الرصيد الوراثي للإنسان، وهو يضم في مجموعه كل الجينات أو المورثات الموجودة في خلية الإنسان، وكان يعتقد أن عدد المورثات في كل خلية يتراوح بين 50 ألفًا إلى 100 ألف مورث، ولكن تبين لعلماء الوراثة أن مجموع المورثات في الخلية أقرب إلى 50 ألف، بل يعتقد البعض أنها من 30 ألف إلى 40 ألف مورث، وتحتوي خلايا الإنسان على حوالي 3 بلايين زوج من القواعد النيتروجينية، وترتيب هذه القواعد النيتروجينية يحدد الصفات الوراثية للإنسان، وتقوم المورثات في الإنسان بتصنيع حوالي 30 ألف نوع مختلف من البروتينات، والبروتينات جزيئات كبيرة ومعقدة مكونة من سلسلة طويلة من الأحماض الأمينية، وهناك عشرون نوعا من الأحماض الأمينية، يشكل اختلاف تتابعها تنوعا في البروتينات، فمثلا تتابع القواعد النيتروجينية (الأدينين – الجوانين – الثيمين) AGT يرمز إلى الحمض الأميني الميثايونين، وتنتقل التعليمات الخاصة بصنع البروتين من المورثات عن طريق الحمض النووي RNA الرسول messenger RNA بنسخ جزء من DNA، وتعرف هذه العملية بالنسخ، ثم ينتقل حمض messenger RNA إلى خارج النواة (السيتوبلازم)، ويعمل كقالب لصنع البروتينات المطلوبة، وقد أمكن فصل المراسل mRNA في المختبرات العلمية واستعماله كقالب لتكوين نسخة "مُكملة" لحمض DNA، (complementary DNA, cDNA) وتستخدم هذه النسخة للبحث عن المورثات الموجودة على طول شريط حمض ال DNA وتحديد مكانها على الكروموسوم، ويطلق على الجينوم أسماء عديدة منها الخريطة الجينية للإنسان، وخريطة الشريط الوراثي، والحقيبة الوراثية، والرصيد أوالمحتوى الوراثي، وكتاب الحياة، والملف الجيني الإنساني، والشيفرة الوراثية البشرية، وغير ذلك من الإطلاقات والتسميات الدالة في مجموعها على ما يحتويه الإنسان من مادة وراثية جينية تعطي الإنسان جميع صفاته وخصائصه الجسمية والنفسية والعقلية.(12/4)
(1)
مشروع الجينوم البشري:
http://www.nooran.org/O/Oimages/7/7 (2).jpgبدأ تنفيذ مشروع الخارطة الوراثية Gentic Mapping عام 1990م، وكان من المقرر أن ينتهي خلال خمسة عشر عامًا، لكن دعم المشروع ماليٌّا وتقنيٌّا سرّع في خطوات فك رموز المورثات، مما جعله ينتهي وينتشر كأطلس وراثي لخصائص الصفات البشرية ويعلن عن 90% من عناصره في مساء 26 يونيو عام 2000م، وقد شارك في مشروع الجينوم البشري ثمانية عشرة دولة: الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا وأستراليا والبرازيل والصين واليابان وكوريا وإسرائيل والمكسيك وروسيا وألمانيا، إضافة إلى مشاركة جزئية لعدد من الدول النامية، مع استبعاد الدول العربية (2) ،
__________
(1) انظر: -Steven Rose, The Chemistry of Life, Penguin Books Ltd, Great Britain, © Steven
Rose 1975,pages 165-174.
-Sudberyp,Human Molecular Genetics. Addison We slay Longman Limited, England, (1998).
وانظر: الجينوم والخريطة الجينية للدكتور عبد الباسط الجمل ص13.
(2) انظر: الشيفرة الوراثية للإنسان، القضايا العلمية والاجتماعية لمشروع الجينوم البشري: دانييل كيلفس وليوروي هود، ترجمة د/أحمد مستجير، ص36-50. والبصمة الوراثية وعلائقها الشرعية –دراسة فقهية مقارنة- للدكتور سعد الدين مسعد هلالي، قسم الفقه وأصول الفقه-كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الكويت ص44-48. والموسوعة العلمية ويكيبيديا الحرة على شبكة الإنترنت:
http://ar.wikipedia.org/wiki/(12/5)
ويضم أكثر من 1600 باحث، وتعمل منظمة الجينات البشرية هيوجو "Hugo Human Genome Organization " على التنسيق والتعاون بين برامج الدول المختلفة، وشارك من الولايات المتحدة الأمريكية المعهد الحكومي القومي للصحة في ولاية ميريلاند الذي يرأسه فرانسيس كولينز، كما ساهمت وزارتا الصحة والطاقة الأمريكيتين بجزء من تمويل المشروع، إضافة إلى معهد ويلكوم ترست البريطاني، وشركة سيليرا جينوميكس Celera Genomecs من القطاع الخاص، التي أسسها الباحث الأمريكي كريج فينستير. (1)
أهداف الجينوم البشري: (2)
الهدف من مشروع الجينوم البشري تحقيق غايات في الصحة والعلاج والحقوق والقانون:
1- التعرف على مائة ألف مورث (جين) في DNA الإنسان وحصرها، والتعرف على التركيب الوراثي الكامل والشيفرة الجينية للإنسان، من أجل اكتشاف جميع تفصيلات الطاقم الوراثي وتعلقه بوظائف الأعضاء والأنسجة والخلايا وخصائصها وسماتها السوية وغير السوية، وتحديد تسلسل ثلاثة بلايين صيغة كيميائية للكروموزومات، ويعرف هذا الهدف إجمالاً بضبط السيرة الذاتية للنوع البشري أو الهوية الجينية للإنسان، وتحديد الصفات الوراثية لحياة الإنسان من لحظة الولادة إلى الموت، وتخزين هذه المعلومات الجينية التي يحويها الجينوم في قاعدة بيانات حاسوبية ثم تحليلها.
__________
(1) انظر: الجينوم البشري – كتاب الحياة- للدكتور صالح عبد العزيز الكريم، على موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة - مكة المكرمة:
http://www.nooran.org/O/7/7O(7).htm
(2) انظر: الجينوم والخريطة الجينية للدكتور عبد الباسط الجمل ص20-35.
وانظر: الجينوم ومسيرة الخارطة الوراثية البشرية، مجلة ضاد الإلكترونية للعلوم : 9/2/2006م، الموقع على الإنترنت:
http://www.dhadh.com/pageprint.php?id=7222(12/6)
2- ضبط الجينات المسئولة عن الأمراض والعاهات لعلاجها والوقاية منها، كالسكري وتصلب الشرايين والسرطان والزهايمر وضمور العضلات وضغط الدم وتليف الأعصاب وغير ذلك، وهذا الأسلوب العلاجي الجيني يؤسس نمطاً حديثاً ومتطوراً للغاية في معالجة الأمراض وصناعة الأدوية والمستحضرات، ويبشر بمكاسب مهمة لصحة الإنسان، مع أنه أنه محفوف بمخاطر كبرى على صُعد ومستويات مختلفة، والباحثون بصدد صناعة برامج حاسوبية قادرة على استيعاب قواعد بيانات ضخمة عن الجينات، وقادرة على ترتيب القواعد النتروجينية، بحيث يمكن للحاسوب تحديد الخلل في الجينوم البشري بسرعة فائقة جدا.
3- اهتم المشروع بتأثير الطفرات المختلفة على عمل المورثات عن طريق استحداث الطفرات المختلفة التي تؤدي إلى فقد أو تغير الوظيفة الجينية داخل المعامل العلمية، وهناك عوامل عديدة تسبب الطفرات الجينية كالتعرض للأشعة أو بعض السموم أو العقاقير أو التلوث البيئي، وحتى التعرض للأشعة فوق البنفسجية الموجودة في أشعة الشمس، وتسبب هذه الطفرات اختلالا في تسلسل الأحماض الأمينية، وقد تُصلَح الاختلالات الجينية بآلية إصلاح الطفرات التي أودعها الله في جسم الإنسان. (1)
__________
(1) انظر: الأسس العلمية لخريطة الجينات، سحر طلعت، الثلاثاء: 21 نوفمبر 2000م، على موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/scince-22/scince1.asp(12/7)
4- طور الباحثون أهدافهم المرحلية في وقت لاحق وأضافوا هدفًا جديدًا، وهو التعرف على الاختلافات الفردية في الجينوم بين شخص وآخر، واكتشفوا أنه بالرغم من أن أكثر من 99% من الـ DNA في الإنسان متشابه في جميع البشر، إلا أن التغيرات الفردية تؤثر بشكل كبير على تقبل الفرد للمؤثرات البيئية الضارة مثل البكتريا والفيروسات والسموم والكيماويات والأدوية والعلاجات المختلفة، فطور الباحثون العاملون في المشروع وسائلهم لاكتشاف الاختلافات الفردية، حتى توصلوا إلى البصمة الوراثية، وبذلك تم استخدام الجينوم البشري في إثبات الحقوق والواجبات لأصحابها أو نفيها، كإثبات النسب أونفيه بالبصمة الوراثية، وإثبات الجرائم واكتشاف أصحابها من آثارهم التي تخضع للتحليل الجيني، والتعرف على هوية الجثث والعظام البشرية والمفقودين والمحروقين في الكوارث، بإجراء الفحوص الجينية على ما تبقى من أجزاء وأشلاء. (1)
5- تأسيس بنك للجينات الوراثية لإيداع الشيفرات الجينية، ليستفاد منها في معرفة الأمراض المحتملة في الفرد والأسرة والمجتمع والمجموعة البشرية، لدراستها ومحاولة الكشف عن أدوية لمعالجتها. (2)
__________
(1) انظر: البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية –دراسة فقهية مقارنة- للدكتور سعد الدين مسعد هلالي، قسم الفقه وأصول الفقه-كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الكويت ص258-320.
(2) ظهر بنك فريد في شيكاغو، دعا المشاهير والعباقرة إلى تسجيل شفراتهم الوراثية (كملكية فكرية) قبل أن تسرقها بنوك أخرى، حيث إن التقدم الكبير في الهندسة الوراثية يسمح الآن بسرقة الخصائص الوراثية للمشاهير دون علمهم، حيث يمكن استخلاص الحامض الوراثي DNA لأي إنسان من أي جزء مهمل من جسده كالشعر والأظافر واللعاب. جريدة الرياض الاثنين 19 ربيع الأول 1427هـ - 17 أبريل 2006م - العدد 13811، مقال: (أغرب البنوك في العالم) لفهد عامر.(12/8)
6- أهداف تدور في مخيلة بعض الباحثين تأباها الأخلاق السوية كهندسة الإنسان وراثيا بالاستنساخ أوالتنسيل أوالتلاعب بجيناته لتوليد كائن بشري حسب الرغبة، وتوليد توائم متطابقة جينياًَ من خلية منفردة ناضجة، وتوائم بخصائص معدلة وراثيا، وبالرغم من التخوف من خطورة هدف تحسين الصفات العقلية والجسدية للأجنة وتطوير الذكاء البشري ومحاولة إيقاف الشيخوخة، وصرامة القوانين الدولية في التلاعب بالجينات البشرية، إلا أن الباحثين ماضون قدما في تجاربهم غير عابئين بخطورة أهداف مشاريعهم. (1)
7- الأموال الطائلة والأرباح العالية من خلال التطور الهائل للبحوث الجينية والتجارب الوراثية التي تدر على أصحابها، ولذلك دخل القطاع الخاص منافساً قوياً لمراكز البحوث العلمية الحكومية في سباق الكشف عن الجينوم البشري، وخاضت عدة شركات لها ارتباطات بالدراسات البيولوجية تجربة الهندسة الوراثية لتجعلها سوقاً تجاريا، وتأسست مجموعات من الشركات لتقديم الدعم المادي لمشروع الجينوم البشري، واستقطبت أعداداً من الباحثين ليقوموا بالتجارب والأبحاث التي تعود بالنفع على تلك الشركات، كشركة موتورز الأمريكية، وشركة البيوجين السويسرية، ومؤسسة جنتيك الدوائية. (2)
__________
(1) انظر: العصر الجينومي "استراتيجيات المستقبل البشري": د/موسى الخلف، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الطبعة الأولى، الكويت، مطابع السياسة، يوليو 2003، صفحة 157، 180.
(2) انظر: الجينوم والخريطة الجينية للدكتور عبد الباسط الجمل ص18، 65.(12/9)
8- الإرشاد الوراثي (الإرشاد الجيني) genetic counseling للمقبلين على الزواج، لنصحهم إن كان يترتب على زواجهم آثار سلبية مستقبلية باجتماع الصفات الوراثية المتنحية في أبنائهم، وظهور أمراض وراثية محتملة بسبب زواجهما. (1)
9- متابعة الإصدارات الأخلاقية والتنظيمية والاجتماعية للمشروع.
أهمية المشروع:
__________
(1) انظر: الإرشاد الجيني، بحث للدكتور محمد الزحيلي، الأستاذ بكلية الشريعة-جامعة دمشق، والمعار إلى كلية الشريعة جامعة الكويت ص773-793، من مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية. والإرشاد الجيني (أهميته-آثاره-محاذيره)، بحث للدكتور ناصر بن محمد الميمان ص797-824، من مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.(12/10)
http://www.nooran.org/O/Oimages/7/7 (3).jpgما توصل إليه الباحثون من قراءة المعلومات الوراثية لا يعني فهم الجينوم واستيعابه والاستفادة القصوى من معطياته، بل يحتاج ذلك إلى مزيد من التقصي والبحث والدعم المالي. وفهم الجينوم البشري واستيعابه هدف بعيد للمشروع، والانتهاء من مشروع الجينوم لا يمثل ثورة طبية قاضية على الأمراض، لأن مجرد معرفة مواقع الجينات المريضة لا يمثل علاجا للأمراض الوراثية، فالأنيميا المنجلية Sickle cell anemia أشهر الأمراض الوراثية المتنحية، يموت بسببها ثمانون ألف طفل سنويا، ومرض الثالسيميا Thalassemia من أكثر الأمراض الوراثية انتشارًا في العالم، وكلاهما قد تم التعرف على الجين المسبب لكل واحد منهما منذ ما يزيد على عشرين عامًا، حتى قبل البدء بمشروع الجينوم، ومع ذلك لم يكتشف لهما علاج حاسم وفعال، وhttp://www.nooran.org/O/Oimages/7/7 (4).jpgلا يقلل ذلك من أهمية مشروع الجينوم العملاق، بل يعدّ خطوة ذات أهمية علمية كبرى، يجب أن يتبعها خطوات لتحقيق المزيد من الاكتشافات حتى يتمكن الباحثون من علاج الأمراض الوراثية، فمرض واحد مثل فقر الدم الوراثي لا يرتبط باعتلال جيني من نوع معين، بل إن له أكثر من مائتي اعتلال للحمض النووي، فللاستفادة من تقنية المعالجة بالمورثات يستلزم معرفة جميع المورثات المعطوبة لإمكانية التعامل معها ومعالجتها.
أخلاقيات مشروع الجينوم البشري:(12/11)
إن حصر الاستفادة من الجينوم البشري لصالح العالم المتقدم وإهمال الشعوب الفقيرة التي تعاني من الأمراض الوراثية http://www.nooran.org/O/Oimages/7/7(8).jpgانحراف أخلاقي، وكذلك فك الدلالات الوراثية للمجموعات البشرية مستقبلاً قد يمكن البعض من اللعب بالمورثات البشرية، وتصنيع تقنية جينية ضد مجموعات بشرية محددة، إذ أنhttp://www.nooran.org/O/Oimages/7/7 (7).jpg النطفة التي يخلق الله منها الجنين يُقَدِّرُ فيها جميع صفات الجنين التركيبية والوظيفية في المورثات (الجينات)، ويعرف في علم الأجنة بالبرمجة الجينية التي تحدد خصائص ومميزات الخلايا قبل ظهورها، والنظرية الحديثة تشير إلى أن التمايز بين البشر يكون بتنشيط بعض جينات الجينوم وتثبيط البعض الآخر Inactive genes، فكل خلية بشرية فيها جميع الصفات البشرية، لكنها تظهر عند أناس وتختفي عند آخرين (1) ،
__________
(1) انظر: الجينوم البشري – كتاب الحياة- للدكتور صالح عبد العزيز الكريم، على موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة - مكة المكرمة:
http://www.nooran.org/O/7/7O(7).htm(12/12)
قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ - وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } ]فاطر:28-27[، والتمايز الجيني للخلايا في البشر يولد مجموعات بشرية، فالصينيون غير الأوربيين غير العرب غير الأفارقة، وينسحب هذا التنوع على الأمراض الوراثية، فهناك أمراض تكون أكثر انتشارا في مجموعة بشرية دون غيرها، فالمخزون الوراثي البشري يُظهر بعض الخصائص في مجموعة بشرية، ويظهر خصائص أخرى في مجموعة أخرى، لذا ينبغي تحديد التركيب الجيني الخاص بكل مجموعة بشرية، لتحديد الأمراض الوراثية المتعلقة بتلك المجموعة وعلاجها، إلا أن الترصد لعرق جيني معين لإبادته أو إمراضه أو الإضرار به عمل لا أخلاقي، كما يجب متابعة الإصدارات الأخلاقية والتنظيمية والاجتماعية لمشروع الجينوم، كي لا تختل الأخلاق بإعادة برمجة الجنس البشري طلبا لتحسين النسل، أو خلط جيناته بجينات كائنات حية أخرى تغييرا لخلق الله تعالى، أو تطوير تقنية حروب الجينات، وتعتقد الباحثة شيلا مكلين- أستاذة القانون وعلم الأخلاق في الطب في جامعة جلاسجو- أن سلوك البشر لن يتوافق مع القواعد الأخلاقية السليمة لمشروع الجينوم البشري، والضغوط على الباحثين للتلاعب بالجينات أمر لامفر منه، وتقول الباحثة شيلا مكلين: (إن المرحلة الأولية من استخدام العلاج الجيني ستكون بالقضاء على الأجنة التي تحمل موروثات مرضية في مقتبل الحياة كمرض التليف الرئوي، ولكن المرحلة المقبلة ستركز على علاج الأمراض التي تظهر في وقت متقدم من العمر، كضمور العضلات الوراثي الذي يظهر في بداية الكهولة) (1) .
__________
(1) انظر: العلاج الجيني الجديد ومصير الأجنة التي تحمل أمراضا جينية، الثورة العلمية تعيد كتابة قواعد الأخلاق، 30-6-2000م موقع بي بي سي أون لاين على شبكة الإنترنت:
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_813000/813102.stm(12/13)
ولا يزال العمل في مشروع الجينوم البشري متواصلاً على قدم وساق باعتمادات مالية ضخمة، وجهود بحثية وعلمية عملاقة ومتألقة، ويرى بعض الباحثين أن العمل في المشروع لا يزال في أطواره الأولى، ولا يزال الطريق طويلاً وشاقاً لفهم الجينوم المعقد.
مشروع الجينوم البشري في الوسط الفقهي المعاصر:
1- جاء في توصيات المؤتمر الحادي عشر للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية حول الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني الذي عقد في الكويت في الفترة من 2 ـ 25 جمادى الآخر 1419هـ مايلي: (مشروع قراءة الجينوم البشري هو: رسم خريطة الجينات الكاملة للإنسان، وهو جزء من تعرف الإنسان على نفسه، واستكفاءُ سنة الله في خلقه، وإعمال للآية الكريمة: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } ]فصلت: 35[، ومثيلاتها من الآيات، ولما كان قراءة الجينوم وسيلة للتعرف على بعض الأمراض الوراثية أو القابلية لها، فهي إضافة قيمة إلى العلوم الحية في مسعاها لمنع الأمراض أو علاجها، مما يدخل في باب الفروض الكفائية في المجتمع). (1)
2- وجاء في الندوة الثانية عشرة - مشروع قراءة الجينوم البشري- للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية سنة 1998م:( تعريف الموضوع : يطلق الجينوم البشري على كتلة المادة الوراثية التي تشتمل على الخريطة الكاملة لحياة الإنسان المادية، وما يعتريه من أمراض في المستقبل، والاختيار الفقهي: مشروع قراءة الجينوم البشري فرض كفاية، لكونه إضافة قيمة إلى العلوم الصحية والطبية, مع الضوابط الشرعية التي تضمن الحقوق الإنسانية).
البصمة الوراثية:
__________
(1) رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة ثبت كامل لأعمال الندوة الحادية عشرة" الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني- رؤية إسلامية" تحرير د/أحمد رجائي الجندي (2/1048) .(12/14)
من النادر جدا أن تجد اثنين من بين 6.2 بليون شخص في العالم متماثلين تماما في نمطهم الجيني وبالتالي النمط الظاهري إلا في حالة التوأم وحيد الزيجوت (التوأم المتشابه), وخلف الكم الهائل من الصفات البشرية عدد كبير من الجينات التي تتحكم فيها, ولا يقتصر عمل الجينات على التحكم في الصفات الظاهرية كلون العين والشعر والجلد والطول، بل هي مسؤولة عن توليد البروتينات المكونة لجسم الإنسان والبروتينات التي تتحكم في عملياته الحيوية. وتستخدم البصمة الوراثية في مجالات عديدة منها الطب الشرعي حيث يمكن الفصل في جرائم القتل والاعتداء الجنسي, وأصبح التعرف على المجرم مؤكدا إذا تطابقت بصمته الوراثية مع بصمة الـ (DNA) التي عثر عليها في مسرح الجريمة في نقطة دم أو سائل منوي أو شعر من آثار المجرم، ومهما كانت عينة الخلايا المتوفرة قليلة فإنه يمكن إكثار الـ (DNA) المتوفر فيها بتقنية تعرف باسم (سلسلة تفاعل البوليميريز التكرري) (Polymerase chain reaction) بما يولد كمية من الـ (DNA) كافية لإجراء جميع الدراسات اللازمة، ويمكن استخدام البصمة الوراثية في إثبات البنوة حيث لا بد من تطابق ألائل الطفل مع ألائل الأب والأم، إذ أن نمط الـ (DNA) للطفل هو مركب مشترك من نمط (DNA) الأم ونمط (DNA) الأب, فجميع قطع الـ (DNA) الموجودة في نمط الطفل حصل عليها من أبيه وأمه، ولا بد أن يكون في الأبوين ما يماثل ألائل الطفل (1) .
__________
(1) انظر: : البصمة الوراثية ومدى حجيتها في إثبات البنوة، بحث للدكتور سفيان محمد العسولي، من مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية (1/369). وانظر:
- Am. J.Human ,Human Genetics, Genetics, (1990), Pages 631-634.
-Kirby, L.T, DNA Finger Printing, Stockton Press New York, (1990) .(12/15)
يحتوي الحمض النووي الريبوزي المختزل (DNA) على المعلومات الوراثية للخلية في تتابع الشفرة الوراثية (تتابع القواعد النيتروجينية الأربع الأدينين والجوانين والسيتوزين والثيامين) التي تكون المادة الوراثية، وقد تمكن "أليك جيفرس" من جامعة لستر بالمملكة المتحدة من اكتشاف اختلاف تتابع الشفرة الوراثية في منطقة الإنترون (Intron) (1) متمثلة في الطول والموقع، وأطلق على هذه الاختلافات (البصمة الوراثية)، ومن الجدير بالذكر أن 10% فقط من الجينوم البشري (human genomes) يحتوي على تتابعات ترمز لبروتينات معينة أو ما يعرف بـ (exons)، ويفصلها عن بعضها البعض تتابعات أخرى لا ترمز لبروتينات معينة وتسمى (introns) ويرجح أن وظيفتها تنظيم ومتابعة عمل (exons). (2)
__________
(1) الإنترون كلمة إنجليزية: Intron ، وهي قطعة من DNA تنسخ عند تكوين RNA m، إلا أنها تحذف من التركيب النهائي له، ويبقى في RNA m نسخ قطع DNA التي تعرف بالإكسونات، ولا تعرف الوظيفة الأساسية للإنترونات، لكن الأبحاث الجارية تتوقع أن لها دورا في عملية النسخ الوراثي. انظر: موقع موسوعة ويكيبيديا على شبكة الإنترنت:
http://ar.wikipedia.org/wiki
(2) انظر: Kumar & Clark, Clinical medicine, fifth international edition. British
Medical Association. © Saunders, Elsevier limited 2004,page164.(12/16)
وجد "أليك جيفرس" سنة 1985م أن هذه الاختلافات ينفرد بها كل شخص كبصمة الإصبع، لذلك أطلق عليها اسم البصمة الوراثية، باستثناء نوع نادر من التوائم المتطابقة الناشئة عن انقسام بويضة واحدة مخصبة، فالبصمة الجينية هي التركيب الوراثي لمنطقة "الإنترون"، وينفرد به كل شخص عن غيره ويورثه، والطفل يحصل على نصفه من الأم، وعلى النصف الآخر من الأب، ليكون مزيجًا وراثيًا جديدًا يجمع بين خصائص الوالدين، فيها خصائص قدامى الأسلاف. كما وجد أن بصمة الجينات تختلف باختلاف الأنماط الجغرافية للجينات في شعوب العالم، فتختلف البصمة الجينية عند الآسيويون (الجنس الأصفر أو المغولي) عن الأفارقة (1) ، وأسس "أليك جيفرس" أول شركة تجارية لفحص البصمة الوراثية سنة 1987م "سل مارك" CELLMARK (2) ،
__________
(1) انظر: الأساليب الوراثية لإثبات النسب، البصمة الجينية، الثلاثاء 7 مارس 2000م، على موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/iol-arabic/qadaya/qd1.asp
(2) انظر: : مختبرات سل مارك، CELLMARK-LABS، التي تجري تحليل البصمة الوراثية، موقع شركة سل مارك على شبكة الإنترنت وأبحاثها التي تقوم بها:
http://www.cellmark-labs.com/CompanyFrames.html(12/17)
ولايزال يطور تقنية فحص البصمة الوراثية إلى اليوم، وتمكن من إجراء تحليل البصمة الوراثية خلال 48 ساعة، بعد أن كان يستغرق ثلاثة أسابيع، كما استطاع إجراء فحص البصمة الوراثية من أثر اللعاب الملصق على طابع بريدي منذ عدة سنوات (1) ، يقول الدكتور محمد باخطمة: (تتكون كل بصمة من وحدات كيماوية ذات شقين، محمولة في المورثات، وموزعة بطريقة مميزة، تفرق بدقة بارعة كل فرد من الناس عن الآخر، وتتكون البصمة منذ فترة الانقسام في البويضة الملقحة، وتبقي كما هي حتى بعد الموت، ويرث كل فرد أحد شقي البصمة من الأب والآخر من الأم، بحيث يكون الشقان بصمة جديدة، ينقل الفرد أحد شقيها إلى أبنائه). (2) ويقول الدكتور عبد الهادي مصباح: (الحامض النووي عبارة عن بصمة جينية لا تتكرر من إنسان إلي آخر بنفس التطابق، وتحمل كل ما سوف يكون عليه هذا الإنسان من صفات وخصائص وأمراض وشيخوخة وعمر، منذ التقاء الحيوان المنوي للأب ببويضة الأم وحدوث الحمل)، (3) ويستطيع علماء الوراثة إثبات الأبوة والبنوة أو نفيهما بالبصمة الوراثية، ونسبة صحتها في نفي النسب 100%، أما في حالة الإثبات فتصل إلي 99.9 %، للاحتمال النادر لتوأم وحيد الزيجوت.
تعيين البصمة الوراثية: (4)
__________
(1) انظر: البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية –دراسة فقهية مقارنة- للدكتور سعد الدين مسعد هلالي، قسم الفقه وأصول الفقه-كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الكويت ص49-50.
(2) مناقشات جلسة المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي عن البصمة الوراثية في دورته الخامسة عشرة ، ص 25.
(3) الاستنساخ بين العلم والدين لعبد الهادي مصباح ص 105 .
(4) انظر: البصمة الوراثية ومدى حجيتها في إثبات البنوة، بحث للدكتور سفيان محمد العسولي، من مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية (1/385-387). وانظر:
Human Genetics (1990) Am. J.Human, Genetics. 631-634.(12/18)
يحتاج تعيين بصمة الجينات إلى عينة صغيرة من الأنسجة التي يمكن استخلاص الحمض النووي الريبوزي DNA منها، فعلى سبيل المثال: عينة من الدم في حالة إثبات البنوة، وعينة من الحيوان المنوي في حالة الاغتصاب، وقطعة جلد من تحت الأظافر أو شعيرات من الجسم بجذورها في حالة الوفاة بعد مقاومة المعتدي، وعينة من الدم أو السائل المنوي الجاف أوعينة من اللعاب في مسرح جريمة القتل، ورغم أن جزيء الـ DNA صغير إلى درجة فائقة بحيث لو جمع كل الـ DNA الذي تحتويه أجساد البشر لما زاد وزنه عن 36 ملجم، فإن البصمة الوراثية تعتبر كبيرة نسبيًّا وواضحة، وهي مع بساطتها تختلف من شخص لآخر، ويكفي لاختبار البصمة الوراثية بوضوح نقطة دم صغيرة أوشعرة واحدة أو قطرة لعاب، وتوصل د.آليك جيوفريس في أبحاثه إلى أن البصمة الوراثية لا تتغير من مكان لآخر في جسم الإنسان، بل تبقى ثابتة في جميع أنسجة الإنسان، فالبصمة الوراثية في العين تماثل البصمة الوراثية في الكبد والقلب والشعر. وتمكَّن الباحثان الأستراليان رولند فان وماكسويل جونز في عام 1997م من عزل المادة الوراثية من الأشياء التي تم لمسها مثل المفاتيح والتليفون والأكواب، وقد تمسح بصمة الأصابع بسهولة، أما بصمة الـ DNA يستحيل أن يمسحها الإنسان من ورائه، فبمجرد المصافحة ينتقل الـ DNA إلى يد مَن تصافحه، وبعد استخلاص المادة الوراثية يتم تقطيعها باستخدام Enzymes Restriction إنزيمات التحديد، ثم تفصل باستخدام جهاز الفصل الكهربائي Electrophoresis، ثم تُنقل إلى غشاء نايلون، وباستخدام مسبار خاص Probes يتم تعيين بصمة الجينات على فيلم أشعة (1) ،
__________
(1) انظر: مجالات الهندسة الوراثية - الهندسة الوراثية والطب الشرعي، د/ وجدي سواحل، السبت1 أبريل.2000م، إسلام أون لاين، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/iol-arabic/qadaya/tech-4.asp(12/19)
ويمكن تطبيق هذه التقنية والاستفادة منها في المجالات التالية:
1 – إثبات النسب أو نفيه، وما يتعلق بذلك من تمييز المواليد المختلطين في المستشفيات أو في حال الاشتباه في أطفال الأنابيب أوعند الاختلاف أو التنازع في طفل مفقود بسبب الكوارث والحوادث أو الطفل اللقيط أو حال الاشتراك في وطء شبهة وحصول الحمل أو عند حمل المرأة من وطء رجلين، كما لو تم اغتصاب المرأة بأكثر من رجل في وقت واحد، أو ادعاء شخص ببينة وشهود نسب طفل عند آخر قد نسب إليه من قبل.
2 – تحديد الشخصية أو نفيها مثل عودة الأسرى والمفقودين بعد غيبة طويلة، والتحقق من شخصيات المتهربين من عقوبات الجرائم، وتحديد شخصية الأفراد في حالة الجثث المشوهة في الحروب والحوادث، والتحقق من دعوى الانتساب إلى قبيلة ما أو تحديد القرابة لعائلة معينة.
3 – إثبات أو نفي الجرائم بالاستدلال بما خلفه الجاني في مسرح الجريمة من خلايا بشرية تدل على هويته، كما هو الحال في دعاوى الاغتصاب والزنا والقتل والسرقة وخطف الأولاد وغير ذلك.
مشروعية البصمة الوراثية:
البصمة لغة: البصمة مشتقة من البُصْم، والبُصْم: فَوْتُ ما بين طَرَفِ الخِنْصِر إِلى طرَف البِنْصِر، قال ابن الأَعرابي: يقال ما فارَقْتُك شِبْراً ولا فِتْراً ولا عَتَباً ولا رَتَباً ولا بُصْما، قال: البُصْم ما بين الخِنْصِر والبِنْصِر، والعَتَب والرَّتَب ما بين الوَسط والسبَّابة، والفِتر ما بين السبَّابة والإِبهام، والشِّبْرُ ما بين الإِبهام والخِنْصِر، والفوْت ما بين كل أُصْبُعَيْن طُولاً. (1) ، وبصم بصماً ختم بطرف إصبعه، والبصمة أثر الختم بالإصبع (2) ، فالبصمة عند الإطلاق بصمات الأصابع، وهي الانطباعات التي تتركها الأصابع عند ملامستها سطحها مصقولاً.
تعريف المجامع العلمية الفقهية للبصمة الوراثية:
(
__________
(1) لسان العرب (12/50-51).
(2) المعجم الوسيط (1/60).(12/20)
1) عرف مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة البصمة الوراثية بأنها: (البنية الجينية ـ نسبة إلى الجينات ـ أي المورثات التي تدل على هوية كل إنسان بعينه، وأفادت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة، لتسهيل مهمة الطب الشرعي، ويمكن أخذها من أي خلية بشرية من الدم أواللعاب أوالمني أوالبول أوغيره، مما يسهل على القاضي الاعتماد عليها في مسائل النسب وكشف المجرمين وإثبات الجرائم). (1)
(2) وعرفت الندوة الوراثية والهندسة الوراثية المنبثقة عن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت بأنها: (البنية الجينية التفصيلية التي تدل على هوية كل فرد بعينه). (2)
(3) وجاء في الحلقة النقاشية سنة 2000م للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت عن البصمة الوراثية وأثرها في إثبات النسب: (كل إنسان يتفرد بنمط خاص في التركيب الوراثي ضمن كل خلية من خلايا جسده، لا يشاركه فيه أي شخص آخر في العالم، ويطلق على هذا النمط البصمة الوراثية). (3)
__________
(1) انظر: بيان مكة المكرمة للمجمع الفقهي الإسلامي قرارمجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21 ـ 26/10/1422هـ الذي يوافقه من 5 ـ 10/1/2002م، جريدة الشرق الأوسط الجمعة11/1/2002، العدد 8445.
(2) توصيات الندوة الحادية عشرة" الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني- رؤية إسلامية" تحرير د/أحمد رجائي الجندي (2/1050) .
(3) رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة ثبت كامل لأعمال "االحلقة النقاشية حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب" في الفترة 3-4 مايو 2000م، تحرير د/أحمد رجائي الجندي ود/ سعد الدين هلالي ص260-261.
وانظر: موقع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت على شبكة الإنترنت:
http://www.islamset.com/arabic/abioethics/basma/index.html .(12/21)
حجية البصمة الوراثية عند الفقهاء المعاصرين:
(1) جاء في توصية ندوة الوراثية والهندسة الوراثية المنبثقة عن المنظمة الإسلامية للعلوم
الطبية والمنعقدة في الكويت في الفترة 3-4/5/2000 م : (البصمة الوراثية من الناحية العملية وسيلة لا تكاد تخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية والتحقق من الشخصية، ولا سيما في مجال الطب الشرعي، وهي ترقى إلى مستوى القرائن القوية التي يأخذ بها أكثر الفقهاء في غير قضايا الحدود الشرعية، وتمثل تطوراً عصرياً عظيما في مجال القيافة، التي يذهب إليها جمهور الفقهاء في إثبات النسب المتنازع فيه، ولذلك ترى الندوة أن يؤخذ بها في كل ما يؤخذ فيه بالقيافة من باب أولى، ولا يعمل بالبصمة الوراثية في إثبات النسب إلا في حال التنازع مع تساوي الأدلة بدلاً من القيافة، مع مراعاة ضوابط السلامة للعمل بالبصمة الوراثية).
((12/22)
2) وجاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة 5-10/1/2002 م: (بعد الاطلاع على ما اشتمل عليه تقرير اللجنة التي كلفها المجمع في الدورة الخامسة عشرة بإعداده، من خلال إجراء دراسة ميدانية مستفيضة للبصمة، والإطلاع على البحوث التي قدمت في الموضوع من الفقهاء والأطباء والخبراء، والاستماع إلى المناقشات التي دارت حوله، تبين من ذلك كله أن نتائج البصمة الوراثية تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلي الوالدين أو نفيهم عنهما، وفي إسناد العينة من المني أو الدم أو اللعاب التي توجد في مسرح الحادث إلى صاحبها، فهي أقوى بكثير من القيافة العادية التي هي إثبات النسب بوجود الشبه الجسماني بين الأصل والفرع، وأن الخطأ في البصمة الوراثية ليس وارداً من حيث هي، وإنما الخطأ في الجهد البشري أو عوامل التلوث ونحو ذلك). (1)
(
__________
(1) قرار المجمع الفقهي برابطة العالم في دورته السادسة عشر المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21-26/10/1422 هـ الذي يوافقه 5-10/1/2002 م بشأن البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها، القرار السابع. القرار ملحق كاملا بكتاب البصمة الوراثية ومدي مشروعية استخدامها في النسب والجناية، تأليف الدكتور عمر بن محمد السبيل إمام وخطيب المسجد الحرام وعضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بجامعة أم القرى ص57-ص60.(12/23)
3) وجاء في فتوى قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت فتوى رقم 2/2هـ/96 (3802): (إن كانت البصمة الوراثية قطعية الدلالة على مضمونها فإنه يجوز الحكم بها لنفي النسب دون إثباته من الأب، لأن تطابق الجينات الوراثية بين الابن وأبيه قد ينتج عن علاقة غير شرعية (سفاح)، وبالتالي لا تكون دليلا لإثبات النسب، أما إذا لم تكن قطعية الدلالة فلا يجوز الحكم بها في إثبات النسب ولا في نفيه). (1)
قلت: لا يشترط في البينة أن تكون قطعية، بل يكفي فيها غلبة الظن كشهادة الشهود.
مجالات العمل بالبصمة الوراثية:
يمكن استخدام البصمة الوراثية في مجالات كثيرة، ترجع في مجملها إلي مجالين رئيسين هما:
1- مجال النسب: في إثبات البنوة أو الأبوة لشخص أو نفيها عنه، وفي حال اتهام المرأة بالحمل من زنا أو وطء شبهة. (2)
2- المجال الجنائي: وهو مجال واسع يدخل ضمنه الكشف عن هوية المجرمين في ارتكاب جناية القتل أو الاغتصاب أو انتحال الشخصية ونحوها.
أولا: استخدام البصمة الوراثية في مجال النسب شرعا:
__________
(1) مجموعة الفتوى الشرعية الصادرة عن قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية في دولة الكويت (12/315-316).
(2) انظر : ملاحق الحلقة النقاشية حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب: 1- بحث دور البصمة الوراثية في اختبارات الأبوة للدكتورة صديقة العوضي ص267-268، 2- بحث البصمة الوراثية ومدى حجيتها في إثبات ونفي النسب للدكتور سعد العنزي ص 271-272، 3- بحث إثبات النسب بالبصمة الوراثية للدكتور محمد سليمان الأشقر ص 275-277، 4- بحث البصمة الجينية ودورها في إثبات النسب للدكتور حسن الشاذلي 281-284.(12/24)
النسب لغة: النَّسَب نَسَبُ القَراباتِ، وهو واحدُ الأَنْساب، قال ابن سيده: النِّسْبَةُ والنُّسْبَةُ والنَّسَب: القَرابةُ؛ وقيل: هو في الآباء خاصَّةً، قال في التهذيب: النَّسَبُ يكون بالآباءِ، ويكونُ إِلى البلاد، ويكون في الصِّناعة، وانْتَسَبَ واسْتَنْسَب ذَكَرَ نَسَبه، وقال ابْنُ السِّكِّيت: ويكونُ من قِبَلِ الأُمِّ والأَب، قال أَبو زيد: يقال للرجل إِذا سُئِلَ عن نَسَبه: اسْتَنْسِب لنا، أَي انْتَسِبْ لنا حتى نَعْرِفَك، ونَسَبَهُ يَنْسُبُهُ ويَنْسِبُه نَسَبا عَزاه، ونَسَبْتُ فلاناً إِلى أَبيه أَنْسُبه وأَنْسِبُهُ نَسْبا، إِذا رَفَعْت في نَسَبه إِلى جَدِّه الأَكبر، قال الجوهري: نَسَبْت الرجلَ أَنْسُبه بالضم، نِسْبةً ونَسْباً إِذا ذَكَرْتَ نَسَبه، وانْتَسَب إِلى أَبيه أَي اعْتَزَى، وناسَبَه شَاركَه في نَسَبِهِ، والنَّسِيب المُناسِب، والجمع نُسَباءُ وأَنْسِباء، وفلانٌ يناسِبُ فلاناً فهو نَسِيبه أَي قَريبه، وتَنَسَّبَ إليك أَي ادَّعَى أَنه نَسِيبُك، وفي المثل: القَريبُ مَن تَقَرَّبَ، لا مَنْ تَنَسَّبَ، ورجل نَسِيبٌ مَنْسُوب ذو حَسَبٍ ونَسَب، ويقال: فلانٌ نَسِيبِي، وهم أَنْسِبائي، والنَّسَّاب: العالم بالنَّسَب، وجمعه نَسَّابون، وهو النَّسَّابة، أَدخَلوا الهاءَ للمبالغة والمدح، وهوالبليغ العالم بالأَنساب. (1)
النسب اصطلاحا:
__________
(1) انظر: لسان العرب (1/755)، تهذيب اللغة (13/12)، تاج العروس (4/261)، القاموس المحيط (1/131)، المصباح المنير (2/602).(12/25)
اكتفى الفقهاء بتعريف النسب بمعناه اللغوي العام، وهو مطلق القرابة بين شخصين، وهو الذي يفيد صحة ثبوت النسب لشخص ما، أو عدم ثبوته له. ومن تلك التعريفات العامة قول صاحب كفاية الطالب أبو الحسن المالكي: (الأنساب والأرحام كل من بينك وبينه قرابة) (1) ، وقال الإمام الدسوقي: (النسب الانتساب لأب معين) (2) ، وقال الإمام البهوتي: (النسب القرابة، وهي الاتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة قريبة أو بعيدة) (3) .
عناية الإسلام بالنسب :
__________
(1) كفاية الطالب (2/659) وانظر: الثمر الداني شرح رسالة أبي زيد القيرواني(1/719)، الفواكه الدواني (2/353).
(2) حاشية الدسوقي (3/412)، وانظر: منح الجليل (6/114)، .
(3) شرح منتهى الإرادات للبهوتي (2/500).(12/26)
أولت الشريعة الإسلامية النسب عناية بالغة، وأحاطته بالرعاية، بل جعله الشارع الحنيف من الضروريات الخمس الواجب حفظها، وامتنّ الله - عز وجل - على عباده بأن جعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، فقال - جل جلاله - : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } ]الحجرات:13[، ولا يتحقق ذلك إلا بمعرفة الأنساب وحفظها عن الاختلاط، ولم يبح الإسلام سوى العلاقة القائمة على نكاح شرعي بشروطه المعتبرة أو بملك يمين ثابت، قال - جل جلاله - : { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ] } المؤمنون 5-7[، ومن مظاهر عناية الإسلام بالنسب أنه حذر من إنكار النسب الثابت للأبناء بالتبرؤ منهم، أو انتساب الأبناء إلى غير آبائهم، فعن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سمع رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول -حين نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتَلاعِنَيْنِ-: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ على قَوْمٍ من ليس منهم فَلَيْسَتْ من اللَّهِ في شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا الله جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وهو يَنْظُرُ إليه احْتَجَبَ الله منه وَفَضَحَهُ على رؤوس الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ" (1) ،
__________
(1) رواه أبو داود في سننه (كتاب الطلاق-باب في التغليظ في الانتفاء2/279)، والنسائي في سننه (كتاب الطلاق-باب في التغليظ في الانتفاء من الولد6/179)، والحاكم في مستدركه على الصحيحين(2/220) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وابن حبان في صحيحه بترتيب ابن بلبان (9/418)، والدارمي في سننه(كتاب النكاح-باب من جحد ولده وهو يعرفه2/204)..(12/27)
كما حرم الشارع الانتساب إلى غير الآباء، فعن سعد بن أبي وقاص وَأَبي بَكْرَةَ رضي الله عنهما قَالا: سَمِعْنَا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من ادَّعَى إلى غَيْرِ أبيه وهو يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عليه حَرَامٌ" (1) ، كما أبطلت الشريعة التبني وحرمته لما يترتب عليه من مفاسد الاطلاع على محارم الغير ومشاركتهم في حقوقهم، وكان مألوفاً وشائعاً في الجاهلية وصدرا من الإسلام، حتى نزل قول الله - عز وجل - : { ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } ]الأحزاب:5[، ويلحق الإسلام مجهول النسب بمن ادعاه شريطة إمكان كونه منه عادة، عناية من الشريعة الإسلامية للنسب وتحقيقاً لمقاصده العظيمة.
الطرق الشرعية لإثبات النسب :
الطرق الشرعية لإثبات النسب خمسة: الفراش والاستلحاق والبينة والقافة والقرعة، فالثلاثة الأول محل اتفاق بين العلماء، أما الرابع فقال به الجمهور، والخامس فيه خلاف بين
أهل العلم. (2)
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي- بَاب غَزْوَةِ الطَّائِفِ في شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ قَالَهُ مُوسَى بن عُقْبَةَ 4/1572)، وفي (كتاب الفرائض-باب من ادعى إلى غير أبيه 6/2485)، ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان- باب حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلمه1/79)، وأبوداود في سننه (كتاب الأدب- باب في الرجل ينتمي إلى غير مواليه 4/330)، وابن ماجة في سننه (كتاب الحدود – باب من ادعى إلى غير أبيه 2/870)، وأحمد في مسنده(1/169-174)، (5/38).
(2) انظر: زاد المعاد (5/410).(12/28)
أولاً: الفراش: أجمع العلماء على إثبات النسب بالفراش، وهو أقوى الطرق، قال ابن القيم: (فأما ثبوت النسب بالفراش فأجمعت عليه الأمة) (1) ، والمراد بالفراش فراش الزوجية الصحيح أو ما يشبه الصحيح، فالصحيح هو عقد النكاح المعتبر شرعاً، حيث توفرت أركانه وشروطه، وانتفت موانعه، وأما ما يشبه الصحيح فهو عقد النكاح الفاسد، وهو المختلف في صحته وكذا الوطء بشبهة، فحكمهما حكم الوطء بنكاح صحيح فيما يتعلق بثبوت نسب المولود الناتج عن ذلك الوطء، لحديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ" (2) ، ويدخل في الفراش عند جمهور العلماء الوطء بملك اليمين، وهو ما يعبر عنه بعض الفقهاء بالاستيلاد، فإذا كان لرجل أمة يطؤها بملك اليمين فإنها فراش عند الجمهور (3) ،
__________
(1) المصدر السابق (5/410).
(2) رواه البخاري في صحيحه(كتاب البيوع- باب تفسير المشبهات2/724)، وفي(كتاب البيوع- بَاب شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ من الْحَرْبِيِّ وَهِبَتِهِ وَعِتْقِهِ 2/772)، وفي (كتاب الوصايا- بَاب قَوْلِ الْمُوصِي لِوَصِيِّهِ تَعَاهَدْ وَلَدِي 3/1007)، وفي(كتاب المغازي- بَاب من شهد الفتح 4/1564)، وفي (كتاب الفرائض- بَاب الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ حُرَّةً كانت أو أَمَةً 6/2481)، وفي (كتاب الفرائض- بَاب إثم من انتفى من ولده ومن ادَّعَى أَخًا أو ابن أَخٍ 6/2484)، ومسلم في صحيحه(كتاب الرضاع- بَاب الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَتَوَقِّي الشبهَاتِ2/1080)، وأبوداود في سننه(كتاب الطلاق- باب الولد الفراش2/282)، والنسائي في سننه(كتاب الطلاق-باب إلحاق الولد بالفراش 6/180)، وابن ماجة في سننه(كتاب النكاح-باب الولد للفراش وللعاهر الحجر1/646)، وأحمد في مسنده(6/129-200-237-246).
(3) انظر: حاشية عميرة (3/17)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب(3/415)، مغني المحتاج (3/413)، الذخيرة للقرافي (11/323)، التحبير شرح التحرير للمرداوي (5/2399)..(12/29)
أما الحنفية فيرون أن فراش الأمة فراش ضعيف، لا يلتحق الولد بصاحب الفراش إلا باستلحاقه. (1)
ثانياً: الاستلحاق : ويعبر عنه بـ (الإقرار بالنسب) ويكون غالبا في أولاد الإماء. والإقرار بالنسب على نوعين :
الأول : إقرار المقر على نفسه، كالإقرار بالبنوة ، أو الأبوة .
الثاني : إقرار المقر على غيره، وهو ما عدا الإقرار بالبنوة والأبوة كالإقرار بالأخوة، والعمومة. واشترط الفقهاء لصحة الإقرار بالنسب في كلا النوعين أن يكون المقر بالنسب بالغاً عاقلاً، وأن يكون المقر له بالنسب ممن يمكن ثبوت نسبه من المقر بأن يولد مثله لمثله، وأن يكون المقر له مجهول النسب، فلا يصح إبطال نسبه السابق، وألا يكذبَ المُقَرُّ له المُقِرَّ، إن كان أهلاً لقبول قوله، فإن كذبه فإنه لا يصح الإقرار، وأن لا يصرح المُقِرُّ بأن المُقَرَّ له ولده من الزنا، لأن الزنا لا يكون سبباً في ثبوت النسب، وأن لا ينازع المقرَّ بالنسب أحدٌ، لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر بمجرد الدعوى، فإن رُجِّح لأحدهما بالقيافة ثبت النسب لأحدهما بالقيافة لا بالإقرار. أما إقرار النسب على الغير، كالإقرار بأخ ونحوه، فيشترط اتفاق جميع الورثة على الإقرار، وأن يكون الملحق به النسب ميتاً، ولم ينفه في حياته باللعان. (2)
__________
(1) انظر: حاشية ابن عابدين ( 3/550)، بدائع الصنائع للكاساني (4/131)، شرح فتح القدير لكمال الدين(3/243).
(2) انظر: المبسوط للسرخسي ( 8/110) ، الاستذكار لابن عبد البر (7/179 ) ، المغني لابن قدامة (5/116)، منار السبيل(2/91).(12/30)
ثالثاً : البينة : أجمع الفقهاء على أن النسب يثبت لمدعيه بشهادة رجلين عادلين، واتفقوا على أن النسب لا يثبت بشهادة عدل ويمين، ولا بشهادة امرأتين ويمين (1) ، واختلفوا في ثبوت النسب بشهادة عدل وامرأتين أو شهادة أربعة نساء عادلات، وذهب جماهير أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة أنه لا يقبل في إثبات النسب بالشهادة إلا شهادة رجلين عدلين (2) ، وذهب الحنفية إلى أن النسب يثبت بشهادة عدلين أو عدل وامرأتين. (3)
رابعا: الشهرة والاستفاضة: ومعنى الشهرة أن تتداول الأخبار من جماعة يمتنع اتفاقهم على الكذب عادة، بأن فلانًا هو ابن فلان، قال ابن قدامة الحنبلي: (وأجمع أهل العلم على صحة الشهادة بها في النسب والولادة، قال ابن المنذر: أما النسب فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه، ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به، إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره، ولا تمكن المشاهدة فيه، ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أمه، ولا أحدا من أقاربه قال الله تعالى: { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ } ]البقرة:146[). (4)
__________
(1) انظر: جواهر الإكليل(2/304)، حاشية الجمل (5/394)، بداية المجتهد(2/360).
(2) انظر: جواهر الإكليل(2/304)، حاشية الجمل (5/394)، نيل المآرب(2/483-484).
(3) انظر: شرح فتح القدير لكمال الدين (6/7).
(4) المغني لابن قدامة المقدسي (10/164).(12/31)
خامسا: القيافة: وهي تتبع الآثار لمعرفة أصحابها، والقائف: من يتتبع الأثر ويعرف صاحبه، وجمعه قافة (1) ، والقائف في الاصطلاح الشرعي: هو الذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود (2) ، وتستعمل عند القائلين بها عند عدم الفراش والبينة، وحال الاشتباه في نسب المولود والتنازع عليه، فيعرض على القافة، واختلف العلماء في إثبات النسب بالقيافة على قولين مشهورين، فذهبت الحنفية (3) إلى عدم صحة الحكم بالقيافة في إثبات النسب، وذهب إلى اعتبار الحكم بالقيافة في إثبات النسب عند الاشتباه والتنازع جمهور الفقهاء من الشافعية (4) والحنابلة (5) والظاهرية (6) والمالكية في أولاد الإماء في المشهور من مذهبهم، وقيل : في أولاد الحرائر أيضاً (7) ،
__________
(1) انظر: القاموس المحيط ( 3/188 ).
(2) التعريفات للجرجاني ص 91، وعرفه الخطيب الشربيني بقوله: (من يُلحِق النسب بغيره عند الاشتباه بما خصه الله تعالي به من علم ذلك). مغني المحتاج (4/488).
(3) المبسوط (17/70 )، البحر الرائق (4/297).
(4) المهذب (1/444)، نهاية المحتاج (8/351).
(5) الكافي (2/368)، منار السبيل(1/434).
(6) المحلي لابن حزم (9/435)، (10/148).
(7) المدونة الكبرى (3/339)، تبصرة الحكام (2/91)، مختصر خليل (6/110)..(12/32)
قال ابن القيم: (وقد دَلَّتْ عليها سُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم، وَعَمَلُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَالصَّحَابَةِ من بَعْدِهِمْ، منهم عُمَرُ بن الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ وأبو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ وابن عَبَّاسٍ وَأَنَسُ بن مَالِكٍ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلا مُخَالِفَ لهم في الصَّحَابَةِ، وقال بها من التَّابِعِينَ سَعِيدُ بن الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءُ بن أبي رَبَاحٍ والزهري وَإِيَاسُ بن مُعَاوِيَةَ وَقَتَادَةُ وَكَعْبُ بن سود، وَمِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ اللَّيْثُ بن سَعْدٍ وَمَالِكُ ابن أَنَسٍ وَأَصْحَابُهُ، وَمِمَّنْ بَعْدَهُمْ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَإِسْحَاقُ وأبو ثَوْرٍ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ كلهم، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وَخَالَفَهُمْ في ذلك أبو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَقَالُوا: الْعَمَلُ بها تَعْوِيلٌ على مُجَرَّدِ الشَّبَهِ، وقد يَقَعُ بين الأَجَانِبِ وَيَنْتَفِي بين الأَقَارِبِ) (1) ، واشترط الجمهور في القائف أن يكون مسلماً مكلفاً، عدلاً، ذكراً، سميعاً، بصيراً، عارفاً بالقيافة، مجرباً في الإصابة (2) .
__________
(1) الطرق الحكمية ص 315.
(2) انظر: تبصرة الحكام (2/91)، وروضة الطالبين (8/374)، كشاف القناع (4/202)، المحلي (10/148).(12/33)
سادسا القرعة: أضعف طرق إثبات النسب الشرعي، ولم يقل بها جمهور الفقهاء، وذهب إلى اعتبارها الظاهرية (1) والمالكية في أولاد الإماء (2) والشافعي في القديم (3) ، وبعض الشافعية عند تعارض البينتين (4) ، والإمام أحمد في رواية عنه (5) ، وابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه (6) ،
__________
(1) المحلى (10/51).
(2) الخرشي على مختصر سيدي خليل (6/105).
(3) السنن الكبرى للبيهقي (10/267)، معالم السنن للخطابي (3/177).
(4) المهذب (1/445)، روضة الطالبين (5/440).
(5) المغني (6/344)، إعلام الموقعين(2/63).
(6) المغني (6/344)، معالم السنن (3/177)..(12/34)
واحتج القائلون بها بحديث زَيْدِ بن أَرْقَمَ - رضي الله عنه - قال: كنت جَالِسًا عِنْدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فَجَاءَ رَجُلٌ من الْيَمَنِ، فقال: إِنَّ ثَلاثَةَ نَفَرٍ من أَهْلِ الْيَمَنِ أَتَوْا عَلِيًّا يَخْتَصِمُونَ إليه في وَلَدٍ، وقد وَقَعُوا على امْرَأَةٍ في طُهْرٍ وَاحِدٍ، فقال: لاثْنَيْنِ مِنْهُمَا طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا فَغَلَيَا، ثُمَّ قال لاثْنَيْنِ: طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا فَغَلَيَا، ثُمَّ قال لاثْنَيْنِ: طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا فَغَلَيَا، فقال: أَنْتُمْ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ، إني مُقْرِعٌ بَيْنَكُمْ فَمَنْ قُرِعَ فَلَهُ الْوَلَدُ، وَعَلَيْهِ لِصَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَجَعَلَهُ لِمَنْ قُرِعَ، فَضَحِكَ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى بَدَتْ أَضْرَاسُهُ أو نَوَاجِذُهُ (1) .
__________
(1) رواه أبوداود في سننه(كتاب الطلاق-باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا بالولد 2/281)، والنسائي في سننه(كتاب الطلاق-باب القرعة في الولد 6/182)، وابن ماجة في سننه (كتاب الأحكام-باب القضاء بالقرعة 2/786)، والطبراني في معجمه الكبير(5/173)، والحاكم في مستدركه(2/225) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وأيضا في (3/146)، والنسائي في سننه الكبرى(كتاب الطلاق-باب القرعة إذا تنازعوا في الولد 3/179)، وفي (كتاب القضاء-باب الحكم بالقرعة 3/496)، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (6/286)، والبيهقي في سننه الكبرى(10/267) وقال: أخرجه أبو داود في كتاب السنن عن مسدد وكذلك رواه محمد بن سالم الكوفي عن الشعبي، ومحمد بن سالم متروك، والأجلح بن عبد الله قد روى عنه الأئمة: الثوري وابن المبارك ويحيى بن القطان إلا أنه لم يحتج به الشيخان البخاري ومسلم، وعبد الله بن الخليل ينفرد به، واختلف عليه في إسناده ورفعه. وقال أحمد بن حنبل في الحديث: (لا أعرفه صحيحا) وأوهنه..شرح منتهى الإيرادات للبهوتي(2/545).(12/35)
قال ابن القيم: (اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ في حُكْمِ هذا الحديث، فَذَهَبَ إلَى الْقَوْل بِهِ إِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ وقال: هو السُّنَّةُ في دَعْوَى الْوَلَدِ، وكان الشَّافِعِيُّ يقول بِهِ في الْقَدِيمِ، وَأَمَّا الإِمَامُ أَحْمَدُ فَسُئِلَ عنه فَرَجَّحَ عليه حَدِيثَ القافة، وقال: حَدِيثُ الْقَافَةِ أَحَبُّ إلي) (1) ، قال ابن حزم معلقا على الحديث: (لا يضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون أن ينكر ما يرى أو يسمع ما لا يجوز البتة إلا أن يكون سروراً به، وهو عليه الصلاة والسلام لا يسر إلا بالحق، ولا يجوز أن يسمع باطلاً فيقره، وهذا خبر مستقيم السند نقلته كلهم ثقات، والحجة به قائمة، ولا يصح خلافه البتة) (2) ، وقال الإمام الخطابي: (وفيه إثبات القرعة في أمر الولد، وإحقاق القارع) (3) ، والقرعة عند القائلين بها لا يصار إلى الحكم بها إلا عند تعذر غيرها من طرق إثبات النسب من فراش أو بينة أو قيافة، أو في حال تساوي بينتين، أو تعارض قول القافة، فيصار حينئذ إلي القرعة حفاظاً للنسب عن الضياع، وقطعاً للنزاع والخصومة، يقول ابن القيم: (إذَا تَعَذَّرَتْ الْقَافَةُ وَأَشْكَلَ الأَمْرُ عليها كان الْمَصِيرُ إلَى الْقُرْعَةِ أَوْلَى من ضَيَاعِ نَسَبِ الْوَلَدِ وَتَرْكِهِ هَمْلا لا نَسَبَ له، وهو يَنْظُرُ إلَى نَاكِحِ أُمِّهِ وَوَاطِئِهَا، فَالْقُرْعَةُ ههنا أَقْرَبُ الطُّرُقِ إلَى إثْبَاتِ النَّسَبِ، فَإِنَّهَا طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ وقد سُدَّتْ الطُّرُقُ سِوَاهَا). (4)
الطريق الشرعي لنفي النسب :
__________
(1) إعلام الموقعين (2/63).
(2) المحلى (10/150).
(3) معالم السنن للخطابي (3/177).
(4) الطرق الحكمية ص 342.(12/36)
من محاسن الشريعة رعايتها للأنساب وعنايتها بالحفاظ عليها، وتشوفها إلي ثبوت النسب ودوامه، وتشديدها في نفيه وإبطاله متى ما ثبت بطريق شرعي، فلا تقبل الشريعة نفي الزوج نسب ابنه بعد ثبوته بعقد الزوجية دون بينة إلا باللعان.
اللعان اللغة وشرعا: مشتق من اللعن، وهو الطرد والإبعاد من الخير، سمي بذلك لأن الزوج يلعن نفسه في الشهادة الخامسة، أو لأن أحد الزوجين عرضة للطرد والإبعاد من رحمة الله بسبب كذبه وافترائه (1) ، واللعان في الشرع: شهادات مؤكدات بأيمان من زوجين مقرونة بلعن وغضب (2) .
__________
(1) انظر: لسان العرب (13/387).
(2) انظر: بدائع الصنائع 3(/241)، كشاف القناع (5/390). ...(12/37)
مشروعية اللعان: يقول الله - عز وجل - : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ - وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ - وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ - وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ } ]النور:7-10[،، وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلا لاعَنَ امْرَأَتَهُ في زَمَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وَانْتَفَى من وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ (1) ، كما انعقد الإجماع على مشروعية اللعان (2) .
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الطلاق- باب يلحق الولد بالملاعنة 5/2036)، وفي (كتاب الفرائض- بَاب ميراث الملاعنة 6/2048)، ومسلم في صحيحه(كتاب اللعان 2/1132)، وأبوداود في سننه(كتاب الطلاق- باب في اللعان 2/278)، والنسائي في سننه(كتاب الطلاق-بَاب نَفْيِ الْوَلَدِ بِاللِّعَانِ وَإِلْحَاقِهِ بِأُمِّهِ6/178)، وابن ماجة في سننه(كتاب الطلاق-باب اللعان 1/679)، ومالك في الموطأ(كتاب الطلاق-باب ما جاء في اللعان 2/567)، وأحمد في مسنده(2/126).
(2) نقل الإجماع: ابن المنذر في الإجماع ص85، ابن حزم في مراتب الإجماع ص80،ابن حجر في فتح الباري(9/440).(12/38)
ولا يشرع اللعان إلا حين يعلم الزوج بزنا زوجته إما برؤية، أو إخبار ثقة، أو مشاهدة رجل فاجر يدخل عليها، أو باستفاضة زنا عند الناس، فإن كان يحتاج إلى نفي حمل أو مولود فإنه لا ينتفي منه لولادته على فراشه دون بينة إلا باللعان (1) . واشترط الفقهاء لصحة اللعان أن يكون الزوجان مكلفيْن، والزوجُ مختاراً غيرَ مكره، فيقذف الزوج زوجته بالزنا وتكذبه، وأن يكون اللعان بأمر من الإمام أو نائبه. (2)
صفة اللعان : أن يأمر الإمام أو نائبه الزوج أن يلاعن زوجته، فيقول: أشهد بالله إن زوجتي هذه قد زنت، ويسميها باسمها، أو يشير إليها، ويكرر ذلك أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وإذا أراد نفي ولد قال: وأن هذا الولد من زنا وليس مني، فإذا فرغ الزوج من لعانه قالت الزوجة: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتكرر ذلك أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وإن كان الزوج قد نفى ولدها، قالت: وإن هذا الولد منه وليس من الزنا.
آثار اللعان: إذا تم اللعان على الصفة المشروعة ترتب عليه الأحكام التالية:
1- انتفاء الولد من الزوج إذا صرح بنفيه، ولحوق نسب الولد بأمه.
2- سقوط حد القذف عن الزوج إن كانت زوجته عفيفة، وسقوط التعزيز عنه إن لم تكن عفيفة، وسقوط حد الزنا عن الزوجة.
__________
(1) انظر: المهذب (2/119)، المغني (7/416،420) ، الموسوعة الفقهية الكويتية (35/247-248).
(2) انظر: بدائع الصنائع 3(/237)، البحر الرائق (4/122)، الخرشي على خليل (4/124)، أسهل المدارك (2/174)، المهذب (2/125)، مغني المحتاج (4/374)، المغني (7/416)، كشاف القناع (5/394).(12/39)
3- وقوع الفرقة المؤبدة بين الزوجين، وتحريم نكاحها عليه على التأبيد لقوله - صلى الله عليه وسلم - :"لا سبيل لك عليها". (1)
فاللعان سبيل شرعي لنفي النسب، وأبطل الإسلام الطرق التي كانت شائعة في الجاهلية
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الطلاق- بَاب قَوْلِ الإِمَامِ لِلْمُتَلاعِنَيْنِ إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ 5/2035)، وفي (كتاب الطلاق-باب المتعة 5/2046)، مسلم في صحيحه (كتاب اللعان 2/1131)، وأبوداود في سننه(كتاب الطلاق- باب في اللعان 2/278)، وأحمد في مسنده(2/11).(12/40)
من التبني وتحويل النسب أو التنازل عنه للغير، وأجمعت الأمة علي تحريمها (1) ، لقول الله - عز وجل - : { ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } ]الأحزاب:5[، وعن سعد بن أبي وقاص وَأَبي بَكْرَةَ رضي الله عنهما قَالا سَمِعْنَا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من ادَّعَى إلى غَيْرِ أبيه وهو يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عليه حَرَامٌ" (2) ، وعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تَرْغَبُوا عن آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عن أبيه فَهُوَ كُفْرٌ" (3) ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب". (4)
حكم استخدام البصمة الوراثية في مجال النسب:
__________
(1) نقل القول بالإجماع: صاحب فتح الباري (12/44)، ابن بطال شرح صحيح البخاري(7/51)، العيني في عمدة القاري(13/51)، المناوي في فيض القدير(6/377)، الشوكاني في نيل الأوطار(6/188).
(2) تقدم تخريجه صفحة 415.
(3) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الفرائض-باب من ادعى إلى غير أبيه 6/2485)، ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان- بَاب بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ من رَغِبَ عن أبيه وهو يَعْلَمُ 1/79)، وأحمد في مسنده(2/526)، وأبوعوانة في مسنده(1/33)، وأبونعيم الأصبهاني في المسند المستخرج على صحيح مسلم(1/150).
(4) رواه الحاكم في المستدرك (4/379) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (11/326)، والبيهقي في سننه الكبرى (10/292-293)، والشافعي في مسنده ص338، قال في أرواء الغليل (6/109) حديث صحيح.(12/41)
لا خلاف بين الفقهاء أن النسب الشرعي لا يثبت في حال تصادم النسب مع الواقع الحسي، قال صاحب أضواء البيان:(من ولدت امرأته ولدًا لا يمكن أن يكون منه فإن الولد لا يلحقه ولا يحتاج إلى نفيه بلعان؛ لأنه معلوم أنه ليس منه، كما لو تزوّج امرأة فجاءت بولد كامل لأقلّ من ستّة أشهر؛ لأن أقل أمد الحمل ستّة أشهر، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وككون الزوج صبيًّا لا يولد لمثله عادة لصغره ونحو ذلك) (1) ، قال العراقي: (وهذا مذهب مالك (2) والشافعي (3) وأحمد (4) والعلماء كافة إلا أبا حنيفة (5) فلم يشترط الإمكان، بل اكتفى بمجرد العقد) (6) ، أما الإمام السرخسي فقال: (فأما إذا كان مثله لا يولد لمثله لا يثبت النسب منه، لأن الحقيقة تكذبهما). (7)
ويرى كثير من الفقهاء المعاصرين قياس البصمة الوراثية على القيافة من باب أولى، وإثبات أحكام القيافة للبصمة الوراثية، واعتبارها قرينة قوية يؤخذ بها في غير قضايا الحدود، والظاهر أن هذا القياس بعيد للأمور التالية:
1 – أن البصمة الوراثية قائمة على أساس علمي محسوس متناهي في الدقة، والخطأ فيه مستبعد، بخلاف القيافة التي تقوم على الاجتهاد والفراسة، ومبنية على الظن، والخطأ فيها وارد، فالفرق بينهما كالفرق بين القطعي المحسوس والظني.
2 – أن القيافة يعمل بها في مجال الأنساب فقط، بخلاف البصمة الوراثية التي يعمل بها في مجالات أخرى كتحديد الجاني وشخصية المفقود.
__________
(1) أضواء البيان لمحمد الأمين الشنقيطي (5/482-483).
(2) انظر: التاج والإكليل لمختصر خليل(4/133).
(3) المهذب (2/120)، مغني المحتاج للشربيني(3/396).
(4) المغني لابن قدامة (4/99).
(5) انظر: حاشية ابن عابدين (4/583)، البحر الرائق (6/17) وقال:(دواعي الوطء كالوطء).
(6) طرح التثريب (7/119)، وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي(10/38)، عون المعبود شرح سنن أبي داود(6/262).
(7) المبسوط للسرخسي (10/213).(12/42)
3 – أن القافة يمكن أن يلحقوا الطفل بأبوين لوجود الشبه بينهما (1) ، أما البصمة الوراثية فلا يمكن أن تلحق طفلا بأبوين، إلا أن يكون الأبوان توأمين من بويضة واحدة مخصبة، ويستبعد اختلاف نتائج البصمة الوراثية ولو قام بها أكثر من خبير.
وعليه فالبصمة الوراثية باب مختلف تماما عن القيافة، وهو بينة مستقلة وقرينة قوية يؤخذ بها في الحكم الشرعي إثباتاً ونفياً للأمور التالية:
__________
(1) انظر: كشاف القناع للبهوتي (5/426)، المبدع لابن مفلح (5/309).(12/43)
1 – أن البينة لم تأت في الكتاب والسنة محصورة في الشهادة والإقرار فحسب، بل كل ما أظهر الحق وكشفه فهو بينة، قال تعالى: { قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ - قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ - فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ - وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ } ]الأعراف:105-108[، وفي وجه الدلالة: قال ابن القيم : (فَالْبَيِّنَةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ، وَمَنْ خَصَّهَا بِالشَّاهِدَيْنِ أو الأَرْبَعَةِ أوالشاهد لم يُوَفِّ مُسَمَّاهَا حَقَّهُ، ولم تَأْتِ الْبَيِّنَةُ قَطُّ في الْقُرْآنِ مُرَادًا بها الشَّاهِدَانِ، وَإِنَّمَا أَتَتْ مُرَادًا بها الْحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ مُفْرَدَةً ومجموعة، وَكَذَلِكَ قَوْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم: "الْبَيِّنَةُ على الْمُدَّعِي" (1)
__________
(1) حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه الترمذي في سننه(كتاب الأحكام -بَاب ما جاء في أَنَّ الْبَيِّنَةَ على الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ على الْمُدَّعَى عليه3/625) وقال الترمذي: هذا حَدِيثٌ في إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَمُحَمَّدُ بن عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيُّ يُضَعَّفُ في الحديث من قِبَلِ حِفْظِهِ، ضَعَّفَهُ ابن الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ..أما حديث ابن عباس رضي الله عنهما "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه" فرواه البخاري (كتاب التفسير-باب { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لهم } ]آل عمران:77[ 4/1656)، ومسلم في صحيحه(كتاب الأقضية-باب اليمين على المدعى عليه 3/1336)، وابن ماجة في سننه(كتاب الأحكام-باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه2/778)، والبيهقي في سننه الكبرى(5/331)، (9/130)، 10/252)، قال الإمام النووي: في رواية البيهقي وغيره بإسناد حسن أو صحيح زيادة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، وهذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع. شرح النووي على صحيح مسلم (12/2-3).(12/44)
الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ عليه بَيَانُ ما يُصَحِّحُ دَعْوَاهُ لِيَحْكُمَ له، وَالشَّاهِدَانِ من الْبَيِّنَةِ، وَلا رَيْبَ أَنَّ غَيْرَهَا من أَنْوَاعِ الْبَيِّنَةِ قد يَكُونُ أَقْوَى منها لِدَلالَةِ الْحَالِ على صِدْقِ الْمُدَّعِي، فَإِنَّهَا أَقْوَى من دَلالَةِ إخْبَارِ الشَّاهِدِ، وَالْبَيِّنَةُ وَالدَّلالَةُ وَالْحُجَّةُ وَالْبُرْهَانُ وَالآيَةُ وَالتَّبْصِرَةُ وَالْعَلامَةُ وَالأَمَارَةُ مُتَقَارِبَةٌ في الْمَعْنَى، وقد رَوَى ابن ماجة وَغَيْرُهُ عن جَابِرِ بن عبد اللَّهِ رضي الله عنهما قال: أَرَدْت السَّفَرَ إلَى خَيْبَرَ فَأَتَيْت النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم، فَقُلْت له: إنِّي أردت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ، فقال: "إذَا أَتَيْت وَكِيلِي، فَخُذْ منه خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فإذا طَلَبَ مِنْك آيَةً؛ فَضَعْ يَدَك على تَرْقُوَتِهِ" (1) ، فَهَذَا اعْتِمَادٌ في الدَّفْعِ إلَى الطَّالِبِ على مُجَرَّدِ الْعَلامَةِ، وَإِقَامَةٌ لها مَقَامَ الشَّاهِدِ، فَالشَّارِعُ لم يُلْغِ الْقَرَائِنَ وَالأَمَارَاتِ وَدَلالاتِ الأَحْوَالِ، بَلْ من اسْتَقْرَأَ الشَّرْعَ في مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ وَجَدَهُ شَاهِدًا لها بِالاعْتِبَارِ مُرَتِّبًا عليها الأَحْكَامَ).
__________
(1) رواه أبوداود في سننه(كتاب الأقضية-باب في الوكالة 3/314)، والدارقطني في سننه(كتاب الوصايا-باب الوكالة4/154)، والبيهقي في سننه الكبرى(6/80)، وفي سننه الصغرى(5/354)، ورمز الهندي في كنز العمال لتخريج أبي داود له (15/176)، وكذلك رمز ابن الأثير في جامع الأصول(11/623)، وقال الصنعاني: رواه أبوداود وصححه. سبل السلام(3/65)، وقال صديق حسن خان: (وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ). الروضة الندية(3/166)، وكذلك قال الإمام الشوكاني. الدرر المضية(1/397). قلت: الحديث من طريق ابن إسحاق، ولم يخرجه ابن ماجة كما ذكر ابن القيم.(12/45)
(1)
2 – قوله تعالى: { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ - وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ - فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ] } يوسف:26-28[، ووجه الدلالة : أن موضع قد القميص اعتبر دليلاً على صدق أحدهما وتبرئته، وسمى الله ذلك شهادة (2) .
__________
(1) انظر: الطرق الحكمية ص 16، إعلام الموقعين (10/34).
(2) انظر: تبصرة الحكام لابن فرحون اليعمري (2/95)، معين الحكام للطرابلسي ص 166.(12/46)
3 – وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى قَصْرِهِمْ، فَغَلَبَ عَلَى الأَرْضِ وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ، فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْهَا وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ، وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لا يَكْتُمُوا وَلا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَلا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلا عِصْمَةَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ؛ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِعَمِّ حُيَيٍّ: "مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ"، فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم - : "الْعَهْد قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ"، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، وَقَدْ كَانَ حُيَيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ دَخَلَ خَرِبَةً، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَاهُنَا. فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا الْمَسْكَ فِي خَرِبَةٍ، فَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ابْنَيْ أَبِي حَقِيقٍ. (1)
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه(كتاب الخراج والإمارة والفيء- باب ما جاء في حكم أرض خيبر 3/157)، والطبراني في معجمه الأوسط (11/342)، وابن حبان في صحيحه(11/607-608) واللفظ له، والبيهقي في سننه الكبرى(9/137)، وقال بشير محمد عيون في تحقيقه للسياسة الشرعية: إسناده صحيح ص39..(12/47)
ووجه الدلالة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عمل بالقرينة العقلية واعتد بها، فكثرة المال وقصر المدة فيه دلالة على الكذب، فاعتد بهذا الدليل وأمر بضربه، قال ابن تيمية: (وهذا الرجل كان ذميا والذمي لا تحل عقوبته إلا بحق) (1) ، وحاشاه - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر بضربه بلا حجة، فدل ذلك على اعتبار القرينة والعمل بموجبها. فهذه الأدلة وغيرها دالة على أن الحق إذا تبين بأي وجه كان تعين الأخذ به، ولا شك أن بعض القرائن أقوى بكثير من الشهادة، فالشهادة يمكن أن يتطرق إليها الوهم والكذب، وكذلك الإقرار يمكن أن يكون باطلاً ويقع لغرض من الأغراض، ومع هذا تعتبر الشهادة والإقرار بينة شرعية يؤخذ بهما، لكونهما مبنيتان على غلبة الظن، ونتائج البصمة الوراثية قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلى الوالدين أو نفيهم عنهم بيولوجيا (2) ،
__________
(1) السياسة الشرعية لابن تيمية ص39 .
(2) انظر : البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها لوهبة الزحيلي ص 6 ..(12/48)
فيتعين الأخذ بها، واعتبارها بينة مستقلة، ولو قارنا واقع ثبوت النسب بالشهادة وكونها تبنى على غلبة الظن ويكفي فيها الاستفاضة والشهرة مع وجود الاحتمال بالخطأ مع واقع البصمة التي لا تكاد نتائجها تخطئ في ذاتها، والخطأ الوارد فيها يرجع إلى الجهد البشري أو عوامل التلوث ونحو ذلك؛ نستطيع أن نجزم بأن البصمة الوراثية حجة شرعية يجب العمل بمضمونها إذا توفرت شروطها، ومن تأمل مقاصد الشريعة والعدل والحكمة التي قامت عليها الأحكام ظهر جلياً رجحان ذلك، قال ابن القيم : (فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر وأقوى دلالة وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفة له) (1) .
نفي النسب بالبصمة الوراثية دون اللعان:
اختلف الفقهاء المعاصرون في صحة نفي النسب بالبصمة الوراثية فقط دون اللعان إلى الآراء التالية:
__________
(1) الطرق الحكمية لابن القيم ص 19، وقد ذكر ابن القيم صوراً كثيرة دلت القرينة فيها على الحكم الشرعي ، بل كانت أقوى من الشهادة والإقرار.(12/49)
1 – لا ينتفي النسب الشرعي الثابت بالفراش (الزوجية) إلا باللعان فقط ، ولا يجوز تقديم البصمة الوراثية على اللعان، وهذا قول عامة الفقهاء المعاصرين ومنهم د.علي محي الدين القرة داغي ود. وهبة الزحيلي ود.عبد الستار فتح الله سعيد (1) ، ود.محمد سليمان الأشقر (2) ، ود.عمر السليل (3) ، وعليه قرار مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، وجاء فيه: (لا يجوز شرعاً الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان). (4) ويرى د.عبد العزيز عزام أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، والشيخ عبد الله مجاور الأمين العام للجنة الفتوى بالأزهر الشريف، ود. عبد الحي عزب عبد العال، أنه يمكن الأخذ بتحليل البصمة الوراثية لرفع الضرر عن الزوجة، واعتباره طريقا لإثبات نسب الأبناء، إلا أنه لا يمكن الأخذ به عوضا عن اللعان.
__________
(1) انظر: البصمة الوراثية في ضوء الإسلام لعبد الستار فتح الله ص 18 – بحث مصور مقدم للمجمع الفقهي بالرابطة 1422هـ .
(2) انظر: بحث إثبات النسب بالبصمة الوراثية لمحمد الأشقر(1/441–460) ، ضمن مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية – الوراثة والهندسة الوراثية -.
(3) البصمة الوراثية ومدى مشروعية استخدامها في النسب والجناية لعمر السبيل ص 43 – 44.
(4) انظر: بيان مكة المكرمة للمجمع الفقهي الإسلامي، قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21 ـ 26/10/1422هـ الذي يوافقه من 5 ـ 10/1/2002م، جريدة الشرق الأوسط الجمعة11/1/2002، العدد 8445.(12/50)
2- يمكن الاستغناء عن اللعان والاكتفاء بنتيجة البصمة الوراثية، إذا تيقن الزوج أن الحمل ليس منه، وذهب إلى هذا الرأي محمد المختار السلامي (1) وعبد الله محمد عبد الله (2) ود.علي جمعة مفتي مصر (3) والشيخ عمر الديب وكيل الأزهر والشيخ محمد الجزار الأمين العام الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر ود. عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ويرون ضرورة الأخذ بالبصمة الوراثية بشكل أساسي في إثبات نسب الأبناء، ونفي تهمة الزنا أوإثباتها على الزوجة في زمن فسدت فيه كثير من الذمم وضعف فيه الوازع الديني.
__________
(1) انظر : بحث إثبات النسب بالبصمة الوراثية لمحمد المختار السلامي من الجمهورية التونسية (1/395-407) – ضمن البحوث المقدمة للندوة الفقهية الحادية عشرة من أعمال المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية 1413هـ.
(2) انظر: الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري (1/506 - 510) ضمن المناقشات الفقهية للبصمة الوراثية في الندوة الحادية عشرة من أعمال المنظمة الطبية الإسلامية للعلوم الطبية.
(3) انظر:خلاف فقهي حول البصمة الوراثية الجمعة 28 سبتمبر 2007، جريدة الاتحاد الإماراتية وموقعهاعلى الإنترنت:
http://www.alittihad.ae/details.php?j=1&id=141460&adate=2007(12/51)
3- يحتكم إلى البصمة الوراثية للمرأة لا للرجل، وبه قال د. يوسف القرضاوي، فالزوج إذا طلب الاحتكام إلى البصمة الوراثية لا يستجاب له، لأنه يفوت على المرأة ما يوفره لها اللعان من الستر عليها وعلى ولدها، وهذا الستر مقصود الشارع لما فيه من مصلحتها ومصلحة ولدها، ولكن إذا طلبت المرأة المقذوفة الاحتكام إلى البصمة الوراثية يستجاب لها، لأنها لا تفعل ذلك إلا إذا كانت مستيقنة من براءتها، وتطلب اللجوء إلى وسيلة علمية مقطوع بها، تدفع التهمة بها عن نفسها، وتحفظ بها حقها. (1)
4- لا ينفى نسب الطفل باللعان إذا جاءت البصمة الوراثية تؤكد صحة نسبه للزوج ولو لاعن، وينفى النسب باللعان إذا جاءت البصمة تؤكد قوله وتعتبر دليلاً مكملا، وهذا الرأي ذهب إليه د. نصر فريد واصل، وعليه الفتوى بدور الإفتاء المصرية (2) .
5- إذا اتهمها بالزنا وثبت يقيناً بالبصمة الوراثية أن الحمل أو الولد ليس من الزوج فلا وجه لإجراء اللعان وينفى النسب بذلك، إلا أنه يكون للزوجة الحق في طلب اللعان لنفي الحد عنها لاحتمال أن يكون حملها بسبب وطء شبهة أو إكراه، وإذا ثبت بالبصمة الوراثية أن الولد من الزوج وجب عليه حد القذف، ويدرأ عنه باللعان لاحتمال الزنا وإن كان الحمل له، وهذا رأي أ. د. سعد الدين هلالي. (3)
__________
(1) انظر: إثبات النسب بالبصمة الوراثية حق للمرأة لا للرجل، الثلاثاء 14 مارس 2006، للدكتور يوسف القرضاوي، انظر موقع القرضاوي على شبكة الإنترنت:
http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=4206&version=1&template_id=130&parent_id=17.
(2) انظر: البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها لسعد الدين مسعد الهلالي ص 30 – بحث مقدم لمجلس مجمع الفقه الإسلامي الحادي عشر بالرابطة 1422هـ -.
(3) المصدر السابق.(12/52)
6- ويرى أ.د. سعد الدين هلالي و د.عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر و أ.د. محمد رأفت عثمان، عضو مجمع البحوث الإسلامية ومجمع فقهاء الشريعة الإسلامية بالولايات المتحدة إثبات نسب ابن الزنا للزاني بامرأة غير متزوجة بالبصمة الوراثية إنقاذا للابن من العار. (1)
أولاً: أدلة القائلين بأن النسب لا ينفى إلا باللعان:
__________
(1) انظر: مقال: ما بين الدين والعلم علائق متواصلة:الحمض النووي بصمة جينية لا تتكرر من إنسان إلى آخر، د. حسن علي دَبَا، جريدة الراية القطرية الإثنين 29/5/2006م، موقع المقال على شبكة الإنترنت:
http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=149072&version=1&template_id=93&parent_id=42(12/53)
1 – قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ - وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ - وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ - وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } ]النور7-9[، ووجه الدلالة: ذكرت الآية أن الزوج إذا لم يملك بينة إلا نفسه فيلجأ إلى اللعان، وإحداث البصمة بعد الآية تزّيد على كتاب الله (1) ، وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "من أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليس فيه فَهُوَ رَدٌّ ". (2)
__________
(1) انظر: مناقشات البصمة الوراثية بالمجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي في الدورة السادسة عشرة 1422هـ – 2001م والاستدلال لصالح الفوزان.
(2) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الصلح- بَاب إذا اصْطَلَحُوا على صُلْحِ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ2/959)، ومسلم في صحيحه(كتاب الأقضية- بَاب نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ 3/1343)، وأبوداود في سننه(كتاب السنة –باب لزوم السنة 4/200)، وابن ماجة في سننه(بَاب تَعْظِيمِ حديث رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالتَّغْلِيظِ على من عَارَضَهُ1/7)، وأحمد في مسنده(6/240،270).(12/54)
2 – حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: كان عُتْبَةُ بن أبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلى أَخِيهِ سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ أَنَّ ابن وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ، قالت: فلما كان عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بن أبي وَقَّاصٍ وقال: ابن أَخِي، قد عَهِدَ إلي فيه. فَقَامَ عبد بن زَمْعَةَ فقال: أَخِي، وابن وَلِيدَةِ أبي، وُلِدَ على فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال سَعْدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ابن أَخِي، كان قد عَهِدَ إلي فيه. فقال عبد بن زَمْعَةَ: أَخِي وابن وَلِيدَةِ أبي، وُلِدَ على فِرَاشِهِ، فقال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "هو لك يا عبد بن زَمْعَةَ"، ثُمَّ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ"، ثُمَّ قال لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النبي - صلى الله عليه وسلم - : "احْتَجِبِي منه"، لِمَا رَأَى من شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فما رَآهَا حتى لَقِيَ اللَّهَ. (1)
وجه الدلالة : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أهدر الشبه البين الذي يعتمد على الصفات الوراثية، وأبقى الحكم الأصلي " الولد للفراش " فلا ينفى النسب إلا باللعان فحسب (2) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 416.
(2) انظر: البصمة الوراثية في ضوء الإسلام لعبد الستار فتح الله ص 19 ، البصمة الوراثية ومدى مشروعية استخدامها في النسب والجناية لعمر السبيل ص 43 – 44.(12/55)
3 – حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة الملاعنة، وفيه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الإليتين، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ (1) ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بن سَحْمَاءَ"، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لَوْلا ما مَضَى من كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لي وَلَهَا شَأْنٌ" (2) ، وجه الدلالة : قال عبد الستار فتح الله: ( إذا نفى الزوج ولداً من زوجته ولد على فراشه فلا يلتفت إلى قول القافة ولا لتحليل البصمة الوراثية، لأن ذلك يعارض حكماً شرعياً مقرراً وهو إجراء اللعان بين الزوجين، ولذلك ألغى رسول الله – صلى الله عليه وسلم دليل الشبه بين الزاني والولد الملاعن عليه، والشبه الذي أهدره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتمد على الصفات الوراثية، فهو أشبه بالبصمة الوراثية، ومع ذلك لم يقوَ على معارضة الأصل الذي نزل به القرآن في إجراء اللعان) (3) .
__________
(1) قال ابن الأثير: خدلج الساقين أي عظيمهما. النهاية في غريب الحديث (2/15).
(2) رواه البخاري في صحيحه(كتاب التفسير- بَاب قول الله - عز وجل - : { وَيَدْرَأُ عنها الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنه لَمِنْ الْكَاذِبِينَ } ]النور: 8[4 /1772)، وأبوداود في سننه(كتاب الطلاق-باب في اللعان2/276)، والنسائي في سننه(كتاب الطلاق-باب كيف اللعان 6/172)، وابن ماجة في سننه(كتاب الطلاق-باب اللعان1/668)، وأحمد في مسنده(1/238).
(3) انظر: بحث البصمة الوراثية في ضوء الإسلام لعبد الستار فتح الله ص 18.(12/56)
وقال ابن القيم تعليقاً على الحديث: (فيه إرشاد منه - صلى الله عليه وسلم - إلى اعتبار الحكم بالقافة، وأن للشبه مدخلا في معرفة النسب، وإلحاق الولد بمنزلة الشبه، وإنما لم يُلحق بالملاعن لو قُدّر أن الشبه له لمعارضة اللعان الذي هو أقوى من الشبه له) (1) .
4 – إن الطريق الشرعي الوحيد لنفي النسب هو اللعان، ولو أن الزوجة أقرت بصدق زوجها فيما رماها به من الفاحشة فإن النسب يلحق الزوج لقوله – صلى الله عليه وسلم- "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (2) ، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، ثم كيف يجوز إلغاء حكم شرعي بناء على نظريات طبية مظنونة. (3)
5 – إننا لا نستطيع أن نعتمد على البصمة الوراثية فحسب ونقيم حد الزنا على الزوجة، بل لابد من البينة، فكيف تقدم البصمة على اللعان ولا نقدمها على الحد .
ثانياً : أدلة القائلين باعتبار البصمة الوراثية:
__________
(1) زاد المعاد لابن القيم (5/403).
(2) تقدم تخريجه ص 416.
(3) انظر : البصمة الوراثية ومدى مشروعية استخدامها في النسب والجناية لعمر السبيل ص 29 – 30 وقوله: (إنها مظنونة) فيه نظر، فالذي عليه قول أهل الاختصاص أنها قطعية، والمتعين الرجوع إلى أقوالهم في المسائل التي تخصهم. انظر: بحث دور البصمة الوراثية في اختبارات الأبوة للطبيبة صديقة العوضي (1/333) ، وبحث البصمة الوراثية ومدى حجيتها في إثبات البنوة للطبيب سفيان العسولي (1/367)، وبحث البصمة الوراثية ومدى حجيتها لسعد العنزي (1/409)، بحث إثبات النسب بالبصمة الوراثية لمحمد الأشقر (1/439)، ضمن البحوث المقدمة للندوة الفقهية الحادية عشرة من أعمال المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية 1419هـ .(12/57)
1 – قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ - وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ - وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ - وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } ]النور7-9[، ووجه الدلالة: أن اللعان لا يلجأ إليه إلا عند انعدام البينة مع الزوج، أما إذا كان مع الزوج بينة البصمة الوراثية، فتشهد لقوله أو تنفيه، فليس هناك موجب للعان أصلا لاختلال الشرط في الآية. قال صاحب كفاية الأخيار: (ولو أقام بينة بزناها لم تلاعن المرأة لدفع الحد، لأن اللعان حجة ضعيفة فلا يقاوم البينة) (1) ، فإجراء اللعان مع وجود البينة القطعية (البصمة الوراثية) يخالف نص الآية، قال ابن القيم: (والشاهدان من البينة، ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها كدلالة الحال على صدق المدعي، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد) (2) والشهادة أقوى من قول الزوج في اللعان، لأن الشهادة مبنية على غلبة الظن، وقول الزوج في اللعان متساوي الطرفين في الصدق والكذب بنسبة 50%، لأن الزوج إما أن يكون صادقاً أوتكون الزوجة صادقة، فليس من الفقه ترك بينة قطعية تصل لـ 99.9 % تؤكد كذب الزوج؛ والأخذ بمحتمل الصدق نسبته 50% ثم ننسبه للشريعة.
__________
(1) كفاية الأخيار لتقي الدين الحصيني(1/422).
(2) الطرق الحكمية لابن القيم ص 19.(12/58)
2 – أن الآية ذكرت درء العذاب، ولم تذكر نفي النسب، ولا تلازم بين اللعان ونفي النسب، فيمكن أن يدرأ الرجل العذاب عن نفسه باللعان، ولا يمنع أن ينسب الطفل إليه إذا ثبت ذلك بالبصمة الوراثية، لأنها قد تكون زانية والطفل ابنه (1) .
3 – قوله تعالى: { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ - وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ - فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ] } يوسف:26-28[،
ووجه الدلالة : أن شق القميص من جهة معينة اعتبر نوعاً من الشهادة والبصمة الوراثية تقوم مقام الشهادة (2) .
__________
(1) من مناقشات البصمة الوراثية بالمجمع الفقهي بالرابطة في الدورة السادسة عشرة بمكة شوال 1422هـ ، وهذا التوجيه للصديق الضرير.
(2) كلام المفسرين في قوله - جل جلاله - : { وشهد شاهد من أهلها } : قال مجاهد : قميص مشقوق من دبر فتلك الشهادة. وقال سعيد ابن جبير: كان صبياً في مهده. وقال عكرمة: رجل حكيم. ورجح ابن جرير أنه صبي في المهد، لورود الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك. انظر تفسير الطبري (7/194)، تفسير القرطبي (9/172)، تفسير ابن كثير (2/476).(12/59)
4 – أن الشريعة أعظم من أن تبني أحكامها على مخالفة الحس والواقع والحقيقة، فلو استلحق رجل من يساويه في السن وادعى أنه أبوه، فلا يقبل لمخالفته للعقل والحس، إذ لا يمكن أن يتساوى أب وابنه في السن، مع أن الاستلحاق في الأصل مشروع، ورد جماهير العلماء دعوى امرأة مشرقية تزوجت بمغربي ولم يلتقيا وأتت بولد، فإن الولد لا يكون لزوجها المغربي البتة لمخالفة ذلك للحس والعقل، وهذا النفي ليس تقديماً على قوله - صلى الله عليه وسلم - : "لولد للفراش" (1) ، إنما لمخالفته صريح العقل والحس، قال ابن تيمية: (فلا تتناقض الأدلة الصحيحة العقلية والشرعية، ولا تتناقض دلالة القياس إذا كانت صحيحة ودلالة الخطاب إذا كانت صحيحة، فإن القياس الصحيح حقيقته التسوية بين المتماثلين، وهذا هو العدل الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به الرسل، والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر بخلاف العدل). (2) ونتائج البصمة الوراثية يقينية وقطعية مبنية على الحس، فإذا ثبت نسب الطفل للزوج بالبصمة الوراثية وأراد نفيه، لا يقبل منه، ولا يقطع النسب الثابت بالحس والواقع والعقل، والشريعة الإسلامية لا تتعارض مع الحس والواقع في المسائل المعقولة المعنى، وطرق إثبات النسب ليست تعبدية، وإنكار الزوج لنسب الطفل وطلب اللعان لنفيه بعد ثبوت النسب بالبصمة الوراثية نوع من المكابرة، والشرع يتنزه أن يثبت حكماً بني على المكابرة.
5 – يتشوف الشارع إلى إثبات النسب رعاية لحق الصغير، وإنفاذ اللعان في نفي نسب الطفل مع مخالفة البصمة الوراثية لقول الزوج في زمان خربت فيه ذمم كثير من الناس لا يتناسب مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الأنساب الصحيحة. (3)
__________
(1) تقدم تخريجه ص 416.
(2) مجموع الفتاوى لابن تيمية (22/332).
(3) انظر : مذكرة البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها لنصر فريد ص 30.(12/60)
6- في قول الله - عز وجل - : { ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } ]الأحزاب:5[، أمر من الله بإلحاق نسب الطفل بأبيه الحقيقي، فإذا أثبتت البصمة الوراثية نسب طفل، وأراد الأب نفيه لأوهامه وشكوكه أو تهربه من النفقة أو لأي غرض آخر، فإن عدل الشريعة يقتضي إلحاق الطفل بأبيه، ولا يُمَكّن الأب من نفيه لئلا يكون سبباً في ضياع الطفل. (1)
__________
(1) انظر: زاد المعاد لابن القيم (5/71)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/420).(12/61)
7 - إن الاحتجاج بقصة اختصام عبد بن زمعة مع سعد بن أبي وقاص وإلحاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - الولد بالفراش، وأمره لسودة بالاحتجاب منه مع أنه أخوها، مردود عليهم، فقد قال ابن القيم : (وأما أمره سودة بالاحتجاب منه، فإما أنه يكون على طريق الاحتياط والورع لمكان الشبهة التي أورثها الشَّبَهُ البيِّن بعُتبة، وإما أن يكون مراعاة للشبهين وإعمالاً للدليلين، فإن الفراش دليل لحوق النسب، والشبه بغير صاحبه دليل نفيه، فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدّعي لقوته، وأعمل الشَّبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة، وهذا من أحسن الأحكام وأبينها وأوضحها، ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه) (1) ، فدعوى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يلتفت لأمر الشبه (البصمة الوراثية) ليس صحيحا، والحديث حجة عليهم حيث اعتبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الشبه فأمر بالاحتجاب، وفي حال التنازع على طفل ولد على فراش صحيح، يعمل بالبصمة الوراثية نفياً وإثباتاً للنسب، فالطفل الذي يولد على فراش صحيح وينكره الزوج، وتكون البصمة الوراثية مطابقة للزوج، يثبت نسب الطفل له، ولا يدرأ الحد عنه إلا باللعان. فإن اتهم امرأته بالزنا وجاءت البصمة الوراثية تؤكد قول الزوج، واجتمع دليل اللعان مع البصمة، فينتفي النسب ويدرأ الحد عن الزوجة باللعان، فربما كان الحمل من وطء شبهة أو إكراه أوغيره. ويجاب عن حديث الملاعنة: "أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الإليتين، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بن سَحْمَاءَ"، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لَوْلا ما مَضَى من كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لي وَلَهَا شَأْنٌ" (2) ،
__________
(1) انظر: البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها لنصر فريد ص 40 .
(2) تقدم تخريجه ص 430..(12/62)
قال الإمام الصنعاني:(مقتضاه إلحاق الولد بالزوج إن جاءت به على صفته لأنه للفراش، لكنه بين - صلى الله عليه وسلم - المانع عن الحكم بالقيافة نفيا وإثباتا بقوله - صلى الله عليه وسلم - لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) (1) ، ولم نسلم أن البصمة الوراثية لها حكم القيافة فهي أقوى بكثير من التشابه الظاهري الذي اعتبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فالنص ليس في محل النزاع. (2)
8 – هناك فرق بين إثبات النسب وإقامة الحد، فالحدود تدرأ بالشبهات، بخلاف النسب الذي يثبت مع وجود الشبهة كما في قصة عبد بن زمعة، فلو ادعت امرأة غير متزوجة أنها أكرهت فحملت كان ذلك كافياً في إسقاط الحد عنها (3) ، وكذا الرجل لو ادعى أنه وطأها بشبهة، وجاءت البصمة الوراثية تؤكد لحوق الطفل وراثياً بذلك الرجل لم يحد لوجود شبهة، لا لأن البصمة الوراثية ليست حجة، يقول صاحب أضواء البيان: (وذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وجماهير أهل العلم إلى أنه لا يثبت الزنا ولا يجب الحدّ بمجرد الحبل، ولو لم يعرف لها زوج ولا سيّد، وهذا القول عزاه النووي في شرح مسلم للشافعي وأبي حنيفة وجماهير أهل العلم) (4) .
__________
(1) سبل السلام للصنعاني(3/194).
(2) بدائع الفوائد لابن القيم (4/819).
(3) انظر: المبسوط للسرخسي (24/138).
(4) أضواء البيان لمحمد الأمين الشنقيطي(5/391)، وانظر: الروض المربع(3/313)، والمبدع(9/82)، والمحرر في الفقه(2/156)، وزاد المستقنع ص229، وعون المعبود(12/65)، ونيل الأوطار للشوكاني(7/273)، وتحفة الحبيب على شرخ الخطيب(البجيرمي على الخطيب) (5/15)، وحاشية الجمل على شرح المنهاج(4/449).(12/63)
9 – نص الفقهاء على أن الملاعن لو بدا له أن يعود في قوله ويلحق ابنه الذي نفاه باللعان، جاز له ذلك لزوال الشبهة التي لاعن من أجلها، قال مالك: (مضت السنة عندنا في المتلاعنين إذا كذب نفسه جلد الحد وألحق به الولد ولا يجتمعان أبدا) (1) وبه قال الشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور، وقال مالك بن أنس: (لا لعان بين الرجل وامرأته حتى يقول: رأيتها تزني، فإن قال: هي زانية، ولم يقل: رأيتها تزني لم يلاعنوا) (2) ،
__________
(1) اختلاف العلماء لمحمد بن نصر المروزي ص194.
(2) المصدر السابق ص196..(12/64)
فليس من الحكمة ولا من العدل التجاسر على التعرض للعنة الله وغضبه، وترك بينة البصمة الوراثية القطعية وعدم تحكيمها، وقد جاءت البصمة الوراثية بالمشاهدة الحقيقية للصفات الوراثية القطعية دون كشف للعورات، أو مشاهدة الجماع بين الزوجين، ودون تشكك في ذمم الشهود أو المقرين أو القافة، لأنها كشف آلي مطبوع، عليه صورة حقيقية للصفات الوراثية للإنسان، يتطابق نصفها مع الأم الحقيقية ونصفها الآخر مع الأب الطبيعي، ووسائل إثبات النسب التقليدية القديمة ليست تعبدية حتى نتحرج من إهمالها بعد ظهور البصمة الوراثية، فيجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب ما دامت نتيجتها قطعية، وترد دعوى الزوج في نفي النسب إذا أثبتت نتائج البصمة الوراثية القطعية لحوق الطفل به، لأن قول الزوج حينئذ مخالف للحس والعقل والواقع، وليس ذلك تقديماً للعلم على الدين، إذ لا تعارض بينهما، وينبغي للقضاة أن يحيلوا الزوجين قبل إجراء اللعان لفحوص البصمة الوراثية، لأن إيقاع اللعان مشروط بعدم وجود الشهود، فإذا كان لأحد الزوجين بينة تشهد له فلا وجه لإجراء اللعان شرعا بنص الآية، والأخذ بهذه التقنية يحقق مقصود الشارع في حفظ الأنساب من الضياع، ويصد ضعفاء الضمائر من التجاسر على الحلف بالله كاذبين، كما يخيف العصاة من جريمة الزنا تحسبا من فضحهم بالبصمة الوراثية، وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "وَالَّذِي نَفْسِي بيده لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الإِنْسَ، وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَتُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ من بَعْدِهِ".(12/65)
(1) إن الأصل في ثبوت نسب الإنسان من أمه هو الجزئية الحقيقية، فحيثما ثبت أنه جزء منها -ولد منها-، ثبت أنه ابنها وأنها أمه، دون أي اعتبار آخر، والولادة أو الجزئية الحقيقية واقعة مادية تقبل الإثبات بطرق الإثبات الشرعية العادية كالبينة والإقرار، أما ثبوت نسب الإنسان من أبيه فالأصل فيه الجزئية الحكمية –الشرعية- بالإضافة إلى الجزئية الحقيقية، وليس الجزئية الحقيقة وحدها، فإذا انتفت الجزئية الحقيقية بيقين لم تثبت الأبوة ولا الأمومة، أما إذا ثبتت الجزئية الحقيقية فإن الأمومة تثبت بها مطلقا، أما الأبوة فإنه ينظر فيها إلى حكم الشارع، فإن كانت الجزئية ناتجة عن علاقة شرعية فإنه يحكم بها وإلا لم يحكم بها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (2) ، والإسلام يتشوف إلى إثبات النسب ويحتاط كثيرا في نفيه، وذلك لما في إثبات النسب من إحياء النفس، وما في نفيه من إضاعتها (3) ، وعامة الفقهاء يرون أنه لا يثبت النسب للزاني مطلقا، ولو كانت الزانية غير متزوجة، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (4) ،
__________
(1) رواه الترمذي في سننه(كتاب الفتن-باب ماجاء في كلام السباع 4/476) وقال: هذا حديث حسن غريب، والحاكم في مستدركه(4/514) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأحمد في مسنده(3/83-88)، وعبد بن حميد في مسنده(1/277)، وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار بنحوه باختصار، ورجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح. مجمع الزوائد(8/291)، قال ابن الإثير: عذبة سوطه : السير المعلق في طرفه. جامع الأصول(10/393).
(2) تقدم تخريجه ص 416.
(3) مجموعة الفتوى الشرعية الصادرة عن قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية في دولة الكويت (12/315-316).
(4) تقدم تخريجه ص 416..(12/66)
والعاهر الزاني، ولأن الزاني ممنوع من الفعل آثم به (1) ، وقال ابن تيمية: (وإن استلحق ولده من الزنا ولا فراش لحقه، وهو مذهب الحسن وابن سيرين والنخعي وإسحاق) (2) ، وقال المرداوي: (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدَهُ من الزنا وَلا فِرَاشَ لَحِقَهُ، وَنَصُّ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فيها لا يَلْحَقُهُ) (3) ، ولابن تيمية أن الحكم في الحديث في حال الفراش، لا في حال عدمه.
__________
(1) انظر: حاشية ابن عابدين (2/633)، جواهر الإكليل (2/283،314)، الأم (5/166)، (7/346)، حاشية الشرقاوي (2/328-329)، قيلوبي وعميرة (3/243)، المغني (7/345)، الموسوعة الفقهية الكويتية (40/237).
(2) الفتاوى الكبرى لابن تيمية الحراني (4/585).
(3) الإنصاف للمرداوي الحنبلي(9/269).(12/67)
10- إن المقصود من اللعان الستر على الأعراض ودرء الحدود بالشبهات، وليس المقصود منه نفي أنساب حقيقية أو الستر على خلطها، لأن ذلك مخالف لمقاصد التشريع الإسلامي، يقول الإمام الفخر الرازي في اللعان: (إذا لم يكن ثم ولد يريد نفيه فلا يجب، وهل يباح أم لا؟ ينظر إن رآها بعينه تزني أو أقرت هي على نفسها...فإنه يباح له القذف لتأكد التهمة...أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله... لم يحل له قذفها...أما إذا كان ثم ولد يريد نفيه، نظر فإن تيقن أنه ليس منه....يجب عليه نفيه باللعان، لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه...أما إن احتمل أن يكون منه...لا يحل له النفي وإن اتهمها بالزنا، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :"َأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وهو يَنْظُرُ إليه احْتَجَبَ الله منه وَفَضَحَهُ على رؤوس الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ" (1) ) (2) ، ويقول الدكتور عمر بن محمد السبيل إمام وخطيب المسجد الحرام وعضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بجامعة أم القرى: (ذكر لي فضيلة الشيخ عبد العزيز القاسم أحد القضاة في محكمة الرياض الكبرى أنه تقدم إليه شخص بطلب اللعان من زوجته بالانتفاء من بنت ولدت على فراشه، فأحال القاضي الزوجين مع البنت إلي الجهة المختصة لإجراء اختبارات الفحص الوراثي، فجاءت نتائج الفحص بإثبات أبوة الزوج للبنت إثباتاً قطعياً، فكان ذلك مدعاة لعدول الزوج عن اللعان، وزوال ما كان في نفسه من شكوك في زوجته، كما زال أيضاً بهذا الفحص الحرج الذي أصاب الزوجة وأهلها جراء سوء ظن الزوج، فتحقق بهذا الفحص مصلحة عظمى يتشوف إليها الشارع ويدعو إليها). (3)
__________
(1) تقدم تخريجه ص415.
(2) التفسير الكبير(23/135).
(3) انظر: البصمة الوراثية ومدي مشروعية استخدامها في النسب والجناية لعمر بن محمد السبيل، إمام وخطيب المسجد الحرام وعضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بجامعة أم القرى، ص 31..(12/68)
فالتعرض لأيمان اللعان المغلظة مع وجود البصمة الوراثية ليس مطلبا شرعيا، ولاسيما مع خراب ذمم الناس وضمائرهم، وحاجتهم إلى الكذب للستر أمام الناس مهما كانت الأيمان مغلظة.
أحوال الزوج الملاعِن مع البصمة الوراثية: (1)
1- لو لاعن ثم تبين بالبصمة الوراثية أن الولد ابنه نسب إليه ولو نفاه، ويدرأ عنه حد القذف وعنها حد الزنا باللعان للشبهة، ولأن ثبوت نسب الولد لا يَنْفِي الزنا مطلقا.
2- لو لاعن ثم تبين بالبصمة الوراثية أن الولد ليس ابنه لاينسب له، وعليه أن ينفيه، ويدرأ حد الزنا عنها باللعان، لاحتمال وطء الشبهة أو الإكراه.
3- لو تبين بالبصمة الوراثية أن الولد ابنه قبل اللعان نسب له، وينبغي له أن لا يلاعن ولو كان متأكدا من زناها، للستر عليها وعلى فراشه ويطلقها، فإن لاعنها يدرأ عنه وعنها الحد باللعان، وينسب الولد له مهما نفاه، لأن الواقع والحس والحقيقة خلاف ذلك.
4- لو تبين بالبصمة الوراثية أن الولد ليس ابنه قبل اللعان، يُنْفَى عنه من غير لعان، لأن الواقع والحس ينافيه، وينبغي له أن لا يلاعن ليستر عليها ويطلقها، ويدرأ عنها الحد بالشبهة لاحتمال الإكراه أو وطء الشبهة، ولو اعترف رجل أنه وطأها بشبهة نسب إليه إن تطابقت البصمة الوراثية، فإن لاعن يدرأ الحد عنه وعنها باللعان.
ضوابط إجراء البصمة الوراثية :
__________
(1) اجتهاد الباحث وفق المعطيات الواردة في البحث.(12/69)
اشترط الفقهاء المعاصرون والباحثون والأطباء المختصون في البصمة الوراثية شروطاً عديدة حتى تقبل، والذين رأوا أنها تقاس على القيافة اشترطوا شروط القيافة مع بعض الزيادات (1) . وقد اشترط الفقهاء في القائف شروطاً لابد من تحققها لقبول قوله، لأن قول القائف إما خبر أوشهادة، وكلاهما لابد فيه من الأهلية لذلك، فاشترط الفقهاء في القائف أن يكون مسلماً عدلاً ذكراً حراً مكلفاً سميعاً بصيراً ناطقاً معروفاً بالقيافة مجرباً في الإصابة، وأن لا يجر لنفسه بذلك نفعاً، أو يدفع ضرراً، فلا يقبل قوله لأصوله وفروعه، وأن يشهد بإثبات النسب قائفان، واختلف الفقهاء في جواز الاكتفاء بقائف واحد لإثبات النسب، فذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى اشتراط التعدد في خبراء البصمة الوراثية احتياطا للنسب، بينما ذهب آخرون إلي جواز الاكتفاء بقول خبير واحد. (2)
شروط قبول العمل بالبصمة الوراثية شرعا:
1- يفضل أن تكون مختبرات فحص البصمة الوراثية تابعة لولي الأمر (الدولة)، أو يشرف عليها إشرافاً مباشراً، وأن لا يتم التحليل إلا بإذن من ولي الأمر، مع توفر جميع الضوابط
__________
(1) انظر: بحث البصمة الوراثية وأثرها في إثبات النسب، لحسن الشاذلي (1/461)، ضمن مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية – الوراثة والهندسة الوراثية -.
(2) انظر: ملخص أعمال الحلقة النقاشية حول البصمة الوراثية ، ص 35 ، بحث : إثبات النسب بالبصمة الوراثية ، للدكتور محمد الأشقر ضمن ثبت أعمال ندوة الوراثة والهندسة الوراثية (1/439) ، بحث: البصمة الجينية وآثرها في إثبات النسب للدكتور حسن الشاذلي ضمن ثبت أعمال ندوة الوراثة والهندسة الوراثية (1/461) .(12/70)
العلمية والمعملية المعتبرة محلياً وعالمياً في هذا المجال. (1)
2- أن يكون جميع القائمين على العمل في المختبرات الخاصة بتحليل البصمة الوراثية؛ سواء من خبراء البصمة الوراثية أوالمساندين لهم في أعمالهم المخبرية؛ ممن يتوفر فيهم الصدق والقبول والأمانة، وممن يوثق بهم علماً وخلقاً وألا يكونَ أيٌ منهم ذا صلة قرابة أو صداقة أوعداوة أو منفعة بأحد المتداعيين، أو حكم عليه بحكم مخل بالشرف أوالأمانة، إضافة إلى معرفتهم وخبرتهم في مجال تخصصهم الدقيق في المختبر، ويفضل في خبراء البصمة الوراثية والأطباء المتخصصين في علم الوراثة أن يكونوا مسلمين عدلين، ولا يشترط ذلك، لأن البصمة الوراثية تقنية معملية واقعية محسوسة على فيلم أشعة ، يمكن إجراؤها في عدة معامل للتأكد من دقتها، وليست شهادة خبر أوحادثة أورؤية. (2)
3- توثيق كل خطوة من خطوات تحليل البصمة الوراثية، بدءاً من نقل العينات إلى ظهور النتائج، حرصاً على سلامة العينات وضماناً لصحة نتائجها، مع حفظ الوثائق للرجوع لاحقا.
__________
(1) رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة ثبت كامل لأعمال "االحلقة النقاشية حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب" في الفترة 3-4 مايو 2000م، تحرير د/أحمد رجائي الجندي ود/ سعد الدين هلالي ص262 .
(2) انظر: ملخص أعمال الحلقة النقاشية حول البصمة الوراثية للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بدولة الكويت ص 48، مناقشات المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة ص 21، وانظر: توصيات الحلقة النقاشية بموقع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية islamset.com ، وجريدة الشرق الأوسط بتاريخ 27 / 10 / 1422هـ الموافق 11 يناير 2002م توصية مجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة عشرة . وانظر : إثبات النسب بالبصمة الوراثية لمحمد الأشقر (1/439) ضمن مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية – الوراثة والهندسة الوراثية -.(12/71)
4- أن يجرى التحليل في مختبرين على الأقل معترف بهما، وبعدد أكبر من الأحماض ضماناً لصحة النتائج. (1)
إن البصمة الوراثية بينة مستقلة يجب العمل بمقتضاها إذا توفرت شروطها اللازمة، ولا تقاس على القيافة فهي باب آخر، وعامة الفقهاء المعاصرين يرون صحة الاعتماد عليها في حالات التنازع وحالات الاشتباه واختلاط الأطفال أو الجثث في الحروب والكوارث.
حكم استخدام البصمة الوراثية للتأكد من صحة النسب الثابت:
__________
(1) انظر: البصمة الوراثية وتأثيرها علي النسب إثباتاً أو نفياً للدكتور نجم عبد الواحد ، ص 16. إن قياس البصمة الوراثية على الشهادة قياس مع الفارق لأن البصمة قطعية والشهادة ظنية، والشهادة تجرى بموجبها الحدود بخلاف البصمة، والأولى أن يرجع فيه لأهل الاختصاص فهم أعرف بالمفارقات والاختلافات، والظاهر أن هذا الشرط غير لازم، بل يرجع فيه إلى أهل الاختصاص، فمتى احتاج الأمر للتكرار وجب ذلك وإلا فلا .(12/72)
جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ما نصه: (لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة، لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم) (1) ، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الأنساب والأعراض، وجلب المصالح ودرء المفاسد، ومحاولة التأكد من صحة الأنساب الثابتة قدح في أعراض الناس وأنسابهم، يقول الدكتور سعد الدين هلالي: (إن فتح هذا الملفّ بلاء عظيم، وباب فتن خطيرة لا يحمد عقباها، لما فيه من كشف وفضح المستور، والتشكك في ذمم وأعراض الناس بغير مبرر، ودمار لأواصر التراحم بين ذوي القربى، ونقض لما أبرمه الإسلام من استقرار، ولا يوجد أدنى شك في تحريم وتجريم مثل هذا العمل البشع) (2) ، وينبغي التفريق بين حالين:
أ - التحقق الفردي من النسب:
__________
(1) قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21 ـ 26/10/1422هـ الذي يوافقه من 5 ـ 10/1/2002م.
(2) رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة ثبت كامل لأعمال "االحلقة النقاشية حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب" في الفترة 3-4 مايو 2000م، تحرير د/أحمد رجائي الجندي ود/ سعد الدين هلالي ص37 .(12/73)
تكلّم الفقهاء عن هذه المسألة عرضاً في بابين من أبواب الفقه الإسلامي هما: القيافة في كتب الجمهور، ودعوى النسب في كتب الحنفية، حيث لا ترفع دعوى النسب إلا عند التنازع، واشترط الفقهاء القائلون بمشروعية القيافة ووجوب العمل بها وقوع التنازع في الولد نفيًا أو إثباتًا، وعدم وجود دليل يقطع هذا التنازع، كما إذا ادعاه رجلان أو امرأتان، وكما إذا وطئ رجلان امرأة بشبهة، وأمكن أن يكون الولد من أحدهما، وكل منهما ينفيه عن نفسه أو يثبته لنفسه، فإن الترجيح يكون بقول القيافة، فلا يجوز لمن عرف نسبه بوجه من الوجوه الشرعية أن يطلب تحقيق نسبه بالقيافة، ومنع الفقهاء التوجه للقيافة إلا عند التنازع، باعتبار القيافة أضعف أدلة إثبات النسب بعد الفراش والبينة والإقرار، فإذا ثبت النسب بالأدلة الصحيحة شرعا دون معارض لم يكن هناك وجه للعمل بأضعف منه، إلا أن البصمة لوراثية أقوى الأدلة على الإطلاق، فانتفت العلة التي من أجلها منع الفقهاء التوجه إلى القيافة، إلا أن التحقق من نسب مستقر دون مبرر شرعي مقبول؛ ولو كان بطرق علمية قطعية مثل البصمة الوراثية فيه تعريض بالآباء والأمهات ويستتبعه قطيعة للرحم وعقوق الوالدين، ولا سيما إذا ثبت صدق النسب.(12/74)
إن حِرص الإسلام على الأنساب ورعايته لها، لا يعني تشوفه لإثبات أنساب غير حقيقية، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ - إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [البقرة:159-160]، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ } [النساء:94]، وقال تعالى: { أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } [هود:17]، فالتبين والتبصر والتثبّت مطلب شرعي أصيل، ولاسيما إذا ارتاب أو شك المرء في نسبه بأمارات وقرائن مقبولة شرعا مع توفر تقنية الهندسة الوراثية القطعية، أما إن كانت أوهاما ووساوس فقطيعة رحم وعقوق وتعريض بالأنساب، فعن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَجُلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال يا رَسُولَ اللَّهِ: وُلِدَ لي غُلامٌ أَسْوَدُ. فقال: "هل لك من إِبِلٍ؟" قال: نعم. قال: "ما أَلْوَانُهَا؟" قال: حُمْرٌ. قال: "هل فيها من أَوْرَقَ؟" قال: نعم. قال: "فَأَنَّى ذلك؟". قال: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قال: "فَلَعَلَّ ابْنَكَ هذا نَزَعَهُ" (1) ،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الطلاق-باب إذا عرض بنفي الولد 5/2032)، والنسائي في سننه(كتاب الطلاق- بَاب إذا عَرَّضَ بِامْرَأَتِهِ 6/178)، وأحمد في مسنده (2/233)، وأبو يعلى في مسنده (10/267)، والشافعي في مسنده ص270..(12/75)
فلم يقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما استدل به الرجل للتعريض في النسب بحجة ضعيفة من جهة العقل، بل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعرفة الأنساب الحقيقية والبحث عنها، لأن ذلك مظنة صلة الأرحام، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم" (1) ، فتعمد عدم معرفة النسب الحقيقي قطيعة للرحم، وطالما هناك ريبة فعلى المؤمن أن يغار لحفظ عرضه ونسبه ونسله، فعن عقبة بن عامر الجهني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "غيرتان، إحداهما يحبها الله، والأخرى يبغضها الله، الغيرة في الريبة يحبها الله، والغيرة في غير الريبة يبغضها الله". (2)
ب - المسح الوراثي الشامل (التحقق الجماعي من النسب):
__________
(1) رواه الحاكم في مستدركه(1/165)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه أحد منهما، ورواه الحاكم أيضا(4/178) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه الكبرى(10/157)، والطيالسي في مسنده (1/360)، وقال ابن حجر العسقلاني: صحيح. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (11/267).
(2) رواه الحاكم في مستدركه(1/578)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وابن خزيمة في صحيحه(4/113)، والطبراني في معجمه الكبير(17/340)، وأحمد في مسنده(4/154)، قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات. مجمع الزوائد (4/329)، وقال أيضا: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن يزيد الأزرق وهو ثقة. مجمع الزوائد(10/151).(12/76)
البصمة الوراثية هوية الفرد الشخصية في سجل مواليد أجيال المستقبل، وقد نص الفقهاء المعاصرون على استحباب اتخاذ السجلات لقيد الحقوق والأحكام، وإثبات بصمة المولود الوراثية في شهادة ميلاده توثق حقوقه ونسبه، شريطة تطابقها مع بصمة الأبوين اللذين ثبتت علاقتهما الشرعية في وثيقة الزواج، ويستوجب هذا تسجيل البصمة الوراثية لكل من الزوجين عند عقد النكاح وقبل الدخول، وإثبات بصمة الزوجين في وثيقة النكاح الرسمية، فإذا ما رزقهما الله مولودا سجل اسمه مع بصمته الوراثية التي يجب أن تتطابق مع بصمة والديه الثابتة على وثيقة الزواج.
إن اعتماد البصمة الوراثية وإقرارها رسميا له نتائج شرعية وأخلاقية واجتماعية عظيمة، حيث سيضيق الخناق على المنحرفين والزناة والمزورين والمتلاعبين في الأنساب والأعراض، ويحفظ أنساب الأطفال واللقطاء، ويدفع العار عنهم بانتمائهم إلى والديهم الحقيقيين، ومن حق الزوج والأسرة والقبيلة ألا ينسب إليهم إلا من كان منهم.
المسح الوراثي الشامل من قبل ولي الأمر ينفي مفاسد القطيعة والعقوق:
يقول الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي أستاذ الشريعة بقطر: (يجوز شرعاً المسح الوراثي، بشرط أن تكون الوسائل المستعملة فيه مباحة آمنة، لا تضرُّ بالإنسان ولا البيئة، وذلك لأن هذه الطريقة تهدف إلى تقليل الأمراض الوراثية، وتساعد الأطباء على وضع البرامج الوقائية لحماية الإنسان وابتكار الأدوية، كما تساعد على دفع الضرر قبل وقوعه، ويجوز للدولة الإجبار على هذه الطريقة إذا انتشر الوباء في بلد معين، أو اقتضته المصالح العامة، ولكن يجب الحفاظ على نتائج المسح وعدم إظهارها إلاّ بقدر ما تقتضيه الضرورة أو الحاجة الملحة، وذلك حماية لأسرار الناس التي هي مقصد من مقاصد الشريعة). (1)
__________
(1) انظر: العلاج الجيني : أدلته وحكمه وضوابطه، للدكتور علي محيي الدين القره داغي على موقع إسلام أون لاين:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?cid=1122528618906&pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaAAskTheScholar.(12/77)
فقيام ولي الأمر بالمسح الوراثي إن قصد منه تحقيق المصالح ودرء المفاسد لا الطعن في الأنساب والأعراض والتشكيك فيها فمشروع، فقواعد البيانات التي أنشأتها الدول المتقدمة للمسح الوراثي مبناها الوصول إلى الحقائق في التعرف على هوية القتلى في حال وقوع الكوارث أو الحرائق، والكشف عن المجرمين والمغتصبين، والتعرف على نسب اللقطاء والمجهولين، ولا يمكن أن يتنافى ذلك مع مقاصد الشريعة وأهدافها، ولما أرادت الحكومة الكويتية تطبيق المسح الوراثي الشامل على المواطنين عام 2006م أفتى بحرمة ذلك عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية د. محمد الطبطبائي -آنذاك- وأستاذ كلية الشريعة د. بسام الشطي، وأكدوا أن الولد للفراش ولو خالف البصمة الوراثي، وأن المسح الشامل مفاسده عظيمة لما فيه من هتك الستر وطعن في الأعراض والأنساب الثابتة شرعا إذا خالفت البصمة الوراثية، مما يخالف مقاصد الشريعة (1) . ويُرد بأن مقاصد الشريعة بالستر على الأعراض لا يشمل الستر على من نُسب إلى غير أبيه، فيجب على من تيقن له أن الولد ليس منه أن ينفيه عن نفسه، ومع ذلك على ولي الأمر التصرف في المعلومات الوراثية بسرية تامة وحكمة بالغة، تجنبا للمفاسد الناجمة عن معرفة الأنساب الخاطئة والخيانة في الأعراض، بل يجب على ولي الأمر إثبات البصمة الوراثية للأطفال اللقطاء ومجهولي النسب، لأنها تساعده في الوصول إلى والديهم دون مخالفة شرعية، وتعرفه بأمهاتهم إن كانوا أبناء خطيئة، لينسبهم إليهم، لأن حفظ حقوقهم وواجباتهم الشرعية كالميراث وبيان المحرمات والأرحام من واجباته الشرعية إن كان قادرا على فعل ذلك، وبذلك تنعدم أو تقل ظاهرة انتشار دور اللقطاء الذين ينشأون حاقدين على مجتمعهم.
__________
(1) انظر: جريدة الوطن الكويتية اليومية في أعدادها ليوم الأحد 2/4/2006 م بعنوان: الولد للفراش ولو خالف البصمة الوراثية، ويوم الاثنين 3/4/2006م بعنوان: المشروع أوقف عن المواطنين.(12/78)
البصمة الوراثية ودعوى تصحيح النسب: إن اعتماد البصمة الوراثية دليلاً قطعيًا للوالدية البيولوجية ينشئ دعوى جديدة، يمكن أن يطلق عليها دعوى تصحيح النسب، لم يكن لها من قبل ذيوع، وإن كان أصلها في الكتاب والسنة، أما في الكتاب فقوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ - ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ } [الأحزاب: 4-5]، وأما في السنة قصة عتبة بن أبي وقاص الذي عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة منه، فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال: هو ابن أخي. فقام إليه عبد بن زمعة ، وقال: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. ولما رفع الأمر للنبي -صلى الله عليه وسلم- قال "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (1) ، فالقصة تفيد التنازع لتصحيح النسب من بعض الوجوه، وإن كان فيها معنى دعوى الاستلحاق، وهو إقرار نسب ولد غير منسوب لأحد (2) ، أما دعوى تصحيح النسب فهي نفي نسب قائم وإثبات نسب آخر مكانه، وهذه الدعوى لم يكن لها وجود إلا في تصحيح نسب المتبنى، ويرى الدكتور سعد الدين هلالي (3) أن نفي النسب بعد ثبوته بطريق شرعي يرفضه الفقه الإسلامي التقليدي، إلا أن نفي النسب من جهة مع تثبيته من جهة أخرى بالبصمة الوراثية القطعية تصحيحا للأوضاع ممدوح شرعا، ويتفق مع مقاصد الشريعة ومع القاعدة الشرعية: الثابت لا يزول إلا بيقين.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 416.
(2) انظر: مجمع الأنهر(1/534)، حاشية ابن عابدين(3/223)، مواهب الجليل(5/238)، حاشية الدسوقي(3/412)، حاشية بجيرمي(3/91)، المغني(5/200).
(3) انظر: البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية –دراسة فقهية مقارنة- للدكتور سعد الدين مسعد هلالي، قسم الفقه وأصول الفقه-كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الكويت 316-318.(12/79)
(1)
ثانيا: استخدام البصمة الوراثية في المجال الجنائي:
بالرغم من مرور وقت قصير على اكتشاف بصمة الجينات، إلا أنها استطاعت تحويل البحث الأكاديمي إلى علم تطبيقي يُستخدم على نطاق واسع حول العالم، خصوصاً الحالات التي عجزت وسائل الطب الشرعي التقليدية أن تجد لها حلاً مثل إثبات البنوة، والاغتصاب، وجرائم السطو، والتعرف على ضحايا الكوارث، وجرائم القتل الجماعي، ونسبة نجاح البصمة الوراثية التي تصل إلى 99.9% شجع الدول المتقدمة مثل أمريكا وبريطانيا على استخدامها كدليل جنائي، وهناك توجه لحفظ بصمة الجينات للمواطنين مع بصمة الإصبع لدى الهيئات القانونية بما يسمى المسح الجيني، وقد حسمت البصمة الوراثية كثيرا من القضايا باعتبارها دليلا جنائيا: (2)
1- ففي أمريكا عام 1988م تم الحكم على "راندل جونز" بعقوبة الموت، لاتهامه باغتصاب وقتل امرأة من ولاية فلوريدا استنادا للبصمة الوراثية.
2- تمكن باحثون أمريكيون من التعرف على خمسة أشخاص تم قتلهم منذ أحد عشر عامًا، باستخدام جينات الميتوكوندريا المعزولة من الهياكل العظمية المأخوذة من مقبرة جماعية في جواتيمالا.
3- تم الحكم على مواطن بريطاني بالسجن لمدة ثمان سنوات لاتهامه بالسرقة والاغتصاب.
4- تم الحكم على مواطن بريطاني بالسجن لمدة ثلاثة عشر عامًا لاتهامه بسرقة بنك، حيث تم أخذ بصمة جينات للسارق من لعابه الموجود على شاشة الأمن.
__________
(1) انظر القاعدة الفقهية في: الاختيار تعليل المختار(4/105)، البحر الرائق(5/134)، قواطع الأدلة في الأصول للسمعاني(2/38)، البحر المحيط في أصول الفقه(4/328).
(2) انظر: بصمة الجينات كدليل جنائي، الهندسة الوراثية والطب الشرعي، مجالات الهندسة الوراثي، د/وجدي سواحل، على موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/iol-arabic/qadaya/qd1.asp(12/80)
5- تمكن أحد الباحثين عام 1985م في المملكة المتحدة من إثبات ادعاء طفل من غينيا أنه بريطاني الجنسية، وهذه القضية أبرزت دور الجينات في حل مشاكل الهجرة.
6- ومن أشهر القضايا التي استعملت فيها تقنية البصمة الوراثية فضيحة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون في قضيته المشهورة مع ليونيسكي، إذ لم يعترف ويعتذر للجمهور الأمريكي إلا بعد أن أظهرت الأدلة الجنائية وجود بصمته الوراثية المأخوذة من المني الموجود على فستان ليونيسكي.
7- ذكر ممثل معمل الأدلة الجنائية للعلماء في مقر رابطة العالم الإسلامي بمكة أثناء مناقشة موضوع البصمة الوراثية أن امرأة ادعت أن أباها وقع عليها ونتج عن ذلك حمل، وكان احتمال تصديقها ضعيف، لأن الأب في الستينات من العمر، ولقوة النسب التي تجمعها بالمتهم، أجّلوا موضوع التحليل حتى وضع الحمل لئلا يتضرر الجنين، وعندما تم الوضع، تبين من خلال التحاليل أن الطفل لا علاقة له بالمتهم (الأب)، بل الأغرب من ذلك تبين أنه لا علاقة للطفل بالمرأة المدعية، فاتضح أن القضية فيها تلاعب، وأن أيدي خفية وراءها، فالنفي عن المتهم لا إشكال فيه، أما النفي عن المرأة الحامل فيه تصادم مع الواقع والحس، وبالرجوع لأسماء المواليد الذين ولدوا في نفس اليوم بالمستشفى اتضح أنهم بلغوا ثلاثين طفلاً، وعند حَصْر الصفات المطلوبة انحصرت في اثني عشر طفلاً، فتم الاتصال بذويهم واحداً واحداً، حتى تم الوصول للطفل المطلوب، واتضح أن بصمته الوراثية دلت على ارتباطه بالمتهم (الأب)، وأن طفلاً لقيطاً أدخل المستشفى في نفس اليوم وتم تبديله به لإخفاء الحقيقة، والله المستعان. (1)
__________
(1) انظر: البصمة الوراثية للدكتور عبد الرشيد محمد أمين قاسم، 28/4/1425هـ، 16/6/2004م على موقع الإسلام اليوم على شبكة الإنترنت: بحوث ودراسات علمية ورسائل جامعية:
http://www.islamtoday.net/questions/show_articles_content.cfm?id=71&catid=73&artid=3866(12/81)
8- أخرجت المحاكم البريطانية ملفات الجرائم التي قُيِّدَت ضد مجهول، وفُتِحَت التحقيقات فيها من جديد، وبرَّأت البصمة الوراثية مئات الأشخاص من جرائم القتل والاغتصاب، وأدانت آخرين، وكانت للبصمة الوراثية الكلمة الفاصلة في قضايا النسب، ومن أشهر الجرائم التي ارتبط اسمها بالبصمة الوراثية قضية د." سام شبرد" الذي أُدِين بقتل زوجته "مارلين شبرد" ضربًا حتى الموت عام 1955م أمام محكمة أوهايو في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت القضية فكرة لمسلسل مشهور "الهارب" في عام 1984م، وتحولت القضية إلى قضية رأي عام، وأُذِيعَت المحاكمة عبر الراديو وسُمِحَ لجميع وكالات الأنباء بالحضور، وطالب جمهور سكان الولاية بالقصاص، وأُغلِقَ ملف القضية في حينها مع احتمال وجود شخص ثالث وُجِدَت آثاره على سرير المجني عليها، وقضى د."سام" في السجن عشر سنوات، ثم أُعِيدَت محاكمته عام 1965م، وحصل على البراءة إلا أن الكثيرين لم يقتنعوا بها، وفي أغسطس عام 1993م طلب ابن د. سام شبرد الأوحد فتح القضية من جديد، وتطبيق اختبار البصمة الوراثية، فأمرت المحكمة في مارس 1998م بأخذ عينة من جثة د.شبرد، وأثبت البصمة الوراثية براءة د. سام شبرد، وأدانت البصمة الوراثية أحد أصدقاء العائلة، وأُسدِلَ الستار على أطول محاكمة في التاريخ في يناير 2000م. (1)
البصمة الوراثية في المجال الجنائي لا توجب حدا أو قصاصا بمجردها:
__________
(1) انظر: البصمة الوراثية تكشف المستور، العلم في دهاليز المحاكم، لنهى سلامة، الخميس: 18 يناير 2001م، على موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت: علوم وصحة- الهندسة الوراثية:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1175008914702&pagename=Zone-Arabic-HealthScience%2FHSALayout(12/82)
إن البصمة الوراثية تدل على هوية كل إنسان بعينه، وهي أفضل وسيلة علمية للتحقق من شخصية الإنسان، ومعرفة الصفات الوراثية المميزة له عن غيره من خلال خلية من خلايا جسمه من الدم أو اللعاب أو المني أو البول أو غير ذلك، ويستدل من خلال البصمة الوراثية على مرتكبي الجرائم، ومعرفة الجناة عند الاشتباه، سواء كانت جريمة زنا أو قتل أو اعتداء على ما دون النفس، أو سرقة أو حرابة أواختطاف أوانتحال لشخصيات الآخرين، أوغير ذلك من أنواع الجرائم والجنايات على النفس أوالعرض أوالمال، فإنه يمكن الاستدلال بالبصمة الوراثية على مرتكب الجريمة والتعرف على الجاني الحقيقي من بين المتهمين من خلال أخذ ما يسقط من جسم الجاني في محل الجريمة، وإجراء تحاليل البصمة الوراثية على تلك العينات المأخوذة، ومطابقتها على البصمات الوراثية للمتهمين بعد إجراء الفحوصات المخبرية على بصماتهم الوراثية، وعند تطابق البصمة الوراثية للعينة المأخوذة من محل الجريمة، مع نتيجة البصمة الوراثية لأحد المتهمين، فإنه يكاد يجزم بأنه كان متواجدا في مسرح الجريمة، لكنها ظنية في كونه الفاعل الحقيقي، فاعتماد البصمة الوراثية قرينة من القرائن للوصول إلى الجاني واكتشاف المجرمين، وإيقاع العقوبات المشروعة عليهم في غير الحدود والقصاص أمر ظاهر الصحة والجواز، لدلالة الأدلة الشرعية الكثيرة على الأخذ بالقرائن والحكم بموجبها، ومشروعية استعمال الوسائل لاستخراج الحق ومعرفته، وإنما قيل بمشروعية الأخذ بالبصمة الوراثية باعتبارها قرينة من القرائن يستدل بها على المتهم في الجرائم المختلفة دون الحدود؛ لأن الحدود لا تثبت إلا برؤية الشهود أو إقرار الجاني، والشارع يدرأ الحدود بالشبهات والاحتمال، ووجود أثر الإنسان في مسرح الجريمة لا يقطع بأنه مرتكبها، والبصمة الوراثية تثبت بيقين هوية صاحب الأثر في محل الجريمة، لكنها تظل ظنية في ارتكابه للجريمة، فقد يكون وجوده قدراً في مكان(12/83)
الجريمة قبل أو بعد وقوعها أو غير ذلك من أوجه الظن المحتملة. (1)
وقد ذهب الفقهاء المعاصرون في المجامع والندوات العلمية الشرعية إلى جواز الأخذ بالبصمة الوراثية في المجال الجنائي في غير الحدود، ولم أقف على خلاف لأحد في هذه المسألة، وجاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة المنعقدة في مكة المكرمة والتي بدأت يوم السبت 9/7/1419 هـ الموافق 31/10/1998 م ما نصه: (البصمة الوراثية بمثابة دليل يمكن الاعتماد عليها في إثبات الجرائم التي لا يترتب عليها حد شرعي) (2) ، وجاء في توصية الندوة الفقهية حول الوراثة والهندسة الوراثية ما نصه: (البصمة الوراثية من الناحية العلمية وسيلة لا تكاد تخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية، والتحقق من الشخصية، ولا سيما في مجال الطب الشرعي، وهي ترقى إلى مستوى القرائن القوية التي يأخذ بها أكثر الفقهاء في غير قضايا الحدود الشرعية). (3)
مستند الحكم الشرعي للأخذ بالبصمة الوراثية في المجال الجنائي:
__________
(1) حجية البصمة الوراثية في إثبات البنوة ونفيها وما يتعلق بها من أحكام شرعية، ورقة عمل مقدمة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية إعداد أ.د. سعد الدين هلالي ص41-44 .
(2) البصمة الوراثية ومدى مشروعية استخدامها في النسب والجناية لعمر السبيل ص 44.
(3) رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة ثبت كامل لأعمال الندوة الحادية عشرة" الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني- رؤية إسلامية" تحرير د/أحمد رجائي الجندي (2/1048) .(12/84)
البصمة الوراثية في المجال الجنائي وسيلة لغاية مشروعة، والوسائل لها حكم الغايات، فهي وسيلة مشروعة لأنها تحقق مصالح جمة وتدرأ مفاسد ظاهرة، ومبنى الشريعة كلها على جلب المصالح ودرء المفاسد، وأخذاً بما ذهب إليه جمهور الفقهاء من مشروعية العمل بالقرائن والحكم بمقتضاها، والحاجة إلى الاستعانة بها على إظهار الحق وبيانه بأي وسيلة قد تدل عليه، أو قرينة قد تبينه، استناداً للأدلة الشرعية الكثيرة من الكتاب والسنة الدالة علي ذلك، وعملاً بما درج عليه الولاة والقضاة منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم في عصور الإسلام المختلفة إلي يومنا هذا من استظهار الحق بالقرائن، والحكم بموجبها، يقول ابن القيم: ( ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات، فإذا ظهرت لم يقدموا عليها شهادة تخالفها ولا إقراراً، وقد صرح الفقهاء كلهم بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود فرقهم، وسألهم كيف تحملوا الشهادة؟ وأين تحملوها؟ وذلك واجب عليه، متى عدل عنه أثم وجار في الحكم، وكذلك إذا ارتاب بالدعوى سأل المدعي عن سبب الحق، وأين كان؟ ونظر في الحال، هل يقتضي صحة ذلك؟ وكذلك إذا ارتاب بمن القولُ قولُه كالأمين والمدعى عليه، وجب عليه أن يستكشف الحال، ويسأل عن القرائن التي تدل علي صورة الحال، وقل حاكم أو وال اعتنى بذلك وصار له فيه ملكة إلا وعرف المحق من المبطل، وأوصل الحقوق إلي أهلها) (1) ، وقال ابن العربي : (على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهو قوة التهمة، ولا خلاف في الحكم بها). (2)
__________
(1) الطرق الحكمية ص 34-35 . ...
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون (2/104) ، الفروق للقرافي(4/237). ...(12/85)
وقد كان القضاة قديماً يستعينون بالقافة لمعرفة آثار أقدام المجرمين، ثم مع التقدم العلمي أصبح الأخذ ببصمات الأصابع قرينة من أشهر القرائن في التعرف على الجناة واكتشاف المجرمين، وأضحي العمل بها شائعاً في بلاد الإسلام وغيرها من دون نكير، ثم ظهرت البصمة الوراثية فتعين المصير إليها إن تمكن القاضي منها لإثبات الحقوق وتحقيق العدل وإظهار الحق.
حاجة المفتى والمستفتى للاقتناع بدلالة البصمة الوراثية : (1)
__________
(1) رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة ثبت كامل لأعمال "االحلقة النقاشية حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب"، تحرير د/أحمد رجائي الجندي ود/ سعد الدين هلالي ص28-29 .(12/86)
عندما ظهرت البصمة الوراثية لأول مرة؛ وتم استخدامها في أول حالة بشرية لتحديد الأبوة بناء على طلب من مكتب الهجرة سنة 1985م؛ استنكر الناس في أمريكا وأوروبا هذا الكشفَ العجيبَ الغريبَ، ورفضوا التسليم بنتائجها في منازعاتهم، فتم تسويق البصمة الوراثية بإنشاء شركة سل مارك سنة 1987م، ثم انتشرت الشركات التي تتجر بها وتُحَسّنُ أداءَها، حتى انتشر العمل بها في محاكم أوروبا وأمريكا، وظهرت بشأنها قواعد قانونية، فالحديث عن البصمة الوراثية في هذه الآونة ليس تعجلاً، بل قد تأخرنا كثيراً عن غيرنا ممن عمل بها، وهذا يُظهر مدى الحاجة إلى تحضير النخب من الفقهاء والقضاة والأئمة والمحامين ونحوهم للتعرف على تقنية البصمة الوراثية تنويرا للرأي العام، حتى لا تُضَيّع الأمة الإسلامية وقتاً طويلاً في الجدل والتشكيك في الأخذ بقطعياتها، فرواد البصمة الوراثية استطاعوا بالصبر والعمل الدؤوب على شحذ الرأي العام وإقناع الجمهور بحجيتها باتخاذ الإجراءات التالية (1) :ـ
(1) قيام بعض شركات البصمة الوراثية بإنشاء قسم خاص يضمُ خبراءَ عالميين لإجراء تحاليل البصمة الوراثية والدفاع عنها لدى المحاكم، بشرح طريقتها وكيفيتها للقضاة والمحلفين لإقناعهم بحقيقتها ومدى حجيتها.
(2) تخصيص قسم للتدريب في شركات البصمة الوراثية، لتأهيل الكوادر في كافة بلدان العالم.
(
__________
(1) انظر: ندوة لمدى حجية استخدام البصمة الوراثية لإثبات البنوة، لمنظمة العلوم الطبية الإسلامية، انعقدت الحلقة النقاشية على مدار يومي الأربعاء والخميس 28 ، 29 /1/1421 هـ الموافق 3 ، 4 /5/2000 م بفندق الميريديان، قاعة الصالحية، الكويت، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.islamset.com/arabic/abioethics/basma/basma1.html. ...(12/87)
3) قيام بعض شركات البصمة الوراثية في أمريكا بخدمات وطنية كبيرة، بتصنيف البصمات الوراثية للمجرمين المشهورين، ووضعها في بنك خاص تحت تصرف الحكومة، والإعلان عن استعدادها لإنشاء مثل هذا البنك في أي دولة ترغب في هذه التقنية، وحازت بذلك على ثقة الحكومة الأمريكية وكثير من الحكومات الأخرى.
(4) قيام بعض شركات البصمة الوراثية بإنشاء قسم لتحكيم نتائج المختبرات في العالم، عن طريق تحليل العينات في مختبر ما -دون الإشارة إلى مكان المختبر- ومطابقتها مع نتائج مختبرات أخرى وإصدار تقارير موثقة خلال 48 ساعة . (1)
وبهذه الإجراءات والمزيد من الصبر استطاع خبراء البصمة الوراثية توعية المجتمع بحقيقة البصمة الوراثية في الدول المتقدمة، فانتشر العمل بها والاحتكام إليها على نطاق واسع في الأدلة الجنائية في أكثر الدوائر القضائية بقناعة وطمأنينة، لذا لا ينبغي تعميم البصمة الوراثية بتشريع إلا بعد شيوعها وانتشارها في الأمة الإسلامية، واقتناع جمهور علمائها وقضاتها بحقيقة حجيتها وارتضائها حكما، قال الله - عز وجل - : { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء } [البقرة:282[، وتراضي المتنازعين في وسيلة الإثبات مطلب شرعي لتمام العدل واستقراره. (2)
__________
(1) انظر: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: البصمة بين الإعجاز والتحدي (القسم الثاني)، د.محمد السقا عيد، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.55a.net/firas/arabic/index.php?page=show_det&id=350&select_page=2
(2) انظر: البصمة الوراثية ودعوى تصحيح النسب، على موقع إسلام أون لاين -الإسلام وقضايا العصر - علوم وتكنولوجيا، الجمعة 19 مايو 2000م، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1175008652662&pagename=Zone-Arabic-Shariah%2FSRALayout(12/88)
المبحث الرابع: استنساخ الجنس البشري:
خلق الله - عز وجل - الإنسان في أحسن تقويم وصورة، وكرمه على سائر خلقه، وجعل إنجابه وتكاثره بأرقى صورها بين الكائنات الحية بالتزاوج الجنسي، بينما جعل تكاثر الكائنات الحية البدائية والدنيئة كوحيدة الخلية تكاثرا لا جنسيا، قال - جل جلاله - : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ - ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ - ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } ]المؤمنون:12-14[، حتى حيوان الهيدرا (1)
__________
(1) حيوان الهيدرا من أكثر الجوفمعويات شيوعاً، ويكثر في مياه البرك العذبة، ويمثل حيوان الهيدرا نموذجاً بسيطاً لتركيب الحيوان الجوفمعوي، أسطوانى الجسم، صغير الحجم، يبلغ طوله 2-20 مم، يلتصق بالأعشاب المائية والأحجار بواسطة مادة لزجة تفرزها قاعدة الحيوان القرصية، وتوجد فتحة الفم على قمة ارتفاع يعرف بالمخروط الفمي Oral Cone، ويحيط بفتحة الفم عدد من اللوامس الطويلة، يتراوح عددها من 6-8 لوامس، تتكاثر الهيدرا لاجنسيا بالتبرعم أو القطع، ولكنها تلجأ إلى التكاثر الجنسي عند تغير الظروف البيئية كانخفاض درجة الحرارة ونقص التهوية في برك المياه الراكدة التي تعيش فيها الهيدرا، أي عندما تصبح البيئة غير ملائمة.
انظر:
- Ralph Buchsbaum, Animals without Backbones, Penguin Books Ltd, Great Britain, © Ralph Buchsbaum,volume1, pages 83-96.
- M. Abergrombie, G.J. Hickman, and M.l. Johnson, A Dictionary Of Biology, Penguin Books Ltd, Sixth Edition, Great Britain, © M. Abergrombie, G.J. Hickman, and M.l. Johnson, page141.
- Sylvia S. Mader, Biology, seventh international edition, © McGraw-Hill companies 2001, USA, pages 586- 587.
وانظر: موسوعة ويكيبيديا، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://ar.wikipedia.org/wiki/
وانظر: المدرس العربي، التكاثر الجنسي في الحيوان، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.deyaa.org/biology88.html(13/1)
البدائي يتكاثر تكاثرا جنسيا، إلا أن بعض البشر يأبون إلا الهبوط بالإنسان إلى ما دون الحيوان في السلوك والأخلاق ونمط الحياة، فسخروا
العلم الذي كرم الله به الإنسان؛ لا ليرتقوا به إلى المكانة المرموقة التي أرادها الله - جل جلاله - له، ولكن ليصطنعوا تكاثرا بدائيا لا جنسيا في بني البشر، كما تتكاثر البكتريا والأمبيبا والفطريات، يُفقد الفرد الأبوة والأسرة والنسب، وأطلقوا عليه استنساخ الجنس البشري.
الاستنساخ لغة:
نَسَخَ الشيءَ يَنْسَخُه نَسْخا،ً وانْتَسَخَه واستَنسَخَه: اكتتبه عن معارضه، قال في التهذيب: النَّسْخ اكتتابك كتاباً عن كتاب حرفاً بحرف، والأَصل نُسخة، والمكتوب عنه نُسخة، لأَنه قام مقامه، والكاتب ناسخ ومنتسخ، والاستنساخ: كتب كتاب من كتاب؛ وفي التنزيل: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } ]الجاثية:29[، أي ننسخ ما تكتبه الحفظة، فيثبت عند الله سبحانه وتعالى، قال في التهذيب: أَي نأْمر بنسخه وإِثباته. (1)
أنواع الاستنساخCloning :
__________
(1) انظر: لسان العرب(3/61)، تهذيب اللغة(7/84)، تاج العروس(7/355-356)، معجم مقاييس اللغة(5/424)، مختار الصحاح ص273، المعجم الوسيط(2/917).(13/2)
النُّسَخ (Clone) مجموعة من الخلايا أوالمخلوقات الحية متطابقة جينياً، نتجت من خلية واحدة أو مخلوق واحد بالتكاثر اللاجنسي، وعليه فالاستنساخ عملية إنتاج نسخ متطابقة وراثياً للخلية أو المخلوق الأصلي، وفي مجال التقنية البيولوجية (Biotechnology) يستعمل هذا المصطلح ليدل على عدة عمليات يقوم بها البيولوجيون في المعمل منها استنساخ جين (Gene) معين بصورة نقية وكميات كبيرة، واستنساخ خلية واحدة لإنتاج خلايا كثيرة متطابقة مع الخلية الأصلية، واستنساخ المخلوق الكامل، فالاستنساخ مضاعفة عدد الجنيات أو الخلايا أو المخلوقات الحية المتطابقة وراثيا من أصل واحد، وقد تم استخدام تقنية استنساخ الجينات والخلايا في مجال التقنية البيولوجية (Biotechnology) منذ أكثر من عشرين سنة لإنتاج الأدوية واللقاحات لعلاج الأمراض، مثل أمراض القلب والكلية وأمراض السكري والسرطانات المختلفة والتهاب الكبد المعدية وغيرها، والأبحاث جارية على قدم وساق لاستنساخ أعضاء الجسم البشري وأنسجته، ويطلق على الاستنساخ الاستنسال أوالنسخ أوالتطبيق أوالكلونة أوالاستتئام أوالتوأمة، ولفظ الاستنساخ أجودها لقوة الدلالة ووضوحها، ويقال للحيوان أو للإنسان الناتج بهذه الطريقة المستنسخ أو النسيخ، ولما كان للاستنساخ طريقتان: نسخ التوائم من الخلايا الجنينية، والنسخ من الخلايا الجسدية البالغة، أطلق البعض على الطريقة الأولى: الاستنسات أوالنست جمعا بين كلمة استنساخ وكلمة توائم، ويُسمّى الناتج بهذه الطريقة: المستنست أو النسيت، وأطلق على الطريقة الثانية: الاستنساد جمعا بين كلمة استنساخ وكلمة جسد، ويُسمّى الناتج المستنسد. (1)
__________
(1) انظر: الاستنساخ في ميزان الشريعة للدكتور محمد سليمان الأشقر، ص(2/312)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م.(13/3)
أولا: استنساخ الجين Cloning Gene: (1)
إن الخلية تحتوي على آلاف الجينات المختلفة بأعداد مختلفة في خليط معقد، وللحصول على جين معين بصورة نقية وبأعداد كبيرة من النسخ، يستنسخ ذلك الجين وذلك لعدة أغراض، منها دراسة تركيب الجين ووظيفته لاستعماله في إنتاج بروتينات علاجية كالإنسولين، وتعتبر هذه التقنية من التقنيات السهلة المنتشرة في الكثير من المعامل في جميع أنحاء العالم.
تقنية استنساخ الجينات:
1) إدخال قطعة الـ ( DNA) المحتوية على الجين المراد استنساخه في قطعة ( DNA) دائرية كبيرة تسمى الناقل أو الحامل (Vector)، وهذا الناقل يساعد في إدخال الجين داخل الخلية البكتيرية.
2) يبدأ الناقل في التضاعف داخل الخلية البكتيرية منتجا أعدادا كبيرة من النسخ المتطابقة والمتضمنة لقطع الـ (DNA ) المحتوية على الجين الذي تم نقله.
3) عندما تنقسم الخلية البكتيرية، تنتقل نسخ من الناقل المحتوي على الجين إلى الخلايا البكتيرية الجديدة ويتضاعف الجين.
4) بعد أن تتكاثر البكتيريا عدة مرات، يتم اختيار المستعمرة المحتوية على الجين المطلوب بعملية غربلة (Screening)، فيتم الحصول على نسخة نقية من الجين المطلوب.
من فوائد الاستنساخ الجيني:
1- استنساخ الجين المسؤول عن صناعة الأنسولين في جسم الإنسان وحقنه في بكتيريا حيّة، وبالتالي تحضير مادة الأنسولين البشري نفسها للمريض نفسه.
__________
(1) انظر: "الاستنساخ (الكلونة) Cloning للدكتورة صديقة العوضي، ص(2/163)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م، ما بعد الاستنساخ للدكتور عبد الباسط الجمل ص 118، حول هندسة الوراثة وعلم الاستنساخ لمحمد صالح المحب ص121.(13/4)
2- استنساخ الجين المسؤول عن إفراز هرمون hormone Follicle-stimulating FSH الهرمون المحفز على تكوين البويضات في مبيض المرأة، ووضع هذا الجين في خميرة معينة للحصول على هرمون FSH بصورة نقية، واستخدامه في تنشيط المبايض وزيادة فرص الحمل.
3- استنساخ الجين المسؤول عن إفراز إنزيم ستربتوكينيز STREPTOKINASE ، وهو الأنزيم المسؤول عن إذابة التخثرات الدموية في الجلطات.
4- استنساخ الجين المسؤول عن تكوين الحليب الذي ينتجه ثدي الأم، وإدخاله في خلية نعجة لتصبح هذه النعجة قادرة على إنتاج حليب مشابه لحليب الأم، والذي يتميز بمواصفات صحية فريدة للطفل. (1)
ثانيا: استنساخ الخلايا: (2)
__________
(1) انظر: الاستنساخ بين العلم والديانات، مقال للدكتور كامل عجلوني في جريدة الغد، 1/12/2007م، انظر المقال على موقع جريدة الغد على شبكة الإنترنت:
http://www.alghad.jo/?news=25982
وانظر: حكم الاستنساخ البشري، لمحسن العصفور، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.al-asfoor.org/fatawa/index.php?id=804
(2) انظر: ما بعد الاستنساخ للدكتور عبد الباسط الجمل ص 118.
وانظر: الوراثة الطبية، الصفحة التعليمية، النسخ بالهندسة الوراثية، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.werathah.com/learning/cell_cloning.htm
وانظر:
- Sylvia S. Madder, Biology, seventh international edition, © McGraw-Hill companies
2001,USA,pages266-270(13/5)
يحتاج الباحثون أحيانا إلى دراسة نوع معين من الخلايا أو تأثير بعض الجينات في خلايا معينة، فيستنسخون خلية واحدة إلى أعداد كبيرة من الخلايا، ويتم ذلك بعزل الخلية المراد دراستها واستنساخها في المعمل، لتنقسم وتعطي عددا كبيرا من الخلايا المتطابقة وراثياً، ويستهدف هذا النوع من الاستنساخ دراسة تأثير جين معين على وظائف نوع من الخلايا، فيتم إدخال نسخة من ذلك الجين الغريب في خلية واحدة وإكثارها ومقارنتها بخلايا لا تحتوي على ذلك الجين.
ثالثا: استنساخ المخلوق الكامل أو الاستنساخ التكاثري (Reproductive cloning): (1)
استنساخ المخلوق الكامل وتوليد كائن حي أو أكثر، إما بنقل النواة من خلية جسدية إلى بويضة منزوعة النواة، أو بتشطير بويضة مخصبة في مرحلة تسبق تمايز الأنسجة والأعضاء، وسنة الله في خلقه أن ينشأ المخلوق البشري من اجتماع نطفتين اثنتين، تشتمل نواة كل منهما على ثلاثة وعشرين كروموسوما، نصف عدد الصبغيات (الكروموسومات) في الخلايا الجسدية، فإذا اتحدت نطفة الأب (الحيوان المنوي) بنطفة الأم (البويضة)، تحولتا معاً إلى نطفة أمشاج أو لقيحة، تشمل على حقيبة وراثية كاملة، تحتوي على ستة وأربعين كروموسوما، فإذا انغرست في رحم الأم تنامت وتضاعفت، فتصير الخلية خليتين متماثلتين ثم أربعاً ثم ثمانية، ثم تواصل تضاعفها حتى تبلغ مرحلة التمايز والتخصص، حتى يتكامل الجنين، وينتج مخلوق متكامل بإذن الله تعالى، والاستنساخ تدخل بشري في هذه السلسلة، لينتج مخلوقان متطابقان جينيا بإحدى التقنيتين التاليتين:
(1) الاستنساخ بتقنية نقل النواة Nuclear Transfer Technology: (2)
__________
(1) انظر: مجلة نيتشر العلمية (Nature عدد 385 عام 1997) صفحة -810813.
(2) انظر: مجلة نيوزويك عدد 10 آذار 1997 ص42، ومجلة الإيكونومست 1 آذار 1997م.
وانظر: الاستنساخ البشري، هل هو قادم ؟ مقال للدكتور حسان شمسي على موقعه الشخصي على شبكةالإنترنت:
http://www.drchamsipasha.com/ar/index.php?art=show_articles&id=136(13/6)
أول من استخدم هذه التقنية الدكتور إيان ويلموت Dr. Ian Wilmut’sوفريقه البحثي بالتعاون مع شركة الأدوية (PPL Therapeutics) في اسكوتلندا. النعجة دوللي المستنسخة
أعلن فريق وليموت في شهر فبراير من عام 1997م عن ولادة دوللي (Dolly)، وهي نعجة لها نفس التركيب الجيني (DNA) الذي تحمله أمها، فدوللي نسخة مطابقة لأمها جينيا، وهذا التشابه ليس طبيعياً إلا في حالات (Twins Identical) التوائم المتطابقة التي تنتج من تلقيح بويضة واحدة، وتعتبر دوللي أشهر نعجة في التاريخ، فقد احتلت صورها أغلفة أشهر المجلات العلمية، وحظيت بما لا يحصى من المقالات والتقارير في المجلات العلمية وغير العلمية على حد سواء، وتتميز دوللي بأنها أول مخلوق ثدي يستنسخ من خلية متخصصة (أخذت من ضرع أمها)، وظل جمهور الباحثين لوقت طويل يعتقدون أن عملية الاستنساخ مسألة نظرية وليست حقيقة، ففي السبعينات حاول بعض الباحثين في جامعة كامبردج عزل نواة من خلية متخصصة من الضفدع ووضعها داخل بويضة منزوعة النواة، إلا أن البويضة انقسمت عدة انقسامات ثم توقفت، ولم تنمُ إلى مرحلة الحيوان الكامل، إلى أن تم الإعلان عن النعجة دوللي فأصبحت فكرة الاستنساخ حقيقة علمية ثابتة.
بالرغم من أن الاستنساخ موجود في الطبيعة في عالم النباتات في حالات عديدة، كما في الصفصاف والتين البنغالي والتوت وغيرها من النباتات التي يمكن أخذ جزء منها وزرعه، فينتج نبات كامل متماثل جينيا مع الأصل، إلا أنه أخذ بعدا آخر عندما حاول الباحثون تطبيقه على الحيوان، لأنه يعني إمكانية تطبيقه على الإنسان. (1) إبرة ميكروسكوبية تشفط نواة بويضة المبيض
تقنية استنساخ النعجة دولي:
قام الباحث الاسكتلندي إيان ولموت وفريقه باستنساخ النعجة البريطانية دوللي من ثلاث نعجات إناث ليس بينها ذكر، وفق الخطوات والإجراءات التالية:
__________
(1) انظر: مجلة الوطن العربي، العدد 47 بتاريخ 28/3/1997 ص: 52.(13/7)
1- أُخذت 277 بويضة مما أفرزه مبيض نعجة أنثى رأسها أسود، وتم تفريغ جميع البويضات من نواتها بواسطة إبرة خاصة مع استبقاء السيتوبلازم والغشاء الواقي، ووضعت في سائل كيميائي لإبطاء حركة نموها.
2- أخذ من ضرع نعجة بيضاء الرأس -عمرها ست سنوات- عددا من الخلايا الجسمية، ووضعت في وسط حمضي يحتوي على نسب قليلة من المواد اللازمة لنموها لمدة خمسة أيام، وبذلك خرجت الخلية من طور النمو إلى طور الراحة والتجويع.
3- نزعت النواة من كل خلية من خلايا الضرع ثم خدر نشاطها.
4- غرست داخل كل بويضة مفرغة من نواتها نواة من خلية الضرع، تحتوي هذه النواة على الـ 46 صبغيا (كرموسوما)، وهي ما يسمى بالحقيبة الوراثية التي تعطي جميع الخصائص الذاتية للمخلوق، ثم سلطت كهرباء ضعيفة عليها لإتمام عملية الالتحام والاندماج، حيث تقوم الجزيئات في البويضة عندئذ ببرمجة الجينات في نواة خلية الضرع لإنتاج الخلية الأولية للجنين.
5- وضعت كل خلية في أنبوب اختبار في محلول كيميائي لتنميته، وسُلط على كل خلية في أنبوب الاختبار صعقة كهربائية، لتبدأ الخلايا بالانقسام.
6- حدث الانقسام في 29 خلية فقط من أصل 277 خلية، وبلغت هذه الخلايا مرحلة الخلايا العشر المتماثلة.
7- عند بلوغ الخلية المندمجة مرحلة معينة من النمو والانقسام إلى خلايا متعددة تنقل إلى رحم نعجة ثالثة ذات رأس أسود لاحتضانها. نزع نواة البويضة وحقن نواة الخلية الجسدية
8- زرعت هذه الخلايا المتماثلة في مكانها في الرحم .
9- من بين الـ 29 علقة، واحدة فقط وصلت إلى تمام النمو، فولدت النعجة دوللي تامة الخلق بعد160 يوماً في شهر يوليو من عام 1996 ، وكانت تزيد على 6.600 كيلو غراما، ومماثلة لأمها ذات الرأس الأبيض صاحبة النواة.(13/8)
10- راقب الباحثون نمو النعجة حتى بلغت الشهر السابع من العمر، وعندها أعلن الفريق نجاحه العلمي للعالم، وانطلقت وسائل الإعلام تدوي بالخبر، فانقسمت ردود الفعل بين مصفق للنجاح الباهر، وبين رافض للفكرة، وحققت الشركة الإنجليزية لصناعة الأدوية التي مولت مخبر بحوث روزلان في اسكتلندا مكاسب كبيرة، وارتفعت أسهمها غداة الإعلان 13% في بورصة لندن، ولما ظهرت صورة النعجة دولي على شاشات التلفاز في العالم ثار سيل عارم من الجدل حول مشروعية الاستنساخ. (1)
(2) الاستنساخ بالتشطير أوالاستِتْآم:
__________
(1) انظر: مجلة نيتشر العلمية العدد Nature 385، عدد 27آذار سنة 1997م، صفحة 808-810. ولدت النعجة دوللي في تموز 1996م، وكلف إنتاجها 750000 دولار، وتكتم ويلموت وزملاؤه على تجاربهم، ولم يعلنوا عنها إلا في 27/2/1997م. وانظر: مجلة نيوزويك عدد 10 آذار 1997 ص43، ومجلة الإيكونومست عدد 1 آذار 1997م.(13/9)
الاستتآم لغة : من التأم، وهو التَّوْأم من جميع الحيوان المولود مع غيره في بَطْن واحد، من الاثنين إلى ما زاد، ذَكَراً كان أَو أُنْثَى، وقد يستعار في جميع المُزْدَوِجات، وأتْأمَتِ المرأة إذا وضعت اثنين في بطن، فهي مُتْئِمٌ، فإذا كان ذلك لها عادة فهي مِتْئَآمٌ، والولدان تَوْأمَانِ، يقال: هذا تَوْأمُ هذا، على فوعل، وهذه تَوْأمَةُ هذه، والجمع تَوَائِمُ وتُؤام، قال ابن سيده: يقال: تَوْأم للذَكَر، وتَؤْأَمة للأُنثى، فإذا جَمعوهما قالوا: هما تَوْأمان، وهما تَوْأم، وتاءَم أَخاه: وُلِد معه، وهو تِئْمُهُ وتُؤْمُه وتَئِيمُه، قال ابن بري: وذهب بعض أَهل اللغة إلى أَن تَوأَم فَوْعَل من الوِئام، وهو المُوافقةُ والمُشاكلةُ، فقال: هو يُوائمُني أَي: يُوافِقُنِي، فالتَّوْأم أَصله ووْأم، وهو الذي واءَم غيره أَي وافَقه. (1)
الاستتآم في الاصطلاح: (2)
إذا انشطرت إحدى خلايا اللقيحة (البويضة المخصبة) في مرحلة ما قبل التمايز إلى شطرين متماثلين تولد منهما توأمان متماثلان، وقد أمكن إجراء فصلٍ اصطناعي لهذه اللقائح في الحيوان، فتولدت منها توائم متماثلة، ويعد ذلك نوعاً من الاستنساخ أو التنسيل، لأنه يولِّد نسخاً أو نسائل متماثلة، وأطلق عليه اسم الاستنساخ بالتشطير أو الجنيني.
تقنية الاستتآم أو التشطير أو الاستنساخ الجنيني:
تقوم تقنية الاستتآم أوالتشطير على تلقيح بويضةالزوجة بماء الزوج، وعند الانقسام
__________
(1) انظر: تهذيب اللغة (15/444-445)، لسان العرب(12/61-63)، تاج العروس (31/317)، مختار الصحاح(1/31)، النهاية في غريب الحديث(1/178)، المغرب في ترتيب المعرب للمطزي (1/100).
(2) انظر: الاستنساخ البشري بين الإقدام والإحجام للدكتور أحمد الجندي، (2/134)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م.(13/10)
تفصل الخلايا عن بعضها، كل خلية على حدة، ثم تحفز كل خلية منها على الانقسام، لتكون نسخاً متعددة للخلية الأصلية، ثم تودع في رحم الزوجة، وقد بدأت هذه الفكرة عام 1993م عند الباحثين أمريكيين ستيلمان وهول، حيث أخذا حيوانا منويا يحتوي على ثلاثة وعشرين كروموسوما، ولقحا به بويضة تحتوي على ثلاثة وعشرين كروموسوما، فنتجت بويضة ملقحة بنواة ذات ستة وأربعين كروموسوما، ثم انقسمت هذه الخلية الملقحة لتعطي أربع خلايا، وكان الجديد في بحثهما ما يلي:
1- أنهما توصلا إلى إنزيم ومواد كيميائية تذيب الغشاء البروتيني السكري المحيط بهذه الخلايا الأربع، فانفصلت عن بعضها البعض.
2- توصلا إلى مادة جديدة استخلصت من الطحالب البحرية لإصلاح جدار الخلايا المنفصلة وتغطيتها حتى لا تتضرر.
3- أخذا كل خلية من هذه الخلايا، وقاما باستنساخ كل واحدة على حدة لتنتج أربع خلايا مرة أخرى، أي أنتجا ست عشرة خلية، ثم فصلا هذه الخلايا واستنسخاها إلى أربع وستين خلية، ثم جمدوا جميع هذه الخلايا، وأخذوا خلية واحدة فقط لتنميتها حتى وصلت إلى اثنتين وثلاثين خلية، ولو غرست لقيحتان منها كل واحدة في رحم، لنتج توأمان متطابقان لأنهما نتاج بويضة واحدة، إلا أن الباحثين لم يكملا العمل ولم يزرعا اللقيحتين في الأرحام، لأن التجارب على الجنين البشري تحتاج إلى ضوابط أخلاقية وقانونية، علما بأن هذا البحث جرى بعيداً عن أعين اللجان الأخلاقية، وأذيع في أحد المؤتمرات عام 1993م، وأثار زوبعة من الخلاف بين علماء الدين والأخلاق. (1)
رابعا: الاستنساخ العلاجي للحصول على الخلايا الجذعية أوالجذرية :
__________
(1) انظر: : الاستنساخ البشري، بحث للدكتور أحمد الجندي، مجلة المجمع الفقهي العدد العاشر (3 / 242-243).(13/11)
http://www.nooran.org/O/Oimages/11/4-1.jpgاكتشف الباحثون نوعًا من الخلايا أطلقوا عليها الخلايا الجذعية stem cells، وتسمى الخلايا الجذرية والخلايا الأولية والخلايا الأساسية وخلايا المنشأ والخلايا الإنباتية، ويعلق الباحثون على الخلايا الجذعية الآمال في علاج العديد من الأمراض المستعصية، وهذه http://www.nooran.org/O/Oimages/11/4-2.jpgالخلايا لها القدرة على الانقسام غير المحدود في المزارع الخلوية لتعطي خلايا متخصصة، فعندما يلقح الحيوان المنوي البويضة تتكون خلية وحيدة لها القدرة على تكوين إنسان كامل بمختلف أعضائه، وتسمى خلية جذعية كاملة القدرة أو القوة Totipotent Stem Cells، وبعد أربعة أيام من التلقيح وعدة دورات من انقسام الخلايا تبدأ الخلايا الكاملة القدرة في إنتاج خلايا متخصصة مكونة الحويصلة الجذعية Blastocyte في مرحلة البلاستولة، والتي تتكون من طبقتين، خارجية تكون المشيمة والأنسجة الدعامية التي يحتاج إليها الجنين أثناء التكوين في الرحم، وطبقة داخلية يتكون منها أنسجة جسم الكائن البشري (1) ، وبالرغم من أن الطبقة الداخلية تستطيع تكوين جميع أنواع خلايا جسم الإنسان إلا أنها لا تستطيع تكوين
__________
(1) انظر: الخلايا الجذعية STEM CELLS، أ.د صالح بن عبدالعزيز الكريم، أ. محمد يحيى، قسم علوم الأحياء- كلية العلوم- جامعة الملك عبدالعزيز، الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة - مكة المكرمة، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.nooran.org/O/11/11(4).htm(13/12)
جنين كامل؛ لأنها غير قادرة على تكوين المشيمة والأنسجة الدعامية التي يحتاج إليها الجنين في الرحم أثناء عملية التكوين، لذلك يطلق عليها الخلايا الجذعية الوافرة القدرة Cells Pluripotent Stem أو الخلايا الجذعية الجنينية، أي أن لها القدرة على تكوين العديد من أنواع الخلايا (1) ، ولكن ليس كل الخلايا اللازمة لتكوين الجنين، فلا تعتبر أجنّة، فلو زرعت في الرحم لا تكون أجنّة، وتتكاثر خلايا الكتلة الداخلية للبلاستولة بالانقسام
المتكرر، وتنتج خلايا جذعية متخصصة مثل خلايا الدم الجذعية التي تكون كل خلايا الدم، وخلايا العضلات الجذعية التي تكون العضلات، وخلايا الجلد الجذعية التي تعتبر مصدرًا لكل خلايا الجلد، وهذه الخلايا الجذعية المتخصصة Multipotent Stem Cell خلايا متعددة القدرات. (2)
طريقة الحصول على الخلايا الجذعية الجنينية Cells Pluripotent Stem: (3)
يمكن الحصول على الخلايا الجذعية الجنينية بإحدى الطرق التالية:
__________
(1) انظر: مقال: "أبحاث الخلايا الجذعية" ثورة في العلاج الطبي.. ولكن يجب تجنب مخاطرها، للدكتور محمد البار، جريدة الشرق الأوسط - جريدة العرب الدولية، الاثنين 30 ربيع الأول 1426 هـ 9 مايو 2005 العدد 9659 ، وانظر على شبكة الإنترنت موقع جريدة الشرق الأوسط:
http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=15&issue=9659&article=298128
(2) انظر: استنساخ الأجنة، كتاب منظومة الحياة، للدكتور أحمد محمد عوف، الموسوعة العلمية ويكيبيديا الحرة على شبكة الإنترنت:
http://ar.wikipedia.org/wiki/
(3) انظر: الوراثة الطبية، الصفحة التعليمية، الخلايا الجذرية، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.werathah.com/learning/stem.htm(13/13)
الطريقة الأولى: طريقة الدكتور جيمس ثامسون Dr. James A. Thomson من جامعة UWـMadison، حيث عزل الخلايا الجذعية من الأجنة البشرية في مرحلة البلاستولة blastocyte، وقد حصل على الأجنة من عيادات الخصوبة التي لديها فائض من عمليات التلقيح الخارجي، إذ يتم تلقيح عدد كبير من البويضات، ولا يستخدم منها إلا القليل، ويتم التخلص من الباقي، فبعد أن عزل الدكتور ثومسون الخلايا الجذعية، قام بتنميتها في مزارع خلوية منتجا الخلايا الجذعية الجنينية، وتحولت بعض الخلايا الجذعية إلى بعض أنواع الأنسجة المختلفة، ويعتبر الدكتور ثومسون أول من تمكّن من عزل وتنمية الخلايا الجنينية البشرية عام 1998م.
الطريقة الثانية: طريقة الدكتور جيرهارت gearhart من جامعة Johns Hopkins حيث عزل الخلايا الجنينية من الأجنة المجهضة، وأخذ الدكتور جيرهارت الخلايا من المنطقة التي تُكوّن الخصيتين أو المبايض في الجنين لاحقا، وتُعرف هذه الخلايا بالخلايا الجرثومية الأولية، وتوصل إلى هذه الطريقة في الشهر الذي توصل فيه ثامسون لطريقته في نوفمبر 1998م، وبالرغم من أن الخلايا التي تمت تنميتها في معمل الدكتور ثومسون ومعمل الدكتور جيرهارت مختلفة المصدر إلا أنها متشابهة.
الطريقة الثالثة: الاستنساخ العلاجي: (1)
__________
(1) انظر: استنساخ الأجنة، كتاب منظومة الحياة، للدكتور أحمد محمد عوف، الموسوعة العلمية ويكيبيديا الحرة على شبكة الإنترنت:
http://ar.wikipedia.org/wiki/(13/14)
نشرت مجلة سينتفيك أمريكان مقالا بعنوان "أول جنين مستنسخ" يدور حول استنساخ أجنة بشرية في مراحلها المبكرة، وهذه الأجنة تتولد من البويضات بطريقة يطلق عليها الاستنساخ العلاجي Therapeutic cloning، وتتم من خلال تقنية تكنولوجيا الخلية المتطورة Advanced Cell Technology، حيث يستخدم الباحثون تقنية النقل النووي nuclear transplantation الذي يعرف بالاستنساخ cloning، يقول الباحثان جوس سيبيلي و مايكل كارول إيزيللي: (إنهما شاهدا تحت الميكروسكوب بعد تلقيح البويضة المفرغة من النواة؛ كرات (علقات) من الخلايا المنقسمة)، وتعتبر هذه أول أجنة بشرية أنتجت واستنسخت في أكتوبر عام 2001م، ولما وصلت كل كرة (علقة) إلى مرحلة الانقسام وصل عدد خلاياها إلى مائة خلية في كل كرة جنينية، يطلق عليها بلاستوسست (خلايا جنينية متحوصلة) blastocysts، وهي عبارة عن أجنة في مراحلها الأولي المبكرة، ويستهدف الاستنساخ العلاجي استعمال مادة جينية من خلايا المريض نفسه لإنتاج خلايا جزر البنكرياس لعلاج السكر أو خلايا عصبية لإصلاح الحبل الشوكي spinal cord التالف، وهو غير الاستنساخ التكاثري reproductive cloningالذي يستهدف إدخال
وزراعة جنين مستنسخ في رحم امرأة لولادة طفل مستنسخ (1) ،
__________
(1) انظر: الوراثة الطبية، الصفحة التعليمية، الخلايا الجذرية، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.werathah.com/learning/stem.htm(13/15)
وأكثر الباحثين يعارضون الاستنساخ البشري التكاثري، لكن الاستنساخ العلاجي يجد قبولا لدي الكثير من الباحثين، لأنه لايقتل أجنة كاملة النمو ولايمس الموروث الجيني للبشر، وقد استشار الباحثان جوس سيبيلي و مايكل كارول إيزيللي علماء الأخلاق والاجتماع لإجراء تجاربهما حتى لايقعا في محاذير أخلاقية لاستنساخهما أجنة بشرية، فقاما باختيار امرأة ترغب في التبرع ببويضاتها لإجراء الاستنساخ، وأشخاص للتبرع بخلاياهم الجسدية لاستنساخها، والتي تؤخذ عادة من الجلد، ثم يتم النقل النووي باستخدام إبرة دقيقة خاصة لشفط المادة الجينية من البويضة الناضجة لتفريغها من النواة، ثم تحقن البويضة المفرغة بالنواة المستخلصة من الخلية الجسدية، وتوضع في ظروف خاصة تمكنها من الانقسام، علما بأن البويضات والخلايا الجسدية أخذت من أشخاص معافين ليس لديهم أمراض، وتحقن المرأة المتبرعة بالبويضات بهورمونات أنثوية لتعطي عشر بويضات بدلا من بويضة أوبويضتين في الحالات العادية، وتؤخذ الخلية الجسدية (الفيبروبلاست fibroblast) البالغة من الجلد عندما تبدأ في الانقسام. أجريت التجارب على ثمان بويضات خصبت بالطريقة المذكورة أسفرت بويضتان منها عن تكوين علقات (أجنة مبكرة)، انقسمت كل منها إلى أربع خلايا وواحدة انقسمت إلى ست خلايا قبل أن تتوقف جميعها عن النمو. (1)
البرمجة الخلوية:
__________
(1) انظر: "الاستنساخ بتبتيك آذان الأنعام بين القرآن والعلماء" للدكتور صلاح الدين جمال الدين بدر- جامعة الأزهر- مجلة الجيل الواعد 20/5/2007م، انظر موقع المجلة على شبكة الإنترنت:
http://www.al-jeel.net/content/view/125/30/(13/16)
إن تقنية استنساخ النعجة دوللي أوصلت الباحثين إلى إعادة برمجة جينات خلايا البالغين الجسدية لتنمو ثانية، مما سيمكن الباحثين يوما ما من إعادة برمجة خلايا الجلد أو الدم لتنمو كقطع غيار للأعضاء أوالأنسجة الحيوية بدلا من استعمال جنين كامل وأخذ خلاياه الجذعية (الإنباتية أوالجذرية)، إلا أن هذه التقنية مازالت قيد البحث لوجود عقبات هائلة أمام تحقيقها، إلا أن الهم الأول للعلماء تحقيق انتصارات علمية دون وازع ديني أو أخلاقي، ورغم أن محاولاتهم يكتنفها كثير من الفشل إلا أنهم طرقوا باب عصر الاستنساخ بعد اكتشاف جزء من آليته باستنساخ النعجة دوللي، وتمتاز طريقة الاستنساخ العلاجي بأن الخلايا الناتجة متطابقة جينيٌّا مع الفرد الذي أخذت منه النواة وزرعت في البويضة، مما يحل مشكلة رفض الجهاز المناعي. (1)
استخدامات الخلايا الجذعية الجنينية Cells Pluripotent Stem: (2)
__________
(1) انظر: استنساخ الأجنة، كتاب منظومة الحياة، للدكتور أحمد محمد عوف، الموسوعة العلمية ويكيبيديا الحرة على شبكة الإنترنت:
http://ar.wikipedia.org/wiki/
(2) انظر:هل استنساخ الخلايا الجذعية ضرورة أم افتعال؟ لطارق قابيل 04/12/2001، انظر موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/arabic/science/2001/12/article2.shtml(13/17)
إن أبحاث الخلايا الجذعية البشرية سواءً الجنينية أو البالغة سوف تحدث تغيرًا جذريا في طرق تكوين وتطوير العقاقير الطبية واختبار آثارها ومدى تأثيرها، وتستخدم الخلايا الجذعية فيما يعرف بالعلاج الخلوي cell therapy، حيث إن هناك العديد من الأمراض والاعتلالات التي يكون سببها الرئيس هو تعطل الوظائف الخلوية وتحطيم أنسجة الجسم للخلايا، والخلايا الجذعية التي يتم تحفيزها لتكوين خلايا متخصصة تمثل مصدرًا متجددًا لإحلال الخلايا والأنسجة، مما يوفر علاجًا لعدد كبير من الأمراض المستعصية مثل الرعاش العصبي (باركِنسون) Parkinsonism والخرف (الزهايمر) Alzheimer وبعض أنواع السرطان وإصابات الحبل الشوكي والجلطة الدماغية والتشوهات الوراثية والحادثة كترقيع الجلد في الحروق وأمراض القلب والسكري والتهاب المفاصل العظمي والروماتويدي، وقد تستفيد جميع المجالات الطبية مستقبلاً من هذه الخلايا وتطبيقاتها، وعندما ينضج هذا العلم ستكون الفوائد الاقتصادية هائلة، إذ أن أمراض العته الدماغي والسكتة الدماغية وأمراض القلب والسرطان والأمراض المزمنة الأخرى يمكن علاجها بالخلايا الجذعية بدلا من العقاقير، مما سيوفر في تكاليف العلاج، ويقلل من إضاعة الموظفين لأوقاتهم بالإجازات المرضية، ويحلم الجراحون العاملون في حقل زراعة الأعضاء بالحصول على كمية غير محدودة من الأنسجة والأعضاء الملائمة لمرضاهم دون بحث عن متبرع، ويأمل الباحثون تحقيق ذلك الحلم بالإفادة من تقنية الاستنساخ العلاجي، ويجادل علماء الاستنساخ أنه إذا فرغت بويضة بقرة من نواتها وغرس فيها نواة خلية جسدية بشرية فإن جنيناً يمكن أن ينمو ويتطور في أنبوب الاختبار، ولن يكون قادراً على الحياة، إلا أن هذه الخلايا ستكون مصدراً لعدد كبير من الأنسجة البشرية لزراعتها في البشر خصوصا خلايا عضلات القلب، واستنساخ الأنسجة من نواة خلايا المريض مما يحل مشكلة الرفض المناعي.(13/18)
(1)
الخلايا الجذعية البالغة:
تم اكتشاف الخلايا الجذعية البالغة في بعض أنواع الأنسجة البالغة، والتي تقوم بإمداد الأنسجة بالخلايا التي تموت طبيعيا لانتهاء عمرها، ولم يتم بعد اكتشاف الخلايا الجذعية البالغة في جميع أنواع الأنسجة، والأبحاث تسير على قدم وساق في هذا المجال، فعلى سبيل المثال كان من المعتقد أن الخلايا الجذعية غير موجودة في الأنسجة العصبية البالغة، ولكن في السنوات الأخيرة تم عزل خلايا جذعية عصبية من الجهاز العصبي للجرذان والفئران وحتى الإنسان.
إن الخلايا الجذعية البالغة -كالخلايا الجذعية الدموية- يمكن أن تغير مسارها في تكوين خلايا دموية وتتجه إلى تكوين نوع آخر من الخلايا كخلايا الكبد، http://www.nooran.org/O/Oimages/11/4-6.jpgفالأبحاث على الخلايا الجذعية البشرية البالغة بينت أنها قادرة على التحول إلى أنواع أخرى من الخلايا المتخصصة، خلافا لما كان يعتقد أنها مبرمجة لسلوك خط واحد من إنتاج الخلايا المتخصصة، فلو استطعنا عزل الخلايا الجذعية البالغة من أنسجة المرضى أنفسهم، ومن ثم توجيهها للانقسام والتخصص في اتجاه معين، ومن ثم زراعتها مرة أخرى في أنسجة المريض المصابة، فإن ذلك سيقلل من رفض الجسم لهذه الخلايا. (2)
معوقات استخدام الخلايا الجذعية البالغة:
__________
(1) انظر: التعريف بأبحاث الخلايا الجذعية في البيولوجيا الجزيئية، بقلم: الدكتور: بلحاج العربي بن أحمد، مجلة الوعي الإسلامي، الكويت، التاريخ 2006-12-23م، العدد رقم: 493.
(2) انظر: الخلايا الجذعية، كيفية الحصول على الخلايا الجذعية الجنينية، الخلايا الجذعية متعددة الفعاليات، الأربعاء 28/9/1428 هـ الموافق10/10/2007م، انظر موقع الجزيرة على شبكة الإنترنت:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/EB32E900-FDE9-4634-830A-434667E03C17.htm(13/19)
1- بالرغم من التعرف على العديد من أنواع الخلايا الجذعية البالغة، إلا أنه لم يتم عزلها من جميع أنواع الأنسجة المختلفة كالخلايا الجذعية القلبية، كما أنها لا توجد إلا بكميات قليلة يصعب عزلها وتنميتها.
2- إن عزل الخلايا الجذعية البالغة قد يقلل من عمر الإنسان، فالخلايا الجذعية العصبية تم الحصول عليها بإزالة جزء من دماغ مريض الصرع.
3- http://www.nooran.org/O/Oimages/11/4-9.jpgاستخدام الخلايا الجذعية البالغة للعلاج يتطلب عزلها ثم تنميتها في مزارع خلوية للحصول على كميات وافرة تكفي للعلاج، وهذا يتطلب وقتا طويلا.
4- ليس للخلايا الجذعية البالغة القدرة على التكاثر كالخلايا الجذعية الجينية.
5- تحتوي الخلايا الجذعية البالغة على عيوب في تركيب الحامض النووي DNA لتعرضها أثناء حياة الإنسان إلى العديد من المؤثرات كأشعة الشمس والسموم.
هذه العيوب والمعوقات تحد من الاستفادة من الخلايا الجذعية البالغة، ولم يتمكن الباحثون من تذليلها والتقليل من آثارها السلبية، مما جعلهم يتوجهون للتركيز على الخلايا
الجذعية الجنينية. (1)
مقارنة بين الخلايا الجذعية الجنينية والبالغة:
__________
(1) انظر: الخلايا الجذعية STEM CELLS، أ.د صالح بن عبدالعزيز الكريم، أ. محمد يحيى، قسم علوم الأحياء- كلية العلوم- جامعة الملك عبدالعزيز، الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة - مكة المكرمة، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.nooran.org/O/11/11(4).htm(13/20)
إن الخلايا الجذعية الجنينية تنتج إنزيم telomerase يساعدها على الانقسام باستمرار، بينما الخلايا الجذعية البالغة لا تنتج هذا الإنزيم إلا بكميات قليلة جدٌّا وعلى فترات متباعدة، مما يجعلها محدودة العمر، وغير مناسبة للأبحاث كالخلايا الجذعية الجنينية، علاوة على أن الخلايا الجذعية الجنينية قادرة على التحول إلى جميع أنواع الأنسجة الإنسان، بينما الخلايا الجذعية البالغة لا تتمتع بهذه القدرة، مما يجعل الخلايا الجذعية الجنينية أفضل من الخلايا الجذعية البالغة. (1)
مصادر الخلايا الجذعية:
1- الأجنة البشرية المصدر الأساس للخلايا الجذعية الجنينية.
2- اكتشفت شركة Anthrogenesis في إبريل 2001م مصدرًا غنيّا بالخلايا الجذعية البالغة في المشيمة والحبل السري، إلا أن هناك جدل علمي حول ما تحققه كمصدر لهذه الخلايا، والشركة لم تنشر نتائج أبحاثها رسميٌّا.
3- الأنسجة الدهنية أحد مصادر الخلايا الجذعية البالغة، وقد تم نشر دراسة في مجلة Tissue Engineering لمجموعة باحثين من جامعة California Pittsburgh تثبت عزل خلايا جذعية من أنسجة دهنية عادية.
4- نخاع العظام أحد مصادر الخلايا الجذعية، خاصة في تحولها من نخاع العظام إلى خلايا كبدية عند زراعتها في الأطباق، وهناك تجارب أولية تثبت أن الخلايا الجذعية في نخاع العظم قادرة على التحول إلى أي نوع من أنواع الخلايا إذا ما توفرت لها الظروف معمليا، 5- نشرت مجلة nature medicine بحثًا تم فيه عزل الخلايا الجذعية من بنكرياس الفئران وتنميتها وزراعتها في فئران مصابة بالسكر، فأظهرت قدرتها على التحول إلى خلايا منتجة للأنسولين. (2)
__________
(1) انظر: مقال: الخلايا الجذعية STEM CELLS، لفراس جاسم جرجيس، الصحة sehha.com، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.sehha.com/misc/stemcells1.htm.
(2) انظر: الخلايا الجذعية و طرق الحصول عليها، على موقع حكيم للطب في جامعة دمشق على شبكة الإنترنت:
http://www.hakeem-sy.org/main/node/12352(13/21)
تجارب الاستنساخ البشري:
1- نشرت جريدة الجزيرة السعودية (1) عن الباحث الإيطالي المتخصص في التخصيب سيفيرينو إنتينوري أن أول جنينٍ ذكرٍ تم استنساخه ولد في أوائل كانون الثاني يناير 2003م، وأضاف أن طفلين آخرين تم استنساخهما سيولدان بعد ذلك بخمسة أسابيع، وأنهما في صحة جيدة، وأضاف أن من أنواع الاستنساخ البشري بغرض التكاثر يكون بتشطير البويضة المخصبة في مرحلة تسبق تمايز الأنسجة والأعضاء، وقد تم إنجاز ذلك في الحيوان، وقد أعلن باحثون في أستراليا عن استنساخهم أربع مائة وسبعين عجلا من حيوان منوي واحد وبويضة واحدة، حيث قاموا بتلقيح بويضة بحيوان منوي في أنبوبة، وتركت البويضة المخصبة تنقسم إلى خلايا ما قبل المرحلة الجنينية، فكانت هذه الخلايا متطابقة جينيا، وكل منها يعتبر بداية أولية للجنين، ثم وضعت هذه النطف في أرحام الأمهات البدائل، فنمت إلى عجول عددها أربع مائة وسبعين عجلا.
2- ولادة أول إنسان مستنسخ، فلوريدا، الولايات المتحدة(CNN) (2) :
__________
(1) انظر: جريدة الجزيرة في عددها 11018، يوم الخميس بتاريخ: 23/9/1423 هـ .
(2) انظر: : مقال (كلونيد: الطفلة المستنسخة تصل أمريكا الإثنين) الخبر على موقع السي إن إن بالعربية 30/ 12/ 2002م على شبكة الإنترنت:
http://arabic.cnn.com/2002/scitech/12/30/baby.clone/index.html(13/22)
أعلنت بيرجيت بوسلير، المديرة العلمية لمؤسسة كلونيد الأمريكية التي ادعت سابقا قدرتها ورغبتها في استنساخ البشر، أن أول إنسان مستنسخ قد ولد في 26 ديسمبر 2002م، وقالت بوسلير: إن المولود أنثى، وتزن سبع أوقيات، وقد ولدت بصحة جيدة. وأوضحت في مؤتمر صحفي أن ولادة الطفلة تمت خارج الولايات المتحدة في دولة لم تعلن عن اسمها، وقالت: إن الطفلة الرضيعة، التي أطلق عليها اسم إيف (حواء) ستذهب إلى البيت في غضون ثلاثة أيام، وسيأخذ الخبراء عينات من الحمض النووي لإثبات أنها مستنسخة، وتتوقع أن تظهر النتائج خلال أسبوع بعد الاختبار. وقالت جدة الطفلة المستنسخة: إن العائلة بأكملها سعيدة جدا، وأفضل دليل على أنها مستنسخة أنها تشبه والدتها، ووالدة الطفلة إيف، مواطنة أمريكية تبلغ من العمر إحدى وثلاثين سنة، وكانت بيرجيت بوسلير قالت لمحطة CNN سابقا إنها لن تقوم بإعلان أي شيء إذا لم يولد الطفل المستنسخ بكامل صحته.
3- (ولادة ثاني طفل مستنسخ) فرنسا (CNN) (1) :
__________
(1) انظر: : كلونيد: ولادة الإنسان المستنسخ الثاني، الخبر على موقع السي إن إن بالعربية على شبكة الإنترنت بتاريخ 3/1/2003م:
http://arabic.cnn.com/2003/scitech/1/3/cloning.baby.2/index.html(13/23)
أعلنت مديرة شركة كلونيد، بريديجيت بوسيلير أنها تتوقع ولادة ثاني طفل مستنسخ في إحدى الدول الأوروبية، و أعلنت تأجيل إجراء فحص DNA للطفل المستنسخ الأول بداعي الخوف على مصلحة أبوي الطفلة التي أطلق عليها أسم "إيف" أو حواء، وقالت: (إن قرار العدول عن المضي قدما بالفحص يعود لأسباب قانونية، بعد أن قام أحد المحامين في الولايات المتحدة بطلب من أحد القضاة بإصدار أمر بوضع الطفل تحت الوصاية القانونية)، ورفضت بوسيليير الإفصاح عن البلد الذي تمت فيه ولادة الطفلة الثانية، وتنتمي بوسيليير إلى جماعة الرائيليين تدعي أن الإنسان خلق عن طريق كائنات فضائية زارت الأرض قبل خمسة وعشرين ألف عام وقامت باستنساخه. وكانت شركة كلونيد قد صرحت بأن الطفلة ستصل لبيتها في الولايات المتحدة، وقالت بوسيليير: (ربما ستكون الأمور أكثر سهولة لولادة الطفل الثاني في إحدى الدول الأوروبية، وستكون الأمور أقل حساسية). يقول الدكتور ديفيد وايتهاوس الباحث في الهندسة الوراثية (1) : (
__________
(1) انظر: قنبلة الاستنساخ تنفجر في وجه العالم- زعماء العالم: (العلم بلا أخلاق)، مجلة الجزيرة، العدد 18، الثلاثاء 14/1/2003م، مقال للدكتور أحمد صابر، انظر على شبكة الإنترنت:
http://www.al-jazirah.com.sa/magazine/14012003/ab11.htm(13/24)
من واقع التجربة التي مرت بي فإن خمسة أنواع من الثدييات المستنسخة أكدت النتائج عدم وجود فرص للنجاح، فالحوامل الخمسة التي رشحت للاستنساخ فشلت، وفي معظم الحالات مات الجسم المستنسخ وباتت حياة الأم والجسم المستنسخ على محك الخطر، وفي كثير من الحالات ينمو الجنين بشكل غير طبيعي، ويهدد بحجمه الضخم سلامة الرحم، فلم تكتمل تجارب الحمل بالاستنساخ لأنها تنتهي بالإجهاض في أغلب الأحيان، والنعجة المستنسخة «دوللي» تعتبر حالة خاصة، لأنها التجربة الناجحة الوحيدة من بين مائتين وسبع وسبعين تجربة باءت بالفشل، فاستنساخ الإنسان يحتاج إلى تجارب عديدة فاشلة، مما يسبب معاناة شديدة، وتظل نسبة نجاح الاستنساخ في البشر أقل من الحيوانات التي تم استنساخها، والتي يعاني معظمها من تغيرات حادة، كضعف وظائف الكبد ومشاكل في القلب والرئتين وصفائح الدم، ومرض السكر، واختلال نظام المناعة المكتسبة بسبب الاختلال الجيني، ومعظم الأبقار كان لديها تغيرات في شكل الدماغ، ولا تعيش طويلا غالبا، مما قد ينطبق على الإنسان حال استنساخه، ووقف الباحثون مندهشين حيال النجاح الصوري المؤقت لما استنسخوه، واستنساخ البشر لن ينجح حتى لو تم تحضيره من خلايا جيدة لجنين بشري، لأن الطفل الطبيعي هو اتحاد بين حيوان منوي وبويضة، ومعلومات الباحثين قليلة عن المدة التي يعيشها الجسم المستنسخ، ولكن الدلائل تشير إلى أنه لا يعيش طويلا، وسيعاني من مشاكل صحية كثيرة، ومازالت الدراسات والأبحاث جارية بهذا الصدد، والطفل المستنسخ لا يكون نسخة طبق الأصل لصاحب النواة رجلا كان أو امرأة، بل يكون المستنسخ مطابقا بنسبة 99% لصاحب النواة، لأن هناك جينات في الميتوكوندريا الموجودة في سيتوبلازم البويضة المفرغة من النواة).(13/25)
4- (سحاقيّة تضع ثاني طفل مستنسخ) أمستردام، هولندا(CNN) (1) :
صعّدت طائفة الرائيليين من مفاجآتها عندما أعلنت ولادة ثاني طفل مستنسخ في هولندا بعد الطفلة إيف، التي رفضت الطائفة الكشف عن مكان ولادتها، وقال رئيس الطائفة في هولندا بارت أوفرفليت: الطفل المستنسخ الثاني سيولد في هولندا. ورفض إعطاء المزيد من المعلومات حول المكان والتاريخ والشروط الدقيقة لهذه الولادة، مكتفيا بالقول: إن المولود سيكون طفلة مستنسخة من والدتها السحاقية، وتحمل الجنسية الهولندية. وكانت رئيسة شركة كلونيد بريديجيت بوسيلير قد أعلنت عن قرب ولادة طفل ثان مستنسخ في شمال أوروبا في مقابلة من بروكسل مع محطة فرانس2 التلفزيونية، علما بأنه لم يتأكد من مصدر مستقل ولادة أول طفل مستنسخ في 26 ديسمبر 2002م، ولا يزال المجتمع العلمي يشكك في ذلك.
5- (قرب ولادة ثالث طفل مستنسخ) طوكيو، اليابان :(CNN) (2)
__________
(1) انظر: مقال (سحاقيّة تضع ثاني طفل مستنسخ) كاتب المقال: فورت لوردرديل، الخبر على موقع السي إن إن بالعربية على شبكة الإنترنت بتاريخ 4/1/2003م:
http://www-cgi.cnn.com/arabic//2003/scitech/1/4/dutch.rael/index.html
(2) انظر: أول طفل ياباني مستنسخ، الخبر على موقع السي إن إن بالعربية على شبكة الإنترنت بتاريخ 19/1/2003م:
http://arabic.cnn.com/2003/scitech/1/30/baby.eve/index.html(13/26)
أعلنت شركة كلونيد عن قرب ولادة ثالث طفل مستنسخ في اليابان، ويأتي هذا الإعلان بالرغم من ازدياد الشكوك حول مصداقيتها، خاصة أنها لم تقدم أي دليل مادي يدعم ادعاءاتها بولادة أول طفل مستنسخ، وذكرت المسؤولة عن القسم العلمي في شركة كلونيد، بريديجيت بوسيلير أن الطفل المستنسخ من خلية أخذت من طفل في الثانية من عمره قتل في حادث سيارة، وقالت بريديجيت بوسيلير في حديث مع شبكة طوكيو الإذاعية: (إن الطفل سيولد قريبا)، إلا أنها رفضت الإفصاح عن مكان ولادة الطفل أو جنسه، وتعد عملية الاستنساخ محظورة في اليابان، ويعاقب كل من يمارسها بالحبس لعشرة أعوام مع غرامة مالية كبيرة، وقالت الشركة: إن والدة الطفلة تبلغ من العمر إحدى وثلاثين سنة، والزوج مصاب بالعقم، دون الإفصاح عن تفاصيل أخرى، إلا أن عددا من الباحثين شككوا بصحة ادعاءات شركة كلونيد.
6- (ولادة ثالث طفل مستنسخ) فلوريدا، الولايات المتحدة الأمريكية (CNN) (1) :
كشفت شركة كلونيد عن ولادة ثالث طفل مستنسخ لوالدين يابانيين، ويأتي الإعلان في الوقت الذي تخضع فيه الشركة لمساءلة القانونية حول حقيقة وجود "أول طفلة مستنسخة"، والتي لم يتمكن الباحثون من تأكيد ولادتها بصورة مستقلة، وتطالب المحكمة التي تنظر الدعوى بوضع "إيف" المستنسخة تحت وصاية ولاية فلوريدا. ونقلت وكالة ممثل الادعاء عن ولاية فلوريدا
الأسوشيتدبرس: أكدت المتحدثة باسم كلونيد بوسيلير رئيسة على اليسار والممثل عن كلونيد على اليمين
__________
(1) انظر: مقال (كلونيد: تعلن عن ولادة ثالث طفل مستنسخ) كاتب المقال: فورت لوردرديل، الخبر على موقع السي إن إن بالعربية على شبكة الإنترنت بتاريخ 23/1/2003م:
http://arabic.cnn.com/2003/scitech/1/23/clonaid.japanese/index.html(13/27)
الشركة ستعقد مؤتمراً صحفياً في تورنتو لإلقاء الضوء على أحدث منتجات الشركة من الأطفال المستنسخين، وهما طفل ياباني وطفلة ولدت لسحاقيتين من أصول هولندية، وقالت المتحدثة باسم طائفة الرائيليين المؤيدة لعمليات الاستنساخ البشري في اليابان: (إن الطفل الياباني استنسخ من صبي في الثانية من عمره، توفي قبل ثمانية عشر شهراً في حادث سير، وزرع في رِحم سيدة آسيوية، ليست يابانية الأصل)، وأبدت شركة كلونيد استعدادها لإجراء اختبار على الحمض النووي DNA لإثبات أن الطفلة مستنسخة، إلا أنها تراجعت في اللحظات الأخيرة بدعوى الحفاظ على مصالح الطفلة، وبالرغم من عدم تمكن كلونيد من إثبات عملية الاستنساخ البشري إلا أن منتسبيها أعلنوا عن توقع ولادة خمسة أطفال جدد بحلول 5 فبراير2003م.
7- (الطفلة المستنسخة حواء موجودة في إسرائيل) فلوريدا، الولايات المتحدة (CNN): (1)
__________
(1) انظر: مقال (كلونيد: أول مستنسخة موجودة في إسرائيل) الخبر على موقع السي إن إن بالعربية على شبكة الإنترنت بتاريخ 30/1/2003م:
http://arabic.cnn.com/2003/scitech/1/30/baby.eve/index.html(13/28)
قالت مديرة شركة كلونيد: إن الطفلة المستنسخة والمعروفة بحواء موجودة في إسرائيل، وكشفت بريديجيت بوسيلير المديرة التنفيذية لشركة كلونيد عن ولادة طفلين مستنسخين تزامنا مع ولادة الطفلة حواء، ولم تقدم أي دليل على استنساخ الأطفال أو وجودهم أصلا. وكانت بوسيليير قد أشارت إلى أن نتائج الحمض النووي (DNA) تظهر أن حواء طفلة مستنسخة، وتراجعت بعد ذلك بقولها: إن أهل الطفلة خائفون من أن تأخذ المحكمة طفلتهم، وقالت أمام القضاء: إنها لم تر غير شريط فيديو للطفلة حواء. وبعد شهادة بوسيليير شكك القاضي جون فروسانتي في برود كاونتي بمصداقية الشهادة التي أدلت بها بوسيلير، خاصة أنها لم تر الطفلة بعينيها. ورفضت شركة كلونيد توفير أية تفاصيل عن الطفلة حواء، ولم يحضروها لإجراء فحوصات مستقلة عليها.
8- الإعلان عن ميلاد سادس طفل مستنسخ في أستراليا (1) :
__________
(1) انظر: وكالة الأنباء رويترز د/ هشام العناني 15/2/2004م، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.reuters.com/
http://www.khosoba.com/articles/040215x02-bn-Aus-6th-cloning-babe.htmوانظر: خصوبة دوت كوم(13/29)
أعلنت شركة كلونيد، التي تزعم قيامها بعمليات استنساخ بشرية، عن ميلاد سادس طفل مستنسخ في أستراليا في الخامس من فبراير 2004م، وذكرت الشركة على موقعها على شبكة الإنترنت أن المولود ذكر، وهو الأول في سلسلة جديدة من الأطفال المستنسخين، إلا أن السلطات الطبية والعلمية الأسترالية رفضوا تلك المزاعم، وقال وزير الصحة الأسترالي توني أبوت: أعتقد أن هذا هو المقابل الطبي لقصة الأجسام الطائرة مجهولة الهوية، وأنا لا أؤيد الاستنساخ، فهو عمل غير مشروع وغير أخلاقي وخطير. وذكرت كلونيد في بيانها على شبكة الإنترنت أن أول طفل من هذه السلسلة ولد بكامل صحته، ووثق ذلك طبيب أطفال في سيدني، ومن المتوقع أن يولد الأطفال السبعة الباقون قريبا، وقالت بريديجيت بوسيلير رئيسة مشروع كلونيد لوسائل الإعلام المحلية: إن الطفل المستنسخ ولد لأبوين عقيمين يعيشان في منطقة سيدني. إلا أن بيان الشركة على الإنترنت قال: إن الحمل لم يتم في أستراليا، فلا يخضع للقوانين المحلية التي تحظر الاستنساخ، وزعمت كلونيد أنها نجحت في إتمام ثماني حالات حمل بأجنة مستنسخة من أصل عشرين عملية زراعة في أرحام النساء في سلسلتها الجديدة من عمليات الاستنساخ، وبالرغم من تقديمها بعض الصور إلا أنها لم تقدم دليلا من الحمض النووي ألDNA لدعم مزاعمها.
9- (الاستنساخ يدخل العالم العربي من البوابة السعودية)، لندن، المملكة المتحدة (CNN): (1)
__________
(1) انظر: مقال :(استنساخ أول طفل في السعودية) الخبر على موقع السي إن إن بالعربية على شبكة الإنترنت بتاريخ 10/3/2003م:
http://arabic.cnn.com/2003/scitech/3/10/clone.saudi/index.html(13/30)
نشرت صحيفة الحياة السعودية، في عددها الصادر الإثنين 10/3/2003م ، أنه تم قبل خمسة أسابيع ولادة أول طفل مستنسخ بعيداً عن الأضواء في أحد المستشفيات السعودية، حيث بدأت الاستعدادات لتوليد طفل سعودي آخر أخذت خلاياه من فتى سعودي توفي قبل أيام في حادث، وقالت الدكتورة بريديجيت بوسيلير رئيسة شركة كلونيد التي نفذت عملية الاستنساخ: الأب كان عقيماً، وكان بين أوائل الذين اتصلوا بي قبل أربع سنوات للاشتراك في برنامج الاستنساخ، وأضافت للصحيفة: إن الطفل السعودي رابع طفل مستنسخ في العالم، ونجهز لتوليد مجموعة أخرى من الأطفال العرب عبر تقنية الاستنساخ التي أثبتنا تحكمنا بها، وتقول بريديجيت بوسيلير: كان لدى الزوج تأهيلا علمياً مكّنه من امتلاك معرفة وخبرة جيدة بتقنيات التلقيح والاستنساخ، فكان متحمساً، فالتقيت زوجته في فرنسا عام 1999م، وكان يرافقها طبيبها السعودي لتقويم حالتها، ثم التقيت الأب لاحقا،ً واتفقنا على القيام بعملية التلقيح عبر الاستنساخ لتأكده من صعوبة إنجابه، فاستخدمنا خلايا الأب وبويضة الأم، وأتى الزوجان لمدة عشرة أيام إلى باريس حيث أجرينا التلقيح وعادا إلى السعودية بعد انتهاء الزرع، ومضت أشهر الحمل في السعودية، وحيث إن الأم لا تعمل فقد أتاح ذلك للحمل أن يجري في ظروف عادية، والطفل ذكر وبصحة جيدة، وتمت ولادته في أحد المستشفيات السعودية، وكان أحد أفراد طاقمنا حاضراً عند ولادة الطفل، والوالدان لم تسعهما الفرحة ويفكران في طفل آخر قد يكون أنثى هذه المرة. تقول بوسيلير: تأتينا طلبات كثيرة من العالم العربي، وكثير منهم من السعودية وشمال إفريقيا ولبنان خصوصاً، وهناك قبول واسع لتقنيتنا بالرغم من الكوابح الدينية والاجتماعية والأخلاقية.(13/31)
10 - الخبراء يشككون في مزاعم استنساخ الطفلين: لندن, إنجلترا (CNN) : (1)
شكك عدد من خبراء الاستنساخ بصحة ادعاءات شركة كلونيد باستنساخ طفلة ثانية، مؤكدين أن الشركة لا تملك الخبرة الكافية للقيام بهذا العمل، ويأتي هجوم خبراء الاستنساخ على الشركة التي تربطها علاقة بجماعة الرائليين، بعد الإعلان عن ولادة طفلة مستنسخة ثانية لامرأة سحاقية من هولندا، وقال خبراء الاستنساخ: إن الشركة وعلى رأساها بريديجيت بوسيلير المديرة التنفيذية لم تظهر أدلة تدعم ادعاءاتها، وقال رئيس المعهد الإسكتلندي الذي قام باستنساخ النعجة دولي: إن مزاعم الاستنساخ ربما تكون كاذبة. ونقلت وكالة رويترز عن هاري غريفن من معهد روزلن: زعمت كلونيد مولد طفلتين، ولكنها حتى الآن لم تقدم أية أدلة على وجود الرضيعتين، ولا أدلة من اختبارات الحمض النووي، وبالتالي ليس هناك سبب يدعو للاعتقاد بصحة ذلك. وقال أيضا: إنه في حال ولادة أطفال مستنسخين فلابد من إيقاف تلك التجارب، ومن غير المقبول تماما أن تتلاعب جماعات مثل كلونيد بصحة الأطفال. وقالت ألتا كارو من معهد ويسكنسون البيوكيميائي: إن غياب الدليل يشير إلى عدم وجود طفلة، والعدول عن إجراء الفحص طريق للخروج من الغاغة الإعلامية التي أوجدوا أنفسهم فيها.
__________
(1) انظر: مقال :( الخبراء يشككون في مزاعم استنساخ الطفلين) الخبر على موقع السي إن إن بالعربية على شبكة الإنترنت بتاريخ 5/1/2003م:
http://arabic.cnn.com/2003/scitech/1/5/cloning.doubts/index.html(13/32)
وجاء في تقرير معهد روزلن: (إن مزاعم شركة كلونيد فيما يتعلق بتجربة استنساخ البشر تتناقض مع خبرة البحوث التي أجريت على استنساخ الكائنات الحية لسنوات عديدة، فهناك كثير من النقاط غير المنطقية، إذ أن معدل النجاح في استنساخ الحيوانات منخفض للغاية، ومحاولات استنساخ القردة غير ناجحة على الإطلاق، وقدر النجاح الذي تزعمه كلونيد يتناقض تماما مع تاريخ استنساخ الأنواع الأخرى). يقول الباحث الأمريكي "آرثر كابلان" –مدير مركز الأخلاقيات الحيوية بجامعة بنسلفانيا الأمريكية- في مقال نشره على موقع msnbc.com: (إنه يستبعد تمكن العلم من إنتاج أطفال مستنسخين بصحة جيدة، حيث إن الأبحاث المنشورة في مجال الاستنساخ حتى الآن تشير إلى حدوث الكثير من العيوب والتشوهات في الحيوانات المستنسخة بالفعل، كما أن العلم لم يتمكن حتى الآن من استنساخ كلاب أو قطط أو أحد الرئيسات primates باستخدام نفس أساليب استنساخ النعجة دوللي). (1)
الخرافة الرائيلية:
ترتبط تجارب استنساخ البشر المزعومة بطائفة الرائيليين الدينية الضالة، أساس اعتقادها الخرافات والأباطيل، وتدعو الآخرين للانضمام إليها وتروج لأباطيلها، ويزعمون أنهم يقدمون حلاً للعقم بالاستنساخ، أسس الطائفة سائق سباق السيارات السابق الرياضي كلود فور يلهون الفرنسي الجنسية ومن مواليد 1946م، والذي أطلق على نفسه اسم رائيل، ويزعم أنه التقى ست مرات مخلوقات قادمة من الفضاء في كلود فوريلهون زعيم الرائليين
__________
(1) انظر: مقال: ( استنساخ أول خلايا بشرية) للدكتورة نادية العوضي على موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت بتاريخ 29/11/2001م:
http://www.islamonline.net/arabic/science/2001/11/article12.shtml(13/33)
أطباق طائرة منذ عام 1973م، عند بركان خامد في منطقة أوفيرنيا الفرنسية، وأنه تلقى ديانة جديدة تقوم على الاعتقاد بأن مخلوقات الفضاء خلقت البشر بالاستنساخ قبل خمس وعشرين ألف عام، وتتلخص عقيدة الرائيليين كما يصورها رائيل في كتابه "الرسالة الأخيرة" (باللغة الفرنسية) أن مفهوم الإله يدعى بالعبرية إلوهيم، ويعني الذين جاءوا من السماء ليخلقوا الحياة، ورائيل اختاره الإلوهيم لينقل إلى الناس خبر أصل الجنس البشري على كوكب الأرض، ومنحه الإلوهيم اسم رائيل، وكلفه بمسؤولية تبليغ عودة الإلوهيم، وتدعو الرائيلية إلى تفسير علمي للإنجيل، ويزعمون أن عيسى عليه السلام بُعث مرة أخرى من الموت باستخدام تقنية متقدمة من الاستنساخ قام بها الإلوهيم، ويزعم رائيل أن المخلوقات الغريبة التي رآها مذكورة في الإنجيل باسم ألوهايم، وترجمت خطأ إلى إله، وهذا يعطى بعدا نصرانيا للطائفة الرائيلية، إلا أنهم يتخذون من النجمة السداسية شعاراً لهم، ولما ظهرت الباحثة الفرنسية بريجيت بواسيلييه أمام وسائل الإعلام للإعلان عن استنساخ أول طفلة كانت ترتدي نجمة داوود عليه السلام وميدالية الرائيليين، وقام رائيل بالترويج لعقيدته الخرافية التي وجدت أنصاراً لها في ظل الفراغ الروحي والفساد العقدي الذي تعيشه المجتمعات الغربية، ويتراوح تعدادهم بين عشرين إلى ثلاثين ألفاً وفقا لتقديرات باحثة الاجتماع سوزان بالمر المتخصصة في دراسة هذه الطائفة، وتؤكد البعثة الفرنسية المتخصصة في دراسة الطوائف أن تعدادهم لا يزيد على عشرين ألفاً، وينتشر معظم أتباع هذه الطائفة في فرنسا وكيبيك في كندا والولايات المتحدة وسويسرا حيث مقرها العالمي، وقد تمكنت الطائفة من جمع مخصصات مالية هائلة عبر الإنترنت، إذ يخصص أتباعها ما بين 3% إلى 10% من عائداتهم.(13/34)
يدعو الرائيليون إلى الإباحية الجنسية بين الذكور والإناث، بل يفخرون بتشجيع الجنس المطلق، ويصف من أمضى أسبوعا في مخيم الرائليين في كيبيك أنه كان مليئاً بالذكور والإناث العرايا من مختلف بلدان العالم، ويشجعون أتباعهم على ممارسة الجنس والرذيلة. يقول رائيل: (أنا مستعد لإجراء عملية استنساخ لمن يدفع 200 ألف دولار، ولا فارق بين استنساخ البشر والإنجاب الطبيعي للأبناء، إلا أن الاستنساخ طريقة أخرى للتكاثر البشري، والأعراض الجانبية للاستنساخ البشري ليست أكثر خطورة من ميلاد طفل من أم مدمنة للخمر أو والد مدمن للمخدرات، وسيدرك الناس يوما فوائد استنساخ البشر، الذي سيساعد العلم للوصول إلى آفاق جديدة، وسيتيح الاستنساخ للبشرية يوماً ما الوصول إلى الخلود بتجديد أوعيتهم الجسدية بانتظام). (1)
شركة كلونيد: Clonaid (خدمة الاستنساخ)
__________
(1) انظر: (علماء من كوكب آخر صنعوا الحياة على الأرض باستخدام الحمض النووي) موقع الرائليين على شبكة الإنترنت باللغة العربية:
http://ar.rael.org/rael_content/index.php(13/35)
أسس الرائيليون شركة كلونيد عام 1997 بعد استنساخ النعجة دوللي لتحقيق هدف خدمة الاستنساخ، وأعلنت الشركة يومها أن نشاطها سيتيح للشاذين جنسيا وللأزواج المصابين بالعقم فرصة استنساخ طفل من الحمض النووي لأحد الزوجين أو الشاذين، وأعلنت الشركة عبر موقعها على الإنترنت أن الاستنساخ سيسمح ببلوغ الحياة الأبدية، نظراً لأن الأشخاص الذين أتوا من كوكب آخر في صحون طائرة يتقدمون علينا بخمس وعشرين ألف سنة، وتترأس الباحثة الفرنسية بريديجيت بوسيلير مجلس إدارة الشركة التي تتخذ من جزر البهاما مقراً لها ويعاونها فريق من المساعدين، وليس للشركة رسالة علمية بالمعنى البحثي، وإنما تم تأسيسها استجابة لمفاهيم واعتقادات الرائيليين المارقة. (1)
أبرز أعضائها:
1- كلود فوريلهون (رائيل) زعيم الجماعة.
2- د. بانوس زافوس، طبيب قبرصي يوناني الأصل، أستاذ في جامعة كنتاكي الأمريكية.
3- بريديجيت بوسيلير ، باحثة فرنسيه، والرئيس التنفيذي لشركة كلونيد، وتقدم نفسها على أنها أسقف في الطائفة.
أهداف استنساخ الجنس البشري: الفضول والسبق العلمي والكسب المالي أهمها، ثم الآتي: (2)
__________
(1) انظر: مجلة المعلم –مجلة تربوية ثقافية جامعة-: مقال: "الطائفة الرائيلية والنسخ البشرية" لمحمد الكندري، موقع مجلة المعلم على شبكة الإنترنت:
http://www.almualem.net/ristinsakh.html
(2) انظر: الاستنساخ في ميزان الشريعة الإسلامية، لمحمد سليمان الأشقر(2/335-337)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م .(13/36)
1- علاج عقم من لا ينجب أو فقد القدرة على الإنجاب بسبب العلاج الكيميائي أوالإشعاعي في مرض السرطان، فيمكن أخذ نواة من خليته الجسدية، لتدمج في بويضة منزوعة النواة مأخوذة من زوجته، ثم يعاد زرعها في رحم زوجته نفسها صاحبة البويضة، والرجل الذي يعاني من ضعف أوتشوه في الحيوانات المنوية أوالمرأة التي لا ينتج جسدها عددا كافيا من البويضات للحمل، يمكن بتقنية الاستتآم أوالتشطير تلقيح بويضة للزوجة بحيوان منوي للزوج، وعند الانقسام تفصل الخلايا عن بعضها، كل خلية على حدة، ثم تحفز كل خلية منها على الانقسام، لتكون نسخاً متعددة للخلية الأصلية، ثم تودع في رحم الزوجة، مع الاحتفاظ بباقي الأجنة احتياطًا للمستقبل. (1)
2 ـ لعلاج مرضى الفشل الكلوي الذين يحتاجون إلى غسيل كلوي، فيمكن بالاستنساخ الحصول على أعضاء كثيرة مزدوجة في جسم الإنسان، يمكن نزعها من النسيخ، كالكلى والرئتين والمبايض والخصيتين (2) ، بل يمكن الحصول على جزء من الكبد أو نخاع العظام دون تضرر النسيخ، مع ضمان عمل الأعضاء في المريض بكفاءة دون رفض مناعي (3) .
__________
(1) انظر: الاستنساخ: حقيقته وأنواعه وحكم كل نوع في الفقه الإسلامي، للدكتور حسن علي الشاذلي، (2/300)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م، والاستنساخ بين الدين والعلم، للدكتور عبد اللطيف ياسين 158.
(2) انظر: قرار مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة بحرمة نقل المبايض والخصيتين وزرعهما في إنسان آخر. مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السادس (3/1975) ، قرار رقم 57(8/6).
(3) انظر: الاستنساخ، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي من د.صالح الكريم . مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (3/324).(13/37)
3 ـ تحسين السلالة البشرية واستنساخ ذوي المواهب والقدرات الفائقة، سواء كانت جسدية، كأبطال الرياضة والفائقين في الجمال، أو عقلية كقادة الجيوش المنتصرة، وأبطال السياسة والعلم والأدب والفن والاختراع. (1)
4 ـ إمكانية حصول الأسرة التي حرمت من الذكور على ذكر بالاستنساخ من رب الأسرة، والأسرة التي حرمت من الإناث بالاستنساخ من أنثى.
5- تخفيف المصيبة في حال فقدان طفل بسبب مرض أوحادث باستنساخه.
6- تشخيص الأمراض الوراثية في المختبر ودراستها، فإن كان ثمة مرض وراثي في النطفة المستنسخة أهملت جميع النسخ ولم تودع في الرحم، لتحاشي ولادة أطفال مشوهين.
7- إنجاب أطفال ذي طابع وراثي معين لها مواصفات خاصة كمقاومة الجراثيم في الحروب الجرثومية، ونسخ أصحاء لتلافي الأمراض الوراثية، وإنتاج أشخاص متطابقين وراثيا لإجراء الدراسات العلمية عليهم لمعرفة أثر البيئة على الجينات الوراثية. (2)
الضرر الأخلاقي والديني لاستنساخ الجنس البشري:
ظهر الاستنساخ بفعل بعض المنحرفين بهدف الانسلاخ والتحلل والخروج عن الفطرة الإلهية المنظِّمة للوجود البشري، ومن مفاسده:
__________
(1) انظر: الاستنساخ في ضوء الأصول والقواعد والمقاصد الشرعية، للدكتور نور الدين مختار الخادمي ص 60، والاستنساخ بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، للدكتور شوقي زكريا الصالحي ص50-52.
(2) انظر: الاستنساخ البشري بين الإقدام والإحجام للدكتور أحمد الجندي، (2/145-146)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م.(13/38)
1- الاستنساخ اعتداء على سنة الله الفطرية في خلق الإنسان وتكوينه بالتزواج بين الذكر والأنثى، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } ]الحجرات:13[، وقال تعالى : { إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا } ]الإنسان:2[، وقال - جل جلاله - : { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى - مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى } ]النجم:45-46[ وقال تعالى: { فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ - خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ - يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ } ]الطارق:5-7[، وقال تعالى: { ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ } ]السجدة:8[، والاستنساخ سعي للتكاثر بطرق مغايرة لسنة الله الفطرية في خلقه، وإخلال بتوازن الكون وتكامل الكائنات، وهو عدوان على النواميس الطبيعية، ويشبه ذلك تدخل الإنسان في الطبيعة بقلع الغابات وفتح الدوائر الإيكولوجية، مما أنتج خللا في توازن الطبيعة، فقد جعل الله خلق الإنسان من مزيج أمشاج من ماء الرجل وماء المرأة، وجعل الزواج طريقا فطريا للنسل وأساسا للتكاثر البشري لتحقيق المودة والرحمة، والاستنساخ مساس بالعلاقة الزوجية التي أوجدها الله في النكاح لحصول الأولاد وانتسابهم (1) ،
__________
(1) انظر: الاستنساخ البشري وأحكامه الطبية والعملية في الشريعة الإسلامية للدكتور نصر فريد محمد واصل، مفتي الديار المصرية (2/424-426)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م..(13/39)
وبنزع النواة من بويضة المرأة ينتهي الخليط الفطري، فلا تورث الأنثى خصائصها وتكون شبه معدومة في المستنسخ، وقد خلق الله - عز وجل - الناس أزواجًا من ذكر وأنثى، وكذلك الحيوانات والطيور والزواحف والحشرات والنباتات كلها، بل كشف لنا العلم الحديث أن الازدواج قائم في عالم الجمادات، كما نرى في الكهرباء والذرة وحدة البناء الكوني تقوم على الإلكترون والبروتون، أي شحنة كهربائية موجبة وأخرى سالبة، ويشير القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة في قوله تعالى: { وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا } ]النبأ:8[، وقال جل ذكره: { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى } ]النجم:45[، ويقول جل ذكره: { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ } ]يس:36[، ويقول الله - جل جلاله - : { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ]الذاريات:49[، والاستنساخ يقوم على الاستغناء عن أحد الجنسين، والاكتفاء بجنس واحد، وهذا مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها، قال الله - عز وجل - : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } ]الروم:30[، والإنسان بفطرته يحتاج إلى الجنس الآخر لا لمجرد الإنجاب فحسب، بل ليكمل كل منهما الآخر، كما قال تعالى: { بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } ]أل عمران:195[، وليستمتع كل منهما بالآخر، قال تعالى: { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } ]البقرة:187[، وليسكن إليها وتسكن إليه، وقال - عز وجل - : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ(13/40)
لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ]الروم:21[، فكل من الرجل والمرأة بحاجة إلى صاحبه ليسكن إليه، ولتقوم بينهما المودة والرحمة، والاستنساخ لا يحقق سكن كل من الزوجين إلى الآخر، ولا يحقق الأسرة التي ينشأ الطفل في ظلالها وحماها، ويكتمل نموه تحت رعايتها ومسئوليتها. (1)
__________
(1) انظر: مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر حسم القضية: تحريم إسلامي قاطع للاستنساخ البشري، مجلة الوعي الإسلامي، مجلة إسلامية شهرية جامعة تصدر عن وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت، العدد رقم: 493، التاريخ: 23/12/2006م، انظر موقع مجلة الوعي الإسلامي الكويتية على شبكة الإنترنت:
http://alwaei.com/topics/view/article.php?sdd=80&issue=448.
وانظر: علة تحريم الاستنساخ لمحمد سعدي، إسلام أون لاين فتاوى شرعية مباشرة، الأربعاء 2007/7/25م، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.islamonline.net/livefatwa/arabic/Browse.asp?hGuestID=y2DS4s(13/41)
2- يؤدي الاستنساخ إلى ظهور الأسرة المثلية من جنس واحد، فيكون جميع أفراد الأسرة إناثا، من المرأة صاحبة النواة وقطيع من أشباهها، دون الحاجة إلى ذكر، وذلك هدم للأسرة أساسِ المجتمع، التي يحمل الفرد اسمها ومكارمها وسمعتها، ويحظى برعايتها وحمايتها، والأسرة أثبتت صلاحيتها وكفاءتها منذ عهد آدم وحواء عليهما السلام، فحرصت عليها الأديان والشرائع، وحمتها وقوتها ورعتها من كل جانب، لأنها الأنسب لرعاية الإنسان وليدًا وطفلاً وشابًا وكهلاً وشيخًا، فحرمت الشريعة الزنا واللواط صونا للأسرة، وأثبت حرمة البيوت، وحرمة النفوس، وأوجبت البر والصلة، وأحكام النكاح والرضاع والنفقة والولاية والوصاية وأحكام العدد والنسب والميراث وغيرها، فينشأ الطفل في الأسرة الشرعية محاطاً برعاية الأب والأم، ومن خلفهما الأجداد والجدات والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، فينشأ الطفل بينهم مطمئنا إلى البيئة التي ترعاه وتصونه بقلوبها وجوارحها، وتحنو عليه، وتفديه في صغره، وفي حالات ضعفه وأزماته، خلافا للطفل الفاقد لأبويه أو أحدهما، وابن الزنا الذي لا يعرف أباه، فإن هؤلاء ينشأون في نكد وعسر من حياتهم، ولا تكاد تصلحهم دور الرعاية الاجتماعية مهما تهيأت أجواؤها وعظمت العناية بها. (1)
__________
(1) انظر: الآثار الاجتماعية والأخلاقية لتطبيق الاستنساخ في المجال البشري، لمحمد يتيم –المغرب-، (2/236)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م.(13/42)
3- خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان بيديه، ونفخ فيه من روحه وكرمه وخلقه في أحسن صورة وتقويم، والاستنساخ عبث بمراحل خلقه، فقد يعرضه لتشويه لصورته وخلقته، قال الله سبحانه وتعالى: { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } ]التغابن:3[، فقد تنشأ أخطاء أثناء تقنية الاستنساخ مما يولد عاهات وأمراضا، بل ربما قصد بعض من يجريها إيجاد تلك العاهات والأمراض لتنفيذ مآرب عدائية، وقد ينشأ بالاستنساخ جيل من المخلوقات ينشق عن الجنس البشري ، ويختلف عنه في الشكل والنفسية، فإن كان ذلك لا يسبب مشكلة في الحيوانات المستنسخة بالقضاء عليها، فإنه في البشر جد خطير ، وأكد تقرير لدراسة في علم الوراثة الطبيعية بما لا يدع مجالا للشك وجود حالات شذوذ جيني في بعض الحيوانات المستنسخة مما يقوي موت الطفل المستنسخ في مرحلة الرضاعة، هذا إن لم يكن مسخا أوبه عجز،وقد توصل فريق قادته الباحثة جيري يانج من جامعة «كونتكيت» أن تسع أبقار من عشر أبقار مستنسخة مصابة بخلل في الموروثات، خصوصا في الكوروموسومX ، أحد الكروموسومين اللذين يحددان جنس الجنين الوليد، فالأنثى تحمل الكروموسومين X X ، بينما يحمل الذكر الكروموسومين X Y، فقد وجد أن الكروموسوم الأنثوي X خامل في الأبقار المستنسخة، مما يعطل آلية عمل البروتينات، ويرافق ذلك نتائج مخيفة تهدد حياة الحيوان وبقاءه، تقول سيندي تيان- عضو الفريق الطبي-: (إن المختبرات السرية التي تسعى جاهدة لاستنساخ البشر تستخدم نفس طريقة استنساخ الحيوانات، ولكن هيهات، ونستطيع القول: إن 99% من الأجنة المستنسخة سيكون مآلها الفشل، وأل 1 % المتبقية سوف ترتفع فيها نسبة الوفيات مباشرة بعد الولادة بسبب المشاكل الجينية، والمشكلة عدم ضمان عمل كامل الجينات التي تقوم بتكوين الأنسجة وترميمها، ويمكن لهذه الجينات المعطوبة أن تؤدي إلى إجهاض الجنين المشوه،(13/43)
أو يعيش مع التشوهات التي تظهر على شكل عجز أو أمراض مزمنة، حيث تعيش نسبة ضئيلة من الحيوانات المستنسخة إلى مرحلة الولادة، وترتفع نسبة الوفيات في الأسابيع الأولى بسبب التشوهات). (1)
__________
(1) انظر: قنبلة الاستنساخ تنفجر في وجه العالم- زعماء العالم: (العلم بلا أخلاق)، مجلة الجزيرة، العدد 18، الثلاثاء 14/1/2003م، مقال للدكتور أحمد صابر، انظر على شبكة الإنترنت:
http://www.al-jazirah.com.sa/magazine/14012003/ab11.htm
وانظر: حول هندسة الوراثة وعلم الاستنساخ لمحمد صالح المحب ص 182-184.(13/44)
4- استنساخ البشر يؤدي إلى خلط الأنساب بل تجهيلها، والنسيخ لايعرف نسبه، فالمستنسخ من نواة الزوج وبويضة الزوجة ابن للزوجة بالولادة، وابن للزوج بالفراش، وأخ للزوج بيولوجيا بالبصمة الوراثية، ولا يورثه الزوج من صفاته الوراثية ما يورثه الآباء لأبنائهم عادة، ولا تشهد بصمة المستنسخ الوراثية بيولوجيا بأبوة الزوج، ولا تشهد بصمة المستنسخ الوراثية بيولوجيا بأمومة الزوجة، ولا تورثه الزوجة من صفاتها الوراثية ما يورثه الأمهات لأبنائهن وبناتهن عادة، والبصمة الوراثية لنطفة المستنسخ التي وضعت في رحم الزوجة من ماء أبي الزوج وأمه، فلا يعرف نسب المستنسخ ولا محارمه ولا قراباته ولا ميراثه، وإن كانت المستنسخة من نواة المرأة وبويضتها، فهي ابنتها بالولادة، وأخت لها بيولوجيا بالبصمة الوراثية، ولا تورثها المرأة من صفاتها الوراثية ما يورثه الأمهات لبناتهن عادة، وهذا أشنع من الزنا، لأنها فقدت نسبها من أمها وأبيها، فلا هي أم لها ببصمتها الوراثية بيولوجيا مع أنها ولدتها، كما قال تعالى : { إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ } ]المجادلة:2[، ولا هي أختها التوأم من أبوين، فيضيع الاستنساخ النسب والميراث والولاية والمحرمية والحضانة والحقوق وأحكام عديدة في الشريعة، قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } ]الفرقان:54[، وأشنع من ذلك إن كانت البويضة من امرأة والنواة من امرأة أخرى، وغرست المستنسخة في رحم ثالثة، فالبصمة الوراثية لا تثبت الأمومة البيولوجية لأي منهن ولا حتى للتي ولدتها، فلا واحدة منهن تورث المستنسخة شيئا مما يورثه الأمهات لبناتهن عادة.(13/45)
(1)
__________
(1) انظر: الاستنساخ، لمحمد المختار السلامي، (2/405)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م، والآثار الاجتماعية والأخلاقية لتطبيق الاستنساخ في المجال البشري، لمحمد يتيم –المغرب-، (2/240-241)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م، والاستنساخ جريمة العصر للدكتور محمد نبيل النشواتي ص63.(13/46)
5- التنوع والتمايز سنة الله في خلقه ليثري الحياة البشرية، والاستنساخ من شأنه الإتيان بنسخ مكررة من الإنسان، مما يحرم المنسوخين من التمايز والاختصاص والاختلاف عن الآخرين قال جل شأنه: { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعَالِمِينَ } ]الروم:22[، والتمايز بين البشر ضرورة للناس اقتضتها حكمة الباري سبحانه وتعالى، وشيوع الاستنساخ ينافي هذه الحكمة، فقد خلق الله تعالى بني آدم مختلفين في قدراتهم اختلافًا بينًا، وذلك أنفع لسير الحضارات وتقدمها، ولصلاح الشعوب والمجتمعات، وليقوم كل منهم بما يناسبه ويقدر عليها، ولتختلف آراؤهم وأفكارهم فلا يكونون نسخة واحدة مكررة، وهذا أنفع لعمارة الأرض، قال الله تعالى: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } ]الزخرف:32[، فخَلْق الكون قائم على التنوع، ويعبر القرآن الكريم بالفضل والمنة على العباد باختلاف الألوان، قال الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ - وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } ]فاطر:27-28[، ونقض التنوع وإبطاله بالنسخ المكررة يترتب عليه مفاسد كثيرة للبشر في حياتهم الصحية والاجتماعية، فالقطيع المستنسخ إذا أصيب واحد منها بالمرض فسرعان ما يصاب جميعُ المستنسخين بالداء، ويقضي(13/47)
عليهم دفعة واحدة، لأنهم وإن كانوا كثرة في العدد فهم بمثابة الواحد في التركيب، يصيبهم ما يصيب أحدهم من الداء. (1)
__________
(1) انظر: الاستنساخ والإنسان، لمحمد عدنان سالم المدير العام لدار الفكر، أحد أبحاث كتاب: الاستنساخ جدل العلم والدين والأخلاق ص222، والاستنساخ في ضوء الأصول والقواعد والمقاصد الشرعية، للدكتور نور الدين مختار الخادمي، ص120 .(13/48)
7- فقدان النسيخ نصف العلاقات الوالدية استغناء عن الرجال في الإخصاب، خلافاً لما كان عليه الأمر في الخلق منذ عهد آدم عليه السلام، ما عدا ما كان من شأن عيسى عليه السلام، فلو كثر الاستنساخ في المجتمعات لانحط عدد الرجال، وكثر عدد النساء، لأنهن يصبحن في غنى تام عن جنس الرجال، وذلك ضرر على البشرية والحضارة (1) ، فعن عن أَنَسِ - رضي الله عنه - قال: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سمعت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حتى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ" (2) ،
__________
(1) انظر: الاستنساخ بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، للدكتور شوقي زكريا الصالحي ص53.
(2) رواه البخاري في صحيحه (كتاب العلم-بَاب رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ1/43)، وفي (كتاب النكاح-بَاب يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ5/2005)، وفي(كتاب كِتَاب الأَشْرِبَةِ وقول اللَّهِ تَعَالَى: { إنما الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ من عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ]المائدة:90[ 5/2120)، وفي(كتاب المحاربين-بَاب إِثْمِ الزُّنَاةِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { ولا يَزْنُونَ } ]الفرقان:68[، { ولا تَقْرَبُوا الزنى إنه كان فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا } ]الإسراء:32[ 6/2496)، ومسلم في صحيحه (كتاب العلم- بَاب رَفْعِ الْعِلْمِ وَقَبْضِهِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَالْفِتَنِ في آخِرِ الزَّمَانِ4/256)، والترمذي في سننه (كتاب الفتن- بَاب ما جاء في أَشْرَاطِ السَّاعَةِ 4/491) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة في سننه (كتاب الفتن-باب أشراط الساعة 2/1343)، وأحمد في مسنده(3/98-120-202-273-289-)..(13/49)
واستغناء المرأة عن الزواج الشرعي لحصول الولد دون حاجة إلى أب له، والتحكم في مواليد المجتمعات تبعاً للمصالح والأهواء يؤدي إلى خلخلة اجتماعية ونفسية معقدة وعواقب وخيمة، قد تؤدي إلى تدمير المجتمع، فالله تعالى جعل كلاً من الذكر والأنثى سكناً للآخر، وجعل ذلك أساس بناء المجتمع، والنواميس الجارية في الخلق توازن أعداد الرجال والنساء، ولا يعرف البشر كيف تتحكم الإرادة الإلهية الكونية في أعداد الجنسين، ولله الحكمة البالغة، فإذا صارالأمر تبعًا لأهواء البشر فسدت الدنيا قال الله تعالى: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } ]المؤمنون:71[.(13/50)
8- ظن البعض أن الاستنساخ تخليق وتحدي لإرادة الخالق، وهذا وهم ظاهر، لأن النظر في الاستنساخ باعتباره من أفعال المكلفين لا مدخل له في العقيدة الإسلامية إلا إن كان تعاليا على الله، ولا ينقض الاستنساخ كون الله - جل جلاله - هو الخالق الباري المصور وحده، وليس في الاستنساخ مضاهاة لخلق الله، لأن إرادة الله الكونية لا يستطيع أن يتحدها أحد أو يخالفها (1) ،
__________
(1) انظر: الاستنساخ جريمة العصر للدكتور محمد نبيل النشواتي ص69-83، والاستنساخ في ميزان الشريعة الإسلامية، لمحمد سليمان الأشقر (2/327-332)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م..(13/51)
قال - جل جلاله - : { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ } ]الرحمن:33[، والاستنساخ لا يمثل خلقاً أو بعض خلق، قال الله - عز وجل - : { أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } ]الرعد:16[، وقال - عز وجل - : { نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ - أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ - أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ - نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ - عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ - وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ } ]الواقعة:57-62[ وقال - جل جلاله - : { أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ - وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ - الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ - أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ - إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ]يس:77-82[، وقال جل ذكره : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ - ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ - ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا(13/52)
الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } ]المؤمنون:12-14[، فالاستنساخ ليس خلقا أو بعض خلق، وغاية ما فيه أنه طريقة جديدة للتكاثر في البشر غير معهودة، والخلية المستنسخة والبويضة من خلق الله، ولم تكن معدومة وأوجدت، بل غايته التلقيح بصورة جديدة غير مألوفة، وجميع عمليات الانقسام الخلوي التي تتم داخل الخلية بالغة التعقيد لم يفهم العلماء الكثير منها حتى الآن. (1)
9- إن التكاثر بالتزاوج ارتقاء بالجنس البشري، لأنه يقوم على سنة انتخاب النسل الأقوى والأوفر حظاً في الصحة والجمال والقدرات العقلية، ويبدأ الانتخاب من اختيار كل من الزوجين شريكه من بين المئات والألوف من البشر، وعند الإخصاب يحصل التسابق بين ملايين الخلايا الذكرية لتلقيح الخلية الأنثوية، ويكون ذلك من حظ الأقوى والأسرع، أما التكاثر الاستنساخي إن أُتيح للناس فسوف يكون تابعاً لأهواء أصحاب القدرات المالية، القادرين على دفع التكاليف الباهظة، ولن يكون هناك انتخاب، بل صورة متطابقة تماما، ورجوع بالحياة البشرية إلى الحياة البدائية للكائنات الدنيئة، وردة بيولوجية تعود بنا إلى تكاثر البكتريا والأميبا, مما يسبب تشويها للثراء والتنوع البيولوجى وانتكاسة للجنس البشري. (2)
__________
(1) انظر: الاستنساخ في ضوء الأصول والقواعد والمقاصد الشرعية، للدكتور نور الدين مختار الخادمي، ص 68-73.
(2) انظر: الاستنساخ في ميزان الشريعة الإسلامية، لمحمد سليمان الأشقر(2/340)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م .(13/53)
10- الاستنساخ يلغي ذاتية الإنسان وهويته الشخصية التي يعلم بها وتميزه عن سائر الناس، كالأصل النادر من الكتاب بخط مؤلفه ليس له نظير، فتبقى له قيمته الذاتية، بخلاف النسخ المكررة من الكتاب مطبوع، إلا أن بعض المفكرين يرون أن العلاقة بين الأصل والنسيخ ليست إلا مساواة شكلية ظاهرية من جهة اللحم والدم، ويتمتع كل واحد من النسخ بذاتيته العقلية والفكرية والخُلُقية، لأنها وليدة خبرات وبيئة تحيط بالناشئ من مختلف الوجوه، واستنساخ العباقرة وهم كبير وخرافة علمية، لأن العبقرية سر من أسرار النفوس وكوامنها, وليس قابلا للنسخ ولا وجود له على الكروموسومات البشرية فلا يورث، كما لا تورث الأخلاقيات والنبل والعاطفة والسعادة والحزن والألم واللذة والأمل واليأس والذكريات، ومع ذلك فالتفرد في المظهر الجسدي يعطي الشخص هويته التي يعرف بها، فيمكن تحديد شخصه في المعاملات المدنية والجنايات والأمور الاجتماعية وغير ذلك، وقد قامت الأنظمة في العالم على تحمل كل إنسان مسؤولياته، واستحقاقه لحقوقه التي يحفظها له المجتمع، اعتمادا على تحقيق شخصيته، فلو أخذ الاستنساخ مجراه في البشر، ووجد من الشخص الواحد مئات من النسخ المتطابقة، أصبح من العسير تحديد محل الحقوق والواجبات، فبصمة أصابع اليد أداة لتحديد شخصية الإنسان منذ آماد طويلة، وشيوع الاستنساخ سيفقدها قيمتها، واتحاد البصمة الوراثية بين النسيخ والأصل سيؤدي إلى تكثير الجريمة وانتشار الفساد وتضييع الحقوق، حيث يصعب التعرف على الجاني لتطابق بصمات الأصابع والحمض النووي الدالين على شخصية الجاني، كما سيلتبس على الشهود التفريق بين الجاني ونسيخه، وقد لا تعرف المرأة -حديثة الزواج -زوجها من شبيهه المستنسخ، يقول ابن تيمية: (ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعا بل ولا مباحا، وإنما يكون مشروعا إذا غلبت مصلحته على مفسدته، أما إذا غلبت مفسدته فإنه لا يكون مشروعا، بل محظورا وإن(13/54)
حصل به بعض الفائدة) (1) ، وتساوي الناس وتطابقهم في الصفات والخصائص لا مصلحة فيه، فالقصد إليه غير معتبر شرعا، وكلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، فتخرج الوسيلة باقترانها بهذا المقصد من الإباحة الأصلية المقررة للوسائل في حال التجرد إلى الحظر اعتبارا لما اقترنت به من قصد غير معتبر ولا مشروع. (2)
11- الاستنساخ سبب لشيوع الفاحشة والرذيلة، فقد ترغب النساء في الحصول على طفل طبق الأصل من رجل متميز كلاعب أوفنان بالحصول على خلية منه للتخصيب، كما هو حاصل في بنوك العباقرة في الغرب، والتلاعب بالجينات والخلايا والأجنة حسب الرغبات والأهواء سيجعلها مجالا للكسب والتجارة، ويجعل الإنسان مسخا ممتهن الكرامة، وستنتشر تجارة بيع البويضات واستئجار الأرحام، وتُأسس بنوك لجمع وتجميد البويضات لزرعها أواستنساخها بقصد توفيرها للراغبين في الإنجاب، وتُوضع البويضات المستنسخة والملقحة في أرحام نساء أخريات غير المتبرعة بها أوالمأخوذة منها، وتستنسخ أطفال من مبايض جثث فتيات شابات توفين فجأة أو بحادث، وستتسابق الدول لاستنساخ أفراد بصفات معينة تمهيدا للحروب، وتعتبر هؤلاء المستنسخين أسلحة لتهديد الشعوب بقدراتهم، ويتوقع علماء النفس أن يكون للاستنساخ أضرار نفسية جسيمة، ولاسيما إذا عَلِم النسيخ أنه إنما أتى إلى الوجود ليكون مستودع قطع غيار لإنسان آخر، وكونه طفلا نسخةً سيكون مضطرب العلاقة مع أقرانه،لأنه حالة شاذة يجب الحذر منها،حيث يتوقع منه سلوكيات غير معتادة،
__________
(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (27/177).
(2) انظر: الفروق للقرافي(2/33).(13/55)
بسبب تركيبته الوراثية وفقده الوسط الأسري المعتاد. (1)
__________
(1) انظر: الآثار النفسية المرتقبة من عملية الاستنساخ البشري، للدكتور اركيبي الوفي استشاري الطب النفسي، المغرب (2/247)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م، وانظر: الآثار الاجتماعية والأخلاقية لتطبيق الاستنساخ في المجال البشري، لمحمد يتيم –المغرب-، (2/240-241)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م.(13/56)
12- مازال الاستنساخ عملية فاشلة، والتجارب على البقر أظهرت أن 40% منها غير قابل للبقاء في مرحلة الجنين لفساد تركيبها، وماتت النعجة دولي الشهيرة بسرعة بعد أن ظهرت عليها علامات الشيخوخة قبل أوانها، ويؤكد معهد الأبحاث الاسكتلندي الذي قام باستنساخ النعجة أنه اتخذ قرارا بإنهاء حياة النعجة دوللي المريضة التي بلغ عمرها ست سنوات، بأسلوب القتل الرحيم بعد أن أظهرت الفحوص البيطرية أنها مصابة بمرض صدري في حالة متدهورة، خلافا للمولود الطبيعي بعملية جنسية، لأن كروموسومات الخلايا الجنسية لا ينقص طولها، ولا تفقد ذنبها المسمي بـ(تلومار)، بينما الخلايا الجسدية العادية تنقص خيوطها الصبغية بكثرة الانقسام، ويشيخ الجسد بشيخوخة الخلايا حتى يأتي الموت، لكن المولود بالطريقة الجنسية الطبيعية من شيخ كبير، تكون جميع خلايا طفله جديدة لا يمسها شيء من الشيخوخة، خلافا للمستنسخ فتكون خلاياه مهترئة، وجيناته الوراثية مضطربة، وعمر خلاياه الافتراضي عمر الشخص الذي أخذت منه النواة، يقول البروفسور إيان ويلموت مستنسخ النعجة دولي: (إن عمر دوللي اليوم ليس ثلاث سنوات، بل تسع سنوات إذ ينبغي أن يضاف إلى عمرها الفعلي عمر النعجة البالغة من العمر ست سنوات التي أخذ منها الخلية). (1)
__________
(1) انظر: الاستنساخ بين الدين والعلم للدكتور عبد اللطيف ياسين ص 168، والاستنساخ جريمة العصر للدكتور محمد نبيل النشواتي ص62.(13/57)
13- إن هدف الرائليين من الاستنساخ تحقيق الخلود، وهي فكرة إبليسية يغوي بها الشيطان ابن آدم ليعصي الله - جل جلاله - ، قال تعالى : { فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى } ]طه:120[، والإنسان مغرم بطول البقاء، قال الله تعالى: { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ } ]الأعراف:20[، فاستغل الشيطان ميل آدم وحواء إلى الخلود ليغويهما عن أمر الله تعالى، وقد حاول طواغيت الفراعنة الوصول إلى الخلود بالتماثيل والأصنام والتحنيط، وفراعنة عصر الاستنساخ يرون فيه وسيلة للبقاء والخلود، ليبقوا أحياء يمشون بين الناس، ضمن النسخ التي تؤخذ من أجسادهم، وتنمو في الأرحام مستأجرة، والشريعة تؤكد أنه لا خلود حتى في ظل الاستنساخ وأنه لا مناص من الموت، قال جل ذكره: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } ]الزمر:30[، وقال تعالى: { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ } ]المؤمنون:15[. (1)
__________
(1) انظر: (علماء من كوكب آخر صنعوا الحياة على الأرض باستخدام الحمض النووي) موقع الرائليين على شبكة الإنترنت:
http://ar.rael.org/rael_content/index.php(13/58)
14- من أهم مقاصد الاستنساخ جعل أعضاء المستنسخ قطع غيار لمن استنسخ منه، وهذا امتهان لكرامة الإنسان وإسفاف به، ولاسيما إذا أصبحت الأعضاء البشرية من عروض التجارة، يقول ريتشارد بلاك المراسل العلمي للـ B.B.C : (إن معظم الباحثين يشككون في قدرة شركة كلونيد على استنساخ طفل بشري، والشركة تعتزم الحصول على مبلغ 200 ألف دولار على كل طفل مستنسخ، وتلك هي الحقيقة الوحيدة في هذا الموضوع، التي تؤكد عدم أخلاقية التطبيقات العلمية للعلوم والتطور التكنولوجي، حيث تكون الغاية الأولى والأخيرة هي جني الأموال الطائلة، لتحقيق الثراء السريع على حساب القيم والمعايير الأخلاقية، ويكون الإنسان وأعضاؤه السلعة الرخيصة). (1)
15- الحقيقة العلمية تؤكد أن استنساخ العقيم بسبب خلل وراثي لن يثمر إلا عن نسل عقيم يعاني نفس العلة، مما يعني احتياج النسيخ إلى الاستنساخ للإنجاب. (2)
__________
(1) انظر: الاستنساخ البشري، نموذج لتشييء الإنسان في عالم رأس المال، شبكة النبأ المعلوماتية - الخميس: 2/1/2003 –
http://www.annabaa.org/nbanews/14/61.htm 28/ شوال/1423، الموقع على شبكة الإنترنت:
(2) انظر: الاستنساخ والإنجاب بين تجريب العلماء وتشريع السماء للدكتور كارم السيد غنيم ص 156.(13/59)
16- الاستنساخ تلاعب وعبث في المورثات الجينية للإنسان للوصول إلى الإنسان المستنسخ، وهذا تغيير لخلق الله وهو من عمل الشيطان، قال تعالى حكاية عن قول إبليس: { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } ]النساء:119.[ (1)
الأحكام الشرعية لاستنساخ الجنس البشري: (2)
تنقسم الأحكام الشرعية لأفعال العباد إلى قسمين:
1- أحكام تكليفية: من حل أو حرمة أو كراهة أو استحباب أو وجوب.
2- أحكام وضعية: وهي الآثار التي يستتبعها الاستنساخ من سبب أومانع أوشرط.
القسم الأول: الحكم التكليفي للاستنساخ: الاستنساخ كما تقدّم، نوعان:
الأول: الاستنساخ الجنيني بالتشطير.
الثاني: الاستنساخ من خلية جسدية (بالنقل النووي).
أولا: الحكم التكليفي للاستنساخ الجنيني بالتشطير:
__________
(1) انظر: الاستنساخ بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، للدكتور شوقي زكريا الصالحي ص54، وانظر: رسالة من رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة إلى حكومات العالم وشعوبه ومنظماته والمراجع الدينية والثقافية الدولية بشأن عمليات الاستنساخ البشري، أ0د0 عبدالله بن عبدالمحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، انظر البيان على موقع رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة على شبكة الإنترنت:
http://www.muslimworldleague.org/html/tasreehaat/t14231112_1.htm.
(2) انظر: الاستنساخ في ميزان الشريعة الإسلامية، لمحمد سليمان الأشقر (2/343)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م .(13/60)
إن توليد التوائم بفصل الجنين في أيامه الأولى -طور الخليتين أو الأربع أو الثماني- لتكون كل خلية منها جنينًا مستقلاً، أمر شبيه بأطفال الأنابيب، إلا أن الطفل سيكون مطابقًا لسائر الأطفال الذين أصلهم من خلية واحدة، فيكونون توائم، وفي الوضع الطبيعي للتوائم يكون حملهم في فترة حمل واحدة، أما في الاستنساخ فمن الممكن أن يختلف زمان حملهم، فيكونون توائم، لكن بعضهم أكبر سنًا من بعض بسنة أو سنوات.
القول الأول : تحريم الاستنساخ بالتشطير للجنس البشري وعليه جمهور العلماء المعاصرين وقرار مجمع البحوث الإسلامية بمصر (1) وقرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة وجاء فيه: (تحريم الاستنساخ البشري بطريقتيه المذكورتين أو بأي طريقة أخرى تؤدي إلى التكاثر البشري). (2)
كما ذهب بعض الأطباء إلى أن ترك الأجنة الفائضة للموت محرم، وأن ذلك يؤدي إلى تحريم الاستنساخ بالتشطير قطعًا وبكل وجه، لأنه لا يمكن إجراء هذه العملية إلا ويفيض أجنة تترك للموت، واعتبره أحد الأطباء نوعا من الوأد، وإن لم تترك للموت وزرعت في أرحام نساء أخريات فذلك محرم قطعا. ويرد: بأن الشرع لم يجعل للبويضة الملقحة أية حرمة إلا بعد العلوق بجدار الرحم، إلا حرمة أن تغرس في رحم امرأة غير الزوجة.
__________
(1) انظر: مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر حسم القضية: تحريم إسلامي قاطع للاستنساخ البشري، الوعي الإسلامي، مجلة إسلامية شهرية جامعة تصدر عن وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت، العدد رقم: 493، التاريخ: 23/12/2006م، انظر موقع مجلة الوعي الإسلامي الكويتية على شبكة الإنترنت:
http://alwaei.com/topics/view/article.php?sdd=80&issue=448.
(2) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد العاشر (3/421)، مع أن المجمع أجاز التلقيح الاصطناعي بين الزوجين (أطفال الأنابيب)، في قرار رقم : 16 (4/3)، مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الثالث (1/423).(13/61)
القول الثاني : جواز استنساخ التشطير وقال به بعض الحاضرين في ندوة الاستنساخ للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية (1) ، وقرار اللجنة الطبية الفقهية بالأردن (2) ، وجاء في ملخص الحكم الشرعي للاستنساخ الجنيني البشري للجنة الطبية الفقهية بالأردن: (فصل الخلايا من البويضة الملقحة بعد الانقسام الأول أو الثاني أو الثالث أو بعد ذلك بقصد استعمالها لإحداث الحمل في فترة الزوجية جائز شرعاً، وتحكمه القواعد ذاتها التي تحكم موضوع التلقيح الاصطناعي الخارجي ( طفل الأنابيب- ( In-Vitor-Fertilization (IVF)، وقد وافق الفقهاء الحضور على ذلك، وتحفظ كل من الشيخ الدكتور راجح الكردي والشيخ الدكتور عبد الناصر أبو البصل، وكان رأيهما أن الاستنساخ الجنيني بالتشطير غير جائز إلا في حالة امرأة لديها مشكلة في ثبات الحمل، فيجوز حينئذ الاستنساخ بالتشطير، فينطبق على الاستنساخ التشطيري حكم الحمل بطريقة أطفال الأنابيب. ويكون محرما إذا كان في العلاقة طرف ثالث غير الزوجين، سواء كان منيًا أو بويضة أو رحمًا، وجائز ضمن الضوابط التالية:
1 – أن يكون ذلك بين الزوجين، بأن تكون الخلية مخصبة بماء الزوج، وأن تزرع في رحم الزوجة صاحبة البويضة.
2 – أن يكون ذلك أثناء قيام الزوجية، وليس بعد الانفصال بفرقة في الحياة أو بالموت.
3 – أن تراعى الضمانات الكافية لمنع اختلاط الأنساب.
4 – أن يكون ذلك بموافقة الزوج والزوجة وعلمهما.
__________
(1) توصيات ندوة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة ثبت كامل لأعمال الندوة الحادية عشرة" الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني- رؤية إسلامية" تحرير د/أحمد رجائي الجندي (2/509) .
(2) انظر: قضايا طبية معاصرة (2/173) ، والفقهاء الموافقون محمد سليمان الأشقر ومحمد شبير وعمر الأشقر وهمام سعيد وفضل عباس.(13/62)
5– أن تترك الأجنة الفائضة للفناء بمجرد انتهاء الحاجة إليها أو انفصال الزوجين، أو رغبتهما أو رغبة أحدهما في التخلص منها، أو وفاة أحدهما أو كليهما.
7- اللجوء إلى الاستنساخ التشطيري عند الحاجة الماسة أو الضرورة فقط). (1)
وجاء في البيان الختامي لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" الصادرة عن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية المنعقدة في الدار البيضاء في صفر1418هـ يونيو 1997م في شأن استنساخ الجنين البشري: (ترى الندوة أن الطريقة من حيث مبدأ التلقيح سليمة، لكن تقويمها من ناحية النفع والضرر لا يزال في حوزة المستقبل، ومن منافعها القريبة المنال إمكان تطبيق الوسائل التشخيصية على أحد الجنينين أوخلايا منه، فإن بانت سلامته سمح أن يودع الحمل الرحم، وكذلك التغلب على مشاكل العقم، وينطبق عليها جميع الضوابط المتعلقة بطفل الأنابيب). (2)
المناقشة :
استدل المانعون بالأدلة والاعتراضات التي تمنع الاستنساخ الجسدي، ورأوا أنها تأخذ نفس الحكم لكونها كالاستنساخ الجسدي من حيث الأصل، أما القائلون بجواز الاستنساخ بالتشطير فرأوا أنها تأخذ حكم التلقيح الصناعي الخارجي، لأنها بين الرجل وزوجه في ظل العلاقة الزوجية.
__________
(1) انظر: الاستنساخ في ميزان الشريعة الإسلامية، لمحمد سليمان الأشقر (2/344)، بحث مقدم للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لندوة: "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" المنعقدة في الدار البيضاء 14-17/6/1997م .
(2) توصيات ندوة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة ثبت كامل لأعمال الندوة الحادية عشرة" الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني- رؤية إسلامية" تحرير د/أحمد رجائي الجندي (2/509-510) .(13/63)
أدلة المانعين: (1)
1- قاعدة: يتحمل الضرر الخاص في مقابلة الضرر العام (2) ، فالمصلحة الجزئية لحالات محدودة ممن ابتلوا بالعقم لا تعارض المفاسد المترتبة على فتح أبواب الاستنساخ بالتشطير، واحتمال اختلاط الأنساب والعبث بالخلايا في زمان ضعفت فيه الأمانة، فمن باب سد الذرائع يمنع الاستنساخ بالتشطير .
2- لا يجوز العبث بنطفة الإنسان أوالمساس بها لحرمتها. (3)
3- المحاذير الواردة في الاستنساخ بالخلية الجسدية أكثرها موجود في الاستنساخ الجنيني .
الترجيح: الظاهر جواز الاستنساخ الجنيني بالتشطير عند الحاجة الماسة أو الضرورة، كما هو الشأن في علاج مشاكل العقم، فالطريقة من حيث المبدأ الشرعي سليمة، أما العبث في النطفة دون حاجة أو رغبة في الحصول على أجنة متشابهة لا يجوز، لأن التلقيح الصناعي جوازه مرتبط بالضرورة، والأصل في الأبضاع التحريم، والضرورة تقدر بقدرها، فلا يتوسع في استباحة المحظور.
ثانيًا: الحكم التكليفي للاستنساخ من خلية جسدية (بالنقل النووي):
__________
(1) انظر: بحث الاستنساخ، للدكتور عبد الرشيد قاسم، على موقع الإسلام اليوم- بحوث ودراسات- دراسات علمية- الاستنساخ، 25/10/1425هـ - 08/12/2004م، الموقع على شبكة الإنترنت:
http://www.islamtoday.net/questions/show_articles_content.cfm?id=71&catid=73&artid=4757
(2) انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 87، النظريات الفقهية للزحيلي ص 226.
(3) انظر: دراسات فقهية في قضا